صرخة الغربان
Charles H. Spurgeon

عظة · قراءة 25 د· 1866

صرخة الغربان

صورة Charles H. Spurgeon Charles H. Spurgeon

النص

مزمور 147:9

باختصار

إن كان الله يقوت فراخ الغربان حين تنعب، أفيرفض نفسًا تصرخ إليه؟ يسوق سبرجن هذه الحجة على ستة أوجه، منبّهًا إلى أن الكتاب لا يذكر الحمامة بل الغراب، الطائر النجس الذي لا يعبأ به أحد، لكي لا يحتج أحد بسواده مانعًا يحرمه. وعلى الخوف من أن يصلّي المرء صلاة رديئة يجيب بالمسيح، الذي ينسخ العريضة الركيكة نسخة نظيفة ويوقّعها بنفسه.

«ٱلْمُعْطِي لِلْبَهَائِمِ طَعَامَهَا، لِفِرَاخِ ٱلْغِرْبَانِ ٱلَّتِي تَصْرُخُ». مزمور 147:9.

سأفتتح هذه العظة باقتباس، إذ لا بد أن أقدّم لكم ملاحظة كاريل على الغربان بكلماته هو: «يخبرنا علماء الطبيعة أن الغراب، بعد أن يطعم صغاره في العش حتى يكتمل ريشها وتقدر على الطيران بعيدا، يدفعها خارج العش ولا يدعها تبقى فيه، بل يخرجها لتكسب قوتها بنفسها. فحين تكون هذه الصغار في أول طيرانها من عشها، قليلة الخبرة بوسائل تحصيل طعامها، حينئذ يدبر الرب لها طعامها.

«ويقول الثقات إن الغراب صارم قاس على نحو عجيب في هذا الأمر، فما إن تقدر صغاره على إعالة نفسها حتى يكف عن جلب أي طعام لها. ويؤكد بعضهم أن الغربان الكبار لا تسمح لصغارها بالبقاء في البلاد التي نشأت فيها، وإن صح هذا فلا بد لها أن تهيم على وجهها. ونحن نقول في المثل: ‹الحاجة تجعل العجوز تهرول›، ولنا أن نضيف: ‹والصغار أيضا›.»

وقد جرت عادة بعض الآباء، وربما لا تزال، أن يعاملوا أبناءهم هكذا: فما إن يقدروا على تدبير أمورهم ويصيروا أهلًا، بقدرٍ ما، لكسب خبزهم، حتى يطردوهم من البيت كما يطرد الغراب صغاره من العش. والآن يقول الرب في النص: حين تقع فراخ الغراب في هذه الضيقة، وقد طُردت وصارت تتردد لعدم القوت، فمن يعولها إذن؟ «أليس أنا الرب؟ أليس أنا الذي أعول الغراب الكبير أعول صغاره أيضا، وهي في العش وحين تتردد لعدم القوت؟»

لقد أرسل سليمان الكسلان إلى النملة، وتعلّم هو نفسه دروسًا من الوبار والسلوقيات والعناكب! فلنكن مستعدين أن نتعلم من أي خليقة من خلائق الله، ولنذهب الليلة إلى عش الغربان لنتعلم كما في مدرسة. فليس عند الأطهار شيء نجس، وليس عند الحكماء شيء تافه. ليتطيّر أهل الخرافة من الغراب طائرَ شؤم، وليرَ الغافلون فيه مجرد كائن مجنّح أسود لامع؛ أما نحن فمستعدون أن نرى فيه أكثر من ذلك، ولا شك أننا لن نخرج بلا مكافأة إن كنا قابلين للتعلم.

غراب نوح لم يرجع إليه بغصن زيتون، أما غرابنا فقد يرجع به! بل قد يحدث أن تأتينا الغربان الليلة بطعام، كما أطعمت إيليا قديمًا عند نهر كريث. وقد استخرج ربنا المبارك مرة من الغربان حجة قوية جدًا، قصد بها أن يعزّي ويشجّع مَن كانوا من خدامه مثقلين بهموم لا داعي لها بشأن أحوالهم الزمنية. فقال لأمثال هؤلاء: «تَأَمَّلُوا ٱلْغِرْبَانَ: أَنَّهَا لَا تَزْرَعُ وَلَا تَحْصُدُ، وَلَيْسَ لَهَا مَخْدَعٌ وَلَا مَخْزَنٌ، وَٱللهُ يُقِيتُهَا. كَمْ أَنْتُمْ بِٱلْحَرِيِّ أَفْضَلُ مِنَ ٱلطُّيُورِ!»

وإذ أتبع منطق السيد، وستوافقون جميعًا على أنه لا بد كان سليمًا، لأنه لم يكن قط غير صادق في استدلاله كما لم يكن في أقواله، سأحتج الليلة على هذا النحو: تأملوا الغربان وهي تصرخ! إنها تعلن حاجاتها بنعيب خشن مبهم أجش، وأبوكم السماوي يستجيب صلاتها ويرسل لها الطعام! وأنتم أيضًا قد بدأتم تصلّون وتطلبون رضاه، ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟ أيعتني الله بالغربان ولا يعتني بكم؟ أما يصغي إلى صراخ فراخ الغربان التي لم يكتمل ريشها في أعشاشها، حين تجوع وتصرخ إليه ليطعمها؟

أقول: أيمدّها بحاجتها استجابةً لصراخها، ولا يستجيب لكم أنتم، يا بني البشر المساكين المرتعدين الذين تطلبون وجهه ورضاه بالمسيح يسوع؟ إن كل ما يشغلنا هذا المساء هو ببساطة أن نبسط هذه الفكرة الواحدة. سأسعى الليلة، بإرشاد الروح القدس، أن أقول شيئًا للذين ظلوا يصلّون طالبين الرحمة ولم ينالوها بعد، الذين جثوا على ركبهم ربما شهورًا يصرخون صرخة واحدة عظيمة ومرة جدًا، ولكنهم لا يعرفون بعد طريق السلام.

ما زالت خطيتهم معلّقة كحجر رحى في أعناقهم. إنهم جالسون في وادي ظل الموت. لم يشرق عليهم نور، وهم يفركون أيديهم ويئنّون: «هَلْ نَسِيَ ٱللهُ رَأْفَةً؟ أأغلق أذنه دون صلوات النفوس الطالبة؟ ألن يلتفت بعد إلى صراخ الخطاة المثير للشفقة؟ أتسقط دموع التائبين على الأرض ولا تحرك رأفته بعد؟» والشيطان أيضًا يقول لكم، أيها الأحباء الذين أنتم الآن في هذه الحال، إن الله لن يسمعكم أبدًا، وإنه سيدعكم تصرخون حتى تموتوا! وإنكم ستلفظون حياتكم في التنهدات والدموع، وفي النهاية تُطرحون في بحيرة النار!

أشتاق الليلة أن أقدّم لكم شيئًا من العزاء والتشجيع. أريد أن أحثّكم على أن تصرخوا بأشد مما صرختم! تعالوا إلى الصليب وتمسّكوا به، وانذروا ألا تتركوا ظله حتى تجدوا العطية التي تشتهيها نفوسكم. أريد، إن أعانني الله الروح القدس، أن أحرّككم حتى تقولوا في أنفسكم مثل الملكة أستير: «أَدْخُلُ إِلَى ٱلْمَلِكِ... فَإِذَا هَلَكْتُ، هَلَكْتُ». وليتكم تضيفون إلى ذلك نذر يعقوب: «لَا أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي!» فهذه إذن هي المسألة التي بين أيدينا: الله يسمع فراخ الغربان، أفلا يسمعكم أنتم؟

أولًا: أحتج بأنه سيسمعكم، وأول ما يدعوني إلى ذلك أني أذكر أنه يسمع صراخ الغراب الوضيع، وأنكم، بمعنى ما، أفضل كثيرًا من غراب. ليس الغراب إلا طائرًا مسكينًا نجسًا، لو مات فجأة لما أحدث موته أي فجوة تُحزن في الخليقة. لو لُويت أعناق آلاف الغربان غدًا، فلا أظن أن الكون سيعرف عليها حزنًا شديدًا أو أسى! سيكون الأمر مجرد عدد من الطيور المسكينة قد ماتت، وينتهي كل شيء.

أما أنتم فنفوس خالدة! الغراب يزول حين تنتهي حياته، فلا يعود هناك غراب. أما أنتم فحين تنقضي حياتكم الحاضرة لا تكفّون عن الوجود، بل تكونون قد أُطلقتم للتو في بحر الحياة، وبدأتم لتوّكم أن تحيوا إلى الأبد. سترون جبال الأرض الشائبة تتهاوى إلى العدم قبل أن تفنى أرواحكم الخالدة! سيكون القمر قد شحب نوره الضعيف، وتكون نيران الشمس الأعظم قد انطفأت في ظلام دائم، ومع ذلك تظل أرواحكم ماضية في مسيرتها الأبدية، مسيرة أبدية من الشقاء، ما لم يسمع الله صراخكم—

«يا لها من حقيقة هائلة! هذا الفاني سيلبس الخلود! نبض العقل لن يكف عن الخفقان أبدا؛ أيقظه الله فهو يخفق إلى الأبد، أبدي كأبديته هو! فوق الملائكة أو دون الأبالسة: إما صعود في المجد أو انحدار في العار، هذا ما قضي به على البشر بقضاء لا يرد.» أتظنون إذن أن الله يسمع الطائر المسكين الذي يكون ثم لا يكون، الذي يوجد هنا لحظة ثم يُمحى من الوجود، ولا يسمعكم أنتم، النفوس الخالدة التي سيمتد بقاؤها مساويًا لبقائه هو؟ أظن أنه لا بد يخطر لكم أنه إن كان يسمع الغراب المائت فهو يسمع أيضًا الإنسان الذي لا يموت. قال القدماء عن جوبيتر إنه لا يفرغ للاهتمام بالأمور الصغيرة، أما يهوه فيتنازل ليعتني بأصغر خلائقه، بل ينظر في أعشاش الطيور! أفلا يعتني برحمته بأرواح هي ورثة أبدية رهيبة؟

ثم إني لم أسمع قط أن الغربان خُلقت على صورة الله! ولكني أجد أنه مع أن جنسنا ملوّث ومشوّه ومنحطّ، فإن الله قال في البدء: «نَعْمَلُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا». في الإنسان شيء لا يوجد في المخلوقات الدنيا، التي أفضلها وأنبلها أدنى بما لا يقاس من أحقر ابن من بني آدم. لقد عُقدت مشورة بشأن خلق الإنسان، وفي عقله، بل في مواءمة جسده لخدمة عقله، تتجلى حكمة العلي على نحو عجيب.

أحضروا إلى هنا أشد البشر تشوّهًا وخمولًا وشرًّا، ومع أني لا أجرؤ على تملّق الطبيعة البشرية من الناحية الأدبية، ففي حقيقة الإنسانية نفسها كرامة لا توجد في كل وحوش البرية أيًّا كانت. فبهيموث ولوياثان قد أُخضعا تحت قدم الإنسان. لا يستطيع النسر أن يحلّق عاليًا كما تسمو نفس الإنسان، ولا يتغذى الأسد بطعام ملكي كالذي تجوع إليه روح الإنسان. أفتظنون أن الله يسمع مخلوقًا وضيعًا حقيرًا كالغراب، ولا يسمعكم أنتم، وأنتم من الجنس الذي جُبل على صورته؟

آه، لا تظنوا هذا الظن القاسي الأحمق بالذي طرقه مستوية دائمًا! سأطرح الأمر عليكم أنتم. أما تعلّمكم الطبيعة نفسها أن الإنسان أولى بالرعاية من طيور السماء؟ لو سمعتم صراخ فراخ الغربان لربما شعرتم نحو تلك الطيور بشفقة تكفي لأن تطعموها لو عرفتم كيف تطعمونها. ولكني لا أصدق أن أحدًا منكم يغيث الطيور ثم لا يطير على أجنحة الشفقة لإنقاذ رضيع يهلك، يسمع صراخه من الموضع الذي طُرح فيه بإهمال قاسٍ! لو سمعتم في سكون الليل صرخة شاكية لرجل يلفظ أنفاسه مريضًا في الشوارع لا يرثي له أحد، أفلا تقومون وتعينونه؟

أنا واثق أنكم ستفعلون إن كنتم ممن يعينون غرابًا. إن كانت فيكم شفقة على غراب، فكم بالأحرى تشفقون على إنسان! أعلم أنه يُهمس بأن هناك بعض السذّج يهتمون بالكلاب المشرّدة أكثر من الرجال والنساء المشرّدين، ومع ذلك فالأرجح بكثير أن الذين يعطفون على الكلاب هم أرقّ الناس اهتمامًا بالبشر. وعلى أي حال، لو احتجت إلى عون لكان لي فيهم ظن حسن قوي. أفلا تظنون أن الله، الكلي الحكمة، إذ يعتني بهذه الفراخ التي لم يكتمل ريشها في العش، لا بد أن يعتني بكم أيضًا؟

قلبكم يقول: «نعم». إذن فأجيبوا من الآن فصاعدًا عدم الإيمان الذي في قلبكم بأن تردّوا عليه استدلاله الصائب نفسه. ولكني أسمعك تقول: «آه، ولكن الغراب ليس خاطئا مثلي! قد يكون طائرا نجسا، لكنه لا يمكن أن يكون نجسا مثلي من الناحية الأدبية. قد يكون أسود اللون، لكني أسود بالخطية! الغراب لا يستطيع أن يكسر السبت، ولا أن يحلف، ولا أن يزني! الغراب لا يمكن أن يكون سكيرا! لا يستطيع أن ينجس نفسه برذائل كالتي تلوثت بها.»

أعرف هذا كله يا صديقي، وقد يبدو لك أنه يزيد حالتك يأسًا، ولكني لا أظنه يفعل ذلك حقًا. فكّر في الأمر دقيقة. ماذا يثبت هذا؟ يثبت أنك مخلوق قادر على الخطية، ومن ثَمّ أنك روح عاقل حيّ بمعنى لا يحيا به الغراب. أنت مخلوق يتحرك في عالم الروح! أنت تنتمي إلى عالم النفوس الذي لا نصيب فيه للغراب. الغراب لا يستطيع أن يخطئ، لأنه لا روح له ولا نفس. أما أنت ففاعل عاقل، أفضل جزء فيه نفسه. والنفس أثمن من الجسد بما لا حدّ له! وإذ إن الغراب، وأنا أتكلم الآن بلغة العامة، ليس إلا جسدًا، بينما أنت بوضوح نفس وجسد معًا، وإلا لما كنت قادرًا على الخطية، فإني أرى حتى في تلك الفكرة السوداء المثبّطة بصيصًا من النور!

أيعتني الله باللحم والدم والعظام والريش الأسود، ولا يعتني بعقلك وإرادتك وحكمك وضميرك ونفسك الخالدة؟ آه، لو أنك تفكر في الأمر فقط لرأيت أنه من المحال أن يجد صراخ غراب مسمعًا لدى أذن الإحسان الإلهي، ثم تُحتقر صلاتك ويُعرض عنها العلي—

«الحشرة التي بجناحيها الضئيلين تنطلق على شعاع صيفي واحد، والزهرة التي توقظها أنفاس الربيع إلى الحياة نصف يوم، وأصغر ذرة، وأدق شعرة، كلها تشعر برعاية أبينا السماوي.» فلا بد إذن أنه يلتفت إلى صراخ المتواضعين، ولا يرذل صلاتهم!

ولا أكاد أترك هذه النقطة دون أن ألاحظ أن ذكر الغراب ينبغي أن يشجع الخاطئ. وكما كتب مؤلف قديم: «إنه لا يذكر من بين الطيور الباز أو الصقر، اللذين يثمنهما الأمراء غاليا ويطعمونهما، بل يختار ذلك الطائر البغيض الخبيث، الغراب الناعب، الذي لا يقدره أحد إلا من حيث إنه يأكل الجيف التي قد تؤذيه. فانظر إذن وتعجب من عناية الله ولطفه، إذ يدبر الطعام للغراب، ذلك المخلوق الكئيب اللون، النشاز الصوت، المخلوق البغيض عند أكثر الناس، والنذير بالشؤم عند بعضهم. إن عناية الله العظيمة ظاهرة في تدبيره للنملة التي تجمع طعامها في الصيف، ولكنها أعظم في الغراب الذي، وإن نسي أو أهمل أن يدبر لنفسه، يدبر الله له ويدخر.»

قد يظن المرء أن الرب يقول عن الغربان: فلتدبّر أمرها بنفسها أو لتهلك! كلا، فالرب الإله لا يحتقر أي عمل من أعمال يديه. للغراب وجوده من الله، ولذلك يعوله الله. ليست الحمامة الجميلة البريئة وحدها، بل الغراب القبيح أيضًا، ينال طعامه من الله. وهذا يبيّن بوضوح أن خلوّك من كل فضل، أيها الخاطئ الأسود الشبيه بالغراب، لن يمنع صراخك من أن يُسمع في السماء! فعدم الاستحقاق يزيله دم يسوع، والنجاسة يغسلها غسلًا تامًا. آمن فقط بيسوع فتجد السلام!

ثانيًا: ثم إن بين صراخكم وصراخ الغراب فرقًا كبيرًا. حين تصرخ فراخ الغربان فأظنها بالكاد تعرف ماذا تريد. فيها غريزة طبيعية تجعلها تصرخ طلبًا للطعام، ولكن صراخها لا يعبّر في ذاته عن حاجتها. لعلكم تدركون سريعًا أنها تعني الطعام، ولكن لا نطق مفهومًا لها، فهي لا تتلفظ ولو بكلمة واحدة! إنما هو صراخ متصل أجشّ ملحّ، وهذا كل شيء.

أما أنتم فتعرفون ما تحتاجون إليه، ومهما قلّت كلماتكم فإن القلب يعرف مرارة نفسه وشدة ضيقه. لتنهداتكم وأنّاتكم معنى واضح. فهمكم عن يمين قلبكم الجائع. تعرفون أنكم تريدون السلام والغفران. تعرفون أنكم تحتاجون إلى يسوع، إلى دمه الثمين وبره الكامل. فإن كان

الله يسمع صراخًا غريبًا مبهمًا ثرثارًا كصراخ الغراب، أفلا تظنون أنه سيسمع أيضًا الصلاة العاقلة المعبّرة التي ترفعها نفس مسكينة محتاجة مذنبة تصرخ إليه: «ٱللهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ»؟ لا بد أن عقلكم يقول لكم ذلك!

ثم إن فراخ الغربان لا تستطيع أن تستخدم الحجج، إذ لا فهم لها. لا تستطيع أن تقول كما تستطيعون أنتم—

«هو يعلم أي الحجج أتخذ لأصارع إلهي؛ فأحتج برحمته هو، وبدم المخلص.»

لها حجة واحدة، هي حاجتها الماسّة التي تنتزع منها صراخها، ولكنها لا تستطيع أن تتجاوزها. بل لا تستطيع حتى أن تعرض هذه الحجة بترتيب أو أن تصفها بكلام. أما أنتم فعندكم حجج كثيرة في متناول أيديكم، ولكم فهم ترتّبونها به صفوفًا وتحشدونها لتحاصروا عرش النعمة. فإن كانت مجرد حاجة الغراب غير المنطوقة تغلب لدى الله، فكم بالأحرى تغلبون أنتم لدى العلي إن استطعتم أن تعرضوا دعواكم أمامه وتأتوا إليه والحجج في أفواهكم! تعالَ أيها اليائس وجرّب ربي! أتوسل إليك الآن أن تدع هذه الترنيمة الحزينة تصعد إلى أذني الرحمة! افتح ذلك القلب المتفجّر ودعه يفيض دموعًا إن عجزت عن الكلام!

غير أني أخشى أن للغراب أحيانًا ميزة كبيرة على بعض الخطاة الذين يطلبون الله بالصلاة، وهي هذه: أن فراخ الغربان أشد جدية في طلب طعامها من جدية بعضهم في طلب خلاص نفوسهم. ولكن هذا ليس مدعاة لتثبيط عزيمتكم، بل سبب يدعوكم إلى أن تكونوا أكثر جدية مما كنتم. حين تحتاج الغربان إلى الطعام لا تكفّ عن الصراخ حتى تناله. لا سبيل إلى إسكات فرخ غراب جائع حتى يمتلئ فمه، ولا سبيل إلى إسكات خاطئ جادّ حقًا حتى يمتلئ قلبه بالرحمة الإلهية. ليت بعضكم يصلّي بحرارة أشد! «مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ».

قال أحد البيوريتان القدماء: «الصلاة مدفع منصوب عند باب السماء ليفجر أبوابها.» لا بد أن تأخذوا المدينة عنوة إن أردتم أن تنالوها! لن تركبوا إلى السماء على فراش من ريش. لا بد أن تسيروا في رحلة حج؛ فلا ذهاب إلى أرض المجد وأنتم غارقون في النوم، والكسالى الحالمون سيستيقظون في الجحيم! إن كان الله قد جعلك تشعر في نفسك بالحاجة إلى الخلاص، فاصرخ صراخ من هو يقظ حيّ! كن جادًّا! ناد بصوت عال! لا تمسك! وحينئذ أظن أنك ستجد حجتي عادلة تمامًا: أن الصلاة العاقلة المحتجّة الواعية أرجح من كل وجه أن تغلب لدى الله من مجرد صياح الغراب وثرثرته، وأنه إن كان يسمع صراخًا كصراخ الغراب، فمن المؤكد أكثر بكثير أنه سيسمع صراخك.

ثالثًا: تذكّروا أن موضوع صلاتكم أحب إلى أذن الله من صراخ الغراب طلبًا للطعام. كل ما تطلبه فراخ الغربان هو الطعام؛ أعطها قليلًا من الجيفة فينتهي الأمر. أما صراخكم فلا بد أنه أطيب كثيرًا في أذن الله، لأنكم تلتمسون الغفران بدم ابنه الحبيب. إنه لعمل أنبل للعلي أن يهب عطايا روحية من أن يهب عطايا طبيعية. أنهار النعمة الإلهية تجري من الينابيع العليا. أعلم أنه متنازل إلى حد أنه لا يهين نفسه حتى حين يُسقط الطعام في فم فرخ الغراب، ولكن يبقى في عمل إعطاء السلام والغفران والمصالحة لبني البشر كرامة أعظم.

لقد عيّنت المحبة الأزلية طريقًا للرحمة قبل تأسيس العالم، والحكمة غير المحدودة منشغلة مع القدرة التي لا حدّ لها بتنفيذ القصد الإلهي. فلا بد أن الرب يُسرّ كثيرًا بخلاص بني البشر! إن كان الله يُسرّ بأن يعول وحش البرية، أفلا تظنون أنه يبتهج أكثر بكثير بأن يعول أولاده؟ أظن أنكم تجدون في تعليم أولادكم عملًا أحب إليكم من مجرد إعلاف ثوركم، أو نثر الشعير للطيور عند باب الحظيرة، لأن في العمل الأول شيئًا أنبل يستدعي قواكم كلها استدعاءً أكمل ويُخرج ذاتكم الداخلية.

ولست متروكًا هنا للتخمين، فمكتوب أنه «يُسَرُّ بِٱلرَّأْفَةِ». حين يستخدم الله قدرته لا يمكن أن يكون حزينًا، لأنه إله سعيد. ولكن إن كان من الممكن أن يكون الإله غير المحدود أسعد في وقت منه في وقت آخر، فذلك حين يغفر للخطاة بدم يسوع الثمين. آه أيها الخاطئ، حين تصرخ إلى الله فإنك تعطيه فرصة ليعمل ما يحب أكثر من أي شيء آخر أن يعمله! إنه يُسرّ بأن يغفر، وأن يضم أفرايمه إلى صدره، وأن يقول عن ابنه الضال: «كَانَ ضَالًّا فَوُجِدَ. كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ». وهذا أطيب لقلب الآب من إطعام العجل المسمّن، أو رعاية البهائم على الجبال الألوف.

فإذ أنتم، أيها الأحباء، تطلبون شيئًا يكرم الله أن يعطيه أكثر بكثير من مجرد إعطاء الطعام للغربان، فأظن أن مطرقة حجتي تهوي الليلة بضربة قوية جدًا لتحطّم عدم إيمانكم! ليعمل الله الروح القدس، المعزي الحقيقي، فيكم بقوة! لا بد أن الإله الذي يعطي الغربان طعامها لن يمنع السلام والغفران عن الخطاة الطالبين. جرّبوه! جرّبوه في هذه اللحظة! بل لا تبرحوا مكانكم! جرّبوه الآن!

رابعًا: لا ينبغي أن نطيل الوقوف عند نقطة واحدة والموضوع كله غني إلى هذا الحد. هناك مصدر آخر لتعزيتكم، وهو أن الغربان لم تؤمر في أي موضع بأن تصرخ. حين تصرخ فإن التماسها لا يستند إلى أي حثّ صريح صادر من فم الله. أما أنتم فلكم تفويض مستمد من الحث الإلهي أن تتقدموا إلى عرش الله بالصلاة!

لو فتح رجل غني بيته لمن لم يُدعَوا، لكان من المؤكد أنه يستقبل المدعوين. الغربان تأتي دون أن تُدعى، ومع ذلك لا تُصرف فارغة! أما أنتم فمأمورون أن تأتوا ضيوفًا مدعوين، فكيف تُرفضون؟ أتظنون أنكم غير مدعوين؟ اسمعوا هذا: «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَخْلُصُ». «ٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي». «ٱذْهَبُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ أَجْمَعَ وَٱكْرِزُوا بِٱلْإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَٱعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ». «آمِنْ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ». «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى ٱسْمِ الرب يسوع».

هذه دعوات أُطلقت دون أي قيد يتعلق بصفة المدعو. إنها تدعوكم مجانًا، بل تأمركم أن تأتوا. آه، أبعد هذا تظنون أن الله سيزدريكم؟ النافذة مفتوحة، والغراب يطير إلى الداخل، وإله الرحمة لا يطرده! والباب مفتوح، وكلمة الوعد تأمركم أن تأتوا، فلا تظنوا أنه سيرفضكم، بل آمنوا بالأحرى أنه «سيقبلكم حسنا ويحبكم فضلا»، وحينئذ «تقدمون له عجول شفاهكم». وعلى أي حال جرّبوه! جرّبوه الآن!

خامسًا: ثم إن هناك حجة أخرى أقوى بكثير. صراخ فرخ الغراب ليس إلا الصراخ الطبيعي لمخلوق، أما صراخكم، إن كان صادقًا، فهو ثمرة عمل النعمة الإلهية في قلوبكم. حين يصرخ الغراب إلى السماء فليس الصارخ إلا الغراب نفسه، أما حين تصرخون: «ٱللهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ»، فإن الله الروح القدس هو الصارخ فيكم!

إنها الحياة الجديدة التي أعطاكم الله إياها تصرخ إلى المصدر الذي جاءت منه، لتنال الشركة والصلة بأصلها العظيم. لا بد من الله نفسه ليجعل إنسانًا يصلّي بإخلاص وحق! نستطيع، إن فكّرنا في الأمر، أن نعلّم أولادنا أن «يتلوا صلواتهم»، ولكننا لا نستطيع أن نعلّمهم أن «يصلوا». قد تؤلف «كتاب صلوات»، ولكنك لا تستطيع أن تضع ذرة من «الصلاة» في كتاب، لأنها أمر أشد روحانية من أن يُحبس بين الأوراق. لعل بعضكم «يقرأ صلوات» في العائلة. لن أشجب هذه العادة، ولكني أقول عنها هذا القدر: قد تقرأون تلك «الصلوات» سبعين سنة ولا تصلّون مرة واحدة، لأن الصلاة شيء يختلف تمامًا عن مجرد الكلمات.

الصلاة الحقيقية هي تجارة القلب مع الله، والقلب لا يدخل قط في تجارة روحية مع موانئ السماء حتى يضع الله الروح القدس ريحًا في الأشرعة ويسوق السفينة إلى مرفئها. «يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ». إن كان في قلبك أي صلاة حقيقية، فالله الروح القدس هناك، وإن كنت لا تعرف السر! فإن كان يسمع صراخًا لا يصدر منه، فكم بالأحرى يسمع الصراخ الذي يصدر منه! لعلك كنت تحيّر نفسك لتعرف أصراخك طبيعي أم روحي. قد يبدو هذا مهمًا جدًا، ولا شك أنه كذلك، ولكن سواء كان صراخك هذا أو ذاك، فاستمر في طلب الرب!

لعلك تشك في أن الله يسمع الصراخ الطبيعي. دعني أؤكد لك أنه يسمعه. أذكر أني قلت شيئًا في هذا الموضوع مرة في أحد أماكن العبادة التابعة للكالفينيين المتطرفين. كنت حينئذ أعظ الأطفال وأحثّهم على الصلاة. وحدث أن قلت إني قبل أي تجديد فعلي بزمن طويل كنت أصلّي طالبًا المراحم العامة، وإن الله سمع صلواتي. ولم يرُق هذا لإخوتي الأفاضل من مدرسة المتحذلقين! فالتفّوا جميعًا حولي بعد ذلك، مدّعين أنهم يريدون أن يعرفوا ما قصدت، ولكنهم في الحقيقة أرادوا أن يعترضوا ويتصيّدوا الأخطاء، وفق طبيعتهم وعادتهم.

«أَحَاطُوا بِي مِثْلَ ٱلنَّحْلِ. نعم، مثل النحل أحاطوا بي!» وبعد حين، كما توقعت، انصرفوا إلى تسليتهم المعتادة، وهي إطلاق الألقاب. فأخذوا يقولون: يا لها من أرمينيانية فجّة! ولقب آخر تفضّلوا بأن يكرموني به هو لقب «فولري»، نسبة إلى أندرو فولر، وهو بالمناسبة لقب مشرّف إلى حد أنه كان يسعدني أن أشكرهم من كل قلبي على إلصاقه بما قلته! ولكن القول بأن الله يسمع صلاة الإنسان الطبيعي كان عندهم أسوأ من الأرمينيانية، إن كان هناك حقًا ما هو أسوأ منها! واستشهدوا بتلك العبارة المزيّفة: «صلاة الأشرار مكرهة الرب»، فأجبتهم سريعًا بأن سألتهم أن يجدوا لي هذا النص في كلمة الله، إذ جازفت بالقول إن إبليس هو صاحب ذلك القول، وإنه ليس في الكتاب المقدس أصلًا.

فعبارة «ذَبِيحَةُ ٱلْأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ ٱلرَّبِّ» موجودة في الكتاب المقدس، ولكنها تختلف كثيرًا عن «صلاة الأشرار». ثم إن هناك فرقًا واضحًا بين كلمة الأشرار المقصودة هناك والإنسان الطبيعي الذي كنا نتجادل بشأنه. لا أظن أن إنسانًا بدأ يصلّي بأي معنى يمكن أن يُعدّ واقعًا تمامًا بين «الأشرار» الذين قصدهم سليمان، ومن المؤكد أنه ليس بين الذين يحوّلون آذانهم عن سماع الشريعة، الذين كُتب عنهم أن صلاتهم مكرهة.

فقالوا: «حسنا، ولكن كيف يمكن أن يسمع الله صلاة طبيعية؟» وبينما توقفت لحظة، شقّت امرأة عجوز في عباءة حمراء طريقها إلى الحلقة الصغيرة من حولي، وقالت لهم بقوة شديدة، كأم في إسرائيل كما كانت حقًا: «لماذا تثيرون هذه المسألة ناسين ما قاله الله نفسه؟ ما هذا الذي تقولونه، إن الله لا يسمع الصلاة الطبيعية؟ أفلا يسمع فراخ الغربان حين تصرخ إليه؟ وهل تظنون أنها تقدم صلوات روحية؟»

وفي الحال ولّى رجال الحرب الأدبار، ولم تكن هزيمة أتمّ من تلك، ولا بد أنهم شعروا ولو مرة في حياتهم أنهم قد يخطئون! لا بد، أيها الإخوة، أن هذا يشجعكم ويعزيكم! لن أكلّفكم الآن بمهمة البحث عما إذا كانت صلواتكم طبيعية أم روحية، وعما إذا كانت صادرة من روح الله أم لا، لأن ذلك قد يثبّط عزيمتكم. إن كانت الصلاة نابعة من صميم قلبكم، فنحن نعرف كيف وصلت إلى هناك، وإن كنتم أنتم لا تعرفون. الله يسمع الغربان، وأنا أومن أنه سيسمعكم، بل أومن أيضًا، وإن كنت لا أريد الآن أن أثير المسألة في قلوبكم، أنه يسمع صلاتكم، لأن هناك، وإن كنتم لا تعرفون، عملًا خفيًّا لروح الله يجري في داخلكم ويعلّمكم أن تصلّوا.

سادسًا: ولكن عندي حجج أقوى وأقرب إلى الهدف. حين تصرخ فراخ الغربان فإنها تصرخ وحدها. أما حين تصلّون فإن معكم من هو أقوى منكم يصلّي معكم! أتسمعون ذلك الخاطئ يصرخ: «ٱللهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ»؟ اسمعوا! أتسمعون ذلك الصراخ الآخر الذي يصعد مع صراخه؟ كلا، لا تسمعونه لأن آذانكم ثقيلة كليلة، ولكن الله يسمعه. هناك صوت آخر، أعلى بكثير وأعذب من الأول، وأقوى تأثيرًا بكثير، يصعد في اللحظة نفسها ويلتمس: «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ بدمي الثمين».

إن صدى همسة الخاطئ مهيب كقصف الرعد! لا يصلّي خاطئ قط صلاة حقيقية إلا والمسيح يصلّي في الوقت نفسه! لا تستطيع أن تراه أو تسمعه، ولكن يسوع لا يحرّك أعماق نفسك بروحه قط إلا وتتحرك نفسه هو أيضًا. آه أيها الخاطئ، إن صلاتك حين تبلغ حضرة الله شيء يختلف كثيرًا عما هي عليه حين تخرج منك!

أحيانًا يأتينا بعض الفقراء بعرائض يريدون أن يرسلوها إلى شركة ما أو إلى شخصية عظيمة. يحضرون العريضة ويطلبون منا أن نقدّمها عنهم. تكون رديئة الإملاء جدًا، غريبة الكتابة، ولا نكاد نتبيّن ما يقصدون. ومع ذلك فيها ما يكفي لنعرف ما يحتاجون إليه. فنكتب لهم أولًا نسخة نظيفة، ثم بعد أن نعرض حالتهم نضع اسمنا في أسفلها. وإن كان لنا نفوذ، فمن الطبيعي أن ينالوا ما يرغبون فيه بقوة الاسم الموقّع في ذيل العريضة.

وهذا بالضبط ما يفعله الرب يسوع المسيح بصلواتنا المسكينة! إنه يكتب لها نسخة نظيفة، ويختمها بختم دمه الكفّاري، ويضع اسمه هو في ذيلها، وهكذا تصعد إلى عرش الله. إنها صلاتك، ولكن آه، إنها صلاته هو أيضًا! وكونها صلاته هو ما يجعلها تغلب. والآن هذه حجة كالمطرقة الثقيلة: إن كانت الغربان تغلب حين تصرخ وحدها، وإن كانت ثرثرتها المسكينة تأتيها بما تحتاج إليه من ذاتها، فكم بالأحرى تغلب الالتماسات الشاكية التي يرفعها الخاطئ المسكين المرتعد الذي يستطيع أن يقول: «من أجل يسوع»، والذي يستطيع أن يُحكم حججه كلها بهذه الحجة المباركة: «الرب يسوع المسيح يستحق ذلك! يا رب، أعطني إياه من أجله»؟

أرجو حقًا أن هؤلاء الطالبين الذين كنت أكلّمهم، الذين ظلوا يصرخون طويلًا ومع ذلك يخشون ألا يُستجاب لهم أبدًا، لن يضطروا إلى الانتظار طويلًا بعد، بل ينالون قريبًا جواب سلام كريمًا! وإن لم ينالوا الآن شهوة قلوبهم، فأرجو أن يتشجعوا على المثابرة حتى يطلع نهار النعمة. لكم وعد ليس للغربان، وكان يمكن أن يكون هذا حجة أخرى لو سمح لنا الوقت أن نتوقف عندها. أيها المرتعد، ما دام لك وعد تحتج به، فلا يساورك أدنى شك في أنك ستُسمع عند عرش النعمة!

والآن دعوني أقول للخاطئ في الختام: إن كنت قد صرخت ولم تُستجب، فاستمر في الصراخ. «ٱرْجِعْ سَبْعَ مَرَّاتٍ»، نعم، بل سبعين مرة سبع مرات! تذكّر أن رحمة الله في المسيح يسوع هي رجاؤك الوحيد!

فتمسّك بها إذن كما يتمسك الغريق بالحبل الوحيد الذي في متناوله. إن هلكت وأنت تصلّي طالبًا الرحمة بالدم الثمين، فستكون أول من هلك هكذا! اصرخ دائمًا! استمر في الصراخ فقط! ولكن آه، آمن أيضًا! لأن الإيمان يأتي بكوكب الصبح وبطلوع النهار.

حين كانت بيتي، زوجة جون رايلاند، على فراش الموت، كانت في ضيق نفسي شديد، مع أنها كانت مسيحية منذ سنين كثيرة. فقال لها زوجها بطريقته الطريفة الحكيمة: «حسنا يا بيتي، ما بك؟» «آه يا جون، إني أموت، وليس لي رجاء يا جون!» «ولكن يا عزيزتي، إلى أين أنت ذاهبة إذن؟» فكان الجواب: «أنا ذاهبة إلى الجحيم!» فقال، وهو يغطي ألمه العميق بدعابته المعتادة، قاصدًا أن يوجّه ضربة تصيب الهدف تمامًا وتطرد شكوكها سريعًا: «وماذا تنوين أن تفعلي حين تبلغين هناك يا بيتي؟» فلم تستطع المرأة الصالحة أن تجيب، فتابع السيد رايلاند: «أتظنين أنك ستصلين حين تبلغين هناك؟»

فقالت: «آه يا جون، إني أصلي في أي مكان. لا أستطيع إلا أن أصلي!» فقال: «حسنا إذن، سيقولون: ‹ها هي بيتي رايلاند تصلي هنا. أخرجوها! لا نريد أحدا يصلي هنا! أخرجوها!» فأتت هذه الطريقة الغريبة في عرض الأمر بالنور إلى نفسها، ورأت في الحال سخف مجرد الظن بأن نفسًا تطلب المسيح حقًا يمكن أن تُطرح بعيدًا عن حضرته إلى الأبد! اصرخي أيتها النفس! اصرخي دائمًا! ما دام الطفل يقدر أن يصرخ فهو حيّ. وما دمت تستطيع أن تحاصر عرش الرحمة فلك رجاء! ولكن اسمع كما تصرخ، وآمن بما تسمع، لأنه بالإيمان يُنال السلام.

ولكن تمهّلوا قليلًا، فعندي شيء آخر أقوله. أمن الممكن أن تكون قد نلت فعلًا البركة نفسها التي تصرخ طالبًا إياها؟ تقول: «آه، ما كنت لأطلب شيئا قد نلته فعلا! لو عرفت أنه عندي لكففت عن الصراخ، وبدأت أسبح الله وأباركه.» لا أعرف الآن هل أنتم جميعًا، أيها الطالبون، في حالة آمنة إلى هذا الحد، ولكني مقتنع بأن هناك بعض النفوس الطالبة التي نالت الرحمة التي تسأل عنها. فالرب، بدلًا من أن يقول لها الليلة: «ٱطْلُبُوا وَجْهِي»، يقول: «مَا لَكَ تَصْرُخُ إِلَيَّ؟ في ساعة مقبولة سمعتك، وفي وقت مقبول أعنتك. قد محوت كسحابة خطاياك، وكغيم كثيف آثامك. قد خلصتك. أنت لي. قد طهرتك من كل خطاياك. اذهب في طريقك وافرح.»

في مثل هذه الحال يكون التسبيح المؤمن أليق من الصلاة المتألمة. تقول: «آه، ولكن ليس من المرجح أن تكون الرحمة عندي وأنا ما زلت أطلبها.» حسنًا، لا أدري. إن «رحمة»، رفيقة كريستيانة، يُغشى عليها أحيانًا خارج الباب. أليس من الممكن أن تُحمل إلى الداخل وهي في غشيتها، وتظن طوال الوقت أنها ما زالت في الخارج؟ إنها تسمع الكلب ما زال ينبح، ولكن آه أيتها النفس المسكينة، حين تفيق ستجد أنها داخل البوابة الصغيرة، وأنها في أمان!

وهكذا قد يحدث أن يكون بعضكم قد سقط في إغماءة من اليأس في اللحظة التي كان فيها آتيًا إلى المسيح. فإن كان الأمر كذلك، فلتُنعشكم النعمة ذات السيادة، ولعلّي أكون الليلة الوسيلة إلى ذلك. ما الذي تتطلعون إليه؟ بعضكم ينتظر أن يرى رؤى ساطعة، ولكني أرجو ألا تنالوا مرادكم أبدًا، فهي لا تساوي فلسًا للألف منها. كل الرؤى التي في العالم منذ أيام المعجزات، مجموعةً معًا، ليست في النهاية إلا مجرد أحلام، والأحلام ليست إلا باطلًا! يأكل الناس من العشاء أكثر من اللازم ثم يحلمون، إنه عسر الهضم أو نشاط مرضي في الدماغ، وهذا كل شيء! إن كان هذا كل ما لديك من دليل على تجديدك، فحسنٌ أن تشك فيه. أتوسل إليك ألا تستريح إليه أبدًا، فهو ركام بائس لا يصلح أن تبني عليه رجاءك الأبدي.

لعلكم تنتظرون مشاعر غريبة جدًا، ليست صدمة كهربائية تمامًا، ولكن شيئًا فريدًا غير مألوف. صدقوني، لا حاجة بكم أبدًا إلى أن تشعروا بتلك الانفعالات الغريبة التي تقدّرونها تقديرًا عاليًا. كل تلك المشاعر الغريبة التي يتحدث عنها بعض الناس فيما يتعلق بالتجديد قد تنفعهم وقد لا تنفعهم، ولكني متيقن أنه لا علاقة لها حقًا بالتجديد بحيث تكون ضرورية له على الإطلاق!

سأطرح عليك سؤالًا أو سؤالين. أتؤمن بأنك خاطئ؟ تقول: «نعم». ولكن لنفرض أني نحّيت كلمة «خاطئ» جانبًا؟ أتعني أنك تؤمن بأنك كسرت ناموس الله، وأنك متعدٍّ لا خير فيه على حكم الله؟ أتؤمن بأنك في قلبك، على الأقل، قد كسرت الوصايا كلها، وأنك تستحق العقاب تبعًا لذلك؟ تقول: «نعم، لا أومن بذلك فحسب، بل أشعر به! إنه حمل أحمله معي كل يوم.»

والآن شيء آخر: أتؤمن بأن الرب يسوع المسيح يستطيع أن يزيل كل خطيتك هذه؟ نعم، أنت تؤمن بذلك. إذن، أتستطيع أن تتكل عليه ليخلّصك؟ أنت تحتاج إلى الخلاص، ولا تستطيع أن تخلّص نفسك. أتستطيع أن تتكل عليه ليخلّصك؟ تقول: «نعم، أنا أفعل ذلك فعلا.» حسنًا يا صديقي العزيز، إن كنت تتكل على يسوع حقًا، فمن المؤكد أنك مخلَّص، لأن لك الدليل الوحيد على الخلاص الذي يلازم أيًّا منا على الدوام! هناك أدلة أخرى تتبع فيما بعد، كالقداسة ونِعَم الروح، ولكن الدليل الوحيد الذي يلازم أفضل الناس الأحياء على الدوام هو هذا—

«لا شيء في يدي أحمل،
بل بصليبك وحده أتعلق.»

أتستطيع أن تردد بيت جاك البائع المتجول—

«أنا خاطئ مسكين ولا شيء على الإطلاق،
ولكن يسوع المسيح هو كلي في الكل»؟

أرجو أن تتقدم في الاختبار في بعض النقاط أبعد من هذا بكثير فيما بعد، ولكني لا أريدك أن تتقدم قيد أنملة أبعد من هذا فيما يخص أساس دليلك وسبب رجائك. قف هناك فقط، فإن كنت الآن تنظر بعيدًا عن كل ما في داخلك أو خارجك إلى يسوع المسيح، وتتكل على آلامه في الجلجثة وعلى عمله الكفّاري كله أساسًا لقبولك أمام الله، فأنت مخلَّص! لا تحتاج إلى شيء آخر! قد انتقلت من الموت إلى الحياة. «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَا يُدَانُ». «مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ».

لو قابلني ملاك بعد قليل في ذلك الممر وأنا خارج من بابي إلى غرفة الخدمة، وقال: «يا تشارلز سبرجن، جئت من السماء لأخبرك أنه قد غفر لك»، لقلت له: «أعرف ذلك دون أن تخبرني بشيء من هذا القبيل! أعرفه على سلطان أفضل بكثير من سلطانك.» ولو سألني كيف أعرف ذلك لأجبته: «كلمة الله أفضل عندي من كلمة ملاك، وقد قالها: ‹اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَا يُدَانُ›. وأنا أومن به، ولذلك لا أدان، وأعرف ذلك دون أن يخبرني ملاك.»

لا تبحثوا، أيها المضطربون، عن ملائكة وعلامات وأدلة وآيات. إن كنتم تستندون إلى عمل يسوع الكامل، فعندكم الآن أفضل دليل على خلاصكم في العالم! عندكم كلمة الله على ذلك، فأي شيء آخر تحتاجون إليه؟ ألا تستطيعون أن تأخذوا بكلمة الله؟ أنتم تأخذون بكلمة أبيكم، وتأخذون بكلمة أمكم، فلماذا لا تأخذون بكلمة الله؟ آه، ما أخسّ قلوبنا حتى نرتاب في الله نفسه!

لعلك تقول إنك لا تفعل شيئًا كهذا. آه، ولكنك تشك في الله إن لم تتكل على المسيح، لأن «من لا يؤمن فقد جعل الله كاذبا». إن لم تتكل على المسيح فأنت في الواقع تقول إن الله كاذب! لا تريد أن تقول ذلك، أليس كذلك؟ آه، صدّق أمانة الله! ليحملك روح الله على أن تؤمن برحمة الآب، وبقوة دم الابن، وباستعداد الروح القدس أن يأتي بالخطاة إليه!

تعالوا يا سامعيّ الأعزاء، اشتركوا معي في الصلاة لكي تُقادوا بالنعمة الإلهية إلى أن تروا في يسوع كل ما تحتاجون إليه—

«الصلاة قوة المخلوق، بل أنفاسه ذاتها وكيانه.
الصلاة هي المفتاح الذهبي الذي يفتح باب الرحمة الصغير.
الصلاة هي الصوت السحري الذي قال للقدر: ليكن كذلك.
الصلاة هي العصب الدقيق الذي يحرك عضلات القدرة الكلية،
فصل إذن أيها المخلوق، لأن حاجاتك كثيرة وعظيمة.
عقلك وضميرك وكيانك، حاجاتك كلها تدعوك إلى الصلاة،
دواء كل هم، والبلسم الشافي لكل ألم،
مبيد الشك، وعلاج الخراب، والترياق لكل قلق.»

الشواهد الكتابية في هذه العظة مزمور 147:9
المواضيع دعوة الإنجيل

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.

استشهد بهذه العظة

انسخ الاستشهاد بالأسلوب الذي تحتاجه.

MLA
Spurgeon, Charles H. “صرخة الغربان.” Sermon. Ochorus, https://ochorus.com/ar/sermons/the-ravens-cry/.
Chicago
Spurgeon, Charles H. “صرخة الغربان.” Sermon. Ochorus. https://ochorus.com/ar/sermons/the-ravens-cry/.
Chicago footnote
Charles H. Spurgeon, “صرخة الغربان,” sermon, Ochorus, https://ochorus.com/ar/sermons/the-ravens-cry/.
BibTeX
@misc{spurgeon, author = {Spurgeon, Charles H.}, title = {{صرخة الغربان}}, howpublished = {Sermon}, publisher = {Ochorus}, url = {https://ochorus.com/ar/sermons/the-ravens-cry/} }