النص
أعمال 9:11
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
تُؤرِّخ السماء أول صلاةٍ لشاول إلى طريق دمشق—مع أنَّ هذا الفرّيسيَّ كان يصعد إلى الهيكل مرتين في اليوم سنين طوالًا. يقرأ سبرجن «هُوَذَا يُصَلِّي» بوصفها إعلانًا وحجّةً معًا: العلامة التي أرسلت حنانيا إلى بيت مضطهِد، وبرهانًا على صدقٍ لا يقدر أيُّ ادّعاءٍ أن يُزيِّفه. الصلاة تجعل الإنسان يكفُّ عن الخطية، أو الخطية تجعله يكفُّ عن الصلاة.
«لِأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي»—أعمال 9:11.
لله طرقٌ كثيرةٌ لإخماد الاضطهاد. فهو لا يدع كنيسته تُؤذَى من أعدائها ولا تَغرق تحت خصومها؛ ولا تُعوزه الوسائل ليصرف طريق الأشرار أو يقلبه رأسًا على عقب. وبطريقين اثنين عادةً يبلغ غايته: تارةً بإرباك المضطهِد، وتارةً على نحوٍ أبرك، بردِّه إلى الإيمان. فأحيانًا يُربك أعداءه ويُخزيهم؛ يجعل العرَّاف مجنونًا؛ ويدع الذي يقوم عليه يَهلك هلاكًا تامًّا، ويتركه يندفع إلى دماره، ثم في النهاية يلتفت في سخريةٍ ظافرةٍ على الذي رجا أن يقول لكنيسة الله: هَه! هَه! ولكنه في أحيانٍ أخرى، كما في هذه الحال، يردُّ المضطهِد. وهكذا يُحوِّل العدوَّ صديقًا؛ ويجعل مَن كان محاربًا للإنجيل جنديًّا له. من الظلمة يُخرج نورًا؛ ومن الآكل يُخرج أُكلًا؛ بل من القلوب الحجرية يُقيم أولادًا لإبراهيم. هكذا كانت حال شاول. فما من متعصِّبٍ أشدَّ هياجًا منه يمكن تصوُّره. لقد تلطَّخ بدم استفانوس حين رجموه حتى الموت؛ وكان من فرط اندفاعه في قسوته أنَّ الرجال وضعوا ثيابهم عند قدمَي شابٍّ اسمه شاول. وإذ كان مقيمًا في أورشليم، في مدرسة غمالائيل، كان يلتقي على الدوام بتلاميذ ذاك الناصري؛ فكان يسخر منهم، ويشتمهم وهم عابرون في الطريق؛ واستصدر ضدهم أحكامًا، وأسلمهم إلى الموت؛ والآن، بلوغًا للذروة، إذ ذاق هذا الوحشُ الدمَ، ازداد جنونًا، وعزم أن يمضي إلى دمشق ليُشبِع نفسه من دماء الرجال والنساء؛ ليقيِّد المسيحيين ويسوقهم إلى أورشليم، حيث يقاسون ما كان يحسبه عقابًا عادلًا على بدعتهم وارتدادهم عن دينهم القديم. ولكن، آه، ما أعجب قدرة الله! فإنَّ يسوع أوقف هذا الرجل في مسيرته المجنونة؛ في اللحظة التي كان فيها مصوِّبًا رمحه منقضًّا على المسيح. التقاه المسيح، وأسقطه عن جواده، وطرحه أرضًا، وسأله: «شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟». ثم نزع بنعمته قلبه المتمرِّد—وأعطاه قلبًا جديدًا وروحًا مستقيمًا—وحوَّل مقصده وغايته—وقاده إلى دمشق—وطرحه ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ—وكلَّمه—وأجرى في أذنيه أصواتًا خفيّةً همسًا—وأضرم نفسه كلها نارًا؛ وحين نهض أخيرًا من ذاك السُّبات الذي دام ثلاثة أيام، وبدأ يصلّي، عندئذٍ نزل يسوع من السماء، وجاء في رؤيا إلى حنانيا وقال: «قُمْ وَٱذْهَبْ إِلَى ٱلزُّقَاقِ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ ٱلْمُسْتَقِيمُ، وَٱطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلًا طَرْسُوسِيًّا ٱسْمُهُ شَاوُلُ. لِأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي».
أولًا، كان نصُّنا إعلانًا؛ «هُوَذَا يُصَلِّي». وثانيًا، كان حجّةً؛ «لِأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي». ثم، في الختام، سنحاول أن نجعل منه تطبيقًا على قلوبكم. ومع أنَّ التطبيق هو عمل الله وحده، فإننا نثق أنه سيُسَرُّ أن يُجريَ ذاك التطبيق فيما تُبشَّرون بالكلمة هذا الصباح.
أولًا: هنا كان إعلانٌ؛ «اذهب إلى بيت شاول الطرسوسي؛ لِأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي». ودون أيّ مقدّمة، دعوني أقول إنَّ هذا كان إعلانًا عن أمرٍ لوحِظ في السماء؛ وكان مفرحًا للملائكة؛ وكان مذهلًا لحنانيا؛ وكان أمرًا مستجَدًّا عند شاول نفسه.
كان إعلانًا عن أمرٍ لوحِظ في السماء. فإنَّ شاول المسكين قد سِيق ليصرخ طالبًا الرحمة، وفي اللحظة التي بدأ فيها يصلّي، بدأ الله يسمع. أفلا تلاحظون، وأنتم تقرأون الأصحاح، أيَّ التفاتٍ أولاه الله لشاول؟ عرف الزقاق الذي يسكن فيه: «ٱلزُّقَاقِ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ ٱلْمُسْتَقِيمُ». وعرف البيت الذي يقيم فيه: «ٱطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا». وعرف اسمه؛ كان شَاوُلُ. وعرف الموضع الذي جاء منه: «رَجُلًا طَرْسُوسِيًّا ٱسْمُهُ شَاوُلُ». وعرف أنه قد صلّى: «هُوَذَا يُصَلِّي». آه! إنها لحقيقةٌ مجيدةٌ أنَّ الصلوات مرصودةٌ في السماء. فالخاطئ المسكين المنكسر القلب، إذ يصعد إلى مخدعه، يجثو على ركبتيه، ولا يقدر إلا أن يبثَّ نحيبه بلغة التنهُّدات والدموع. وهوذا! تلك الأنَّة قد جعلت كلَّ قيثارات السماء ترتعش طربًا؛ وتلك الدمعة قد التقطها الله وحفظها في وعاء دموع السماء لتُصان إلى الأبد. والمتضرِّع الذي يمنع خوفُه كلماته، يفهمه العليُّ حقَّ الفهم. قد لا يذرف سوى دمعةٍ عجلى واحدة؛ ولكن «الصلاة هي انهمار دمعة». الدموع هي جواهر السماء؛ والتنهُّدات جزءٌ من موسيقى عرش يهوه؛ فمع أنَّ الصلوات هي
«أبسطُ صيغةٍ للنطق
يُحاولها ثغرُ الرُّضَّع»؛
فهي أيضًا
«أسمى الألحان التي تبلغ جلالَ العُلى».
دعوني أُفيض في هذا الفكر لحظةً. الصلوات مرصودةٌ في السماء. آه! إني أعرف حال كثيرين منكم. تظنُّون: «إن رجعتُ إلى الله، إن طلبتُه، فأنا كائنٌ حقيرٌ إلى حدٍّ، ومذنبٌ ودنيءٌ إلى حدٍّ، لا يُتصوَّر معه أن يلتفت إليَّ». يا أصدقائي، لا تُضمروا مثل هذه الأفكار الوثنية. فإلهنا ليس إلهًا يجلس في حلمٍ دائم؛ ولا يلتحف بظلامٍ كثيفٍ حتى لا يرى؛ وليس كبعلٍ لا يسمع. حقًّا قد لا يعبأ بالمعارك؛ ولا يهتمُّ بأُبَّهة الملوك ومواكبهم؛ ولا يُصغي إلى صخب الموسيقى الحربية؛ ولا ينظر إلى انتصار الإنسان وكبريائه؛ ولكن حيثما وُجد قلبٌ مثقلٌ بالحزن، وحيثما وُجدت عينٌ مغرورقةٌ بالدموع، وحيثما وُجدت شفةٌ ترتجف من الألم، وحيثما وُجدت أنّةٌ عميقةٌ أو تنهُّدةُ توبة، فإنَّ أذن يهوه مفتوحةٌ على مصراعيها؛ يُدوِّنها في سجلِّ ذاكرته؛ ويضع صلواتنا، كأوراق الورد، بين صفحات كتاب تذكاره، ومتى فُتح السِّفر أخيرًا فاح منه عبيرٌ ثمين. آه! أيها الخاطئ المسكين، يا أحلك الناس وأدناهم، صلواتك مسموعةٌ، وحتى الآن قد قال الله عنك: «هُوَذَا يُصَلِّي». أين كان ذلك—في حظيرة؟ أين كان—في المخدع؟ أكان عند سريرك هذا الصباح، أم في هذه القاعة؟ أتُصعِّد الآن عينك نحو السماء؟ تكلَّم، أيها القلب المسكين؛ هل سمعتُ شفتيك قبل قليلٍ تُتمتمان: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ»؟ أقول لك، أيها الخاطئ، إنَّ أمرًا واحدًا يفوق البرق الخاطف. تعلمون أنَّا نقدر الآن أن نُرسل رسالةً ونتلقَّى جوابًا في لحظات؛ ولكني أقرأ في الكتاب عن شيءٍ أسرع من التيار الكهربائي: «قَبْلَمَا يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ». إذًا، أيها الخاطئ المسكين، أنت مرصودٌ؛ بل أنت مسموعٌ لدى الجالس على العرش.
ثانيةً: كان هذا إعلانًا عن أمرٍ مفرحٍ للسماء. فنصُّنا مصدَّرٌ بكلمة «هوذا»، إذ لا ريب أنَّ مخلِّصنا نفسه نظر إليه بفرح. مرةً واحدةً فقط نقرأ عن ابتسامةٍ استقرَّت على وجه يسوع، حين رفع عينه إلى السماء وهتف: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا ٱلْآبُ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلْأَرْضِ، لِأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هَذِهِ عَنِ ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلْأَطْفَالِ. نَعَمْ أَيُّهَا ٱلْآبُ، لِأَنْ هَكَذَا صَارَتِ ٱلْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ». راعي نفوسنا يبتهج برؤية خرافه محفوظةً في الحظيرة، وينتصر بالروح حين يردُّ تائهًا إلى البيت. وأتصوَّر أنه حين نطق بهذه الكلمات لحنانيا، لا بد أن إحدى ابتسامات الفردوس أشرقت من عينيه. «هوذا»، لقد ربحتُ قلب عدوي، وخلَّصتُ مضطهِدي، وها هو الآن يجثو عند قدمي، «هُوَذَا يُصَلِّي». يسوع نفسه قاد النشيد، مبتهجًا بالمهتدي الجديد بالترنُّم. لقد فرح يسوع المسيح، وابتهج بذلك الخروف الضالِّ أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضلّ. والملائكة فرحت أيضًا. فإنه حين يولد أحد مختاري الله، تقف الملائكة حول مهده. ثم يكبر، ويندفع في الخطية: فتتبعه الملائكة، تقتفي أثره في كل طريقه؛ تنظر بحزنٍ إلى ضلالاته الكثيرة. وعمّا قليلٍ يُؤتى بالرجل تحت صوت الإنجيل. فيقول الملاك: «هوذا يبتدئ يسمع». وينتظر قليلًا، فتغوص الكلمة في قلبه، وتنحدر دمعةٌ على خدِّه، وأخيرًا يصرخ من أعماق نفسه: «اللهم ارحمني!». فانظر! يُصفِّق الملاك بجناحيه، ويطير إلى السماء قائلًا: «أيها الملائكة الإخوة، أنصتوا إليَّ: ‹هُوَذَا يُصَلِّي›». عندئذٍ يُقرِعون أجراس السماء؛ ويقيمون احتفالًا في المجد؛ ويهتفون ثانيةً بأصواتٍ مبتهجة، فإني الحقَّ أقول لكم: «يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلَائِكَةِ ٱللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ». إنهم يراقبوننا حتى نصلّي، ومتى صلّينا قالوا: «هُوَذَا يُصَلِّي».
وفوق ذلك، يا أحبائي، قد تكون في السماء أرواحٌ أخرى تفرح، غير الملائكة. أولئك هم أحباؤنا الذين سبقونا. ليس لي أقرباء كثيرون في السماء، ولكن لي واحدةٌ أحبها حبًّا جمًّا، لا أشكُّ أنها كثيرًا ما صلّت لأجلي، فقد حضنتني وأنا طفلٌ ورعتني شطرًا من طفولتي، وهي الآن تجلس أمام العرش في المجد—إذ اختُطفت فجأةً. وأتخيَّلها إذ نظرت إلى حفيدها الحبيب، ورأته في طرق الخطية والرذيلة والحماقة، لم تستطع أن تنظر بحزن، إذ لا دموع في عيون الممجَّدين؛ ولم تستطع أن تنظر بأسف، إذ لا يعرفون مثل هذا الشعور أمام عرش الله؛ ولكن آه! تلك اللحظة التي فيها، بالنعمة السياديّة، سِيقتُ إلى الصلاة، حين جثوتُ وحدي وصارعتُ، أظنُّني أراها وهي تقول: «هُوَذَا يُصَلِّي؛ هُوَذَا يُصَلِّي». آه! إني أتصوَّر محيّاها. لقد بدا أنَّ لها سماءين للحظة، وغبطةً مضاعفة، سماءً فيَّ كما في ذاتها—حين قدرت أن تقول: «هُوَذَا يُصَلِّي». آه أيها الشابُّ، ها إنَّ أمك تمشي في الشوارع الذهبية. إنها تنظر إليك في هذه الساعة. لقد حضنتك؛ وعلى صدرها اضطجعتَ وأنت طفلٌ صغير، وكرَّستك ليسوع المسيح. ومن السماء ما برحت ترقبك بذلك الاهتمام الشديد الذي يوافق السعادة؛ وهذا الصباح تنظر إليك. ماذا تقول أيها الشاب؟ أيقول لك المسيح بروحه في قلبك: «تَعَالَوْا إِلَيَّ»؟ أتذرف دمعة التوبة؟ أظنُّني أرى أمك وهي تصرخ: «هُوَذَا يُصَلِّي». ومرةً أخرى تنحني أمام عرش الله وتقول: «أشكرك أيها الحنّان الدائم، أنَّ الذي كان ابني على الأرض، قد صار الآن ابنك في النور».
ولكن إن كان في السماء من يفرح باهتداء الخاطئ أكثر من غيره، فهو الخادم، أحد خدّام الله الحقيقيين. أيها السامعون، قليلًا ما تُدركون كم يحبُّ خدّام الله الحقيقيون نفوسكم. لعلكم تظنُّون أنه عملٌ هيِّنٌ أن يقف المرء هنا ويعظكم. يعلم الله أنه لو كان هذا كلَّ الأمر لكان عملًا هيِّنًا؛ ولكن حين نُفكِّر أنَّنا حين نُكلِّمكم، فإنَّ خلاصكم أو هلاككم، إلى حدٍّ ما، متوقِّفٌ على ما نقول—وحين نتأمَّل أنَّا إن كنا رقباء غير أُمناء، فإنَّ الله سيطلب دماءكم من أيدينا—آه، يا الله الصالح! حين أتأمَّل أني قد وعظتُ ألوفًا في حياتي، ألوفًا كثيرة، ولعلي قلتُ أشياء كثيرة ما كان ينبغي لي أن أقولها، يروِّعني ذلك، ويجعلني أرتجف وأرتعد. قال لوثر إنه يستطيع أن يواجه أعداءه، ولكنه لا يقدر أن يصعد درج منبره دون أن تصطكَّ ركبتاه. فالوعظ ليس لعب أطفال؛ وليس أمرًا يُصنع دون كدٍّ وقلق؛ إنه عملٌ مهيب؛ عملٌ رهيبٌ إن نظرتَ إليه في علاقته بالأبدية. آه! كم يصلّي خادم الله لأجلكم! لو أمكنك أن تُصغي تحت إفريز نافذة مخدعه، لسمعتَه يئنُّ كلَّ مساء أحدٍ على عظاته لأنه لم يتكلَّم بأثرٍ أعمق؛ ولسمعتَه يتوسَّل إلى الله: «مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ ٱسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ ٱلرَّبِّ». آه، حين يراك من راحته في السماء—حين يراك مصلِّيًا، كيف سيُصفِّق بيديه ويقول: «هوذا الولد الذي أعطيتني! هُوَذَا يُصَلِّي». إني على يقينٍ أنَّا حين نرى إنسانًا قد أُتي به ليعرف الرب، نشعر شعور من أنقذ إنسانًا من الغرق. هوذا رجلٌ مسكينٌ في الطوفان؛ إنه يهوي، يغرق، لا محالة غارقٌ؛ ولكني أثب إليه، وأقبض عليه بقوة، وأرفعه إلى الشاطئ، وأُمدِّده على الأرض؛ فيأتي الطبيب، وينظر إليه، ويضع يده عليه ويقول: «أخشى أنه ميت». فنبذل كلَّ ما في وسعنا من وسائل، ونعمل ما نقدر عليه لنردَّ الحياة. أشعر أني كنتُ مُنقِذ ذلك الرجل، وآه، كيف أنحني وأضع أذني بجانب فمه! وأخيرًا أقول: «إنه يتنفَّس! إنه يتنفَّس!». فأيُّ سرورٍ في ذلك الفكر! إنه يتنفَّس؛ ما زالت فيه حياة. وهكذا حين نجد إنسانًا يصلّي، نصرخ—إنه يتنفَّس؛ ليس ميتًا، بل حيٌّ؛ فما دام الإنسان يصلّي فليس ميتًا بالذنوب والخطايا، بل قد أُقيم إلى الحياة، وأحياه الروح بقوته. «هُوَذَا يُصَلِّي». كان هذا خبرًا مفرحًا في السماء، فضلًا عن كونه مرصودًا لدى الله.
ثم، في المقام التالي، كان هذا حدثًا بالغ الإذهال للناس. فقد رفع حنانيا كلتا يديه دهشةً: «يا سيدي، لظننتُ أنَّ أيَّ إنسانٍ يصلّي إلا ذاك الرجل! أمُمكنٌ هذا؟». لا أدري كيف الحال مع سائر الخدّام، ولكني أحيانًا أنظر إلى أفرادٍ بعينهم في الجماعة فأقول: «حسنًا، إنهم واعدون جدًّا؛ أظنُّ أني سأربحهم. وأرجو أنَّ عملًا يجري، وأرجو أن أسمعهم قريبًا يروون ما صنعه الرب بنفوسهم». ثم، ربما، لا أرى منهم شيئًا، وأفتقدهم بالكلية؛ ولكن بدلًا منهم يُرسل إليَّ سيدي الصالح واحدًا لم يكن لي فيه رجاء—منبوذًا، سكِّيرًا، شقيًّا—لمدح مجد نعمته. عندئذٍ أرفع يديَّ دهشةً، مفكِّرًا: «لظننتُ بأيِّ إنسانٍ سواك». أذكر حادثةً وقعت منذ زمنٍ قريب. كان هناك رجلٌ مسكينٌ نحو الستين من عمره؛ كان بحّارًا خشنًا، من أسوأ رجال القرية؛ عادته الشرب، وكان يبدو مبتهجًا حين يلعن ويشتم. غير أنه دخل الكنيسة ذات يوم سبتٍ، حين كان أحد أقربائي يعظ من النصِّ عن يسوع باكيًا على أورشليم. ففكَّر الرجل المسكين: «ماذا! أوَبكى يسوع المسيح يومًا على شقيٍّ مثلي؟». ظنَّ أنه أردأ من أن يعبأ به المسيح. وأخيرًا جاء إلى الخادم وقال: «يا سيدي، ستّون سنةً وأنا أُبحر تحت راية إبليس؛ آن لي أن يكون لي مالكٌ جديد؛ أريد أن أُغرق السفينة العتيقة وأُغرقها بالكلية! عندئذٍ يكون لي واحدةٌ جديدة، وأُبحر تحت راية الأمير عمانوئيل». ومنذ تلك اللحظة صار ذلك الرجل رجل صلاةٍ، سالكًا أمام الله بكل إخلاص. مع أنه كان آخر من كنتَ تظنُّ به. وعلى نحوٍ ما يختار الله آخر الناس؛ فهو لا يعبأ بالماس، بل يلتقط الحصى؛ إذ إنَّه، كما قيل، قادرٌ أن يُقيم: «إِنَّ ٱللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ ٱلْحِجَارَةِ أَوْلَادًا لِإِبْراهِيمَ». الله أحكم من الكيميائي: فهو لا يُنقِّي الذهب فحسب، بل يُحوِّل المعدن الخسيس جواهر ثمينة؛ يأخذ أقذر الناس وأدناهم فيصوغهم كائناتٍ مجيدة، ويجعلهم قديسين بعد أن كانوا خطاة، ويقدِّسهم بعد أن كانوا أنجاسًا.
كان اهتداء شاول أمرًا غريبًا؛ ولكن، أيها الأحباء، أكان أغرب من أن نصير أنا وأنتم مسيحيين؟ دعوني أسألكم: لو أنَّ أحدًا قال لكم، منذ سنواتٍ قليلة، إنكم ستنتمون إلى كنيسةٍ وتُحسَبون من أولاد الله، فماذا كنتم قائلين؟ «هُراءٌ وسخف! لستُ من مُتزمِّتيكم المُدَّعين؛ ولن أتديَّن؛ إني أحبُّ أن أُفكِّر وأفعل ما يحلو لي». أما قلتُ أنا وأنتم هكذا؟ فكيف على الأرض بلغنا إلى هنا؟ حين ننظر إلى التغيُّر الذي طرأ علينا، يبدو كالحلم. لقد ترك الله كثيرين في عائلاتنا كانوا خيرًا منا، فلماذا اختارنا نحن؟ آه! أليس هذا غريبًا؟ أفلا يحقُّ لنا أن نرفع أيدينا دهشةً، كما فعل حنانيا، فنقول: «هوذا، هوذا، هوذا: إنها معجزةٌ على الأرض، وأعجوبةٌ في السماء»؟
آخر ما أقوله هنا هو هذا—أنَّ هذه الحقيقة كانت أمرًا مستجَدًّا عند شاول نفسه. «هُوَذَا يُصَلِّي». فما الجديد في ذلك؟ كان شاول يصعد إلى الهيكل مرتين في اليوم، في ساعة الصلاة. ولو أمكنك مرافقته، لسمعته يتكلَّم ببلاغة، بكلماتٍ كهذه: «اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي ٱلنَّاسِ ٱلْخَاطِفِينَ ٱلظَّالِمِينَ ٱلزُّنَاةِ، وَلَا مِثْلَ هَذَا ٱلْعَشَّارِ أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي ٱلْأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ»؛ وهلمَّ جرًّا. آه! لربما وجدتَه يسكب خطبةً بليغةً أمام عرش الله. ومع ذلك يُقال: «هُوَذَا يُصَلِّي». ماذا! أوَما صلّى قطُّ من قبل؟ لا، البتّة. فكلُّ ما صنعه من قبل ذهب هباءً؛ لم يكن صلاة. سمعتُ عن رجلٍ مسنٍّ عُلِّم في صغره أن يصلّي: «اللهم بارك أبي وأمي»، فظلَّ يصلّي الصلاة نفسها سبعين سنةً، بعدما مات والداه كلاهما. ثم سُرَّ الله، برحمته اللامتناهية، أن يمسَّ قلبه، فسِيق ليرى أنه، على رغم مواظبته على أشكاله، لم يكن يصلّي البتّة؛ كثيرًا ما تلا صلواته، لكنه لم يُصلِّ قط. وهكذا كان شاول. لقد ألقى خُطبه الطنّانة، ولكنها كانت كلها لا تُساوي شيئًا. صلّى صلواته الطويلة رياءً؛ فكان كله فشلًا. والآن يأتي تضرُّعٌ حقيقيٌّ، فيُقال: «هُوَذَا يُصَلِّي». أترون ذلك الرجل يحاول أن ينال إصغاءً من خالقه؟ كيف يقف! يتكلَّم اللاتينية والشعر المرسل أمام عرش القدير؛ ولكنَّ الله يجلس في لامبالاةٍ هادئة، غير مُعيرٍ اهتمامًا. ثم يجرِّب الرجل أسلوبًا آخر؛ يأتي بكتابٍ، ويجثو على ركبته ثانيةً، ويصلّي بصيغةٍ بديعةٍ أفضل صلاةٍ عتيقةٍ يمكن تأليفها؛ ولكنَّ العليَّ يتجاهل شكليّاته الفارغة. وأخيرًا يطرح المخلوق المسكين الكتاب جانبًا، وينسى شعره المرسل، ويقول: «يا رب، اسمع، لأجل المسيح». فيقول الله: «اسمعه، قد سمعته». ها هي الرحمة التي طلبتها. صلاةٌ واحدةٌ من القلب خيرٌ من عشرة آلاف صيغة. صلاةٌ واحدةٌ نابعةٌ من النفس خيرٌ من ألوف القراءات الباردة. أما الصلوات التي تنبع من الفم والرأس وحدهما فيمقتها الله؛ إنه يحبُّ التي تأتي من أعماق القلب. لعلي أكون وقحًا إن قلتُ إنَّ هنا مئاتٍ هذا الصباح لم يُصلُّوا مرةً واحدةً في حياتهم. فمنكم من لم يفعل قطُّ. هناك شابٌّ في تلك الناحية، أخبر والديه حين تركهما أنه سيؤدّي دومًا صيغة صلاته كلَّ صباحٍ ومساء. ولكنه استحى، فتركها. حسنًا أيها الشاب، ماذا ستفعل حين تأتي لتموت؟ أتكون لك «كلمة السرِّ عند أبواب الموت»؟ أتدخل «السماء بالصلاة»؟ لا، لن تفعل؛ بل تُطرَد من حضرته، وتُنبَذ.
ثانيًا: لنا هنا حجّةٌ. «لِأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي». كانت حجّةً، أولًا وقبل كل شيء، لأجل سلامة حنانيا. فقد كان حنانيا المسكين خائفًا أن يذهب إلى شاول؛ ظنَّ أنَّ الأمر أشبه بالدخول إلى عرين أسد. «إن ذهبتُ إلى بيته»، فكَّر، «فما إن يراني حتى يسوقني إلى أورشليم للحال، لأني أحد تلاميذ المسيح؛ لا أجرؤ أن أذهب». فيقول الله: «هُوَذَا يُصَلِّي». «حسنًا»، يقول حنانيا، «هذا يكفيني. إن كان رجل صلاةٍ فلن يؤذيني؛ إن كان رجل تقوى حقيقية، فأنا في أمان». تيقَّنوا أنكم تستطيعون دومًا أن تأتمنوا رجل الصلاة. لا أدري كيف ذلك، ولكن حتى الأشرار يُوقِّرون دومًا المسيحيَّ المخلص. فالسيد يحبُّ أن يكون له خادمٌ يصلّي في نهاية الأمر؛ وإن لم يكن هو نفسه مباليًا بالدين، فإنه يحبُّ أن يكون له خادمٌ تقيٌّ، ويأتمنه دون سواه. حقًّا، إنَّ بعض من يُظهرون الصلاة ليس فيهم ذرّةٌ منها. ولكن متى وجدتَ رجلًا يصلّي حقًّا، فائتمنه على ذهبٍ لا يُحصى؛ فإن كان يصلّي حقًّا فلا داعي أن تخافه. ومن يخلو إلى الله في الخفاء يُؤتمَن في العلن. إني أشعر دومًا بالأمان مع رجلٍ يتردَّد على كرسيِّ الرحمة. سمعتُ حكايةً عن رجلين يُسافران معًا في مكانٍ ما بسويسرا. وعمّا قليلٍ بلغا وسط الغابات؛ وتعرفون الحكايات الكئيبة التي يرويها الناس عن النُّزُل هناك، وكم يُخيفهم المبيت فيها. فقال أحدهما، وكان مُلحدًا، للآخر، وكان مسيحيًّا: «لا يروقني التوقُّف هنا البتّة؛ إنه خطيرٌ جدًّا حقًّا». «حسنًا»، قال الآخر، «فلنُجرِّب». فدخلا بيتًا؛ ولكنه بدا مريبًا حتى إنَّ كليهما لم يرتَح إليه؛ وودّا لو كانا في بيتهما بإنجلترا. وعمّا قليلٍ قال صاحب النُّزُل: «أيها السيدان، إني أقرأ وأصلّي مع أهل بيتي قبل النوم دومًا؛ أتأذنان لي بذلك الليلة؟». «نعم»، قالا، «بكل سرور». ولما صعدا إلى العلّية، قال الملحد: «لستُ خائفًا الآن البتّة». «لماذا؟» قال المسيحي. «لأنَّ مُضيفنا قد صلّى». «آه!» قال الآخر، «إذًا يبدو، على كل حال، أنك تحسب للدين حسابًا؛ فلأنَّ رجلًا يصلّي، تستطيع أن تنام في بيته». وكان عجيبًا كيف نام كلاهما نومًا هنيئًا. رأيا أحلامًا حلوة، إذ شعرا أنه حيث كان البيت مسقوفًا بالصلاة ومُسوَّرًا بالتقوى، لا يمكن أن يُوجد إنسانٌ حيٌّ يُنزل بهما أذًى. فكان هذا إذًا حجّةً لحنانيا أن يذهب بأمانٍ إلى بيت شاول.
ولكن أكثر من هذا. كانت هنا حجّةً لأجل إخلاص بولس. فالصلاة الخفيّة من أفضل محكّات الدين المخلص. لو أنَّ يسوع قال لحنانيا: «هوذا يكرز»، لقال حنانيا: «ذاك قد يفعله، ومع ذلك يكون مُخادعًا». ولو قال: «قد ذهب إلى اجتماع الكنيسة»، لقال حنانيا: «قد يدخل هناك كذئبٍ في ثياب الحملان». ولكن حين قال: «هوذا يصلّي»، كانت تلك حجّةً كافية. يأتي شابٌّ فيُخبرني بما شعر به وبما كان يفعله. وأخيرًا أقول: «اجثُ وصلِّ». «أفضِّل ألا أفعل». «لا عليك، ستفعل». فيسقط على ركبتيه، وليس لديه كلمةٌ تكاد تُقال؛ يبدأ يئنُّ ويبكي، ويبقى على ركبتيه حتى يتلعثم أخيرًا: «يا رب، ارحمني أنا الخاطئ؛ أنا أعظم الخطاة؛ ارحمني!». عندئذٍ أرتاح قليلًا فأقول: «لم أُبالِ بكل كلامك، بل أردتُ صلواتك». ولكن آه! لو أمكنني أن أقتفي أثره إلى بيته؛ لو أمكنني أن أراه يذهب ويصلّي وحده، لتيقَّنتُ حينئذٍ؛ فمن يصلّي في الخفاء فهو مسيحيٌّ حقيقي. إنَّ مجرَّد قراءة كتاب تعبُّدٍ يوميٍّ لن يُثبِت أنك ابن الله؛ ولكن إن صلّيتَ في الخفاء، فلك دينٌ مخلص؛ ودينٌ قليلٌ، إن كان مخلصًا، خيرٌ من جبالٍ من الرياء. تقوى البيت أفضل التقوى. الصلاة تجعلك تكفُّ عن الخطية، أو الخطية تجعلك تكفُّ عن الصلاة. الصلاة في القلب تُبرهن حقيقة الاهتداء. قد يكون الإنسان مخلصًا، ولكن مخلصًا في الخطأ. أما بولس فكان مخلصًا في الحق. «هوذا يصلّي» كانت أفضل حجّةٍ على أنَّ دينه كان حقًّا. لو سألني أحدٌ عن خلاصةٍ للدين المسيحي، لقلتُ إنها في تلك الكلمة الواحدة—«الصلاة». ولو سُئلتُ: «ما الذي يستوعب كلَّ الاختبار المسيحي؟» لأجبتُ: «الصلاة». لا بدَّ أن يكون الإنسان قد بُكِّت على الخطية قبل أن يقدر أن يصلّي؛ ولا بدَّ أن يكون قد رجا أنَّ ثمة رحمةً له قبل أن يقدر أن يصلّي. حقًّا، إنَّ كلَّ الفضائل المسيحية محبوسةٌ في تلك الكلمة: الصلاة. قل لي فقط إنك رجل صلاة، وسأُجيبك للحال: «يا سيدي، لا شكَّ عندي في حقيقة دينك، ولا في إخلاصه».
ولكن فكرةٌ أخيرةٌ، ثم أترك هذا الموضوع. كان هذا برهانًا على اختيار هذا الرجل، فإنك تقرأ بعد ذلك مباشرةً: «هَذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ». كثيرًا ما أجد الناس يُقلقون أنفسهم بعقيدة الاختيار. وبين الحين والحين تصلني رسالةٌ من هذا أو ذاك يُؤاخذني على الكرازة بالاختيار. وكلُّ ما أقدر أن أُجيب به هو: «ها هو ذا في الكتاب المقدس؛ اذهب واسأل سيدي لماذا وضعه هناك. لا حيلة لي. لستُ إلا خادمًا، وأُبلِّغكم الرسالة من فوق. لو كنتُ تابعًا، لما بدَّلتُ رسالة سيدي عند الباب. ولكني سفيرٌ للسماء، ولا أجرؤ أن أُبدِّل الرسالة التي تسلَّمتها. إن كانت خطأً، فارفعوا الأمر إلى القيادة العليا. ها هي ذي، ولا أقدر أن أُبدِّلها». وليكن لي هذا القدر من الإيضاح. يقول بعضهم: «كيف أكتشف إن كنتُ من مختاري الله؟ أخشى أني لستُ من مختاري الله». أتصلّي؟ إن أمكن أن يُقال: «هُوَذَا يُصَلِّي»، أمكن أيضًا أن يُقال: هوذا هو إناءٌ مختار. ألك إيمان؟ إن كان، فأنت مختار. تلك هي علامات الاختيار. إن لم يكن لك شيءٌ منها، فليس لك أساسٌ لتستنتج أنك من شعب الله الخاص. ألك رغبةٌ في أن تؤمن؟ ألك أمنيةٌ في أن تحبَّ المسيح؟ ألك جزءٌ من مليون جزءٍ من رغبةٍ في أن تأتي إلى المسيح؟ وهل هي رغبةٌ عملية؟ أتقودك إلى أن ترفع تضرُّعًا حارًّا باكيًا؟ إن كان، فلا تخفْ قطُّ من عدم الاختيار؛ فإنَّ كلَّ من يصلّي بإخلاصٍ مُعيَّنٌ من الله قبل تأسيس العالم أن يكون قديسًا بلا لومٍ أمام المسيح في المحبة.
ثالثًا: والآن إلى التطبيق. كلمةٌ أو كلمتان معكم، يا أحبائي، قبل أن أصرفكم هذا الصباح. يؤسفني أني لا أقدر أن أدخل في الموضوع أعمق؛ ولكنَّ سيدي المجيد يطلب من كلٍّ منا بحسب ما له، لا بحسب ما ليس له. إني مُدرِكٌ في الأعماق أني أُقصِّر في إلحاح الحق عليكم بالجدّية التي ينبغي؛ ومع ذلك، «حَقِّي عِنْدَ ٱلرَّبِّ، وَعَمَلِي عِنْدَ إِلَهِي»، وسيكشف اليوم الأخير أنَّ خطئي كان في الحُكم، لا في المحبة المخلصة للنفوس.
أولًا، اسمحوا لي أن أُخاطب أولاد الله. أفلا ترون، يا إخوتي الأحباء، أنَّ أفضل علامةٍ على كوننا أبناء الله تُوجد في تعبُّدنا؟ «هُوَذَا يُصَلِّي». إذًا، أفلا يتبع، كنتيجةٍ طبيعية، أنَّا كلما وُجدنا في الصلاة أكثر، سطعت أدلّتنا أبهى؟ لعلك فقدتَ دليلك هذا الصباح؛ لا تدري أأنت ابن الله أم لا؛ وسأقول لك أين فقدتَ ثقتك—فقدتها في مخدعك. أنطق بما اختبرتُه. كثيرًا ما ارتددتُ عن الله—لا إلى السقوط النهائي، أعلم ذلك، ولكني كثيرًا ما فقدتُ ذلك العبير الحلو من محبته الذي تمتَّعتُ به يومًا. فاضطُررتُ أن أصرخ:
«تلك الساعات المطمئنة التي نعمتُ بها يومًا،
ما أحلى ذكراها بعدُ!
لكنها خلَّفت فراغًا موجعًا،
لا يقدر العالم أن يملأه».
صعدتُ إلى بيت الله لأعظ، بلا نارٍ ولا حماس؛ قرأتُ الكتاب المقدس فلم يكن عليه نور؛ حاولتُ أن أخلو إلى الله، فكان كله فشلًا. أفأقول أين بدأ ذلك؟ بدأ في مخدعي. كنتُ قد كففتُ، إلى حدٍّ، عن الصلاة. ها أنا أقف، وأعترف بذنوبي؛ وأُقرُّ أني كلما ابتعدتُ عن الله، فهناك يبدأ الأمر. أيها المسيحيون، أتريدون أن تكونوا سعداء؟ فأكثِروا من الصلاة. أتريدون أن تكونوا منتصرين؟ فأكثِروا من الصلاة.
«إذ نكفُّ عن الصلاة، نكفُّ عن القتال،
والصلاة تجعل سلاح المسيحيِّ لامعًا».
كانت السيدة بيري تقول: «ما كنتُ لأُستأجَر خارج مخدعي بألف عالَم». وقال السيد جاي: «لو كان الرسل الاثنا عشر يعيشون قربك، ولك إليهم سبيل، فإن جذبتك هذه المعاشرة عن المخدع، لأثبتوا أذًى حقيقيًّا لنفسك». الصلاة هي السفينة التي تأتي بأنفس الحمولة. هي التربة التي تُعطي أوفر حصاد. أيها الأخ، حين تنهض في الصباح يُلحُّ عليك شغلك، فبكلمةٍ أو كلمتين على عجل، تنزل إلى العالم، وفي المساء، منهكًا مُتعبًا، تُعطي الله فضلة النهار. والنتيجة أنه ليس لك خلوةٌ معه. والسبب في أنه ليس لنا مزيدٌ من الدين الحق الآن هو أنه ليس لنا مزيدٌ من الصلاة. أيها السادة، لا رأي لي في كنائس هذا الزمان التي لا تصلّي. أذهب من كنيسةٍ إلى كنيسةٍ في هذه العاصمة فأرى جماعاتٍ لا بأس بها؛ ولكني أذهب إلى اجتماعات صلاتهم مساء يومٍ من الأسبوع، فأرى بضعة عشر شخصًا. أفيقدر الله أن يباركنا، أن يسكب روحه علينا، وهذه الأمور قائمة؟ يقدر، ولكن ذلك لا يكون بحسب نظام تدابيره، فإنه يقول: «فَقَدْ مَخَضَتْ صِهْيَوْنُ، بَلْ وَلَدَتْ بَنِيهَا». اذهبوا إلى كنائسكم بهذا الفكر: أنكم تحتاجون إلى مزيدٍ من الصلاة. كثيرون منكم لا شأن لهم هنا هذا الصباح. كان ينبغي أن تكونوا في أماكن عبادتكم. لا أريد أن أختطف الناس من كنائس أخرى؛ فهناك من يكفي لسماعي دونهم. ولكن، وإن كنتم قد أخطأتم هذا الصباح، فاسمعوا ما دمتم هنا، بأكبر قدرٍ من الفائدة. اذهبوا إلى بيوتكم وقولوا لخادمكم: «يا سيدي، لا بدَّ لنا من مزيدٍ من الصلاة». حُثُّوا الناس على مزيدٍ من الصلاة. أقيموا اجتماع صلاةٍ، ولو كان لك وحدك؛ وإن سُئلتَ كم كان الحاضرون، فقل: «أربعة». «أربعة! كيف ذلك؟» «لأنه كان هناك أنا، والله الآب، والله الابن، والله الروح القدس؛ وقد كانت لنا خلوةٌ غنيّةٌ حقيقيّةٌ معًا». لا بدَّ لنا من سكب تعبُّدٍ حقيقيٍّ، وإلا فماذا يكون مصير كثيرٍ من كنائسنا؟ آه! ليت الله يوقظنا جميعًا، ويُنهضنا للصلاة، فإنَّا متى صلّينا نكون منتصرين. وددتُ لو آخذكم هذا الصباح، كما فعل شمشون بالثعالب، فأربط بكم مشاعل الصلاة، وأُرسلكم بين أكداس الزرع حتى تُحرقوا الكلَّ. وددتُ لو أُشعِل حريقًا بكلماتي، وأُضرِم النار في كل الكنائس، حتى يتصاعد الكلُّ دخانًا كذبيحةٍ لعرش الله. إن صلّيتَ، فلك برهانٌ أنك مسيحي؛ وكلما قلَّت صلاتك، قلَّ سبب اعتقادك بمسيحيّتك؛ وإن كنتَ قد أهملتَ الصلاة بالكلية، فقد كففتَ عن التنفُّس، ولك أن تخشى أنك لم تتنفَّس قطُّ البتّة.
والآن، كلمتي الأخيرة للأشرار. آه أيها السادة! لوددتُ لو كنتُ في أيِّ مكانٍ إلا هنا؛ فإن كان مخاطبة الأتقياء عملًا مهيبًا، فكم بالأحرى حين آتي لأتعامل معكم. نخشى، من جهة، أن نُكلِّمكم على نحوٍ يجعلكم تتَّكلون على قوّتكم؛ ومن جهةٍ أخرى، نرتعد لئلا نُنيمكم في سُبات الكسل والطمأنينة الكاذبة. أظنُّ أنَّ أكثرنا يشعر بشيءٍ من الحيرة في أنسب أسلوبٍ للكرازة لكم—لا أنَّا نشكُّ في وجوب الكرازة بالإنجيل—بل رغبتنا أن نفعل ذلك على نحوٍ نربح به نفوسكم. أشعر كرقيبٍ يحرس مدينةً وقد غلبه النعاس؛ كم يجاهد بحرارةٍ ليوقظ نفسه، فيما يكاد الضعف يغلبه. تذكُّر مسؤوليّته يستنهضه. ليس فيه نقص الإرادة، بل نقص القدرة؛ وهكذا أرجو أنَّ كلَّ رقباء الرب حريصون على الأمانة، مع علمهم في الوقت نفسه بنقصهم. حقًّا، إنَّ خادم المسيح يشعر كذلك الحارس العجوز لمنارة إدِّستون؛ كانت الحياة تخبو سريعًا، ولكنه، إذ جمع كلَّ قوّته، زحف مرةً أخرى ليُصلِح الأنوار قبل أن يموت. ليت الروح القدس يُعيننا أن نُبقي نار المنارة مشتعلةً، لنُحذِّركم من الصخور والضحال والرمال المتحرِّكة المحيطة بكم، ولنُرشدكم دومًا إلى يسوع، لا إلى الإرادة الحرة أو استحقاق المخلوق. لو عرف أصدقائي كم التمستُ الإرشاد الإلهي بقلقٍ في هذا الأمر الخطير، أمرِ الكرازة للخطاة، لما شعروا كما يشعر بعضهم حين يظنُّون أني أُخاطبهم خطأً. أريد أن أفعل كما يأمرني الله، وإن أمرني أن أُكلِّم العظام اليابسة فتحيا، فلا بدَّ أن أفعل، وإن لم يُرضِ ذلك آخرين؛ وإلا لكنتُ مُدانًا في ضميري، ومُدانًا من الله. والآن، بكل ما يستطيع الإنسان أن يستجمعه من مهابة، دعوني أقول إنَّ النفس بلا صلاةٍ نفسٌ بلا مسيح. حيٌّ هو الرب، إنَّ الذين لم يصلّوا قطُّ هم بلا إله، بلا رجاء، غرباء عن رعويّة إسرائيل. والذين لا يعرفون قطُّ ما الأنّة، أو الدمعة المنهمرة، هم مُعوَزون من التقوى الحيّة. دعوني أسألكم أيها السادة: هل فكَّرتم يومًا في أيِّ حالٍ مروِّعةٍ أنتم؟ إنكم بعيدون عن الله، ولذلك فالله غاضبٌ عليكم؛ فإنَّ «وَإِلَهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ». أيها الخاطئ! ارفع عينيك وانظر وجه الله العابس، فإنه غاضبٌ عليك. وأتوسَّل إليكم، كما تحبُّون أنفسكم، أن تتأمَّلوا لحظةً واحدةً ما سيكون مصيركم، إن بقيتم على حالكم، ومتُّم أخيرًا بلا صلاة. لا تظنّوا أنَّ صلاةً واحدةً على فراش الموت ستُخلِّصكم. فصلاة فراش الموت هي في الغالب مهزلة فراش الموت، ولا تُحسَب شيئًا؛ إنها عملةٌ لا ترنُّ في السماء، بل مطبوعةٌ بالرياء، ومصنوعةٌ من معدنٍ خسيس. احترسوا أيها السادة. دعوني أسألكم، إن كنتم لم تصلّوا قطُّ، فماذا ستفعلون؟ لكان خيرًا لكم لو كان الموت نومًا أبديًّا؛ ولكنه ليس كذلك. إن وجدتَ نفسك في الجحيم، آه، العذابات والآلام! ولكني لن أُمزِّق مشاعركم بمحاولة وصفها. ليت الله يُنعم عليكم ألا تشعروا قطُّ بعذابات الهالكين. تصوَّروا فقط ذلك الشقيَّ المسكين في اللهيب وهو يقول: «آهِ، لو قطرة ماءٍ واحدة، تُبرِّد لساني الملتهب!». انظروا كيف يتدلّى لسانه من بين شفتيه المتقرِّحتين! كيف يسلخ ويحرق سقف فمه كأنه شعلةٌ من نار. انظروه يستغيث بقطرة ماء. لن أُصوِّر المشهد. حسبي أن أختم بالقول إنَّ جحيم الجحيم سيكون لك، أيها الخاطئ المسكين، ذلك الفكر أنه إلى الأبد. سترفع بصرك هناك إلى عرش الله، فإذا مكتوبٌ: «إلى الأبد!». وحين يُقعقع الملعونون حديد عذاباتهم المحماة، يقولون: «إلى الأبد!». وحين يعوون، يُردِّد الصدى: «إلى الأبد!».
«‹إلى الأبد› مكتوبٌ على معاصرهم،
‹إلى الأبد› على سلاسلهم؛
‹إلى الأبد› يشتعل في النار،
‹إلى الأبد› أبدًا يملك».
يا له من فكرٍ محزن! «لو أمكنني فقط أن أخرج، لكنتُ سعيدًا. لو كان ثمة رجاء خلاص، لأمكنني أن أطمئنَّ؛ ولكني هنا إلى الأبد!». أيها السادة، إن أردتم أن تنجوا من العذاب الأبدي، إن أردتم أن تُوجدوا بين عداد المطوَّبين، فطريق السماء لا يُوجد إلا بالصلاة—بالصلاة ليسوع، بالصلاة لأجل الروح، بالتضرُّع عند كرسيِّ رحمته. «حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ، إِنِّي لَا أُسَرُّ بِمَوْتِ ٱلشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ ٱلشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. اِرْجِعُوا، ٱرْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ ٱلرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَابَيْتَ إِسْرَائِيلَ». «اَلرَّبُّ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ». فلنذهب إليه ونقل: «هو يشفي ارتدادنا، ويحبُّنا فضلًا ويغفر لنا نعمةً، من أجل اسم ابنه». آه! لو أمكنني أن أربح نفسًا واحدةً اليوم، لرجعتُ إلى بيتي قانعًا. ولو أمكنني أن أكسب عشرين، لابتهجتُ. وكلما ازددتُ، ازدادت أكاليلي التي ألبسها. ألبسها! لا، بل آخذها كلها دفعةً واحدة، وأطرحها عند قدمَي يسوع، وأقول: «ليس لي، بل لاسمك يكون كلُّ المجد، إلى الأبد».
«الصلاة عُيِّنت لتنقل
البركات التي يقصد الله أن يُعطيها؛
ما داموا أحياءً، فليُصلِّ المسيحيون،
فإنهم لا يحيَون إلا وهم يصلّون.
«أفتبقى صامتًا مضطجعًا،
والمسيح واقفٌ ينتظر صلاتك؟
يا نفسي، لك صديقٌ في العُلى،
فانهضي، وجرِّبي نصيبك هناك.
«الصلاة تسند النفس الضعيفة،
وإن كان الفكر مُنقطعًا واللسان كليلًا؛
صلِّ، إن استطعتَ أو لم تستطع أن تنطق،
وصلِّ بإيمانٍ باسم يسوع».
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.