النص
إرميا 33:3
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
وعدٌ وُلِدَ في السِّجن: «اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا.» يأخُذُ سبرجن كلمةَ إرميا مفتاحًا ذهبيًّا يفتحُ خزانةَ الله، داعيًا إلى صلاةٍ جريئةٍ واثقةٍ مُثابِرة، ولا سيَّما في الضِّيق، حيثُ يكشِفُ اللهُ للقلبِ المُصلِّي ما لا يقدرُ الدَّرسُ وحدَه أن يكشِفَه.
«اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا.» (إرميا 33:3).
بعضُ أعمقِ ما كتبه العالمُ من مُصنَّفاتٍ تفوحُ منه رائحةُ زيتِ السَّهرِ في جوفِ الليل. غير أنَّ أكثرَ كتبِ البشرِ وأقوالهم روحانيّةً وتعزيةً كثيرًا ما تحملُ عبَقَ رطوبةِ السُّجون. ولو شئتُ لسُقتُ أمثلةً كثيرة، ولكنَّ «رحلةَ المسيحيّ» ليوحنا بَنيان تُغني عن مئةٍ سواها. وهذه الآيةُ الطيّبةُ التي بين أيدينا، على ما فيها من عَفَنِ السِّجنِ الذي رقد فيه إرميا وبَردِه، لها مع ذلك بهاءٌ وجمالٌ ربما ما كان لها لولا أنها جاءت كلمةَ تعزيةٍ لأسيرِ الربِّ المحبوسِ في دارِ السِّجن.
لطالما وجد شعبُ اللهِ، في أحلكِ أحوالهم، أفضلَ ما في إلههم. فهو صالحٌ في كلِّ حين، لكنه يبدو في أحسنِ أحواله حين يكونون هم في أسوأِ أحوالهم. قيل لِلاندغرافِ هسِّه، الذي سُجن لتمسُّكه بمبادئِ الإصلاح: «كيف احتملتَ سِجنَك الطويلَ بهذه الجَلادة؟» فأجاب: «كانت معي تعزياتُ الشهداءِ الإلهيّة.»
لا شكَّ أنَّ هناك تعزيةً أعمقَ وأقوى من كلِّ سواها، يدَّخرها اللهُ للذين، وهم شهودُه الأُمناء، عليهم أن يقاسوا ضِيقًا عظيمًا جدًّا من عداوةِ الناس. ثَمَّةَ فجرٌ مجيدٌ للمنطقةِ المتجمِّدة، والنجومُ تتلألأُ في سماواتِ الشَّمالِ ببهاءٍ غيرِ مألوف. وكان لِرَذَرفورد قولٌ طريف: إنه حين أُلقيَ في أقبيةِ الضِّيق، تذكَّرَ أنَّ المَلِكَ العظيمَ يخزنُ خمرَه هناك دائمًا، فأخذ من فوره يبحثُ عن قواريرِ الخمرِ ليشربَ من «خمرٍ عتيقةٍ على دُرْدِيِّها مُصفَّاة».
إنَّ الذين يغوصون في بحرِ الضِّيقِ يُخرِجون لآلئَ نادرة. وأنتم، يا رِفاقي في الضِّيق، تعلمون أنَّ الأمرَ كذلك. أنتم يا مَن كادت عظامُكم تبرُزُ من جلودِكم لطولِ رقادِكم على فِراشِ العَناء. أنتم يا مَن رأيتم أموالَكم الأرضيّةَ تُنتَزَعُ منكم حتى كِدتم تبلُغون الفقرَ المُدقِع. أنتم يا مَن نزلتم إلى القبرِ سبعَ مرّاتٍ حتى خِفتم أن يختطفَ الموتُ الذي لا يرحمُ آخِرَ صديقٍ لكم على الأرض. لقد برهنتم جميعًا على أنه إلهٌ أمين، وأنه كما تكثُرُ أحزانُكم، كذلك تكثُرُ أيضًا تعزياتُكم بيسوعَ المسيح.
صلاتي، وأنا آخُذُ هذا النَّصَّ هذا الصباح، أن يُقالَ لبعضِ أسرى الربِّ الآخرين وعدُه المُفرِح! وأنتم يا مَن أنتم محبوسون ولا تستطيعون الخروجَ بسببِ ثِقَلِ الروحِ الحاضر، عساكم تسمعونه يقول، كهَمْسٍ رقيقٍ في آذانكم وفي قلوبكم: «اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا.»
ينقسمُ النَّصُّ من تِلقاءِ نفسه إلى ثلاثِ ذَرّاتٍ متمايزةٍ من حقِّ الله. فلنتكلَّمْ عليها بمقدارِ ما يُعيننا اللهُ الروحُ القدس. أوّلًا، الصلاةُ مأمورٌ بها: «اُدْعُنِي». ثانيًا، الجوابُ موعودٌ به: «فَأُجِيبَكَ». ثالثًا، الإيمانُ مُشجَّع: «وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا».
أوّلًا: البابُ الأوّلُ هو الأمرُ بالصلاة. فنحن لسنا منصوحين ومُوصَّينَ بالصلاةِ فحسب، بل مأمورينَ بها. وهذا تنازُلٌ عظيم. يُبنى المستشفى، فيُكتفى بأن يُفتحَ بابُه مجّانًا للمرضى متى طلبوا الدخول، ولا يصدُرُ أمرٌ ملكيٌّ يُلزِمُ إنسانًا بدخولِ أبوابه. وتُجهَّزُ مطاعمُ الحَساءِ في عُمقِ الشتاء، ويُعلَنُ أنَّ للفقراءِ أن ينالوا الطعامَ عند الطَّلب، لكن لا يخطُرُ ببالِ أحدٍ أن يسُنَّ قانونًا يُجبِرُ الفقراءَ على المجيءِ والوقوفِ عند البابِ ليأخذوا الإحسان.
يُظَنُّ أنه يكفي أن يُعرَضَ العطاءُ دون إصدارِ أيِّ أمرٍ بأن يقبلَه الناس. ومع ذلك، فما أعجبَ حماقةَ الإنسانِ من جهة، إذ تجعلُه محتاجًا إلى أمرٍ ليرحمَ نفسَه! وما أعجبَ تنازُلَ إلهنا الكريمِ من الجهةِ الأخرى، إذ يُصدِرُ أمرَ محبّةٍ لولاه ما تناولَ أحدٌ من بني آدمَ وليمةَ الإنجيل، بل كان يختارُ الجوعَ على المجيء! وهكذا الأمرُ في شأنِ الصلاة؛ فشعبُ اللهِ أنفسُهم محتاجون إلى أمرٍ بالصلاة، وإلَّا لما صلَّوا.
ولماذا هذا؟ لأننا، أيها الأحبّاء، عُرضةٌ جدًّا لنَوباتِ الانشغالِ بالعالَم، إن لم تكن تلك حالَنا المعتادة. فنحن لا ننسى أن نأكل، ولا ننسى أن نرفعَ مَصاريعَ الدُّكّان، ولا ننسى أن نجتهدَ في التجارة، ولا ننسى أن نأويَ إلى فُرُشِنا لنستريح، لكننا كثيرًا ما ننسى أن نُصارِعَ اللهَ في الصلاة، وأن نقضيَ، كما ينبغي، أوقاتًا طويلةً في شَرِكةٍ مقدَّسةٍ مع أبينا وإلهنا. وعند كثيرين ممن يُجاهِرون بالإيمانِ يكونُ دفترُ الحساباتِ من الضَّخامةِ بحيث لا يُحرَّك، بينما الكتابُ المقدَّسُ الذي يُمثِّلُ تعبُّدَهم صغيرٌ حتى ليكادُ يوضَعُ في جيبِ الصُّدرة.
ساعاتٌ للعالَم! ولحَظاتٌ للمسيح! العالَمُ له خِيرَتُنا، ومِخدَعُ صلاتنا له فَضَلاتُ أوقاتنا. نُعطي قوّتَنا ونَضارتَنا لِطُرُقِ المال، وتعبَنا لطُرُقِ الله. ولهذا نحتاجُ إلى أن نُؤمَرَ بأن نُعنى بذلك العملِ عينِه الذي ينبغي أن يكونَ أعظمَ سعادتنا، كما هو أرفعُ امتيازاتنا أن نؤدِّيَه، أعني أن نلتقيَ بإلهنا! يقول: «اُدْعُنِي»، لأنه يعلمُ أننا سريعو النِّسيانِ لدعاءِ الله.
«مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ ٱصْرُخْ إِلَى إِلَهِكَ» هذا تحذيرٌ نحتاجُ إليه نحنُ كما احتاجَ إليه يونانُ في العاصفة. إنه يعلمُ كم تثقُلُ قلوبُنا أحيانًا تحتَ وطأةِ الشعورِ بالخطيّة. يقولُ لنا الشيطان: «لماذا تُصلِّي؟ وكيف ترجو أن تنال؟ عبثًا تقول: ‹أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي›، فإنك لستَ مستحقًّا أن تكونَ أحدَ أُجَرائه! كيف ترى وجهَ المَلِكِ بعد أن خنتَه؟ وكيف تجرُؤُ على الاقترابِ إلى المذبحِ وقد دنَّستَه أنتَ بنفسِك، والذبيحةُ التي تأتي بها إليه ذبيحةٌ مُدنَّسةٌ بائسة؟»
يا إخوتي وأخواتي، حَسَنٌ لنا أننا مأمورونَ بالصلاة، وإلَّا لتركناها في أوقاتِ الثِّقَل! فإن أمرَني اللهُ، على ما بي من عدمِ أهليّة، زحفتُ إلى مَوطئِ نعمتِه الإلهيّة. وبما أنه يقول: «صَلُّوا بِلَا ٱنْقِطَاعٍ.»، فمع أنَّ الكلماتِ تُعوِزُني وقلبي نفسُه يشرُد، فإني سأظلُّ أُتَمتِمُ برغباتِ نفسي الجائعةِ وأقول: «يا اللهُ، علِّمني على الأقلِّ أن أُصلِّي، وأَعِنّي أن أَغلِبَ معك.»
ألَسنا مأمورينَ بالصلاةِ أيضًا بسببِ عدمِ إيماننا المتكرِّر؟ يهمِسُ عدمُ الإيمان: «أيُّ نفعٍ إن طلبتَ الربَّ في هذا الأمرِ أو ذاك؟ إنها حالةٌ خارجةٌ عن قائمةِ الأمورِ التي يتدخَّلُ اللهُ فيها، ولذلك — يقولُ إبليس — لو كنتَ في موقفٍ آخرَ لاتَّكأتَ على ذراعِ اللهِ القديرة، أمَّا هنا فصلاتُك لن تنفعَك. فإمَّا أنَّ الأمرَ أتفهُ من ذلك، أو أشدُّ تعلُّقًا بالزمنيّات، أو أنه أمرٌ أخطأتَ فيه كثيرًا جدًّا، أو أنه أعلى وأصعبُ وأعقدُ من أن تحمِلَه — فلا حقَّ لك أن تأتيَ به أمامَ الله!» هكذا يُوسوِسُ شيطانُ الجحيمِ الدَّنِس.
لذلك يقفُ مكتوبًا، فريضةً يوميّةً تُناسبُ كلَّ حالةٍ قد يقعُ فيها المسيحيُّ: «اُدْعُنِي». «اُدْعُنِي. أمَريضٌ أنتَ؟ أتُريدُ أن تُشفى؟ اصرُخْ إليَّ، فأنا الطبيبُ العظيم. أتُقلِقُك العنايةُ؟ أتخافُ ألَّا تُهيِّئَ أمورًا حَسَنةً قُدّامَ الناس؟ اُدْعُنِي! أيُتعِبُك أولادُك؟ أتشعرُ بما هو أَمَرُّ من نابِ الأفعى — بولدٍ عاقٍّ كافِرٍ بالجميل؟ اُدْعُنِي! أأحزانُك صغيرةٌ لكنها موجِعة، كوَخَزاتِ الشَّوكِ الدقيقة؟ اُدْعُنِي! أَحِملُك ثقيلٌ حتى ليكادُ يُحطِّمُ ظهرَك تحتَ عِبئه؟ اُدْعُنِي! ‹أَلْقِ عَلَى ٱلرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ. لَا يَدَعُ ٱلصِّدِّيقَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى ٱلْأَبَدِ.›»
في الوادي، على الجبل، على الصخرةِ الجَرداء، في البحرِ المالح! مغمورًا تحتَ اللُّجَجِ ثم مرفوعًا بعد حينٍ على ذُرى الأمواج، في الأتونِ حين تتوهَّجُ الجَمَرات، عند أبوابِ الموتِ حين تُطبِقُ عليك أفواهُ الجحيم — لا تكُفَّ، فإنَّ الوصيّةَ تُخاطِبُك إلى الأبدِ قائلة: «اُدْعُنِي». ما زالت الصلاةُ جبّارة، ولا بدَّ أن تغلِبَ عند اللهِ لتأتيَك بخلاصِك. هذه بعضُ الأسبابِ التي من أجلها ذُكِرَ امتيازُ التضرُّعِ أيضًا في الكتابِ المقدَّسِ بوصفه واجبًا — وهناك أكثرُ من ذلك بكثير — لكن هذه تكفي هذا الصباح.
يجبُ ألَّا نترُكَ بابَنا الأوّلَ قبل أن نُبديَ ملاحظةً أخرى. علينا أن نفرحَ جدًّا بأنَّ اللهَ أعطانا هذه الوصيّةَ في كلمتِه لتكونَ ثابتةً باقية. يمكنك أن تُقلِّبَ خمسينَ موضعًا يُنطَقُ فيها بالفريضةِ عينِها. لا أقرأُ كثيرًا في الكتاب: «لَا تَقْتُلْ.» «لَا تَشْتَهِ». مرّتينِ أُعطيَت الشريعة، لكنني كثيرًا ما أقرأُ فرائضَ الإنجيل؛ فإن كانت الشريعةُ أُعطيَت مرّتين، فالإنجيلُ أُعطيَ سبعينَ مرّةً سبعَ مرّات. فمُقابلَ كلِّ فريضةٍ لا أقدرُ أن أحفظَها لضَعفي بالجسد، أجدُ ألفَ فريضةٍ يَحلو لي ويطيبُ أن أحفظَها بقوّةِ الروحِ القدسِ الساكنِ في أولادِ الله.
وهذا الأمرُ بالصلاةِ مُلَحٌّ عليه مرّةً بعد أخرى. ولعلَّه تَمرينٌ نافعٌ لبعضِكم أن تكتشفوا كم مرّةً أُمِرتم في الكتابِ بالصلاة. ستُدهَشون إذ ترَون كم مرّةً تُعطى كلماتٌ كهذه: «وَٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ». «يَا قَوْمُ. ٱسْكُبُوا قُدَّامَهُ قُلُوبَكُمْ.».
«اُطْلُبُوا ٱلرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ٱدْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.» «اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ.» «اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلَّا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ.» «صَلُّوا بِلَا ٱنْقِطَاعٍ.» «فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ ٱلنِّعْمَةِ» «اِقْتَرِبُوا إِلَى ٱللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ.» «وَاظِبُوا عَلَى ٱلصَّلَاةِ»
لا حاجةَ بي إلى الإكثارِ حيثُ لا أستطيعُ الاستقصاء. أَنتقي لُؤلؤتينِ أو ثلاثًا من هذا الكيسِ الكبير. تعالَ أيها المسيحيُّ، لا ينبغي لك قطُّ أن تشُكَّ في أنَّ لك حقًّا في الصلاة، ولا أن تسألَ يومًا: «أَيُؤذَنُ لي أن أدخُلَ إلى حضرتِه؟» فمتى كانت لك كلُّ هذه الوصايا — ووصايا اللهِ كلُّها وعودٌ وإقداراتٌ — جاز لك أن «فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ ٱلنِّعْمَةِ» بالطريقِ الحديثِ الحيِّ عبرَ الحِجابِ المشقوق. لكن ثَمَّةَ أوقاتٌ لا يأمرُ اللهُ شعبَه فيها بالصلاةِ في الكتابِ فحسب، بل يأمرُهم أيضًا بالصلاةِ مباشرةً بحَرَكاتِ روحِه القدُّوس.
أنتم يا مَن تعرِفون الحياةَ الباطنيّةَ تفهمونني للحال. تشعرون فجأةً، ربما في خِضَمِّ العمل، بفكرةٍ مُلِحّةٍ أن عليك أن تعتزلَ للصلاة. وقد لا تُلقي بالًا للميلِ في أوّلِ الأمر، لكنه يعودُ مرّةً وأخرى وثالثة: «اعتزِلْ وصَلِّ!» وأجدُ نفسي في أمرِ الصلاةِ أشبهَ بدولابِ ماءٍ يدورُ جيِّدًا حين يغزُرُ الماء، لكنه يدورُ بقوّةٍ ضئيلةٍ حين يشِحُّ الجدول. أو كسفينةٍ تطيرُ فوقَ الأمواجِ باسِطةً كلَّ قُلوعِها حين تكونُ الريحُ مواتية، لكنها تُناوِرُ بجهدٍ جهيدٍ حين لا يكونُ من النسيمِ المُعينِ إلَّا القليل.
ويلوحُ لي أنه متى أعطاك ربُّنا هذا الميلَ الخاصَّ إلى الصلاة، فعليك أن تُضاعِفَ اجتهادَك. ينبغي لك أن تُصلِّيَ في كلِّ حينٍ ولا تَمَلَّ، لكنه متى وهبك الشوقَ الخاصَّ إلى الصلاة، وأحسَستَ بمَيلٍ ولذّةٍ فيها، كان لك، فوقَ الأمرِ الملزِمِ دائمًا، أمرٌ آخرُ يُوجِبُ عليك طاعةً فَرِحة. وفي مثلِ هذه الأوقاتِ أظنُّنا نقفُ في موقفِ داودَ الذي قال له الربُّ: «وَعِنْدَمَا تَسْمَعُ صَوْتَ خَطَوَاتٍ فِي رُؤُوسِ أَشْجَارِ ٱلْبُكَا، حِينَئِذٍ ٱحْتَرِصْ».
لعلَّ ذلك الصوتَ في رؤوسِ أشجارِ البُكا كان وَقعَ أقدامِ ملائكةٍ يُسرِعون لنَجدةِ داود، وحينئذٍ كان على داودَ أن يضرِبَ الفِلِسطينيِّين. وحين تُقبِلُ مراحمُ الله، فإنَّ وَقعَ أقدامِها هو رغباتُنا في الصلاة. وينبغي أن تكونَ رغباتُنا في الصلاةِ في الحالِ دليلًا على أنَّ الميعادَ المُعيَّنَ للتحنُّنِ على صِهيَونَ قد أتى. ازرَعْ بغزارةٍ الآن، فإنك تستطيعُ أن تزرعَ على رجاء! احرُثْ فرِحًا الآن، فإنَّ حصادَك أكيد! صارِعِ الآنَ يا يعقوبُ، فإنك على وَشكِ أن تُجعَلَ أميرًا غالبًا ويُدعى اسمُك إسرائيل! الآنَ أوانُك أيها التُّجّارُ الروحيُّون! السوقُ رائجة، فتاجِرْ كثيرًا، فرِبحُك سيكونُ عظيمًا. احرِصْ أن تُحسِنَ استغلالَ الساعةِ الذهبيّة، واحصُدْ ما دامتِ الشمسُ مُشرِقة.
حين نتمتَّعُ بزياراتٍ من العُلى، ينبغي أن نكونَ مُواظِبينَ على الصلاةِ مواظبةً خاصّة. وإن أخذ واجبٌ آخرُ أقلُّ إلحاحًا المكانَ الأوّلَ حينًا، فلا ضَيرَ في ذلك ولن نخسَر؛ لأنه متى أمرَنا اللهُ بصلاةٍ خاصّةٍ بتنبيهاتِ روحِه، فحينئذٍ ينبغي أن ننهَضَ إلى الصلاة.
ثانيًا: لنأخُذِ الآنَ البابَ الثانيَ — الجوابُ الموعودُ به. لا ينبغي أن نُطيقَ لحظةً واحدةً تلك الفكرةَ المُرَوِّعةَ الأليمةَ أنَّ اللهَ لن يستجيبَ الصلاة! فطبيعتُه، كما تجلَّت في يسوعَ المسيح، تقتضي الاستجابة. لقد أعلن ذاتَه في الإنجيلِ إلهَ محبّةٍ مملوءًا نعمةً وحقًّا. فكيف يرفُضُ أن يُعينَ خلائقَه الذين يطلبون وجهَه ورضاه بتواضُعٍ في طريقِه المُعيَّن؟ حدث ذاتَ مرّةٍ أنَّ مجلسَ شيوخِ أثينا رأى من الأنسبِ أن يجتمعَ في العَراء، وبينما هم في مُداولاتهم، إذا بعصفورٍ يُطارِدُه بازٍ، طار نحوَ المجلس.
ولمَّا ضيَّق عليه طائرُ الجارِح، التجأ إلى حِضنِ أحدِ الشيوخ. فأخذه ذاك، وكان رجلًا فَظًّا غليظَ الطَّبع، من حِضنِه، وضرب به الأرضَ فقتلَه. فقام المجلسُ كلُّه في هِياج، وبلا صوتٍ واحدٍ مُخالِف، حكموا عليه بالموت، إذ رأوه غيرَ أهلٍ لمَقعدٍ بينهم في المجلس، ولا أن يُدعى أثينيًّا، إذ لم يُغِثْ مخلوقًا احتمى به. أفنَظُنُّ أنَّ إلهَ السماءِ، الذي طبيعتُه المحبّة، يمكنُ أن ينتزعَ من حِضنِه الحمامةَ المسكينةَ المُرتجِفةَ الهاربةَ من عُقابِ العدلِ إلى حِضنِ رحمتِه؟
أَيَدعونا إلى طلبِ وجهِه، فإذا نحن — كما يعلمُ — بعد رَجفةِ خوفٍ كثيرة، جمَعنا من الشجاعةِ ما يكفي لنَطيرَ إلى حِضنِه، أفيكونُ حينئذٍ من الظُّلمِ وقِلّةِ النعمةِ بحيث ينسى أن يسمعَ صُراخَنا ويُجيبَنا؟ لا نَظُنَّنَّ باللهِ هذا الظنَّ القاسي! ولنَذكُرْ بعدُ عظَمةَ سِيرتِه فضلًا عن طبيعتِه، أعني السِّيرةَ التي كسبها لنفسِه بأعمالِ نعمتِه الماضية. تأمَّلوا، يا إخوتي وأخواتي، ذلك الإظهارَ الباهرَ للجُود — ولو ذكرتُ ألفًا لَما أعطيتُ مثالًا لسيرةِ اللهِ أفضلَ من ذلك العملِ الواحد — «اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ٱبْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لِأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ،». وليس هذا استنتاجي وحدي، بل هي خُلاصةُ رسولٍ موحًى بها: «كَيْفَ لَا يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟»
إن كان الربُّ لم يرفُضْ أن يُصغيَ إلى صوتي حين كنتُ خاطئًا مُذنِبًا وعدُوًّا، فكيف يُهمِلُ صُراخي الآنَ وقد تبرَّرتُ وخَلَصتُ؟ كيف سمع صوتَ شَقائي حين كان قلبي لا يدري ولا يطلُبُ الفَرَج، إن كان لن يسمعَني الآنَ وأنا ابنُه وصديقُه؟ إنَّ جراحَ يسوعَ النازفةَ هي الضَّمانُ الأكيدُ لاستجابةِ الصلاة. يُصوِّرُ جورج هربرت في قصيدتِه الطريفةِ «الكِيس» المخلِّصَ قائلًا:
«إن كان لديك ما تُرسِلُه أو تكتُبُه — لا كِيسَ لي، لكن ها هنا مُتَّسَع — إلى يدَيْ أبي وناظرَيْه، فصدِّقْني، سيَصِلُ سالِمًا. وأنِّي سأُعنى بما تُودِعُني إيّاه. انظُرْ، لك أن تضعَه قريبًا جدًّا من قلبي. وإن استعملَني أحدٌ من الأصدقاءِ فيما بعدُ على هذا النحو، فالبابُ يظلُّ مفتوحًا؛ ما يُرسِلُه أُقدِّمُه، وأزيدُ عليه شيئًا، لا لأذاه.»
ولا شكَّ أنَّ فكرةَ جورج هربرت كانت أنَّ الكفّارةَ في ذاتها ضمانٌ لأنَّ الصلاةَ لا بدَّ أن تُسمَع — وأنَّ الجُرحَ العظيمَ قربَ قلبِ المخلِّص، الذي أدخل النورَ إلى أعماقِ قلبِ اللاهوت، كان بُرهانًا على أنَّ الجالسَ في السماءِ سيسمعُ صُراخَ شعبِه! إنك تُسيءُ قراءةَ الجُلجُثةِ إن ظننتَ الصلاةَ عبثًا. لكن، أيها الأحبّاء، لنا وعدُ الربِّ نفسِه على ذلك، وهو إلهٌ لا يقدرُ أن يكذِب: «وَٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ». أمَا قال: «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ.»؟ حقًّا لا نستطيعُ أن نُصلِّيَ ما لم نُؤمِنْ بهذا التعليم: «ٱلَّذِي يَأْتِي إِلَى ٱللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي ٱلَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ.».
وإن كان لنا أدنى تساؤلٍ عمَّا إذا كانت صلاتُنا ستُسمَع، فنحن أشباهُ المُرتاب: «ٱلْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ ٱلْبَحْرِ تَخْبِطُهُ ٱلرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلَا يَظُنَّ ذَلِكَ ٱلْإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ.». ثم إنه ليس ضروريًّا، لكنه قد يُقوِّي الحُجّةَ أن نُضيفَ أنَّ خِبرتَنا نفسَها تقودُنا إلى الإيمانِ بأنَّ اللهَ يستجيبُ الصلاة. لا يَحِقُّ لي أن أتكلَّمَ عنكم، لكن لي أن أتكلَّمَ عن نفسي. إن كان ثَمَّةَ شيءٌ أعرفُه، شيءٌ أنا منه على يقينٍ لا يُخالِطُه شكٌّ، فهو أنَّ أنفاسَ الصلاةِ لا تُنفَقُ عبثًا قط. وإن لم يستطعْ أحدٌ هنا أن يقولَها، فأنا أجرُؤُ أن أقولَها، وأعلمُ أني أستطيعُ أن أُبرهِنَها.
إنَّ اهتدائي أنا هو ثمرةُ صلاة — طويلةٍ حانيةٍ حارّةٍ مُلِحّة. صلَّى والداي من أجلي! وسمع اللهُ صُراخَهما، وها أنا هنا أكرِزُ بالإنجيل. ومنذ ذلك الحين أقدَمتُ على أمورٍ ظننتُها فوقَ طاقتي بكثير، لكنني لم أفشلْ قط، لأني ألقيتُ نفسي على الرب. تعلمون، بوصفِكم كنيسة، أني لم أتردَّدْ في أن أُطلِقَ لنفسي أفكارًا واسعةً عمَّا نستطيعُ أن نعملَه لله، وقد أنجزنا كلَّ ما قصَدناه. طلبتُ عونَ اللهِ ومَعونتَه ومُساعدتَه في كلِّ مساعِيَّ المتنوِّعة! ومع أني لا أستطيعُ أن أرويَ هنا قصةَ حياتي الخاصّةِ في عملِ الله، فلو كُتِبَت لكانت بُرهانًا قائمًا على أنَّ هناك إلهًا يستجيبُ الصلاة!
لقد سمع صلواتي، لا مرّةً بين الحينِ والحين، ولا مرّةً أو مرّتين، بل مرّاتٍ كثيرةً حتى صار عادةً لي أن أبسُطَ قضيّتي أمامَ الله، على يقينٍ تامٍّ أنَّ كلَّ ما أطلبُه من اللهِ سيُعطيني إيّاه. لم يَعُدِ الأمرُ الآنَ «رُبَّما» أو احتمالًا — أنا أعلمُ أنَّ ربي يستجيبُ لي، ولا أجرُؤُ أن أشُكَّ! بل تكونُ حماقةً لو شككتُ. وكما أنِّي واثقٌ أنَّ مقدارًا معيَّنًا من الرافعةِ يرفعُ ثِقلًا، كذلك أعلمُ أنَّ مقدارًا معيَّنًا من الصلاةِ ينالُ أيَّ شيءٍ من الله. وكما تأتي سحابةُ المطرِ بالوابِل، كذلك تأتي الصلاةُ بالبركة. وكما يَنثُرُ الربيعُ الأزهار، كذلك يَضمَنُ التضرُّعُ المراحم. في كلِّ تَعَبٍ منفعة، لكن أعظمُها في عملِ الشفاعة — وأنا على يقينٍ من هذا، فقد حَصَدتُه.
وكما أَثِقُ بعُملةِ المَلِكة، ولم يُخفِقْ بي قطُّ أن أشتريَ ما أُريدُ متى دفعتُ النَّقد، كذلك أَثِقُ بوعودِ الله، وأنوي أن أفعلَ ذلك حتى يقولَ لي مرّةً واحدةً إنها عُملةٌ زائفةٌ لا تصلُحُ للتجارةِ في سوقِ السماء. لكن لماذا أتكلَّمُ أنا؟ يا إخوتي وأخواتي، إنكم جميعًا تعلمون في أنفسِكم أنَّ اللهَ يستجيبُ الصلاة! وإن كنتم لا تعلمون، فأين مسيحيَّتُكم؟ وأين ديانتُكم؟ ستحتاجون أن تتعلَّموا مبادئَ حقِّ اللهِ الأُولى، فإنَّ القدِّيسينَ جميعًا، صغارًا وكبارًا، يُثبِتون أنه يستجيبُ الصلاة!
لكن تذكَّرْ أنَّ الصلاةَ تُرفَعُ دائمًا في خضوعٍ لمشيئةِ الله. حين نقول «اللهُ يستجيبُ الصلاة»، لا نَعني بذلك أنه يُعطينا حرفيًّا ما نطلبُه دائمًا. بل نَعني هذا: أنه يُعطينا ما هو خيرٌ لنا. وإن لم يُعطِنا الرحمةَ التي نطلبُها فِضّةً، وهبَها لنا ذهبًا. وإن لم ينزِعْ شوكةَ الجسد، فإنه يقول: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي»، وذلك يؤولُ إلى الغايةِ نفسِها في النهاية. قال اللوردُ بولينبروك للكونتيسةِ هَنتِنغدون: «لا أفهمُ، يا سيِّدتي، كيف تُوفِّقين بين الصلاةِ الحارّةِ والخضوعِ للمشيئةِ الإلهيّة.»
فقالت: «يا سيِّدي، هذا أمرٌ لا صعوبةَ فيه. لو كنتُ من حاشيةِ مَلِكٍ كريم، وأذِنَ لي أن أطلُبَ منه أيَّ معروفٍ شئتُ، لَحَرَصتُ أن أضعَه هكذا: ‹أَيَتَفضَّلُ جلالتُكم مُنعِمًا فيَمنَحُني كذا وكذا — لكن في الوقتِ نفسِه، وإن كنتُ أرغبُ فيه كثيرًا، فإن كان ينتقِصُ بأيِّ وجهٍ من كرامةِ جلالتِكم، أو إن بدا في حُكمِ جلالتِكم أنَّ الأفضلَ ألَّا أنالَه، فسأكونُ راضيةً بأن أُحرَمَه رِضايَ بأن أنالَه.› فترَينَ أني قد أرفعُ طِلبةً بحرارة، ومع ذلك أترُكُها بخضوعٍ في يدَيِ المَلِك.»
وكذا مع الله. لا نرفعُ صلاةً قطُّ دون أن نُدرِجَ تلك العبارة، بالروحِ أو باللفظ: «لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ. لِتَكُنْ لَا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ». ولا نستطيعُ أن نُصلِّيَ بلا «إنْ» إلَّا حين نكونُ على يقينٍ تامٍّ أنَّ مشيئتَنا لا بدَّ أن تكونَ مشيئةَ الله، لأنَّ مشيئةَ اللهِ هي مشيئتُنا بالتمام. وقد أحسنَ شاعرٌ كثيرًا ما ظُلِمَ إذ قال: «أيها الإنسانُ، اعتَبِرْ صلواتِك قصدَ محبّةٍ لنفسِك. واحسَبِ العنايةَ التي قادت إليها دليلًا على حُسنِ نيّةِ الله. فهكذا تُصلِّي بحقٍّ، وتلقى كلماتُك قبولًا. وأيضًا، إذ تُشفَعُ في الآخرين، كُنْ شاكرًا لِمِلءِ صلاتِك؛ فإنك إن كنتَ مُستعِدًّا أن تطلُبَ، فالربُّ أكثرُ استعدادًا أن يَهَب. المِلحُ يحفَظُ البحر، والقديسون يُقيمون الأرض. صلواتُهم هي الألفُ عمودٍ التي تُسنِدُ قُبّةَ الطبيعة.
«حقًّا، إنَّ ساعةً بلا صلاة، من عقلٍ أرضيٍّ ما، لَتكونُ لعنةً في تقويمِ الزمان، بُقعةً من ظُلمةِ الظلام. وربما كان اليومُ الرهيبُ الذي فيه يتداعى العالَمُ إلى خراب، يومًا لم تُبيِّضْه صلاة — أفيَجِدُ إيمانًا على الأرض؟ فإنَّ للرحمةِ اقتصادًا، كما للحكمةِ والقدرةِ والوسائل. ولا تُمنَحُ بركةٌ واحدةٌ بلا طلبٍ من خزانةِ الخير — والقلبُ الرحيمُ لذاك الذي الاتِّكالُ عليه سعادة، لا يمنَعُ عطاءً ما دام رعيَّتُه يُصلُّون. نعم، اطلُبْ ما شئتَ، حتى العرشِ الثاني في السماء، فهو لك، لِمَن عُيِّنَ له. لا حَدَّ للصلاة — لكنك إن كَفَفتَ عن الطلب، فارتَعِبْ أيها المخلوقُ المُعلِّقُ نفسَه، فإنَّ قوّتَك قد قُطِعَت كما قُطِعَت قوّةُ شَمشون، وساعةُ هلاكِك قد أتت.»
ثالثًا: آتي إلى نقطتِنا الثالثة، التي أراها مملوءةً تشجيعًا لكلِّ مَن يُمارِسون فنَّ الصلاةِ المُقدَّس — تشجيعُ الإيمان. «وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا». ولنُلاحِظْ أنَّ هذا قيلَ أصلًا لِنبيٍّ في السِّجن، ولذلك ينطبقُ، في المقامِ الأوّل، على كلِّ مُعلِّم، بل — إذ كان كلُّ مُعلِّمٍ لا بدَّ أن يكونَ مُتعلِّمًا — له صِلةٌ بكلِّ مُتعلِّمٍ في حقِّ الله.
إنَّ أفضلَ طريقٍ يعرِفُ به النبيُّ والمُعلِّمُ والمُتعلِّمُ حقائقَ اللهِ المُدَّخَرة — أسمى حقائقِه وأكثرَها سِرِّيّةً — هو الانتظارُ أمامَ اللهِ في الصلاة. وقد لاحظتُ بوجهٍ خاصٍّ بالأمسِ، وأنا أقرأُ سِفرَ النبيِّ دانيال، كيف كشف دانيالُ حُلمَ نبوخذنصَّر. لقد أخرج عرَّافو الكلدانيِّينَ وسَحَرتُهم ومُنجِّموهم كُتُبَهم العجيبةَ وأدواتِهم الغريبةَ المنظر، وأخذوا يُتَمتِمون رُقاهم وكلَّ ضروبِ التعاويذِ الغامضة، لكنهم فشلوا جميعًا.
فماذا فعل دانيال؟ انصرف إلى الصلاة، وإذ كان يعلمُ أنَّ صلاةَ جماعةٍ مُتَّحِدةٍ أقوى غَلَبةً من صلاةِ الواحد، نجدُه جمع إخوتَه وطلب إليهم أن يتَّحِدوا معه في صلاةٍ حارّةٍ ليتَفضَّلَ اللهُ في رحمتِه غيرِ المحدودةِ فيكشِفَ الرؤيا: «حِينَئِذٍ مَضَى دَانِيآلُ إِلَى بَيْتِهِ، وَأَعْلَمَ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا أَصْحَابَهُ بِٱلْأَمْرِ، لِيَطْلُبُوا ٱلْمَرَاحِمَ مِنْ قِبَلِ إِلَهِ ٱلسَّمَاوَاتِ مِنْ جِهَةِ هَذَا ٱلسِّرِّ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ دَانِيآلُ وَأَصْحَابُهُ مَعَ سَائِرِ حُكَمَاءِ بَابِلَ.».
وفي حالةِ يوحنا، الذي كان دانيالَ العهدِ الجديد، تذكُرون أنه رأى سِفرًا في يمينِ الجالسِ على العرش — سِفرًا مختومًا بسبعةِ خُتوم، لم يُوجَدْ مَن هو مُستحِقٌّ أن يفتحَه أو ينظُرَ إليه. فماذا فعل يوحنا؟ فُتِحَ السِّفرُ بعد حينٍ بيدِ الأسدِ الذي من سِبطِ يهوذا، الذي غلب ليَفتحَ السِّفر. لكن مكتوبٌ، أوّلًا، قبل أن يُفتحَ السِّفر: «أَبْكِي كَثِيرًا». نعم، ودموعُ يوحنا، التي كانت صلواتِه السائلة، كانت — في ما يخُصُّه — المفاتيحَ المُقدَّسةَ التي بها فُتِحَ السِّفرُ المَطويّ.
أيها الإخوةُ في الخدمة، ويا مُعلِّمي مدارسِ الأحد، وأنتم جميعًا يا مُتعلِّمي كليّةِ المسيحِ يسوع، أرجوكم أن تذكُروا أنَّ الصلاةَ هي أفضلُ وسائلِ دَرسِكم — فكدانيالَ ستفهمون الحُلمَ وتفسيرَه متى طلبتُمُ الله. وكيوحنا سترَون خُتومَ حقِّ اللهِ الثمينةِ السبعةَ تُفَكُّ بعد أن تكونوا قد بكيتُم كثيرًا. «إِنْ دَعَوْتَ ٱلْمَعْرِفَةَ، وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ إِلَى ٱلْفَهْمِ، إِنْ طَلَبْتَهَا كَٱلْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَٱلْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ ٱلرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ ٱللهِ.».
لا تنكسِرُ الحجارةُ إلَّا باستعمالِ المِطرقةِ باجتهاد، وكاسِرُ الحجارةِ عادةً يجثو على رُكبتيه. فاستعمِلْ مِطرقةَ الاجتهاد، ودَعْ رُكبتَيِ الصلاةِ تُمارَسان أيضًا، فما من عقيدةٍ صخريّةٍ في الإعلانِ نافعٍ لك أن تفهمَها إلَّا وتتناثرُ شظايا تحتَ مِزاولةِ الصلاةِ والإيمان. «Bene orasse est bene studuisse» جملةٌ حكيمةٌ لِلوثر، كثُر اقتباسُها حتى بِتنا لا نكادُ نجرُؤُ إلَّا على التلميحِ إليها: «مَن أحسنَ الصلاةَ فقد أحسنَ الدَّرس».
تستطيعُ أن تشُقَّ طريقَك عبرَ أيِّ شيءٍ برافعةِ الصلوات. قد تكونُ الأفكارُ والاستدلالاتُ كالأوتادِ الفولاذيّةِ التي تفتحُ مَنفَذًا إلى حقِّ الله، لكنَّ الصلاةَ هي الرافعةُ التي تفتحُ صندوقَ السِّرِّ المُقدَّسِ الحديديَّ عَنوةً حتى نبلُغَ الكنزَ المخبوءَ فيه لمن يقدرون أن يشُقُّوا طريقَهم إليه. ما زالت ملكوتُ السماواتِ تُغصَب، والغاصبونَ يختطِفونَها. فاحرِصْ أن تعملَ دائمًا بأداةِ الصلاةِ الجبّارة، فلا يَثبُتَ شيءٌ في وجهِك.
على أنه لا يجوزُ أن نقفَ عند هذا الحد. لقد طبَّقنا النَّصَّ على حالةٍ واحدةٍ فقط، وهو ينطبقُ على مئة. ونُفرِدُ حالةً أخرى. يستطيعُ القدِّيسُ أن يتوقَّعَ اكتشافَ خِبرةٍ أعمقَ ومعرفةَ المزيدِ عن الحياةِ الروحيّةِ الأعلى بمُلازَمةِ الصلاة. ولنصِّي ترجماتٌ مختلفة؛ فنُسخةٌ تُصيِّرُه: «سأُريك عظائمَ وأمورًا حصينةً لم تعرِفْها»، وأخرى تقرأُ: «عظائمَ وأمورًا مُدَّخَرةً لم تعرِفْها». وليست كلُّ مراحلِ الحياةِ الروحيّةِ في يُسرٍ واحدٍ من حيثُ البلوغُ إليها. فهناك حالاتُ التوبةِ والإيمانِ والفرحِ والرجاءِ ومشاعرُها العامّةُ التي تتمتَّعُ بها العائلةُ كلُّها — لكن ثَمَّةَ عالَمٌ أعلى من الوَجدِ والشَّرِكةِ والاتِّحادِ الواعي بالمسيح — بعيدٌ عن أن يكونَ المسكنَ المألوفَ للمؤمنين.
كلُّ المؤمنين يرَون المسيح، لكن ليس كلُّهم يضَعون أصابعَهم في أثرِ المسامير، ولا يمُدُّون أيديَهم إلى جنبِه. ليس لنا امتيازُ يوحنا الرفيعُ أن نتَّكئَ على صدرِ يسوع، ولا امتيازُ بولسَ أن نُختَطَفَ إلى السماءِ الثالثة. في فُلكِ الخلاصِ نجدُ طبقةً سُفلى وثانيةً وثالثة. الكلُّ في الفُلك، لكن ليس الكلُّ في الطبقةِ نفسِها. وأكثرُ المسيحيِّين، من جهةِ نهرِ الخِبرة، إنما بلغ الماءُ كَعبَيهم فقط. وآخرون خاضوا حتى بلغ الجدولُ رُكبتيهم. وقليلون يجدونه إلى صدورِهم. وقليلون — آهِ ما أقلَّهم! — يجدونه نهرًا يَسبَحون فيه لا يقدرون أن يمَسُّوا قاعَه.
يا إخوتي، إنَّ في المعرفةِ الاختباريّةِ لأمورِ اللهِ ذُرًى لم ترَها عينُ النَّسرِ الثاقبةُ من الفِطنةِ والفكرِ الفلسفيِّ قط. وثَمَّةَ سُبُلٌ خفيّةٌ لم يتعلَّمْ بعدُ شِبلُ العقلِ والحُكمِ أن يسلُكَها. اللهُ وحدَه يقدرُ أن يحمِلَنا إلى هناك، لكنَّ المركبةَ التي يرفعُنا بها، والخيلَ الناريّةَ التي تجُرُّ تلك المركبة، هي صلواتٌ غالِبة. الصلاةُ الغالبةُ مُنتصِرةٌ على إلهِ الرحمة: «بِقُوَّتِهِ جَاهَدَ مَعَ ٱللهِ. جَاهَدَ مَعَ ٱلْمَلَاكِ وَغَلَبَ. بَكَى وَٱسْتَرْحَمَهُ. وَجَدَهُ فِي بَيْتِ إِيلَ وَهُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَنَا.». الصلاةُ الغالبةُ تأخُذُ المسيحيَّ إلى الكَرمَل، وتُمكِّنُه أن يُغطِّيَ السماءَ بسُحُبِ البركةِ والأرضَ بسيولِ الرحمة.
الصلاةُ الغالبةُ تحمِلُ المسيحيَّ عاليًا إلى فِسجةَ وتُريه الميراثَ المُدَّخَر. نعم، وترفعُه إلى تابورَ فتُغيِّرُ هيئتَه، حتى يصيرَ على شبهِ ربِّه؛ فكما هو، هكذا نحنُ أيضًا! في هذا العالَم، إن أردتَ أن تبلُغَ ما هو أعلى من الخِبرةِ الزاحفةِ العاديّة، فانظُرْ إلى الصخرةِ التي أرفعُ منك، وانظُرْ بعينِ الإيمانِ عبرَ نوافذِ الصلاةِ المُلِحّة. فلكي تنمُوَ في الخِبرة، لا بدَّ من صلاةٍ كثيرة.
احتَمِلوني قليلًا وأنا أُطبِّقُ هذا النَّصَّ على حالتينِ أو ثلاثٍ أُخَر. إنه صحيحٌ يقينًا في شأنِ المُتألِّمِ تحتَ التجربة؛ فإنِ انتظر اللهَ في الصلاة، نال إنقاذاتٍ أعظمَ بكثيرٍ مما حلُمَ به قط — «بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا». وهذه شهادةُ إرميا: «دَنَوْتَ يَوْمَ دَعَوْتُكَ. قُلْتَ: ‹لَا تَخَفْ!› خَاصَمْتَ يَا سَيِّدُ خُصُومَاتِ نَفْسِي. فَكَكْتَ حَيَاتِي.». وشهادةُ داودَ مثلُها: «مِنَ ٱلضِّيقِ دَعَوْتُ ٱلرَّبَّ فَأَجَابَنِي مِنَ ٱلرُّحْبِ.... أَحْمَدُكَ لِأَنَّكَ ٱسْتَجَبْتَ لِي وَصِرْتَ لِي خَلَاصًا.».
وأيضًا: «فَصَرَخُوا إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، فَأَنْقَذَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ، وَهَدَاهُمْ طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا لِيَذْهَبُوا إِلَى مَدِينَةِ سَكَنٍ.». قالت المرأةُ المسكينة: «مات زوجي، وجاء دائني ليأخُذَ ابنَيَّ عبدَينِ». كانت ترجو أن يقولَ إيليَّا لعلَّه: «كم دُيونُك؟ أنا أُوفيها». لكنه، عوضَ ذلك، كثَّرَ زيتَها حتى كُتِبَ: «ٱذْهَبِي بِيعِي ٱلزَّيْتَ وَأَوْفِي دَيْنَكِ،» — فما هو تكملةُ «و»؟ — «وَعِيشِي أَنْتِ وَبَنُوكِ بِمَا بَقِيَ». وهكذا كثيرًا ما يحدُثُ أنَّ اللهَ لا يُعينُ شعبَه على اجتيازِ المواضعِ الوَحِلةِ في الطريقِ حتى يقِفوا على الجانبِ الآخرِ من المُستنقعِ فحسب، بل يأتي بهم بسلامٍ بعيدًا في الرحلة.
تلك كانت معجزةً عجيبة، حين جاء يسوعُ المسيحُ في وسطِ العاصفةِ ماشيًا على البحر! قبِلَه التلاميذُ في السفينة، ولم يهدأِ البحرُ فحسب، بل هو مكتوبٌ: «وَلِلْوَقْتِ صَارَتِ ٱلسَّفِينَةُ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِي كَانُوا ذَاهِبِينَ إِلَيْهَا.». تلك كانت رحمةً فوقَ ما طلبوا. وأسمعُكم أحيانًا تُصلُّون وتستعملون اقتباسًا ليس في الكتاب: «قادرٌ أن يفعلَ فوقَ كلِّ شيءٍ أكثرَ جدًّا مما نقدرُ أن نطلُبَ أو نفتكِر». ليس هكذا مكتوبًا في الكتاب. أنا لا أعرفُ ما نقدرُ أن نطلُبَه أو ما نقدرُ أن نفتكِرَ فيه. لكنه مكتوبٌ: «وَٱلْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ».
فلنَقُلْ إذن، أيها الأحبّاء، متى كنا في ضِيقٍ عظيم: «الآنَ أنا في السِّجن. وكإرميا سأُصلِّي كما صلَّى، فلي أمرُ اللهِ بذلك. وسأتطلَّعُ كما تطلَّع، مُنتظِرًا أن يُريَني مراحمَ مُدَّخَرةً لا أعلمُ عنها شيئًا الآن». لن يجتازَ بشعبِه المعركةَ ساتِرًا رؤوسَهم فيها فحسب، بل سيُخرِجُهم برايَاتٍ خافقةٍ ليَقتسِموا الغنيمةَ مع الأعِزّاءِ ويُطالِبوا بنصيبِهم مع الأقوياء! توقَّعوا أمورًا عظيمةً من إلهٍ يُعطي وعودًا عظيمةً كهذه!
وأيضًا، ها هنا تشجيعٌ للعامِل. أكثرُكم يعملُ شيئًا للمسيح، ويسُرُّني أن أقولَ هذا وأنا لا أُداهِنُكم. أحبّائي، لازِموا اللهَ كثيرًا في الصلاة، ولكم الوعدُ أنه سيصنعُ لكم أمورًا أعظمَ مما تعلمون. لا نعلمُ كم فينا من طاقةٍ للنفع. ذلك فَكُّ الحمارِ المُلقى هناك على الأرض — ماذا يقدرُ أن يعمل؟ لا أحدَ يدري. لكنه يقعُ في يدِ شَمشون — فماذا لا يقدرُ أن يعمل؟ لا أحدَ يعرفُ ما لا يقدرُ عليه الآنَ وقد أمسكَه شَمشون! وأنتَ يا صديقي، كثيرًا ما ظننتَ نفسَك حقيرًا كذلك العظم، وقلتَ: «ماذا أقدرُ أن أعمل؟» أجل، لكن حين يُمسِكُك المسيحُ بروحِه — فماذا لا تقدرُ أن تعمل؟
حقًّا لك أن تتبنَّى كلامَ بولسَ وتقول: «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يُقَوِّينِي.». على أنَّه لا تعتمِدْ على الصلاةِ بلا جُهد. في إحدى المدارسِ كانت فتاةٌ تعرفُ الرب، طفلةٌ صالحةٌ بسيطةُ القلبِ واثقة. وكعادةِ نعمةِ اللهِ نَمَت فيها بحسبِ موقعِها؛ فكانت دروسُها أفضلَ ما يُلقى في الصف. فقالت لها فتاةٌ أخرى: «كيف تكونُ دروسُك دائمًا مُتقَنةً هكذا؟» قالت: «أُصلِّي إلى اللهِ أن يُعينَني على حِفظِ درسي». فقالت الأخرى في نفسِها: «إذن سأفعلُ مثلَها». وفي صباحِ الغدِ حين وقفَت في الصفِّ لم تعرِفْ شيئًا. ولمَّا وقعَت في الخِزيِ شكَت للأخرى: «صلَّيتُ إلى اللهِ أن يُعينَني على حِفظِ درسي فلا أعرفُ منه شيئًا. فما فائدةُ الصلاة؟»
«لكن هل جلستِ وحاولتِ أن تحفَظيه؟» «كلَّا»، قالت، «لم أنظُرْ إلى الكتابِ قط». «آهِ، إذن»، قالت الأخرى، «أنا طلبتُ إلى اللهِ أن يُعينَني على حِفظِ درسي — لكني حينئذٍ جلستُ إليه باجتهادٍ وواظبتُ عليه حتى أتقنتُه، وحفظتُه بيُسر، لأنَّ رغبتي الحارّةَ التي رفعتُها إلى اللهِ كانت: أَعِنّي أن أجتهدَ في أداءِ واجبي». وهكذا بعضُ الذين يأتون إلى اجتماعاتِ الصلاةِ فيُصلُّون، ثم يَطوون أذرُعَهم ويمضون راجينَ أن يمضيَ عملُ الله. كتلك المرأةِ التي كانت تُرنِّمُ: «طيري في الآفاقِ أيها الإنجيلُ الجبّار»، لكنها لا تضعُ فلسًا في الطبق — حتى لمَسَتها صاحبتُها وقالت: «لكن كيف يطيرُ إن لم تُعطِه جناحينِ يطيرُ بهما؟»
وكثيرون يبدون أقوياءَ جدًّا في الصلاة، عجيبينَ في التضرُّعات! لكنهم يطلبون إلى اللهِ أن يعملَ ما يقدرون هم أن يعملوه، ولذلك لا يعملُ اللهُ لهم شيئًا البتَّة. قال أعرابيٌّ مرّةً لِمُحمَّد: «سأترُكُ جَمَلي دون عِقالٍ وأتوكَّلُ على العناية». فقال محمَّد: «اعقِلْه، ثم توكَّلْ على العناية». فأنتَ الذي تقول: «سأُصلِّي وأترُكُ كنيستي أو صفِّي أو عملي لصلاحِ الله»، خيرٌ لك أن تسمعَ صوتَ الخِبرةِ والحكمةِ القائل: «افعَلْ أفضلَ ما عندَك. اعمَلْ كأنَّ كلَّ شيءٍ مُتَّكِلٌ على كَدِّك — كأنَّ سعيَك وحدَه يأتي بخلاصِك. ومتى عملتَ كلَّ شيء، فألقِ نفسَك عليه، الذي بدونِه باطلٌ أن تُبكِّرَ في القيامِ وتتأخَّرَ في الجلوسِ وتأكُلَ خبزَ العناء. وإن أنجحَك فأَعطِه المجد».
لن أُطيلَ عليكم دقائقَ كثيرةً أخرى، لكني أُريدُ أن أُلاحِظَ أنَّ هذا الوعدَ خليقٌ أن يكونَ نافعًا لتعزيةِ الذين يَشفَعون في غيرِهم. أنتم يا مَن تدعون اللهَ أن يُخلِّصَ أولادَكم، ويُبارِكَ جيرانَكم، ويذكُرَ أزواجَكم أو زوجاتِكم بالرحمة، لكم أن تتعزَّوا بهذا! «وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا». كان خادمٌ شهيرٌ في القرنِ الماضي، يُدعى السيِّدَ بايلي، ابنًا لأمٍّ تقيّة. وكانت هذه الأمُّ قد كادت تكُفُّ عن الصلاةِ من أجلِ زوجِها، وكان رجلًا في غايةِ الفُجورِ ومُضطهِدًا مريرًا.
صلَّت الأمُّ من أجلِ ابنِها، وبينما هو بعدُ في الحاديةَ عشْرةَ أو الثانيةَ عشْرةَ من عُمرِه، أدركَته الرحمةُ الأبديّة. وكان الطفلُ من العلمِ العذبِ بأمورِ ملكوتِ اللهِ بحيث طلبَت إليه أمُّه — وظلَّ حينًا يفعلُ ذلك دائمًا — أن يقودَ عبادةَ العائلةِ في البيت. صباحًا ومساءً كان هذا الصغيرُ يفتحُ الكتابَ المقدَّس. ومع أنَّ الأبَ كان يأنَفُ أن يقفَ لعبادةِ العائلة، فإنه في إحدى المرّاتِ أخذه الفُضولُ ليعرِفَ «أيَّ شيءٍ سيصنعُ الصبيُّ»، فوقف من الجانبِ الآخرِ من الباب، فبارَكَ اللهُ صلاةَ ابنِه، وهو دون الثالثةَ عشْرةَ، فكانت سببَ اهتدائه!
قالت الأمُّ: «حَقيقٌ بي أن أقرأَ نَصِّي بعينينِ دامعتينِ وأقول: نعم يا ربُّ، لقد أريتَني عظائمَ وعوائصَ لم أعرِفْها! فلم تُخلِّصْ ابني فحسب، بل بواسطةِ ابني أتيتَ بزوجي إلى الحق». لا تقدرون أن تُخمِّنوا كم سيُبارِكُكم اللهُ عظيمًا! فقط اذهَبوا وقِفوا عند بابِه — لا تدرون ما هو مُدَّخَرٌ لكم. إن لم تسألوا البتَّة، فلن تنالوا شيئًا. لكن إن سألتُم، فقد لا يُعطيكم العظامَ وفُتاتَ اللحمِ فحسب، بل قد يقولُ للخادمِ عند مائدتِه: «خُذْ ذلك الطعامَ الشهيَّ وضَعْه أمامَ المسكين».
ذهبت راعوثُ لتَلتقِط، وكانت ترجو أن تجمعَ سنابلَ قليلةً طيِّبة — لكنَّ بوعزَ قال: «دَعُوهَا تَلْتَقِطْ بَيْنَ ٱلْحُزَمِ أَيْضًا وَلَا تُؤْذُوهَا.». وقال لها أيضًا: «عِنْدَ وَقْتِ ٱلْأَكْلِ تَقَدَّمِي إِلَى هَهُنَا وَكُلِي مِنَ ٱلْخُبْزِ، وَٱغْمِسِي لُقْمَتَكِ فِي ٱلْخَلِّ». فوجدَت زوجًا حيثُ لم تكن ترجو إلَّا حُفنةَ شعير. وهكذا في الصلاةِ من أجلِ الآخرين، قد يُعطينا اللهُ من المراحمِ ما يُدهِشُنا، إذ لم نكن نتوقَّعُ إلَّا القليل. اسمَعوا ما قيلَ عن أيوبَ وتعلَّموا دَرسَه: «وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لِأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلَّا أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ ٱلصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ... وَرَدَّ ٱلرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لِأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ ٱلرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لِأَيُّوبَ ضِعْفًا.».
والآنَ كلمةٌ أختِمُ بها. بعضُكم طالبونَ اهتداءَ أنفُسِكم. لقد أحياكمُ اللهُ إلى صلاةٍ جادّةٍ عن نفوسِكم. لستم راضينَ أن تذهبوا إلى الجحيم؛ تريدون السماء، تريدون الاغتسالَ بالدمِ الكريم، تريدون الحياةَ الأبديّة. أيها الأحبّاء، أرجوكم أن تأخُذوا هذا النَّصَّ — اللهُ نفسُه يقولُه لكم — «اُدْعُنِي فَأُجِيبَكَ وَأُخْبِرَكَ بِعَظَائِمَ وَعَوَائِصَ لَمْ تَعْرِفْهَا.». خُذوا اللهَ عند كلمتِه في الحال. ارجِعوا إلى بيوتِكم، ادخُلوا مَخادِعَكم، أغلِقوا الأبوابَ وجرِّبوه!
أيها الشابُّ، أقولُ لك: جَرِّبِ الرب! أيتها الشابّة، امتحِنيه — انظُري أصادقٌ هو أم لا! إن كان اللهُ صادقًا، فلا يمكنُ أن تطلُبَ الرحمةَ من يدِه بيسوعَ المسيحِ فتنالَ جوابًا سلبيًّا. لا بدَّ له — إذ يُلزِمُه بذلك وعدُه وسِيرتُه — أن يفتحَ لك بابَ الرحمةِ يا مَن تَقرَعُ بكلِّ قلبِك! أعانَكمُ اللهُ، وأنتم مؤمنون بيسوعَ المسيح، أن تصرُخوا إلى الله، فجوابُ سلامِه في طريقِه إليكم بالفعل! ستسمعونه يقول: «قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا ٱلْكَثِيرَةُ». بارَكَكمُ الربُّ من أجلِ محبّتِه. آمين.
[ملاحظة — في عِظةٍ سابقة، إذ كنا نُندِّدُ بضلالِ «عدمِ اعترافِ المؤمنينَ بالخطيّة»، نَسَبنا خطأً تلك الهرطقةَ الفظيعةَ إلى إخوةِ بلايموث. وقد علِمنا منذ ذلك أنَّ الأشخاصَ الذين قصَدناهم قد طُرِدوا من تلك الجماعة، ولذلك نرغبُ في تبرئةِ الطائفةِ من ذنبٍ ليسوا مُذنِبينَ به. ونحن آسِفون على توجيهِ هذا الاتِّهام، إذ من أبعدِ ما نودُّ أن نتكلَّمَ بالشرِّ على أحد، لكننا لم نكن على علمٍ بطردِ المُذنِبين.]
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.