Charles H. Spurgeon — السيرة والكتب والعظات
1834–1892·1 كتاب·6 عظات
هناك وحينئذٍ زالت السحابة، وانقشعت الظلمة، وفي تلك اللحظة رأيت الشمس.
لقد دُعي تشارلز هادون سبرجن «أمير الوعّاظ»، ولمرّة واحدة لم يكن اللقب مبالغةً. فطوال ما يقارب أربعين سنة وقف أمام جماعات من خمسة آلاف وستة آلاف نفس في قلب لندن، من غير مكبّر للصوت، وأمسكها ساكنةً بالكرازة البسيطة بالمسيح مصلوبًا. كانت عظاته تُدوَّن بالاختزال، وتُطبع كل أسبوع، وتُحمل بالسفن إلى كل قارّة؛ وفي ختام حياته كان قد وعظ نحو عشرة ملايين إنسان، ونشر من الكلمات أكثر مما نشره أيّ كاتب مسيحيّ آخر في اللغة الإنجليزية. ومع ذلك فإنّ الرجل الذي وراء هذه الشهرة كان في الغالب راعيًا متألمًا مصلّيًا رقيق القلب، يصرّ على أنّ القوّة الحقيقية لخدمته لم تكن صوته هو البتّة، بل شعبه الجاثي على ركبه تحت المنبر.
صبيّ في الثلج
وُلد في 19 يونيو 1834 في كلفيدون بمقاطعة إسكس، في عائلة غنيّة أصلًا بخدمة الإنجيل؛ فقد كان أبوه، جون سبرجن، وجدّه، جيمس سبرجن، واعظَين من الكنيسة التجمّعية خدما ريف إنجلترا بأمانة. ولأنّ خدمة أبيه كانت كثيرًا ما تُبعده عن البيت، قضى الصبيّ شطرًا كبيرًا من طفولته في دار جدّه الرعوية في ستامبورن، وهو بيت مملوء بكتب البيوريتان القديمة. هناك أمضى الطفل ساعات لا تُحصى مع جون بنيان، وريتشارد باكستر، وجون أوين، وتوماس واطسون، وقد صاغ هؤلاء الكتّاب عقله مدى الحياة. نشأ وهو يحفظ عقائد النعمة عن ظهر قلب. أمّا ما لم يكن يعرفه بعدُ فهو المخلّص نفسه. فقد ظلّ أشهرًا، وهو فتى يافع، تحت بكيت عميق على الخطية، يتوق أن يعرف أنّه مغفور له حقًّا، ولا يجد سلامًا.
جاءت نقطة التحوّل في صباح أحدٍ مثلجٍ، في 6 يناير 1850، وكان في الخامسة عشرة. فقد صرفته عاصفة ثلجية عن الطريق الذي قصده، ودفعته إلى كنيسة صغيرة للميثوديين البدائيين في شارع أرتلري بمدينة كولشستر. ولم يصل الواعظ المعيَّن عبر الثلج، فصعد إلى المنبر رجل نحيل غير متعلّم — إسكافيّ أو خيّاط الحرفة — ليس لديه ما يقوله سوى نصّه الوحيد: «التفتوا إليّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض» (إشعياء 45: 22). وإذ ثبّت عينيه على الصبيّ البائس المنظر تحت الشرفة، صرخ: «أيّها الشابّ، انظر إلى يسوع المسيح. انظر! انظر! انظر!». وفي تلك اللحظة نظر سبرجن، فخلص.
هناك وحينئذٍ زالت السحابة، وانقشعت الظلمة، وفي تلك اللحظة رأيت الشمس.
— تشارلز سبرجن، عن اهتدائه
واعتمد في ذلك الربيع في نهر لارك، بعد أن صار، باقتناعه الفرِح، معمدانيًّا. وكان التغيير فوريًّا وتامًّا: فالصبيّ الذي طالما تصارع في الظلمة لم يعد يستطيع أن يصمت عن النور، ومن ذلك اليوم اشتعل شوقًا إلى المناداة بالرسالة التي خلّصته — أنّ الخلاص لا يأتي بجهاد بشريّ، بل بالإيمان بيسوع المسيح وحده.
الصبيّ الواعظ
من عجائب قصّته أنّ أمير المنبر الفكتوريّ هذا لم يدخل قطّ جامعةً ولا كليّة لاهوت. كان تعليمه متواضعًا — مدارس محليّة في إسكس وموسم في نيومركت — بينما كان إكليروس عصره المرموق يُصقل في أوكسفورد وكامبردج. أمّا الذي امتلكه سبرجن عوضًا عن ذلك فذاكرةٌ خارقة، وشهيّةٌ لا تُشبع للكتب، ومكتبةُ البيوريتان التي عرفها في صباه؛ فقبل أن يجاوز سنيّ المراهقة كان قد التهم من اللاهوت والتاريخ والأدب أكثر ممّا التهمه كثيرون من الرجال المرسومين. وأتمّ الباقيَ الدرسُ الشخصيّ، والانضباط الروحيّ، وموهبةٌ نادرة في صوغ الحقّ العميق في لغة حيّة عمليّة.
وفي غضون أشهر من اهتدائه كان يعلّم، ويوزّع الكرّاسات، وصار — في السادسة عشرة — يعظ في كنائس القرى حول كامبردج. وما زال في سنيّ المراهقة حتى صار راعيًا للكنيسة الصغيرة في ووترباتش، حيث ملأت كرازته المتّقدة المبنى سريعًا ونمت الجماعة نموًّا حثيثًا. ولم يكن لمواهبه أن تبقى خافية طويلًا. ففي سنة 1854، وهو ابن تسع عشرة سنة فقط، دُعي إلى كنيسة نيو بارك ستريت العريقة المتداعية في لندن. كانت الجماعة التي اجتمعت لتسمع فتى الريف المجهول قليلة؛ وفي غضون أسابيع لم يعد المكان يسع الجموع. فوسّعوا المبنى، ثم استأجروا قاعة إكستر، ثم قاعة سَري غاردنز الموسيقية الفسيحة، ومع ذلك كان الألوف يُردّون عن الأبواب. لم تكن لندن قد رأت مثل هذا قطّ: مراهق يعظ بالعقيدة الكالفينية القديمة لجموع غاصّة، بلغة تتابعها خادمة البيت ولا يجد فيها العالِم مأخذًا.
وفي سنة 1856، وسط هذه الزوبعة، تزوّج سوزانا، التي كانت محبّتها وإسنادها الثابت مرساةً له بقيّة حياته. ورُزق الزوجان بتوأمين، توماس وتشارلز الابن، وكلاهما تبع أباه يومًا إلى الخدمة المسيحية.
نار وظلمة
جلبت الشهرة تجارب مرّة. ففي مساء 19 أكتوبر 1856، بينما كان سبرجن يقود نحو عشرة آلاف نفس في الصلاة في قاعة سَري غاردنز الموسيقية، صرخ مشاغبون خبثاء: «حريق! الشرفات تنهار!». ولم يكن ثمّة حريق، لكن في التدافع نحو الأبواب سُحق سبعة أشخاص حتى الموت وأُصيب كثيرون غيرهم. وحُمل سبرجن، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة فقط، من المنبر «أقربَ إلى الميت منه إلى الحيّ»، وغرق في حزن ثقيل كاد ينهي خدمته. وظلّ بقيّة حياته يصارع كآبة متكرّرة، ولم يتظاهر يومًا بغير ذلك.
وصارت تلك الصراحة واحدة من أعظم عطاياه للكنيسة. كان يتكلّم علنًا عن «الكآبة بلا سبب» التي كانت تهبط عليه، وعزّى ألوفًا من رفاق الألم برفضه أن يُخفي كآبته هو. ولم يكن لاهوته في الألم سطحيًّا؛ بل طُرق في الأتون. وانتهى إلى الإيمان بأنّ ضيقاته — الكارثة، والافتراء، والنقرس الذي مزّق جسده فيما بعد — كانت هي عينها ما ساقه مرّة بعد مرّة إلى التشبّث بالمسيح، وجعل كرازته حانية على المنكسرين.
بيت القوّة
في سنة 1861 انتقلت الجماعة إلى الخيمة المتروبوليتانية المبنيّة حديثًا في نيوينغتون، وهي تسع نحو خمسة آلاف، وفيها ظلّ سبرجن يعظ ثلاثين سنة تالية. وكان الزوّار يأتون من أنحاء العالم ليدرسوا أساليبه، ظانّين أنّهم واجدون السرّ في بلاغته. لكنّ سبرجن كان يعلم غير ذلك. فكان ينزل بهم إلى القبو قبل الاجتماع، ويفتح بابًا على عدّة مئات من أعضاء كنيسته، جاثين يتضرّعون إلى الله من أجل الكرازة التي توشك أن تبدأ.
كان يؤمن بأنّ الصلاة عمل حقيقيّ ذو نتائج حقيقية، وكان يحثّ شعبه على أن يكدّوا فيها بكل قوّتهم.
الصلاة تشدّ الحبل في الأسفل، فيدوّي الجرس العظيم في العلاء في أذنَي الله. بعضهم بالكاد يحرّك الجرس، لأنّهم يصلّون بفتور؛ وآخرون لا يجذبون الحبل إلا جذبةً عارضة؛ أمّا الذي يظفر مع السماء فهو الرجل الذي يقبض على الحبل بجرأة ويشدّ بلا انقطاع بكل ما أوتي من قوّة.
— تشارلز سبرجن
وكان مرتبطًا بصلوات جماعته حتى إنّه قال لهم صريحًا إنّه لا يستطيع المضيّ من دونها.
ليعنّي الله إن كففتم عن الصلاة من أجلي! أعلموني باليوم، فلا بدّ أن أكفّ عن الوعظ.
— تشارلز سبرجن
إيمان يبني
لم تكن خدمة سبرجن محصورة يومًا في المنبر. ففي سنة 1856 أسّس كليّة الرعاة لتدريب وعّاظ يعوزهم — مثله — المال للتعليم النظاميّ، وكان يعلّم بنفسه ويعول عشرات الرجال الذين خرجوا ليغرسوا كنائس. وأطلق جمعية الكولبورتاج لحمل الكتب المسيحية إلى الفقراء، وأصدر المجلة الشهرية السيف والمِسطرين، وبذل نفسه في مئة عمل من أعمال الرحمة. وكان مقتنعًا بأنّ الإنجيل لا بدّ أن يغيّر النفوس والمجتمع معًا، ورفض أن يكرز بنعمة لا يمارسها.
ومن هذه الروح عينها، روح الصلاة والإيمان، وُلد ميتم ستوكويل. فإذ أحزنه حال الأطفال الأيتام، سأل سبرجن الله أن يأذن له بإغاثتهم — فجاء الجواب بطريقة ما كان له أن يدبّرها قطّ.
ولم يكن ليفصل الكرازة بالنعمة عن ممارستها. فالإيمان عينه الذي ملأ الخيمة هو الذي بنى الكليّة والميتم وبيوت العجزة، وفعل ذلك مرّة بعد مرّة استجابةً للصلاة.
الانحدار
كانت معركة سبرجن الكبرى الأخيرة من أجل حقّ الكتاب المقدّس نفسه. فقد آمن دائمًا بأنّ الكتاب المقدّس هو كلمة الله الموحى بها والمرجع الأخير للإيمان والحياة، وكانت كل عظة وعظ بها متأصّلة فيه. فلمّا فزع سنة 1887 من انجراف نحو الشكّ في الكتاب المقدّس وفي الكفّارة وفي حقيقة الدينونة عند بعض الخدّام المعمدانيين، دقّ ناقوس الخطر في سلسلة مقالات عُرفت بجدال «الانحدار». وآثر الانسحاب من الاتحاد المعمداني على المساومة، فوجّه إليه الاتحاد لومًا رسميًّا. كلّفه هذا الصراع صداقات، وعجّل — في ظنّ كثيرين — بأفوله. لكنّه حسب سلطان كلمة الله جديرًا بأيّ ثمن، فلم يتزحزح.
إلى البيت
أمّا جسده، الذي أنهكه النقرس والروماتيزم وداء برايت، فقد خار تحت وطأة كدّ العمر كلّه. ورعته بأمانة سوزانا حبيبته — وهي نفسها عليلة، كانت تدير من غرفة مرضها صندوق الكتب الذي وضع ألوف المجلدات اللاهوتية في أيدي رعاة أفقر من أن يشتروها — والتمس الراحة في هواء منتون الأدفأ على الريفييرا الفرنسية. وهناك، في 31 يناير 1892، وهو ابن سبع وخمسين سنة، مات. وناحت لندن عليه كما يُناح على أمير؛ ومرّ عشرات الألوف أمام نعشه، وكتابه المقدّس مفتوح عليه.
وخلّف وراءه أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة عظة منشورة — وهي إلى اليوم أكبر مجموعة أعمال لأيّ كاتب مسيحيّ — إلى جانب كتب محبوبة مثل صباح ومساء، وكنز داود، وكلّه نعمة، ومحاضرات إلى طلابي. وبعد أكثر من قرن تُقرأ بشغف لم يفتر، وقد تُرجمت إلى عشرات اللغات، لأنّ الذي كتبها لم يكرز بنفسه قطّ. بل كرز بالمسيح، وفعل ذلك على ركبتيه. ولوَدّ أمير الوعّاظ أن يُذكر أنّ تاجه كان عاريّة، وأنّ سرّ بيت القوّة مفتوح لكل من يشاء أن يمسك الحبل ويشدّ.