صورة Andrew Murray

Andrew Murray — السيرة والكتب

1828–1917·6 كتب

إن ابنكما قد وُلد ثانيةً… لقد ألقيتُ بنفسي على المسيح.
أندرو موراي، في رسالة إلى والديه من أوترخت
جديد على Andrew Murray؟ ابدأ بـ المخدع كل الأعمال · قراءة 10 س

وُلد أندرو موراي في 9 مايو 1828 في غراف-رينيت، وهي بلدة حدودية مغبرّة في مستعمرة الكاب، في بيت كانت الصلاة قد أشبعته من قبل. كان أبوه قسيسًا اسكتلنديًا أرسلته كنيسة اسكتلندا، وكانت له عادة راسخة أن يقرأ على أسرته أخبار النهضات، وأن يتضرّع أسبوعًا بعد أسبوع أن يسكب الله روحه على جنوب أفريقيا. نشأ أندرو وهو يسمع تلك الطلبات عند مذبح العائلة، ومع أن الجواب تأخّر طويلًا، فإنه جاء على يد الابن الذي كان يجثو إلى جانب ذلك الأب. أما أمه، ماريا سوزانا شتيغمان، فكانت ترجع بنسبها إلى لاجئين هوغونوت فرنسيين ولوثريين ألمان، حتى جرت في عروق الصبي ذكرى شعبين تألّما من أجل إيمانهما.

صبيّ أُرسل عبر البحر

في العاشرة من عمره، في يوليو 1838، أُرسل أندرو وأخوه الأكبر جون عبر المحيط إلى اسكتلندا ليتلقّيا تعليمهما في أبردين، فقطعا الرحلة الطويلة في رعاية القس جيمس آرتشبل وزوجته، ونزلا عند عمّهما القس جون موراي الذي أشرف على تنشئتهما. ولم يكن أمرًا هيّنًا أن يوضع صبيّان صغيران في سفينة إلى نصف الكرة الآخر فلا يُريان سنين، وقد ضغط الفراق عليهما. غير أن اسكتلندا أعطت بقدر ما أخذت. ففي ربيع 1840 جاء المنادي بالنهضة وليم ك. بيرنز إلى أبردين، فرأى الصبيّان عن كثب رجلًا كانت كرازته وطريقة حياته كلها مُسلَّمة لله؛ وصار الأثر الذي تركه بيرنز في أندرو الفتى واحدًا من التأثيرات التي صاغت حياته. وقد جرف الأخوين تيّار اليقظات الإنجيلية التي كانت تهزّ تلك البلاد آنذاك، فتنفّسا الهواء ذاته الذي تنفّسه رجال مثل روبرت موراي مكشين وهوراشيوس بونار، ونالا كلاهما شهادتيهما من كلية مارِشال في أبردين سنة 1845. ومن هناك مضيا إلى جامعة أوترخت في هولندا لدراسة اللاهوت، فانضمّا إلى «هيت ريفيل»، وهي حركة نهضة بروتستانتية وقفت في وجه العقلانية الباردة في الكنيسة الهولندية، وأعلَت شأن الاهتداء والتقوى الباطنة والدين الاختباري.

وعلى الرغم من نشأته التقيّة كلها، لم يكن موراي يتّكل على تديّنه الخاص. فبحسب روايته هو، كان قد قصد الخدمة أول الأمر بوصفها مهنة محترمة، لا عمل إيمان. وفي سنوات أوترخت بلغ إيمانه هو يقينًا مستقرًّا، فكتب إلى أهله عن هذا التغيير ببساطة رجل يعرف الفرق بين عقيدة موروثة وتسليم شخصي.

إن ابنكما قد وُلد ثانيةً… لقد ألقيتُ بنفسي على المسيح.

— أندرو موراي، في رسالة إلى والديه من أوترخت

وكان التغيير أعمق من قرار واحد؛ فقد صار عطشًا مدى الحياة إلى حضرة الله، عبّرت عنه صلاته هو: ألّا تمضي لحظة واحدة من حياتي خارج نور الله ومحبته وفرح حضرته. وفي 9 مايو 1848، يوم بلغ العشرين، رُسم هو وأخوه على يد لجنة لاهاي في الكنيسة الإصلاحية الهولندية، ثم ولّيا وجهيهما شطر أفريقيا عائدَين إلى الوطن.

خدمة على صهوة الفرس

كانت أول رعية له بلومفونتين، وهي رعية أشبه بإقليم منها ببلدة — نحو مئة ألف ميل مربّع تمتدّ إلى ما وراء نهرَي أورانج وفال. ولمّا تولّاها سنة 1849 وهو بالكاد في الحادية والعشرين، صار أول قسيس مقيم شمالي نهر أورانج، مسؤولًا عن جماعات الفورتريكرز المتفرّقة على مسافات هائلة لا طرق فيها. كان يمتطي جواده أسابيع متّصلة ليبلغ مزارع منعزلة، فيعمّد ويعلّم التعليم المسيحي ويزوّج ويدفن ويكرز لأناس قد لا يرون قسيسًا مرة أخرى طوال سنة؛ وفي فترة سنتين متتاليتين عمّد أكثر من ستمئة طفل. وقد صار الفورتريكرز يأتمنون القسيس الشاب على ما هو أكثر من نفوسهم، فوقف إلى جانبهم صديقًا ووسيطًا في مفاوضاتهم على التحرر من الحكم البريطاني. كانت خدمة السرج والفلاة المفتوحة، وعلّمته باكرًا أن العمل عمل الله لا عمله هو.

وفي 2 يوليو 1856 تزوّج إيما رذرفورد في كيب تاون، زواجًا عميق المودّة دائمها، رزقهما أحد عشر ولدًا عاش تسعة منهم إلى سنّ الرشد. ثم جاءت سنة 1860 مِفصل حياته. فقد قبل موراي دعوة إلى ووستر، وهناك مشى رأسًا إلى جواب صلوات أبيه التي دامت عقودًا.

نهضة سنة 1860

لم تبدأ نهضة سنة 1860 بموراي. ففي مزرعة قرب ووستر، كانت حفنة من المؤمنين تجتمع أسبوعيًا منذ شهور، تتضرّع لأجل سكب الروح؛ وقد ثقُل الحمل على امرأة منهم حتى صلّت أسبوعًا كاملًا بلا انقطاع تقريبًا. ولمّا حلّ الروح، حلّ بقوة قلبت كل الأصول المرعيّة في خدمة الكنيسة الإصلاحية الهولندية. وكان موراي نفسه يترأس أحد تلك الاجتماعات، فأعطى تعليماته الدقيقة ودعا الناس أن يصلّوا واحدًا بعد واحد — فإذا بالجماعة كلها تنفجر دفعةً واحدة في صلاة باكية متزامنة تطلب الرحمة. ولمّا حاول موراي أن يعيد النظام، قال له أحد المزارعين صراحةً أن يتنحّى: فما من إنسان يستطيع أن يقيم سدًّا حول ما يصنعه الله. وكان درسًا أخذه القسيس الشاب المنظَّم الحذر إلى قلبه. فتعلّم أن يُرخي قبضته على الأعنّة، واستخدمه الله ليرعى يقظةً ما كان ليصنعها بيده ولم يجرؤ على إطفائها.

ومن تلك النهضة خرج موراي الكاتب. فرعايته الأبوية لسيل المهتدين الجدد، وخوفه أن تبرد محبتهم الأولى فتستحيل رسميّات، دفعاه إلى كتابة اثبتوا في المسيح — بالهولندية أولًا بعنوان Blijf in Jezus — وبه وجد العرق الذي ظلّ يعمل فيه بقية حياته. ومن ووستر انتقل إلى الكنيسة الكبرى في كيب تاون سنة 1864، فوقف هناك في وجه المدّ الصاعد لليبرالية اللاهوتية، ثم إلى ويلينجتون سنة 1871، حيث استقرّ أطول مواسم خدمته وأخصبها، خمسة وثلاثين عامًا في منبر واحد.

ويلينجتون ورؤيا تتّسع

صارت ويلينجتون مشتل رؤياه الأوسع. وقد عرفت كنيسته قدره: فستّ مرات على مدى السنين دعته الكنيسة الإصلاحية الهولندية في جنوب أفريقيا ليخدم رئيسًا لمجمعها، وقلّ من فعل أكثر منه في تحويل ذلك الجسد المنكفئ على ذاته إلى كنيسة إرسالية. وإذ آمن بأن على الكنيسة أن تلتفت إلى الخارج، جهد في تأسيس مؤسسات تبقى من بعده. ففي سنة 1874، مستوحيًا العمل الرائد للمربّية الأمريكية ماري ليون، أنشأ معهد الهوغونوت لتعليم النساء تعليمًا مسيحيًا، مستقدمًا معلّماته من أمريكا؛ وإذ تأصّلت المدرسة في الصلاة، نمت لتصير كلية الهوغونوت الجامعية، وهي حيّة إلى اليوم باسم كلية الهوغونوت، لا تزال تُعِدّ العاملين المسيحيين والقادة الاجتماعيين. وبوصفه عضوًا في لجنة الإرساليات الخارجية في كنيسته، جمع الأموال لتأسيس ثلاث جمعيات في ويلينجتون سنة 1877 — اتحاد القسوس الإرسالي، واتحاد الكتاب المقدس والصلاة، ورابطة إرسالية العلمانيين — وفي سنة 1889، مع مارثا أوزبورن وسبنسر والتون، أسهم في تكوين إرسالية جنوب أفريقيا العامة، وهو عمل بقي بعدهم جميعًا، فصار زمالة أفريقيا الإنجيلية سنة 1965، واندمج في «سِم إنترناشونال» سنة 1998.

ولم يستَرِح قلمه قط. فقد أنتج في النهاية أكثر من 240 كتابًا وشهادةً وعظة — عن الصلاة قبل كل موضوع سواها، ولكن أيضًا عن الاعتراف بالخطية، وعن معرفة مشيئة الله، وعن الشركة اليومية مع الله، وعن الظفر المسيحي — كتبها بالإنجليزية والهولندية، وتُرجمت إلى أكثر من خمس عشرة لغة، حتى صارت تقواه الأفريكانية الهادئة تُقرأ في كل قارّة. وقد نبت أفضل ما كتب من عين الواعظ التي تلتقط الصورة الحيّة. ففي صيف 1898 حصل على جذل كرمة بنّي اللون، ومن تأمّل طويل فيه كتب سرّ الكرمة الحقيقية، وأهداه إلى المسيحيين المجاهدين في أنحاء العالم؛ ولمّا صدر الكتاب كان الجذل العتيق قد علّمه درسًا آخر، فكتب بعده ثمر الكرمة.

إن التواضع، وهو موضع الاتّكال الكلّي على الله، هو بحسب طبيعة الأمور نفسها أول واجبات المخلوق وأسمى فضائله، وأصل كل فضيلة.

— أندرو موراي، التواضع

التجارب وسنوات الصمت

ولم يُعفَ إيمانه من تجاربه، ولم يتظاهر بغير ذلك. ففي سنة 1879 خانته حنجرته؛ فقد صوته ودخل فيما سمّاه «سنوات الصمت»، سنتين لم يستطع فيهما الواعظ أن يعظ. بل صارت الكتابة نفسها مشقّة، فأملى تأمّلاته على زوجته وابنته — وكان في ختام كل تأمّل يطبق يديه ويغمض عينيه ويصلّي السطور الأخيرة بصوت مسموع قبل أن تُدوَّن، فكانت كتبه تنتهي حيث ينتهي قلبه: في الصلاة. وقد التمس الذين يعلّمون لاهوت الشفاء الإلهي، فسافر سنة 1882 إلى بيت إيمان في لندن، وعاد منه مقتنعًا بأن الشفاء داخل في عمل المسيح الفدائي، ومردودًا إلى منبره. ومع ذلك لم يجعل شفاءه قط عصًا يضرب بها المرضى، ولا رفضًا للعناية المعتادة. ثم في سنة 1893 تركه حادث عربة في ناتال بظهر مصاب على الدوام وقامة منحنية؛ وفي عقوده الأخيرة كان كثيرًا ما يعظ جالسًا، شيخًا منطويًا على علّته لكنها لم تُسكته.

ومن أحد مواسم الألم تلك ترك للكنيسة أحبّ كلمة مشورة عنده. ففي سنة 1895، وهو يستريح في بيت صديق في ويمبلدون، يعاني ألمًا جسديًا، وقد لسعته في الليلة السابقة رسالة لاذعة تهاجم تعليمه، تناول القلم وكتب كلمات لا للنشر، بل لنفسه هو.

أولًا، هو الذي أتى بي إلى هنا؛ فبمشيئته أنا في هذا المضيق، وفي هذه الحقيقة أستريح. ثم، هو يحفظني هنا في محبته، ويعطيني نعمة لأسلك كابنٍ له. ثم، هو يجعل التجربة بركة، فيعلّمني الدروس التي قصد أن أتعلّمها، ويعمل فيّ النعمة التي عزم أن يمنحها. وأخيرًا، في وقته الصالح يقدر أن يخرجني ثانية — كيف ومتى، فهو يعلم.

— أندرو موراي، «في وقت الضيق قُل»، كُتبت في ويمبلدون، 1895

المخدع

والعادة الكامنة تحت هذا كله كانت الصلاة. فموراي — الذي دعاه بعضهم أبرز تلميذ في مدرسة الصلاة عند المسيح — علّم أن الصلاة هي في آنٍ واحد أبسط ما يستطيع طفل أن يفعله، وأعلى عمل يرتفع إليه الإنسان؛ وقد عمل بما علّم، فحرس «المخدع» الخفيّ للصلاة السرّية بوصفه الينبوع الذي يتدفّق منه كل شيء آخر. كان ينهض ليلاقي الله قبل أن يلاقي الناس، وكان ينصح غيره بأن تعرف كيف تكلّم الله أعظم من أن تعرف كيف تكلّم الإنسان.

مع أن الصلاة في بداياتها من البساطة بحيث يقدر الطفل الضعيف أن يصلّي، فهي في الوقت عينه أعلى عمل وأقدسه مما يرتفع إليه الإنسان.

— أندرو موراي، يا رب، علّمنا أن نصلّي

الإرث

مات أندرو موراي في ويلينجتون في 18 يناير 1917، في عامه التاسع والثمانين، وقد عاش بعد النهضة التي صنعته أكثر من نصف قرن، وترك للكنيسة رفًّا من الكتب لا تزال تعلّم المؤمنين الثبات والاتّضاع والصلاة. وقد امتدّ أثره إلى ما هو أبعد كثيرًا من طائفته: فقد نهل من تعليمه نهلًا عميقًا قرّاء متباينون كووتشمان ني في الصين وجيسي بِن-لويس في ويلز، وحملوه إلى حركات خاصة بهم. ولم يطلب قط أن يُذكر رجلًا عظيمًا؛ بل كانت كتاباته تلحّ بلا هوادة على النقيض: أن مجد المخلوق هو لا شيئيّته، وأن النفس المفرَّغة من ذاتها وحدها هي التي تدع الله حرًّا ليكون هو الكل. وتقوم له تماثيل في ويلينجتون وأمام الكنيسة الكبرى في كيب تاون، لكن النصب الأصدق هو ذاك الجاثي على ركبتيه، في أي مكان من العالم، يفتح واحدًا من كتب موراي الصغيرة فيتعلّم من جديد أن يقول: «يا رب، علّمنا أن نصلّي».