عظة · قراءة 29 د· 1859

المسيح كريم عند المؤمنين

صورة Charles H. Spurgeon Charles H. Spurgeon

النص

1 بطرس 2:7

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

باختصار

النصّ الذي وعظ عليه سبرجن أوّل مرّة وهو ابن ستّ عشرة سنة، في كوخ صغير أمام حفنة من الفقراء، حين ما كان يقدر أن يتكلّم على أيّ نصّ آخر — وهو يأخذه واقعًا مثبتًا قبل أن يأخذه وعظًا: إنّ المسيح، عند الذين يؤمنون، كريم لا غير. ثم ينقلب في الختام سؤالًا، وإنذارًا للسامع الذي يكتشف أنّه لا يقدر أن يجيب عنه.

«فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة.»—1 بطرس 2:7

إنّ هذا النصّ ليعيد إلى ذاكرتي ذكرى مطلع خدمتي وبداية كرازتي. فقد مضى نحو ثماني سنين منذ وقفتُ، وأنا غلام في السادسة عشرة من عمري، لأوّل مرّة في حياتي كلّها لأكرز بالإنجيل في كوخ صغير أمام حفنة من الفقراء كانوا قد اجتمعوا هناك للعبادة. كنتُ أحسّ في نفسي بعجزي أنا عن الوعظ، لكنّي جازفتُ فأخذتُ هذا النصّ بعينه: «فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة». ولا أظنّني كنتُ أستطيع في ذلك الحين أن أقول شيئًا على أيّ نصّ آخر؛ غير أنّ المسيح كان كريمًا عند نفسي كلّ الكرامة، وكنتُ في فورة محبّتي الفتيّة الأولى، فما كان في وسعي أن ألزم الصمت ويسوعُ الكريم هو موضوع الكلام. كنتُ حديث عهد بالنجاة من عبوديّة مصر، ولم أكن قد نسيتُ بعدُ ذلك القيد المكسور؛ وكنتُ لا أزال أذكر تلك النيران التي بدت لي كأنّها تشتعل حول طريقي، وتلك الهوّة الملتهمة التي فغرت فاها كأنّها مستعدّة أن تبتلعني. وإذ كانت هذه الأمور كلّها طريّةً بعدُ في قلبي الفتيّ، استطعتُ أن أتكلّم عن كرامة ذاك الذي كان مخلّصي، والذي انتشلني شعلةً من النار، وأقام على صخرة رجليّ، وجعل في فمي ترنيمة جديدة، وثبّت خطواتي. والآن، في هذا الوقت، ماذا عساي أن أقول؟ «ما فعل الله!» كيف صار الصغير ألفًا، وكيف صار الحقير أمّةً قويّة؟ وماذا أقول في هذا النصّ سوى أنّه إن كان الربّ يسوع كريمًا في ذلك الحين، فهو كريم الآن كما كان؟ وإن كنتُ قد قدرتُ أن أعلن حينئذ أنّ يسوع هو مشتهى نفسي، وأنّي له كنتُ أرجو أن أحيا، وله كنتُ أستعدّ أن أموت، أفلا أقدر أن أقول اليوم — والله شاهدي على ذلك — إنّه أكرم عندي في هذا اليوم ممّا كان قطّ في يوم من الأيّام؟ وإذ أستعيد ذكر رحمته التي لا نظير لها نحو أوّل الخطاة وأعظمهم، لا بدّ لي أن أكرّس نفسي له من جديد، وأن أسلّم قلبي مرّة أخرى لمن هو الربّ والملك.

وإنّما أقول هذا على سبيل التقدمة؛ وقد يبدو فيه شيء من حديث النفس عن نفسها، لكنّي لا أملك لذلك دفعًا. فلا بدّ لي أن أمجّد الله في وسط الجماعة العظيمة، وأن أوفي نذوري للربّ الآن في وسط قدّيسيه جميعًا، في وسطك يا أورشليم.

ونصّي هذا يقرّر واقعًا مثبتًا، وهو أنّ المسيح كريم عند المؤمنين. وهذا يكون القسم الأوّل من حديثنا؛ ثم نحاول في القسم الثاني أن نجيب عن هذا السؤال: لماذا يسوع المسيح كريم إلى هذا الحدّ عند شعبه المؤمن؟ ثم نختم بأن نبيّن لكم المحكّ الذي تمتحنون به أنفسكم، أمؤمنون أنتم أم غير مؤمنين؛ فإنّكم إن كنتم مؤمنين بالمسيح فالمسيح كريم عندكم، وإن كنتم تحسبونه أمرًا يسيرًا لا وزن له، فتيقّنوا أنّه ليس لكم به إيمان حقيقيّ مخلّص.

أوّلًا: ها هنا واقع مثبت، وهو أنّ يسوع المسيح كريم عند المؤمنين. فهو في ذاته كريم كرامةً لا تُقدَّر بثمن، لأنّه إله حقّ من إله حقّ. وهو فوق ذلك إنسان كامل بلا خطيّة. إنّ خشب الجفر الكريم في ناسوته مغشًّى بالذهب النقيّ الذي هو لاهوته. هو منجم من الجواهر، وجبل من الأحجار الكريمة. هو كلّه مشتهيات؛ ولكن، واحسرتاه! إنّ هذا العالم الأعمى لا يبصر شيئًا من جماله. أمّا زخارف تلك العاهرة المصبوغة — «السيّدة فقّاعة»، أي الدنيا — فتلك هي التي يقدر العالم أن يراها، والناس جميعًا يتعجّبون وراءها ويمضون في إثرها. هذه الحياة، وأفراحها، وشهواتها، ومكاسبها، وأمجادها — هذه لها جمال في عين الإنسان الذي لم يولد ثانية؛ أمّا في المسيح فلا يرى شيئًا واحدًا يستحقّ الإعجاب. يسمع اسمه كأنّه كلمة من كلمات السوق، وينظر إلى صليبه كأنّه أمر لا شأن له به ولا نصيب، ويهمل إنجيله، ويحتقر كلمته، وربّما نفث حقده الشرس على شعبه. لكنّ المؤمن ليس كذلك البتّة. فالرجل الذي جيء به ليعرف أنّ المسيح هو الأساس الوحيد الذي تستطيع النفس أن تبني عليه بيتها الأبديّ، والذي تعلّم أنّ يسوع المسيح هو الأوّل والآخر، الألف والياء، رئيس الإيمان ومكمّله — هذا الرجل لا يستخفّ بالمسيح البتّة. بل يدعوه كلّ خلاصه وكلّ مسرّته، والجميل المجيد وحده.

وهذا واقع قد ثبت وتبرهن في كلّ عصور الدنيا. انظروا إلى مبتدأ ظهور المسيح على هذه الأرض في ملء الزمان. بل قد نرجع إلى أبعد من ذلك فنلاحظ كيف كان المسيح كريمًا في الرجاء عند الذين عاشوا قبل تجسّده؛ ولكنّي أقول: منذ أن جاء هو إلى هذا العالم، كم لدينا من البراهين الوافرة على أنّه كريم عند شعبه! فقد وُجد في كلّ جيل رجال لم يضنّوا ببيوت ولا حقول ولا زوجة ولا أولاد ولا وطن ولا سمعة ولا كرامة ولا غنى، بل لم يضنّوا بالحياة نفسها، من أجل المسيح. وقد بلغ من فتنة المسيح بقلوب المسيحيّين الأقدمين أنّهم إن اضطرّوا أن يتخلّوا عن ميراث آبائهم وعن ثروتهم الأرضيّة كلّها من أجله، فعلوا ذلك بفرح وبغير تذمّر ولا شكوى. بل كانوا يقولون إنّ ما كان لهم ربحًا فقد حسبوه خسارة من أجل المسيح، وعدّوه كلّه نفايةً وزبلًا، لكي يربحوا المسيح ويوجدوا هم فيه.

إنّنا نتكلّم اليوم عن هذه الأمور بشيء من الاستخفاف، ولكنّها لم تكن في الحقيقة تضحيات هيّنة ولا صغيرة. فأن يترك الرجل شريكة صدره وقرينة نفسه، وأن تحتقره التي كان ينبغي لها أن تكرمه، وأن يبصق عليه أولاده أنفسهم، وأن يطرده أهل بلده، وأن يُذكر اسمه بين الناس صفيرًا وعارًا ومثلًا يُضرب على الألسنة — إنّ هذا لأمر ليس باليسير احتماله؛ ومع ذلك كلّه حمل مسيحيّو العصور الأولى هذا الصليب على أكتافهم، فما اكتفوا بأن حملوه بصبر، بل حملوه بفرح، مفتخرين في الضيقات إن كانت تلك الضيقات قد وقعت عليهم من أجل المسيح ومن أجل الإنجيل. بل أكثر من ذلك: قد أُذن للشيطان أن يمدّ يده هو أيضًا فيمسّ شعب المسيح، لا في أموالهم وأهل بيوتهم فحسب، بل في عظمهم ولحمهم أيضًا. وانظروا كيف حسب تلاميذ المسيح أن ليس شيء واحد من ذلك كلّه بخسارة، ما داموا قد ربحوا المسيح. لقد مُدّوا على آلة التعذيب، فما زادهم شدّ أعصابهم المتوتّرة إلّا أن رنّموا بصوت أعلى، كأنّهم أوتار قيثارة لا تستقيم نغمتها ولا يصفو رنينها إلّا إذا شُدّت إلى أقصى مداها. وعُذّبوا بالحديد المحمّى في النار وبالكلاليب؛ وحُرثت ظهورهم بالسياط حرثًا حتى تشقّقت؛ ولكن متى وجدتم أحدًا من أتباع المسيح الحقيقيّين ينكص أو يجزع في ساعة الألم؟ لقد احتملوا هذا كلّه بصبر، وتحدّوا مضطهديهم أن يزيدوا عليه، وأن يخترعوا فنونًا جديدة وحيلًا مستحدثة وقساوات لم تُعرف من قبل، ثم يجرّبوها عليهم. لقد كان المسيح كريمًا عندهم إلى حدّ أنّ آلام الجسد كلّها لم تقدر أن تحملهم على إنكاره؛ وحين أُخرجوا أخيرًا إلى ميتة مشينة — فلتشهد الفأس وجذع الإعدام، وليشهد صليب الصلب، ولتشهد الحربة، وليشهد اللهيب والوتد، وليشهد الفرس الجامح والقفر الموحش، أنّ المؤمن كان دائمًا رجلًا يحتمل هذا كلّه وأضعافه أضعافًا، ولا يتخلّى أبدًا عن ثقته بالمسيح. انظروا إلى بوليكاربوس الشيخ واقفًا أمام الأسود، وقد أُدخل إلى وسط الحلبة وطُلب إليه أن ينكر إلهه. وألوف من العيون المتوحّشة تنظر إليه من فوق شزرًا، وهو واقف هناك رجلًا ضعيفًا وحيدًا في الميدان، لكنّه يقول لهم إنّه «قد عرف ربّه هذه السنين الطوال، وما أساء إليه ربّه قطّ في أمر من الأمور، فلن ينكره في آخر الأمر». فيصيحون: «إلى الأسود! إلى الأسود!»، فتنقضّ عليه الأسود فتلتهمه سريعًا؛ ولكنّه كان مستعدًّا أن يحتمل هذا كلّه في أفواه ألف أسد، لو كانت له ألف حياة يبذلها، ولا يخطر له قطّ أن يفكّر بشيء يسيء إلى جلال يسوع الناصريّ. إنّ تاريخ كنيسة المسيح القديمة كلّه من أوّله إلى آخره يبرهن أنّ يسوع كان دائمًا موضع أعظم توقير عند شعبه؛ وأنّهم ما جعلوا شيئًا في الدنيا يزاحمه، بل بذلوا كلّ شيء لهم من أجل يسوع المسيح بفرح واستعداد ورضًى، بلا تذمّر ولا تردّد ولا خاطر يخالف، وابتهجوا بأنّهم فعلوا ذلك.

وهذا الأمر صحيح في يومنا هذا صحّته في ذلك الزمان القديم. فلو نُصب الوتد غدًا مرّة أخرى في سميثفيلد، لكان شعب المسيح اليوم مستعدّين أن يكونوا هم أنفسهم وقودًا لذلك اللهيب. ولو أُقيم مرّة أخرى جذع الإعدام في تاور هِل، وأُخرجت الفأس من مخبئها، لبُذلت رؤوس شعب المسيح بفرح وطيب نفس على تلك الخشبة، إن كانوا بذلك يتوّجون رأس يسوع وينتصرون لقضيّته. والذين يصرّحون بأنّ بسالة الكنيسة القديمة قد ذهبت وانقضت لا يدرون ما يقولون ولا يفقهون. قد تكون الكنيسة الرسميّة في هذه الأيّام قد فقدت عزمها الرجوليّ؛ وقد يكون المعترفون في هذه الأيّام ليسوا إلّا أقزامًا مخنّثين، ذرّيّة آباء مجيدين؛ أمّا الكنيسة الحقيقيّة، أي المختارون من بين المعترفين، تلك البقيّة التي اختارها الله لنفسه، فهم عاشقون ليسوع كما كان قدّيسوه الأقدمون، ومستعدّون مثلهم للتألّم وللموت. إنّنا نتحدّى الجحيم نفسه وممثّلته المتجسّدة على الأرض، رومية العجوز نفسها: فلتبنِ سجونها، ولتُحيِ محاكم تفتيشها، ولتنل مرّة أخرى سلطانًا في الدولة لتقطع وتمزّق وتحرق كما كانت تفعل — فنحن مع ذلك كلّه قادرون بنعمته أن نقتني أنفسنا بالصبر. وإنّنا لنشعر أحيانًا أنّه لخير لنا وللكنيسة لو رجعت أيّام الاضطهاد مرّة أخرى، فتُمتحن الكنيسة امتحانًا جديدًا، ويُذرى عنها التبن كلّه، فتصير كصبرة حنطة نقيّة نظيفة. إنّ أغصان الغابة العفنة قد ترتعد وتنتفض من هبوب الإعصار، لأنّها ستُجتثّ اجتثاثًا وتُطرح؛ أمّا الأغصان التي فيها عصارة الحياة سارية فلا ترتعد ولا تخاف ولا تبالي. إنّ جذورنا متشابكة بصخر الدهور، وعصارة المسيح تجري فينا، ونحن أغصان الكرمة الحيّة، فلا شيء في الوجود كلّه يقدر أن يفصلنا عنه. ونعلم أنّه لا اضطهاد ولا جوع ولا عري ولا خطر ولا سيف يقدر أن يفصلنا عن محبّة المسيح، لأنّنا في هذه جميعها سنكون كما كانت الكنيسة في كلّ حين: يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا.

أيظنّ أحد من السامعين ها هنا أنّي أبالغ في هذا القول؟ فانتبهوا إذًا إلى هذا: إن لم يكن ما قلتُه صحيحًا، فليس للمسيح كنيسة البتّة؛ لأنّ الكنيسة التي ليست مستعدّة أن تتألّم وتنزف وتموت من أجل المسيح ليست هي كنيسة المسيح. فماذا يقول هو نفسه في ذلك؟ «من أحبّ أبًا أو أمًّا أكثر منّي فلا يستحقّني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقّني» — متى 10:37-38. وإن كان المسيح قد لا يضعنا في الامتحان الكامل، فإنّنا إن كنّا حقيقيّين فلا بدّ أن نكون مستعدّين للمحنة متى جاءت ساعتها؛ وإن كنّا مخلصين، فمع أنّنا قد نرتعد من مجرّد التفكير فيها، فلن نرتعد في ساعة احتمالها. وكم من رجل ها هنا يقول في قلبه: «ليس لي إيمان الشهداء»، وهو في الحقيقة صاحب تلك الفضيلة النبيلة؛ فليأتِ الأمر مرّة واحدة إلى حدّ الفصل، فيرى العالم كلّه تلك النعمة التي كانت مستترة تنهض جبّارًا من رقاده. إنّ الإيمان الذي يحتمل استرخاء العالم في شمسه لقادر أن يحتمل صقيع اضطهاد العالم القارس. فلا حاجة بنا إذًا إلى الخوف؛ إن كنّا صادقين اليوم، فسنكون صادقين دائمًا.

وليس هذا محض خيال ولا قصص مؤلّفة، فالبراهين كثيرة على أنّ المسيح لا يزال كريمًا عند شعبه. أفأحدّثكم إذًا عن المتألّمين الصامتين من أجل المسيح، الذين يقاسون في هذه الأيّام نفسها استشهادًا لا نسمع به نحن، وهو مع ذلك حقيقيّ واقع؟ فكم من فتاة صغيرة تتبع المسيح في وسط عائلة فاجرة؛ يعنّفها أبوها ويوبّخها، ويضحك منها، ويهزأ بقداستها، ويطعن قلبها طعنًا بلاذع كلامه! وإخوتها وأخواتها يسمّونها «بيوريتانيّة» و«ميثوديّة» وما أشبه ذلك من الألقاب، وهي تُؤذى يومًا بعد يوم في بيتها بما يسمّيه الرسول «التجربة في الهزء». لكنّها تحتمل هذا كلّه؛ ومع أنّ الدمعة تُنتزع من عينها انتزاعًا في بعض الأحيان، فإنّها لو بكت دمًا لظلّت «تقاوم حتى الدم مجاهدةً ضدّ الخطيّة». إنّ هؤلاء المتألّمين لا تُسجَّل أسماؤهم في مكان، ولا يُدرجون في كتاب الشهداء. ليس لنا اليوم فوكس يكتب لنا سيرة استشهادهم، وليست لهم تلك المعرفة التي تُرضي الجسد بأنّهم سيُكرَمون علانية أمام الناس؛ بل يتألّمون وحدهم من غير أن يسمع بهم أحد، وهم مع ذلك يصلّون لأجل الذين يضحكون منهم: جاثين أمام الله على ركبهم في جهاد، لا بسبب الاضطهاد الذي ينالهم، بل في جهاد نفس لأجل المضطهدين أنفسهم، لعلّهم هم أيضًا يخلصون. وكم من شبّان كهؤلاء في الورش والمصانع الكبيرة، يحنون ركبهم بالليل عند جانب الفراش، في غرفة واسعة فيها كثير من المستهزئين. ومنّا من عرف هذا الأمر في أيّام صباه واضطرّ أن يحتمله بنفسه؛ ولكنّ المسيح كريم عند شعبه في آلامهم الصامتة؛ وهذه الاستشهادات التي لا يُقام لها وزن تبرهن أنّ كنيسته لم تكفّ عن محبّته ولا عن أن تحسبه كريمًا.

وكم هناك أيضًا — كم من ألوف مؤلّفة من العاملين للمسيح الذين لا يراهم أحد ولا يعرفهم أحد، ممّن لا يمكن أن تُذكر أسماؤهم ها هنا في هذا المكان. إنّهم يكدّون من الصباح إلى الليل طول أيّام الأسبوع كلّها، وكان ينبغي أن يكون يوم السبت لهم يوم راحة؛ لكنّهم يعملون فيه أكثر ممّا يعملون في سائر الأيّام. يفتقدون أَسِرّة المرضى ويجلسون عندها؛ وأقدامهم تعيا من المشي، والطبيعة تقول لهم: استرح، لكنّهم يمضون إلى أحطّ أوكار المدينة وأوحش أزقّتها ليكلّموا الجهّال بكلمة الحياة، ويجتهدوا أن ينشروا اسم يسوع وكرامته حيث لم يُعرف بعدُ. وكثيرون جدًّا هم الذين يجدّون هكذا في العمل للمسيح، والكنيسة تكاد لا تدري بهم ولا بشيء من أعمالهم. وكم هناك أيضًا في وسطنا ممّن يبرهنون على محبّتهم للمسيح بسخاء عطائهم المتواصل الذي لا ينقطع. فكم من فقراء اكتشفتُ أنا أمرهم قد حرموا أنفسهم من هذا الأمر وذاك لأنّهم أرادوا أن يخدموا قضيّة المسيح. وكم هناك أيضًا — وإنّنا نكتشفهم بين الحين والحين — من أهل الطبقات الوسطى الذين يعطون لقضيّة المسيح مئة ضعف ما يعطيه كثير من الأغنياء وذوي اليسار؛ ولو عرفتم إلى أيّ ضيقات صغيرة يتعرّضون في بيوتهم، وإلى أيّ حِيَل يُضطرّون ليخدموا المسيح، لقلتم: «إنّ الرجل الذي يستطيع أن يفعل هذا يبرهن بوضوح لا لبس فيه أنّ المسيح كريم عنده». وانتبهوا لهذا جيّدًا: إنّ السبب في أنّ الكنيسة ليست أكثر جدًّا في العمل، ولا أكثر سخاءً في تقدماتها لخزانة المخلّص، هو هذا وحده لا غير: أنّ كنيسة هذه الأيّام في جملتها وكتلتها ليست هي كنيسة المسيح. ففي داخلها كنيسة للمسيح؛ أمّا الكنيسة المنظورة، كما تقف أمامكم اليوم، فلا ينبغي أن تُحسب كنيسة المسيح؛ لا بدّ أن نُدخلها كلّها في النار وأن نُدخل الثلث منها في اللهيب؛ فإنّ هذا هو اليوم الذي اختلط فيه الزغل بالذهب اختلاطًا. كيف اكدرّ الذهب، وكيف تغيّر الإبريز الجيّد! وكيف زال المجد وانصرف! إنّ صهيون اليوم راقدة تحت سحابة. ولكن انتبهوا: مع أنّكم لا ترونها بأعينكم، فثمّة كنيسة، كنيسة خفيّة؛ مركز لا يتزعزع في وسط تكاثر الاعتراف الظاهر؛ ثمّة حياة داخل هذا الفطر الخارجيّ من مسيحيّة متضخّمة؛ ثمّة حياة كامنة في الداخل، ولذلك الجيش المستتر، ذلك الجمع المختار من قبل الدهور، المسيح كريم — وهم يبرهنون ذلك كلّ يوم بآلامهم الصابرة، وبمساعيهم الدائبة، وبعطاياهم المتّصلة التي لا تنقطع لكنيسة المسيح. «فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة».

وسأخبركم بأمر واحد يبرهن — يبرهن برهانًا قاطعًا لا مردّ له — أنّ المسيح لا يزال كريمًا عند شعبه، وهو هذا: أرسلوا واحدًا من شعب المسيح ليسمع أشهر واعظ في هذا العصر كلّه، أيًّا كان ذلك الواعظ؛ فيعظ ذلك الواعظ عظة عالمة جدًّا، جميلة فخمة رصينة، ولكن ليس فيها كلمة واحدة عن المسيح. هبوا أنّ هذا هو ما جرى بالفعل؛ فيخرج ذلك المسيحيّ من هناك ويقول: «ما اكترثتُ بحديث ذلك الرجل ولا بشيء منه قيد فلس واحد». ولماذا يقول ذلك؟ «لأنّهم أخذوا سيّدي، ولستُ أعلم أين وضعوه. لم أسمع شيئًا عن المسيح». ثم أرسلوا ذلك الرجل نفسه في صباح يوم السبت ليسمع واعظًا من وراء السياج والخندق، رجلًا يلحن في لغته لحنًا فاحشًا لا يُحتمل، لكنّه يكرز بيسوع المسيح — فسترون الدموع تنحدر على وجه ذلك الرجل انحدارًا، وحين يخرج يقول لكم: «لا تعجبني ركاكة نحوه، ولا تعجبني أغلاطه الكثيرة، ولكن آه! لقد أراح قلبي وأشبع نفسي، لأنّه تكلّم عن المسيح». وهذا، بعد كلّ شيء، هو الأمر الأعظم والأهمّ عند المسيحيّ؛ إنّه إنّما يريد أن يسمع عن ربّه، وإن سمعه يُعظَّم ويُرفع فإنّه يتغاضى عن مئة عيب وعيب. بل إنّكم لتجدون المسيحيّين كلّهم في كلّ مكان متّفقين على أنّ أفضل عظة إنّما هي أملؤها بالمسيح. وما كانوا قطّ ليطربوا لعظة من العظات ليس فيها شيء من المسيح. كان واعظ ويلزيّ يعظ في السبت الماضي في كنيسة أخي الحبيب جوناثان جورج، فقال في عظته إنّ المسيح هو خلاصة الإنجيل وجوهره كلّه، ثم اندفع يروي هذه الحكاية: كان شابّ من الشبّان قد وعظ بحضرة لاهوتيّ شيخ وقور، فلمّا فرغ من وعظه جاء إلى الواعظ العجوز وقال له: «ما رأيك في عظتي؟» فقال له: «عظة رديئة جدًّا في الحقيقة». فقال الشابّ: «عظة رديئة؟ لقد قضيتُ زمنًا طويلًا جدًّا في درسها وإعدادها». قال الشيخ: «نعم، لا شكّ عندي في ذلك». فقال الشابّ: «أفلم تر شرحي للنصّ شرحًا جيّدًا جدًّا؟» قال الواعظ العجوز: «بلى، جيّد جدًّا في الحقيقة». فقال الشابّ: «فلماذا إذًا تقول إنّها عظة رديئة؟ أما رأيت الاستعارات موفّقة في مواضعها والحجج قاطعة؟» قال الشيخ: «بلى، كانت جيّدة إلى هذا الحدّ، ولكنّها مع ذلك كلّه عظة رديئة جدًّا». فقال الشابّ: «أتقول لي إذًا لماذا تحسبها عظة رديئة؟» قال الشيخ: «لأنّه لم يكن فيها مسيح». فقال الشابّ: «ولكنّ المسيح لم يكن في النصّ؛ ولسنا مطالبين أن نكرز بالمسيح دائمًا، بل أن نكرز بما هو في النصّ». فقال له الشيخ الوقور: «أما تعلم أيّها الشابّ أنّ من كلّ مدينة، ومن كلّ قرية، ومن كلّ كفر صغير في إنجلترا كلّها، حيثما كان موضعه، طريقًا يؤدّي إلى لندن؟» قال الشابّ: «بلى، أعلم ذلك». قال اللاهوتيّ العجوز: «آه! وكذلك من كلّ نصّ في الكتاب المقدّس طريق يؤدّي إلى عاصمة الأسفار المقدّسة، وتلك العاصمة إنّما هي المسيح. وشغلك أنت يا أخي الحبيب متى بلغتَ نصًّا من النصوص إنّما هو أن تقول لنفسك: أين هو الطريق إلى المسيح؟ ثم تعظ عظة تجري فيها على ذلك الطريق بعينه نحو العاصمة العظمى — المسيح». ثم قال: «وما وجدتُ قطّ إلى هذا اليوم نصًّا واحدًا ليس فيه طريق إلى المسيح؛ وإن وجدتُ يومًا نصًّا لا طريق فيه إليه، فإنّي أشقّ إليه طريقًا؛ أعبر السياج وأقتحم الخندق، ولكنّي أبلغ سيّدي على كلّ حال؛ لأنّ العظة لا تنفع شيئًا البتّة إن لم يكن فيها رائحة المسيح». والآن، بما أنّكم تقولون جميعًا: آمين لهذا الكلام، وتصرّحون بأنّ الذي تريدون سماعه هو يسوع المسيح، فالنصّ إذًا قد ثبت وتبرهن: «فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة».

ولكن إن أردتم أن تمتحنوا هذا الأمر مرّة أخرى وتبرهنوه، فامضوا وزوروا بعض مرضانا والمشرفين منّا على الموت في بيوتهم؛ امضوا وكلّموهم عن قانون الإصلاح وما جرى فيه، فينظروا في وجوهكم ويقولوا لكم في هدوء: «آه، إنّي ذاهب من هذه الحال الزمنيّة؛ فما أهون عندي أن يُقرّ قانون الإصلاح أو لا يُقرّ». فلن تجدوهم مهتمّين كثيرًا بذلك الأمر ولا بغيره. حسنًا، اجلسوا إذًا إليهم وحدّثوهم عن الطقس وعن حال المحصول: «ها إنّ الموسم يبشّر بقمح جيّد هذه السنة». فيقولون لكم: «آه، إنّ حصادي أنا ينضج في المجد». هاتوا لهم أشيق موضوع تقدرون عليه في الدنيا كلّها، فلن يجد المؤمن الراقد على حافّة الأبديّة فيه شيئًا كريمًا؛ ولكن اجلسوا أنتم بجانب سرير هذا الرجل — وقد يكون قد أشرف على الرحيل، بل يكاد يكون فاقد الوعي — وابتدئوا تتكلّمون في أذنه عن يسوع؛ اذكروا ذلك الاسم الكريم وحده الذي يُنعش النفس ويقوّيها: يسوع، فسترون عينه تلمع وتشرق، ويعود الاحمرار مرّة أخرى إلى خدّه الشاحب، فيقول: «آه، يسوع الكريم! ذاك وحده هو الاسم الذي يهدّئ مخاوفي ويأمر أحزاني أن تكفّ». وسترون حينئذ أنّكم قد أعطيتم الرجل دواءً قويًّا مقوّيًا، وأنّ كيانه كلّه قد اشتدّ وتشدّد في تلك اللحظة. بل إنّه حتى في ساعة موته، فإنّ ذكر يسوع المسيح ورجاء رؤيته يجعلانه حيًّا في وسط الموت، قويًّا في وسط الضعف، شجاعًا لا يخاف في وسط الارتعاد. وهذا كلّه يبرهن، من اختبار شعب الله أنفسهم، أنّ المسيح عند الذين يؤمنون به كريم، ولا يمكن إلّا أن يكون كريمًا إلى الأبد.

ثانيًا: والأمر الثاني هو: لماذا المسيح كريم عند المؤمن؟ أقول — وسأمرّ على هذه التفاصيل مرورًا سريعًا جدًّا، وإن كانت تستحقّ عظة طويلة طويلة — إنّ يسوع المسيح كريم عند المؤمن لأنّه كريم في ذاته. ولكن دعوني ها هنا آخذكم في درس من دروس النحو؛ فها هنا صفة، فهلمّوا نصرّفها. هو كريم في الدرجة المطلقة؛ وهو أكرم من كلّ شيء في درجة المفاضلة؛ وهو أكرم الأشياء جميعًا، بل هو الأكرم ولو جُمعت الأشياء كلّها في شيء واحد ووُضعت في مزاحمته؛ فهو إذًا كريم في أعلى درجات التفضيل. وقليل من الأمور ما يمكن أن تعامله هكذا. تقول: هذا رجل صالح، صالح في الدرجة المطلقة؛ وتقول: هو أفضل بكثير من غيره من الناس، فهو صالح في درجة المفاضلة؛ ولكنّك لا تستطيع أن تقول لأيّ إنسان بحقّ إنّه صالح في أعلى درجات التفضيل، لأنّه يبقى هناك دون الكمال. أمّا المسيح فصالح في الدرجة المطلقة، وفي درجة المفاضلة، وفي أعلى درجات التفضيل.

أهو صالح في الدرجة المطلقة؟ إنّ الاختيار أمر صالح؛ أن تكون مختارًا من الله وكريمًا؛ ولكنّنا مختارون فيه في المسيح يسوع. والتبنّي أمر صالح؛ أن نُتبنّى في عائلة الله أمر صالح — آه، ولكنّنا متبنّون في المسيح يسوع، ومجعولون وارثين معه. والغفران أمر صالح — ومن ذا الذي يماري في ذلك؟ — نعم، ولكنّنا مغفور لنا بدم يسوع الكريم. والتبرير — أليس أمرًا نبيلًا أن نُكسى برًّا كاملًا؟ — نعم، ولكنّنا مبرَّرون في يسوع. والحفظ — أليس أمرًا كريمًا؟ — نعم؛ ولكنّنا محفوظون في المسيح يسوع، محروسون بقوّته إلى المنتهى. والكمال — من ذا يقول إنّه غير كريم؟ حسنًا، ولكنّنا كاملون في المسيح يسوع. والقيامة، أليست مجيدة؟ إنّنا قد قمنا معه. والصعود إلى الأعالي، أليس كريمًا؟ ولكنّه هو أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويّات في المسيح يسوع — فلا بدّ إذًا أن يكون المسيح صالحًا في الدرجة المطلقة، لأنّه هو كلّ الأشياء الفضلى مجموعةً في واحد. وإن كانت هذه كلّها صالحة، فلا شكّ أنّ ذاك الذي فيه وبه وله وعن طريقه صارت هذه الأمور الكريمة كلّها لا بدّ أن يكون هو صالحًا.

ولكنّ المسيح صالح في درجة المفاضلة أيضًا. هاتوا أيّ شيء شئتم ها هنا وقابلوه به. إنّ من أبهى الجواهر التي نملكها في هذه الدنيا الحرّيّة. فإن لم أكن حرًّا فلأمُت. ضعوا الحبل في عنقي، ولا تضعوا القيد في معصمي — لا بدّ لي أن أكون حرًّا ما دمتُ حيًّا. أفلا يقول الوطنيّ إنّه يبذل دمه ثمنًا للحرّيّة ويحسبه ثمنًا رخيصًا؟ نعم، ولكن ضعوا الحرّيّة جنبًا إلى جنب مع المسيح، فأنا ألبس القيد من أجل المسيح وأفرح بالسلسلة. وقد قدر الرسول بولس نفسه أن يقول: «كنتُ أصلّي إلى الله أنّهم يصيرون هكذا كما أنا» — وله أن يضيف: «ما خلا هذه القيود» — لكنّه إذ استثنى القيود لغيره من الناس، لم يستثنِها لنفسه هو، بل فرح بالسلسلة وحسبها وسام شرف له. وفضلًا عن الحرّيّة، ما أكرم الحياة! «جلد بجلد، وكلّ ما للإنسان يعطيه لأجل نفسه». ولكن دعوا المسيحيّ — المسيحيّ الحقيقيّ — يُخيَّر مرّة واحدة بين الحياة والمسيح، فيقول: «كلّا، أنا أقدر أن أموت، ولا أقدر أن أنكر؛ أقدر أن أحترق، ولا أقدر أن أرتدّ. أعترف بالمسيح وأهلك في اللهيب؛ ولكنّي لا أقدر أن أنكر المسيح، ولو رفعتموني إلى عرش». فما كان ليتردّد لحظة واحدة بين الاثنين. ثم إنّ كلّ خير أرضيّ يمكن أن يُقابَل بالمسيح، فشهادة المؤمن كلّها تثبت أنّ المسيح كريم في درجة المفاضلة، إذ ليس في الوجود شيء يوازيه.

ثم لنصعد أعلى من ذلك بعدُ — المسيح صالح في أعلى درجات التفضيل. إنّ أعلى الأشياء جميعًا هي السماء؛ ولو أمكن أن يوضع المسيح في مزاحمة السماء، لما توقّف المسيحيّ لحظة واحدة في اختياره؛ بل كان يؤثر أن يكون على الأرض مع المسيح على أن يكون في السماء بدونه. بل لستُ أدري أما كان يذهب إلى ما يقارب ما ذهب إليه رذرفورد، إذ قال: «يا ربّ، لأن أكون في الجحيم معك أحبّ إليّ من أن أكون في السماء بدونك؛ لأنّي لو كنتُ في السماء بدونك لكانت لي جحيمًا، ولو كنتُ في الجحيم معك لكانت لي سماءً». ولنا نحن أن نقولها كذلك، وكلّ مسيحيّ في الدنيا يوقّع عليها. والآن، هلمّوا يا رسل العالم واحملوا على أكتافكم كلّ كنوزه. يا قيصر، صُبّ ذهبك ها هنا كومةً برّاقة؛ يا قيصر، ألقِ أمجادك ها هنا كدسًا زاهيًا؛ هات يا طيباريوس كلّ ملذّات كابري وشهواتها ورذائلها؛ هات يا سليمان كلّ كنوز الحكمة؛ هات يا إسكندر كلّ انتصاراتك؛ هات يا نابليون إمبراطوريّتك المترامية ومجدك؛ ضعوها كلّها ها هنا، وكلّ ما تسمّيه الأرض خيرًا؛ ثم تعال أنت يا حمل الله النازف، يا مخلّصي المضروب الذي لا نظير له، تعال ها هنا وطأ هذه كلّها تحت قدميك، فما هذه كلّها بالقياس إليك؟ إنّي أصبّ عليها الاحتقار جميعًا. الآن أنا ميت للعالم كلّه، والعالم كلّه ميت لي. إنّ مملكة الطبيعة كلّها صغيرة بالقياس إليك، كنقطة من دلو تُقاس بمحيط لا حدّ له. فيسوع المسيح إذًا كريم في أعلى درجات التفضيل.

2. وماذا نقول بعد هذا كلّه؟ ولنجب عن هذا السؤال مرّة أخرى: لماذا المسيح كريم عند المؤمن أكثر منه عند أيّ إنسان آخر؟ إنّ حاجة المؤمن هي التي تجعل المسيح كريمًا عنده. هذا هو جواب واحد من الأجوبة. لقد نزل علينا مطر خفيف في هذه الأيّام الأخيرة الماضية، وأحسب أنّ قليلين جدًّا منكم قد شعروا نحوه بشيء من الامتنان، إذ بلّلكم قليلًا وأنتم قادمون إلى هذا المكان. ولكن هبوا أنّ ذلك المطر بعينه سقط على صحراء العرب، فأيّ شيء كريم عزيز كان يكون هناك! بل لكانت كلّ قطرة من قطراته تساوي عندهم لؤلؤة؛ وأمّا الوابل، فلو أنّه أمطر غبار ذهب، لما عادل ذلك الرصيد الغنيّ كلّه ذلك السيل النازل من العلاء. ولكن ما السبب في أنّ الماء كريم إلى هذا الحدّ هناك؟ لا لشيء إلّا لأنّه نادر عزيز الوجود. هبوا أنّي أنا في إنجلترا؛ فالماء فيها وافر إلى حدّ أنّي لا أستطيع أن أبيعه؛ إنّه شائع مبذول، ولذلك فهو رخيص. ولكن ضعوا رجلًا واحدًا في الصحراء وقد نشفت قربته وفرغت، ثم دعوه يأتي إلى البئر التي رجا أن يجد فيها ماءً فتخذله؛ أفلا تتصوّرون حينئذ أنّ تلك القطرة الصغيرة من الماء قد تساوي عنده فدية ملك من الملوك؟ بل إنّ ذلك الرجل قد يخبّئها ويخفيها عن رفاقه جميعًا، لأنّ حياته كلّها معلّقة بتلك القطرة الصغيرة؟ إنّ سبيل تقدير الماء حقّ قدره إنّما هو أن تزنه بلسان كالجمرة وفم كالتنّور. فحينئذ فقط أقدر أن أقدّر قيمته حقّ قدرها، إذ أعرف مقدار الحاجة إليه. وكذلك الأمر في المسيح. إنّ ابن هذه الدنيا لا يبالي بالمسيح ولا يكترث، لأنّه لم يجع إليه ولم يعطش قطّ؛ أمّا المسيحيّ فعطشان إلى المسيح؛ إنّه سائر في أرض ناشفة يابسة بلا ماء، وقلبه ولحمه يهتفان بالله، بل بالإله الحيّ؛ وكما يصرخ العطشان وهو يموت: ماء، ماء، ماء! كذلك يصرخ المسيحيّ: المسيح، المسيح، المسيح! هذا هو الأمر الواحد الذي أنا محتاج إليه، فإن لم يكن لي نصيب فيه، فلا بدّ أن يقتلني هذا العطش.

وانتبهوا أيضًا إلى هذا: إنّ المؤمن قد يوجد في أحوال شتّى مختلفة بعضها من بعض، وستجدون على الدوام أنّ احتياجاته هي وحدها التي تحبّب المسيح إليه. ها هو ذا رجل مقدَّم إلى المحاكمة على حياته. كان قبل أن يجني جنايته يقول في استخفاف: «المحامون والوكلاء والمرافعون، بعدًا لهم جميعًا! أيّ نفع فيهم؟» فلمّا صار في السجن تغيّر رأيه فيهم كلّ التغيّر. فهو يقول الآن: «ليتني أجد محاميًا بارعًا حاذقًا يرافع عن قضيّتي»؛ ويقلّب السجلّ ويقرأ فيه اسمًا اسمًا ليرى أفضل رجل يترافع عنه. وأخيرًا يقول: «ها هنا رجل، لو ترافع هو عن قضيّتي لرجوتُ لنفسي النجاة، ولكن ليس عندي من المال ما أستأجره به»؛ فيقول لامرأته: «يا امرأة، لا بدّ أن نبيع بيتنا»؛ أو: «لا بدّ أن نجد المال بطريقة من الطرق، فإنّي أحاكَم على حياتي، ولا بدّ لي من محامٍ». وأيّ شيء في الدنيا لا تفعله المرأة لتجد محاميًا لزوجها؟ إنّها لترهن آخر خرقة عندها في البيت لتجده له. أفلا يشعر المؤمن أنّه هو في مثل هذا الموقف بعينه؟ إنّه ليس إلّا خاطئًا مسكينًا يحاكَم على حياته، وهو محتاج إلى محامٍ يقوم عنه ويرافع؛ وكلّما نظر إلى المسيح وهو يترافع عن قضيّته أمام عرش الآب، قال في نفسه: «آه، ما أكرمه من مسيح للخاطئ المسكين الذي أهلكته خطيّته، إذ يترافع عن قضيّته أمام العرش!»

ولنفترض حالة أخرى غيرها: رجل وقعت عليه القرعة للجنديّة. ففي مثل هذه الأوقات يبحث الناس دائمًا عن بدلاء. وإنّي لأذكر حين كانت قرعة الميليشيا مزمعة أن تُجرى، كيف انتسب كلّ رجل إلى جمعيّة للبدلاء، حتى إذا وقعت عليه القرعة لا يذهب هو بنفسه. فهبوا أنّ رجلًا قد وقعت عليه القرعة، فكم كان البديل يساوي عنده حينئذ! فما من رجل عاقل يحبّ أن يكون طعامًا للبارود — بل يؤثر أن يذهب رجل لا عقل له فيقوم بمثل هذا العمل، وأمّا هو فيقدّر نفسه بثمن أغلى من ذلك بكثير. ولكن هبوا أنّه لم تقع عليه القرعة للجنديّة فحسب، بل حُكم عليه أيضًا بالموت. انظروا إلى ذلك البائس صاعدًا درج المشنقة؛ ويهمس له أحدهم في أذنه: «كم كنتَ تعطي لبديل الآن؟ كم كنتَ تبذل لمن يأتي ويحتمل هذا العقاب عنك؟» فترون عينه تدور بالجنون من هول الفكرة. فيقول: «بديل؟ ما كنتُ أقدر أن أشتري بديلًا بالدنيا كلّها. من ذا الذي يرضى أن يكون بديلًا عنّي، فيتأرجح إلى الأبديّة وسط عواء الجموع؟» ولكن هبوا — وإنّما نفترض ما قد وقع بالفعل — هبوا أنّ هذا الرجل لم يرَ المشنقة والحبل فحسب، بل رأى نار جهنّم أمامه، وقيل له: «لا بدّ أن تحترق فيها إلى الأبد ما لم تجد لنفسك بديلًا»، أفما كان ذلك البديل كريمًا؟ والآن انتبهوا جيّدًا: هذا هو موقفنا نحن بعينه. إنّ المسيحيّ يشعر أنّ الجحيم أمامه، لولا أنّ له بديلًا مجيدًا. فقد تقدّم يسوع وقال: «أنا أحتمل ذلك العقاب؛ اسكب الجحيم عليّ يا أبتاه، ودعني أشرب كأس الدينونة حتى الثُّفل»؛ وقد فعل ما قال؛ واحتمل تلك الآلام كلّها أو ما يعادلها؛ وتألّم في موضع المتمرّد؛ والآن نحن به، وهو البديل، مبرّؤون أحرار. أفلا يكون مسيحًا كريمًا؟

ولكن فكّروا في المسيح مرّة أخرى، ثم فكّروا بعد ذلك في احتياجات المؤمن. وسأحاول أن أمرّ على طائفة منها مرورًا سريعًا. إنّ المؤمن ليس إلّا خروفًا أحمق ضالًّا؛ فما أكرم الراعي الذي يطلبه ويردّه إلى الحظيرة! وما أكرم عنده المراعي الخضر ومياه الراحة! والمؤمن كامرأة مهجورة موحشة لا معين لها؛ فما أكرم عندها الزوج الذي يعولها ويعزّيها ويحنو عليها! والمؤمن غريب مسافر في الطريق تصبّ الشمس الحارّة عليه لهيبها؛ فما أكرم عنده ظلّ صخرة عظيمة في أرض معيية! والمؤمن في أصل طبيعته عبد مستعبَد مقيّد؛ فما أكرم عنده بوق اليوبيل وثمن الفداء الذي يطلقه حرًّا طليقًا! والمؤمن في أصل طبيعته رجل يغرق ويهوي إلى القاع؛ فما أكرم عنده لوح النعمة المجّانيّة، صليب المسيح، الذي يضع عليه يده المرتعشة المسكينة فيؤمّن لنفسه به المجد! وماذا أقول بعد هذا كلّه؟ إنّ الوقت ليعوزني لو أردتُ أن أعدّ عليكم كلّ احتياجات المؤمن، وأن أعدّ كلّ أنهار المحبّة الفائضة الجارية أبدًا من المسيح، ذلك الينبوع الذي لا ينضب، والذي يملأ المؤمن إلى شفتيه. فقولوا لي أنتم يا أولاد الله: أما هو، وأنتم بعدُ في وديان الحاجة والألم هذه، كريم عندكم كرامةً لا تُتصوَّر ولا تُوصف ولا تُبلَغ؟

3. ولكن مرّة أخرى. انظروا إلى المؤمن، لا في احتياجاته وفاقته فحسب، بل في أرفع حالاته الأرضيّة. إنّ المؤمن رجل كان من قبلُ أعمى فصار الآن يبصر. وما أكرم النور عند الرجل الذي يبصر! فإن كانت لي، وأنا مؤمن، عين تبصر، فما أشدّ حاجتي إلى الشمس أن تشرق عليّ بنورها! فإن لم يكن لي نور صارت عيني نفسها عذابًا لي، وكان الأولى بي أن أكون أعمى لا أبصر. وحين يعطي المسيح البصر للعمي، فإنّه يجعل شعبه شعبًا مبصرًا. فحينئذ فقط يعرفون ما أكرم البصر، وما ألذّ للإنسان أن ينظر الشمس. والمؤمن رجل قد أُحيي بعد موت. إنّ الجثّة الميتة لا تحتاج البتّة إلى ثوب يسترها، لأنّها لا تحسّ بالبرد. ولكن دع الإنسان يُحيَ مرّة واحدة فقط، فيجد نفسه عريانًا ويطلب كسوة يلبسها. فمن حيث إنّ المسيحيّ رجل قد أُحيي، صار يقدّر حقّ التقدير ثوب البرّ الذي أُلبسه. والمسيح يلمس آذان شعبه فيفتحها لهم؛ ولكن كان خيرًا للإنسان أن يبقى أصمّ من أن يسمع إلى الأبد أنينًا موحشًا وصفيرًا. ولا بدّ أنّ هذا هو ما كان يسمعه دائمًا بلا انقطاع، لولا أنّ المسيح يعزف له كلّ يوم موسيقى عذبة، ويصبّ في أذنيه أنهارًا من الألحان بمواعيده الحلوة. نعم، أقول إنّ قوى المسيحيّ المولودة حديثًا نفسها كانت تصير له مجاري شقاء وبؤس، لولا المسيح. فحتى في أرفع حالاته لا بدّ للمسيحيّ أن يشعر أنّ المسيح ضروريّ له لا غنى له عنه، ثم لا بدّ أن يستنتج بعد ذلك أنّ المسيح كريم عنده كلّ الكرامة.

ولكن أيّها المؤمن، ما أكرم المسيح عندك أنت في ساعة بكيت الخطيّة، حين يقول لك: «مغفورة لك خطاياك الكثيرة». وما أكرمه عندك في ساعة المرض، حين يأتي إليك ويقول لك: «أنا أمهّد مضجعك كلّه في مرضك». وما أكرمه عندك في يوم التجربة والضيق، حين يقول لك: «كلّ الأشياء تعمل معًا لخيرك». وما أكرمه عندك حين يُدفن الأحبّاء في التراب، لأنّه يقول: «أنا هو القيامة والحياة». وما أكرمه عندك في شيخوختك الشائبة: «وإلى الشيخوخة أنا هو، وإلى الشيبة أنا أحمل». وما أكرمه عندك في غرفة الموت الموحشة، إذ «لا أخاف شرًّا، لأنّك أنت معي، عصاك وعكّازك هما يعزّيانني». ولكن، وهذا آخر الكلّ، ما أكرم المسيح حين نراه كما هو! فإنّ كلّ ما نعرفه عن المسيح ها هنا ليس بشيء البتّة بالقياس إلى ما سنعرفه عنه هناك فيما بعد. أيّها المؤمن، حين تنظر أنت وجه المسيح الآن، فإنّك لا تراه إلّا من وراء برقع — إنّ المسيح من المجد بحيث يضطرّ، كما اضطرّ موسى، أن يضع برقعًا على وجهه، لأنّ شعبه المساكين ما داموا ها هنا في الأرض أضعف من أن ينظروه وجهًا لوجه. وإن كان جميلًا ها هنا، وهو مضروب مبصوق عليه، فما أجمله هناك في العلاء وهو مسجود له معبود! وإن كان كريمًا وهو معلّق على صليبه، فكم يكون أكرم منه وهو جالس على عرشه! وإن كنتُ ها هنا أستطيع أن أبكي أمامه، وأن أحبّه، وأن أحيا له، وأنا أراه رجل الناصرة المحتقر، فآه، كيف تلتصق روحي كلّها به، وكيف يذوب قلبي كلّه حبًّا له، حين أنظر وجهه وأعاين إكليل مجده، وأسمع قيثارات الضاربين الذين لا يكفّون ليلًا ولا نهارًا عن ضرب أوتارهم بتسبيحه! انتظر قليلًا بعدُ أيّها المسيحيّ. إن كان كريمًا عند المؤمن الآن، فحين يتحوّل الإيمان إلى عيان يكون أكرم بعدُ وأكرم بما لا يُقاس. اخرج من هذه القاعة اليوم صارخًا: «يا ربّ يسوع، لا بدّ لي أن أحبّك، ولا بدّ لي أن أخدمك خدمة أفضل، ولا بدّ لي أن أحيا لك وحدك؛ ولا بدّ لي أن أكون مستعدًّا أن أموت لك — لأنّك

‹أنت كريمٌ عند نفسي،

يا بهجتي ويا معتمدي.›»

وهذا كلّه يقودني الآن إلى الختام — وها هنا أطلب انتباهكم الجادّ الرصين، بينما يجيب كلّ واحد منكم عن هذا السؤال عن نفسه هو: يا سامعي، هل المسيح كريم عندك أنت؟ يا أخي الشابّ، يا من أنت في مثل سنّي، أيسوع كريم عندك أنت في أيّام شبابك؟ بمَ يزكّي الشابّ طريقه؟ لا بشيء من الأشياء إلّا بأن يحفظه حسب كلمة المسيح، وأن يسلك هو في آثار خطواته. وأنتم أيّها الرجال والنساء الذين هم في وسط العمر، أالمسيح كريم عندكم؟ اذكروا أنّ هذا العالم كلّه ليس إلّا حلمًا من الأحلام؛ فإن لم يكن لكم شيء أشفى للنفس منه، فسوف تخيبون خيبة مرّة في آخر الأمر، ولو نجحتم فوق أعلى أمانيكم. وأنتم أيّها الشيوخ ذوو الرؤوس الشائبة، الذين تتهادون على أرجلكم إلى قبوركم، والذين صارت حياتهم كذبالة شمعة قد أوشكت أن تنطفئ، وكسراج قد نفد زيته: أالمسيح كريم عندكم، يا أصحاب الرؤوس الصلعاء والخصلات البيضاء، أيسوع كريم عند نفوسكم؟ اذكروا أنّ حالكم كلّها إنّما هي متوقّفة على جوابكم عن هذا السؤال وحده. أنتم مؤمنون إن كان كريمًا عندكم؛ فإن لم يكن كريمًا فلستم مؤمنين، وقد دِنتم من قبلُ لأنّكم لم تؤمنوا بابن الله. فأيّ الأمرين هو إذًا؟ آه، إنّي أخال بعضكم يشعرون كأنّهم يوشكون أن يثبوا الآن من مقاعدهم قائلين: «نعم، إنّه كريم عندي، ولا أستطيع أن أنكر ذلك». كان مرّة خادم صالح من خدّام الله يستوعب صفّه في التعليم، فقال للشبّان والفتيات: «إنّ السؤال الذي أنا مزمع أن أسأله لا أريد أن يجيب عنه أحد منكم إلّا من كان يستطيع أن يجيب عنه من قلبه». وكانت الجماعة كلّها مجتمعة حاضرة، فطرح عليهم هذا السؤال عن المسيح: «هبوا أنّ المسيح كان ها هنا، فقال لكم: أتحبّني؟ فماذا يكون جوابكم؟» ثم نظر حوله، وجال ببصره في وجوه الشبّان والفتيات جميعًا، وقال: «إنّ يسوع يكلّمكم أوّل مرّة فيقول: أتحبّني؟ ثم يكلّمكم ثانية فيقول: أتحبّني؟» وساد صمت مهيب ولم يجب أحد منهم بكلمة واحدة؛ ونظرت الجماعة إلى الصفّ؛ وأخيرًا قال الخادم مرّة أخرى: «إنّ يسوع يكلّمكم بلساني ثالثة فيقول: أتحبّني؟» فنهضت فتاة من الفتيات لم تعد تطيق البقاء في مقعدها، وانفجرت باكية وقالت: «نعم يا ربّ، أنت تعلم كلّ شيء، أنت تعرف أنّي أحبّك». فكم منكم ها هنا الآن ممّن يقدر أن يقول ذلك القول؟ أفلا تقدرون أنتم الآن، لو كان هذا هو وقت الجواب — وإن كنتم قد تستحيون في وسط هذا الجمع الكبير — أفلا تقدرون، لو سألكم المسيح ذلك السؤال، أن تقولوا بجرأة، ولو كنتم في وسط الأعداء: «نعم يا ربّ، أنت تعلم كلّ شيء، أنت تعرف أنّي أحبّك»؟ حسنًا، إن استطعتم أن تجيبوا مثل هذا الجواب، فامضوا إلى بيوتكم وصلّوا هناك لكي يُجتذب غيركم أيضًا إلى محبّته، فإنّكم أنتم مخلَّصون؛ وأمّا إن اضطررتم أن تصمتوا صمتًا أمام سؤال كهذا، فليقدكم الله بنعمته إلى طلب المسيح، ولتُساقوا أنتم أيضًا إلى الصليب، ولتنظروا هناك جراحه النازفة الحبيبة بعيني الإيمان، ولتعاينوا جنبه المفتوح، ولتقولوا وأنتم ساقطون عند قدميه: «أنا أثق بك، وأتّكل عليك، وأعتمد عليك»، فيقول هو لكم: «أنا قد خلّصتك»؛ فتثبون حينئذ واقفين على أقدامكم قائلين: «يا ربّ، أنا أحبّك لأنّك أنت أحببتني أوّلًا». فليكن هذا هو ختام هذه العظة وثمرتها، ولله وحده كلّ المجد.

الشواهد الكتابية في هذه العظة 1 بطرس 2:7

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.