عظة · قراءة 28 د· 1859

النعمة المجّانيّة

صورة Charles H. Spurgeon Charles H. Spurgeon

النص

حزقيال 36:32

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

باختصار

الخلاص «لا من أجلكم»: ها هنا ينقض سبرجن الخطيّتين النابتتين في العظم — الاتّكال على الذات وتمجيد الذات — ويبيّن أنّ الله إنّما يخلّص من أجل اسمه هو، بالنعمة وحدها. ومن ثمّ فأحقر الخطاة له أن يأتي وليس في يده شيء، وليس للمخلَّصين ما يفتخرون به سوى قلب الله الحنون.

«لا من أجلكم أنا صانع، يقول السيّد الربّ، فليكن معلومًا لكم. فاخجلوا واخزوا من طرقكم يا بيت إسرائيل.»—حزقيال 36:32.

هناك خطيّتان في الإنسان قد نبتتا في العظم نبتًا، فهما لا تزالان تظهران في اللحم وتُفصحان عن نفسيهما على الدوام. إحداهما الاتّكال على الذات، والأخرى تمجيد الذات. وإنّه لعسيرٌ عسرًا شديدًا، حتى على خيرة الناس وأفاضلهم، أن يحفظوا أنفسهم من الضلال الأوّل. فإنّ أقدس المسيحيّين، وأعمقهم فهمًا لإنجيل المسيح، يجدون في أنفسهم ميلًا دائمًا لا ينقطع إلى النظر إلى قدرة المخلوق وإلى ذراع البشر، عوضًا عن النظر إلى قدرة الله، وإلى قدرة الله وحدها لا سواها. ومرّةً بعد مرّة، وكرّةً بعد كرّة، يضطرّ الكتاب المقدّس أن يذكّرنا بما ما كان ينبغي لنا قطّ أن ننساه: أنّ الخلاص عمل الله وحده، من أوّله إلى آخره، وأنّه ليس من إنسان ولا بإنسان. ولكنّ الأمر هكذا: هذا الضلال القديم — أنّ علينا أن نخلّص أنفسنا بأنفسنا، أو أنّ لنا في أمر الخلاص عملًا نعمله — يعود فينهض أبدًا ولا يموت، فنجد أنفسنا مجرَّبين به على الدوام لنحيد عن بساطة إيماننا بقدرة الربّ إلهنا. حتى إبراهيم نفسه لم يكن بريئًا ولا سالمًا من ذلك الضلال العظيم، ضلال الاتّكال على قوّته هو وذراعه هو. فقد كان الله قد وعده أن يعطيه ابنًا — إسحاق، ابن الموعد. فآمن إبراهيم بذلك الوعد، ولكنّه أخيرًا، وقد أعياه طول الانتظار وأضجره، لجأ إلى الحيلة الجسديّة وإلى تدبير اللحم والدم، فاتّخذ هاجر لنفسه امرأة، وتوهّم أنّ إسماعيل لا بدّ أن يكون هو تتميم وعد الله؛ ولكنّ إسماعيل، عوضًا عن أن يعين على تتميم الوعد، جلب الحزن والغمّ إلى قلب إبراهيم، لأنّ الله لم يشأ ولم يرضَ أن يسكن إسماعيل مع إسحاق. «اطرد» — يقول الكتاب — «الجارية وابنها، لأنّه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرّة». ونحن كذلك، في أمر الخلاص، سريعون إلى الظنّ بأنّ الله قد أبطأ وتوانى طويلًا في تتميم وعده، فنشمّر نحن عن ساعد الجدّ لنصنع شيئًا؛ وماذا عسانا نصنع؟ نغوص بأنفسنا أعمق فأعمق في الوحل، ونكدّس لأنفسنا ذخيرةً من المتاعب والتجارب نلقاها في الغد. أما نقرأ أنّه قبُح في عينَي إبراهيم جدًّا أن يصرف إسماعيل؟ آه! وكم من مسيحيّ قد أحزنته وأدمت قلبه تلك الأعمال الطبيعيّة التي أتمّها وهو ينوي بها أن يعين إله النعمة. أيّها الأحبّاء، إنّنا سنجد أنفسنا مرارًا كثيرة نتصدّى لتلك المهمّة الحمقاء: مهمّة إعانة القدير، وتعليم العليم بكلّ شيء. وعوضًا عن أن ننظر إلى النعمة وحدها لتقدّسنا، نجد أنفسنا نتبنّى قواعد فلسفيّة ومبادئ من عند أنفسنا، نحسب أنّها ستُتمّ العمل الإلهيّ. ولن نصنع بها إلّا إفسادًا للعمل وتشويهًا له؛ ولن نجني منها إلّا الحزن والغمّ في أرواحنا. أمّا إن نحن، عوضًا عن ذلك، رفعنا أعيننا في كلّ عمل من أعمالنا إلى إله خلاصنا طالبين منه العون والقوّة والنعمة والغياث، فحينئذ يمضي عملنا إلى فرحنا وتعزيتنا، وإلى مجد الله. فهذا الضلال إذًا — كما أقول — مغروسٌ في عظامنا، وسيسكن معنا على الدوام؛ ومن ثمّ وُضعت كلمات نصّي ترياقًا لذلك الضلال. فقد نصّ نصّنا نصًّا صريحًا على أنّ الخلاص من الله: «لا من أجلكم أنا صانع». ولم ينبس ببنت شفة عمّا صنعناه نحن، ولا عمّا نحن قادرون أن نصنعه. بل الآيات السابقة كلّها واللاحقة كلّها إنّما تتكلّم عمّا يصنعه هو. «أنا آخذكم من بين الأمم.» «أنا أرشّ عليكم ماءً طاهرًا.» «أنا أعطيكم قلبًا جديدًا.» «أنا أجعل روحي في داخلكم.» فالأمر كلّه من الله، من أوّله إلى منتهاه؛ فلنستحضر إذًا هذا التعليم إلى أذهاننا من جديد، ولنتخلَّ عن كلّ اتّكال على قوّتنا وقدرتنا.

أمّا الضلال الآخر الذي يجنح إليه الإنسان جنوحًا شديدًا ويسرع إليه، فهو الاتّكال على استحقاقه الذاتيّ. ومع أنّه ليس في إنسانٍ ما برٌّ البتّة، ففي كلّ إنسان ميلٌ إلى الثقة باستحقاقٍ موهوم يتوهّمه لنفسه. وعجيبٌ كلّ العجب أن يكون الأمر كذلك، ولكنّ أشدّ الناس فسادًا وأرذلهم سيرةً لهم مع ذلك فضيلةٌ ما — كما يتخيّلون — عليها يتّكلون وإليها يستندون. فترى السكّير الغارق في سُكره، الضائع في خمره، يفتخر بأنّه ليس بحلّاف. وترى السكّير المجدّف يفتخر بأنّه على الأقلّ رجل أمين. وترى أناسًا لا فضيلة لهم في الدنيا البتّة يرفعون ما يحسبونه فضيلة — وهو أنّهم لا يدّعون لأنفسهم فضيلةً أصلًا؛ فيظنّون أنفسهم في غاية الامتياز والفضل، لأنّ فيهم من الأمانة — أو بالحريّ من الوقاحة — ما يكفي للاعتراف بأنّهم أنجاس أرجاس. وعلى نحوٍ من الأنحاء، يتشبّث العقل البشريّ باستحقاق البشر تشبّثًا؛ ولا يزال متمسّكًا به أبدًا؛ فإذا نزعت عنه كلّ ما تحسب أنّه يستند إليه، صاغ لنفسه في أقلّ من لحظة، بل في طرفة عين، من ذات نفسه، أرضًا أخرى يقف عليها للثقة. إنّ الطبيعة البشريّة، من جهة استحقاقها الذاتيّ، أشبه شيء بالعنكبوت: تحمل قوام بيتها ومادّة نسجها في أحشائها، ويخيّل إليك أنّها ستظلّ تنسج وتنسج إلى أبد الآبدين. قد تكنس نسيجًا واحدًا فتزيله، فلا تلبث أن تنسج غيره؛ وقد تنزع الخيط من موضعٍ، فتجده لاصقًا بإصبعك؛ وإذا حاولت أن تنفضه بإحدى يديك وجدته عالقًا بالأخرى. عسيرٌ جدًّا الخلاص منه؛ وهو أبدًا مستعدّ أن ينسج نسيجه ويربط نفسه بأرضٍ كاذبة من أراضي الثقة. وعلى كلّ استحقاق بشريّ، أيًّا كان، أنا متكلّم هذا الصباح، وإنّي لأحسّ أنّي سأعثر كثيرين من الحاضرين ها هنا وأثير سخطهم. فإنّي مزمعٌ أن أكرز بتعليم هو مرارةٌ وخلٌّ للحم والدم، تعليمٍ يجعل دعاة الأخلاق الأبرار في أعين أنفسهم يصرّون عليّ بأسنانهم غيظًا، ويجعل آخرين ينصرفون وهم يعلنون أنّي عدوّ للناموس، وأنّي لعلّي بالكاد أستحقّ أن أحيا على وجه الأرض. على أنّ هذه النتيجة لن أندبها كثيرًا، إن كان يقترن بها ويصحبها في قلوب أخرى خضوعٌ لهذه الحقيقة المجيدة، واستسلامٌ لقدرة الله ونعمته، ذاك الذي لن يخلّصنا البتّة ما لم نكن مستعدّين أن نتنازل له ونترك له المجد كلّه.

أوّلًا: سأجتهد أن أشرح شرحًا مستفيضًا واسعًا التعليم الذي يحتويه هذا النصّ؛ وفي المقام الثاني سأجتهد أن أبيّن قوّته وأدلّ على صدقه؛ ثمّ في المقام الثالث والأخير سألتمس من روح الله القدّوس أن يطبّق الدروس النافعة العمليّة التي ينبغي أن تُستخرج منه.

أوّلًا. سأجتهد أن أشرح هذا النصّ. «لا من أجلكم أنا صانع، يقول السيّد الربّ». إنّ الباعث على خلاص الجنس البشريّ إنّما يوجد في صدر الله وحده، لا في صفة الإنسان ولا في حاله ولا في شيء من أمره. لقد تمرّد على الله جنسان من خلائقه: أحدهما ملائكيّ، والآخر بشريّ. فلمّا تمرّد فريق من هذا الجنس الملائكيّ على العليّ، أدركهم العدل سريعًا ولم يُمهلهم؛ فجُرفوا عن مقاعدهم النجميّة في السماء وطُرحوا منها، ومنذ ذلك الحين وهم محفوظون في الظلام إلى يوم غضب الله العظيم. لم تُعرض عليهم رحمةٌ قطّ ولا مرّة واحدة، ولم تُقدَّم عنهم ذبيحةٌ قطّ؛ بل تُركوا بلا رجاء ولا رحمة ولا شفيع، مُسلَّمين إلى الأبد إلى هوّة العذاب الأبديّ. أمّا الجنس البشريّ، وهو دونهم بكثير في رتبة الذكاء ومرتبة العقل، فقد أخطأ خطأً لا يقلّ فظاعةً وشناعة؛ بل على كلّ حال، لو جُمعت خطايا البشر التي سمعنا بها ووُزنت وزنًا صحيحًا، لَما كدت أفهم كيف يمكن أن تكون خطايا الشياطين نفسها أشدّ سوادًا من خطيّة بني آدم. غير أنّ الله الذي، في عدله غير المحدود، تجاوز الملائكة وتركهم يكفّرون عن جرائمهم إلى الأبد في نيران الجحيم، قد سُرّ أن يخفض نظره إلى الإنسان وينظر إليه. فها هنا اختيارٌ على نطاق هائل عظيم: اختيار البشريّة، ورفض الملائكيّة الساقطة. فما كان السبب في ذلك؟ إنّ السبب كان في فكر الله، سببًا لا يُسبر غوره ولا يُدرك كنهه، لا نعرفه نحن، ولو عرفناه لَما استطعنا على الأرجح أن نفهمه. ولو خُيّرتُ أنا وأنت أيّ الفريقين ينبغي أن يُشفَق عليه ويُستبقى، لأحسب أنّ الأرجح أنّنا كنّا نختار أن يخلص الملائكة الساقطون. أليسوا هم الأبهى والأزهى؟ أليست لهم أعظم قوّة عقليّة؟ ولو أنّهم فُدوا، أما كان ذلك يمجّد الله — في تقديرنا نحن — أكثر من خلاص ديدان مثلنا؟ تلك الكائنات البهيّة — لوسيفر ابن الصبح، وتلك الكواكب التي سارت في موكبه — لو أنّها اغتسلت بدمه الفادي، لو أنّها خلصت بالرحمة السياديّة، فأيّة ترنيمة كانت ترفعها وتشدو بها إلى الله العليّ الأبديّ! ولكنّ الله، الذي يفعل بما هو له ما يشاء كيف يشاء، ولا يعطي أحدًا حسابًا عن أموره، بل يعامل خلائقه كما يعامل الخزّاف طينه، لم يأخذ على نفسه طبيعة الملائكة، بل أخذ نسل إبراهيم، واختار بني آدم ليكونوا أواني رحمته. هذه الحقيقة نعرفها ونحن على يقين منها، ولكن أين سببها؟ لا في الإنسان قطعًا. «لا من أجلكم أنا صانع. فاخجلوا واخزوا من طرقكم يا بيت إسرائيل».

وهاهنا قلّما يعترض أحد من الناس على ما أقول. فإنّا نلاحظ أنّا إذا تكلّمنا عن اختيار الناس وعن عدم اختيار الملائكة الساقطين، لم يُسمع تشغيبٌ ولا اعتراضٌ للحظة واحدة. فكلّ إنسان يستحسن الكالفينيّة ويرتضيها إلى أن يشعر أنّه هو الخاسر بها؛ فإذا بدأت تمسّ عظمه هو ولحمه هو وتقترب منه، رفسها برجله وأبى قبولها. فهلمّوا إذًا معي، لا بدّ لنا أن نمضي إلى أبعد من هذا. إنّ السبب الوحيد في خلاص إنسان دون آخر من الناس لا يكمن — بأيّ معنى من المعاني — في الإنسان المخلَّص، بل في صدر الله وحده. والسبب في أنّ الإنجيل يُكرز به لكم أنتم اليوم دون الأمم البعيدة في أقاصي الأرض، ليس لأنّنا كجنسٍ أرفع من تلك الأمم، ولا لأنّنا نستحقّ من يد الله أكثر منهم في شيء؛ وليس اختياره لبريطانيا، في اختيار الامتياز الخارجيّ، ناشئًا عن فضل الأمّة البريطانيّة، بل هو بجملته من أجل رحمته هو ومحبّته هو. فما فينا نحن من سببٍ يوجب أن يُكرز لنا بالإنجيل أكثر من أيّة أمّة أخرى تحت السماء. واليوم، قد قبل بعضنا الإنجيل، وتغيّروا به تغيّرًا، وصاروا ورثة النور وعدم الفساد، بينما تُرك آخرون إلى الآن ليكونوا ورثة الغضب. ولكن ليس فينا سببٌ يوجب أن نُؤخذ نحن ويُترك آخرون.

«لم يكن فينا ما يستوجب اعتبارًا،

ولا ما يُدخل على الخالق سرورًا.

بل ‹نعم أيّها الآب!› أبدًا يجب أن نرنّم،

لأنّ هكذا صارت المسرّة أمامك.»

والآن، فلنستعرض هذا التعليم من أوّله استعراضًا مستفيضًا. إنّنا نتعلّم في الكتاب المقدّس أنّ الله، قبل أن يُصنع هذا العالم بدهور، قد سبق فعرف وسبق فرأى جميع الخلائق التي عزم أن يصوّرها ويكوّنها؛ وإذ رأى هناك وحينئذٍ، قبل أن يكون شيء، أنّ الجنس البشريّ سيسقط في الخطيّة ويستوجب غضبه، قضى في فكره السياديّ أنّ قسمًا هائلًا من الجنس البشريّ سيكونون أولاده، وسيُؤتى بهم إلى السماء. وأمّا الباقون، فتركهم لما تستحقّه أعمالهم وما جنته أيديهم: أن يزرعوا الريح ويحصدوا الزوبعة، وأن يبذروا الجريمة ويرثوا العقاب. والآن، في قضاء الاختيار العظيم، لا بدّ أن يكون السبب الوحيد في انتقاء الله لأواني الرحمة هو أنّه هو شاء أن يفعل ذلك. فلم يكن في واحد منهم شيء البتّة حمل الله على اختيارهم. كنّا جميعًا سواءً، جميعًا هالكين، جميعًا خرابًا ودمارًا بالسقوط؛ جميعًا بلا أدنى حقّ في رحمته؛ بل جميعًا في الحقيقة مستوجبين أقصى انتقامه وأشدّه. فاختياره لأيّ واحد، واختياره لشعبه كلّه، بلا علّة، من جهة أيّ شيء فيهم. إنّما كان ذلك أثر مشيئته السياديّة وحدها، لا أثر شيء فعلوه، أو قدروا أن يفعلوه، أو حتى أرادوا أن يفعلوه؛ لأنّه هكذا يقول النصّ: «لا من أجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل!»

وأمّا ثمرة اختيارنا، ففي ملء الزمان وتمامه جاء المسيح إلى هذا العالم، واشترى بدمه الكريم كلّ الذين اختارهم الآب. فتعالوا الآن معي إلى صليب المسيح؛ واحملوا معكم هذا التعليم إليه، واذكروا هناك أنّ السبب الوحيد في بذل المسيح حياته فديةً عن خرافه هو أنّه أحبّ شعبه، ولم يكن في شعبه شيء البتّة حمله على أن يموت عنهم ويبذل نفسه لأجلهم. وقد كنت أفكّر وأنا آتٍ إلى هنا هذا الصباح: لو تخيّل أحدٌ أنّ محبّة الله لنا كان سببها شيء فينا، لكان ذلك كمن ينظر في بئر صغيرة ليجد فيها ينابيع المحيط، أو يحفر في قرية نمل ليجد فيها جبلًا من جبال الألب. إنّ محبّة الله من العظم والسعة واللانهائيّة بحيث لا تستطيع أن تتصوّر لحظةً واحدة أنّ شيئًا فينا كان سببها أو علّتها. إنّ الخير القليل الذي يُظنّ أنّه فينا — بل انعدام الخير الذي فينا، إذ لا خير فينا البتّة — ما كان يمكن أن يكون علّةً لتلك المحبّة التي لا حدّ لها ولا قرار ولا شاطئ ولا قمّة، تلك التي يُظهرها الله لشعبه. قِفوا عند أسفل الصليب وتأمّلوا، يا تجّار الاستحقاق، يا من تتلذّذون بأعمالكم وتتباهون بها؛ وأجيبوا عن هذا السؤال: أتظنّون أنّ ربّ الحياة والمجد كان يمكن أن يُنزل من السماء إلى الأرض، وأن يُصوَّر كإنسان، وأن يُساق إلى الموت، بشيءٍ من استحقاقكم أنتم؟ أتُفتح هذه العروق المقدّسة يومًا بمبضعٍ أقلّ حدّةً من محبّته هو غير المحدودة؟ أتتصوّرون أنّ استحقاقاتكم المسكينة، على ما هي عليه، بلغت من الفاعليّة أن تسمّر الفادي على الخشبة، وأن تجعله يحني كتفيه وينوء بهما تحت الحمل الهائل، حمل ذنب العالم كلّه؟ لا، إنّكم لا تستطيعون أن تتخيّلوا ذلك البتّة. فالنتيجة أعظم من أن تقاس بما تفترضونه أنتم علّةً لها، حتى إنّ منطقكم كلّه ينهار وينهدم في لحظة واحدة. قد تتصوّر أنّ دويبّة المرجان تبني صخرةً بكثرة عددها وبسنيّ عملها الطوال المتطاولة؛ ولكنّك لا تستطيع أن تتصوّر أنّ استحقاقات البشريّة المتراكمة كلّها، لو كان لها وجود، كانت تقدر أن تُنزل الأزليّ عن عرش جلاله، وأن تحنيه إلى موت الصليب: فذلك أمر بيّن الاستحالة لكلّ عقل متفكّر، بيّنٌ غاية ما تكون الاستحالة بيانًا. كلّا؛ فمن الصليب يأتي الصراخ: «لا من أجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل».

وبعد موت المسيح يأتي، في المقام التالي، عمل الروح القدس. فالذين اختارهم الآب في الأزل وفداهم الابن، يدعوهم الروح القدس في ملء الزمان وفي وقته المعيّن «من الظلمة إلى نوره العجيب». والآن، إنّ دعوة الروح القدس ليست بنظرٍ إلى استحقاقٍ فينا البتّة، ولا إلى شيء من ذلك. فلو دعا الروح القدس هذا اليوم من هذا الجمع مئة رجل، وأخرجهم من حال الخطيّة التي هم فيها إلى حال البرّ، ثمّ أتيت بهؤلاء المئة فاستعرضتهم واحدًا واحدًا كما تُستعرض الجنود، ولو قدرت أن تقرأ قلوبهم، لاضطررت أن تقول: «لا أرى سببًا يوجب أن يعمل روح الله في هؤلاء. لا أرى شيئًا البتّة كان يمكن أن يستوجب نعمةً كهذه — ولا شيئًا كان يمكن أن يحمل الروح على أن يعمل أعماله وحركاته في هؤلاء الرجال». فانظروا معي ها هنا وتأمّلوا في الأمر. إنّ الناس بالطبيعة يُقال عنهم إنّهم أموات في الخطيّة. فإن أحيا الروح القدس أحدًا، فلا يمكن أن يكون ذلك بسبب قوّة في الأموات، ولا بسبب استحقاق فيهم البتّة، لأنّهم أموات، فاسدون منتنون قد بلوا في قبر خطيّتهم. فإذا قال الروح القدس: «اخرج واحيَ»، فليس ذلك بسبب شيء في العظام اليابسة، بل لا بدّ أن يكون لسببٍ في فكره هو، لا فينا نحن. فاعلموا هذا إذًا وتيقّنوه، أيّها الرجال الإخوة، واعلموا أنّنا جميعًا نقف على مستوًى واحد، لا فضل لأحد منّا على أحد. ما من أحد منّا له شيء يزكّيه عند الله؛ فإن شاء الروح أن يعمل في قلوبنا للخلاص، فلا بدّ أن يكون الدافع له إلى ذلك محبّته هو العليا وحدها، إذ لا يمكن أن تدفعه إليه إرادة صالحة، ولا رغبة صالحة، ولا عمل صالح، ساكن فينا بالطبيعة.

ولنمضِ في الأمر أبعد من هذا قليلًا: إنّ هذه الحقيقة، التي صحّت إلى هنا، تصحّ في الطريق كلّه. فشعب الله، بعد أن يُدعوا بنعمته، يُحفظون ويُصانون في المسيح يسوع؛ فهم «بقوّة الله محروسون، بإيمان، لخلاص»؛ ولا يُترك لهم أن يبدّدوا بخطاياهم ميراثهم الأبديّ ويضيّعوه، بل كلّما نهضت التجارب في وجوههم أُعطوا قوّة يلاقونها بها، وكلّما سوّدتهم الخطيّة غُسلوا من جديد وطُهّروا مرّة بعد مرّة. ولكن لاحظوا هذا: إنّ السبب في حفظ الله لشعبه هو عينه السبب الذي جعلهم شعبه — نعمته المجّانيّة السياديّة. فإن كنت، يا أخي، قد نجوت في ساعة التجربة، فقف قليلًا واذكر أنّك لم تنجُ من أجل نفسك. لم يكن فيك شيء البتّة يستحقّ تلك النجاة. وإن كنت قد أُطعمت وسُدّت حاجتك في ساعة عوزك، فما ذلك لأنّك كنت عبدًا أمينًا لله، ولا لأنّك كنت مسيحيًّا مواظبًا على الصلاة؛ بل ذلك ببساطة وحصرًا من أجل رحمة الله وحدها. فليس يدفعه إلى شيء يصنعه لك شيءٌ تصنعه أنت له؛ إنّ باعثه على مباركتك كامن كلّه وبجملته في أعماق صدره هو لا في سواه. فمبارك اسم الله ومحمود، إنّ شعبه سيُحفظون ولن يضيع منهم أحد.

«لا الموت ولا الجحيم يزحزح

أحبّاءه عن صدره؛

ففي حضن محبّته العزيز

لا بدّ أن يستريحوا إلى الأبد.»

ولكن لماذا يُحفظون هكذا؟ أَلِأنّهم قدّيسون؟ أَلِأنّهم مقدَّسون؟ أَلِأنّهم يخدمون الله بالأعمال الصالحة؟ كلّا وألف كلّا، بل لأنّه هو في نعمته السياديّة قد أحبّهم من قبل، وهو يحبّهم الآن، وسيحبّهم إلى المنتهى.

وختامًا لشرحي لهذا النصّ أقول: إنّ هذا يصحّ في السماء نفسها. فسيأتي اليوم الذي فيه يسلك كلّ ابن من أبناء الله، مُشترًى بالدم مغسول بالدم، في الشوارع الذهبيّة لابسًا ثياب البياض. وعمّا قريب تحمل أيدينا سعف النخل ظافرةً؛ وتُطرب آذاننا وتُشنّف بالألحان السماويّة، وتمتلئ أعيننا برؤى مجد الله الخاطفة للألباب. ولكن لاحظوا هذا: إنّ السبب الوحيد في إتيان الله بنا إلى السماء إنّما هو محبّته هو، لا لأنّنا استحققناها. علينا أن نجاهد الجهاد الحسن، ولكنّنا لا نحرز النصرة لأنّنا جاهدناه؛ وعلينا أن نتعب ونكدّ، ولكنّ الأجرة عند انقضاء النهار ستكون أجرة نعمة، لا أجرة دين. وعلينا أن نكرم الله ها هنا في هذه الدنيا، ناظرين إلى جزاء المكافأة ومتطلّعين إليه؛ ولكنّ ذلك الجزاء لن يُعطى على أساس ناموسيّ ولا حقّ مكتسب، لأنّنا استحققناه، بل يُعطى لنا بجملته لأنّ الله قد أحبّنا، لا لسببٍ كان فينا. ومتى دخلتَ أنت ودخلتُ أنا ودخل كلّ واحد منّا إلى السماء، تكون ترنيمتنا: «ليس لنا يا ربّ، ليس لنا، لكن لاسمك أعطِ مجدًا»؛ وسيكون ذلك حقًّا، ولن يكون مجرّد مبالغة من مبالغات الشكر. سيكون حقًّا صادقًا؛ وسنُضطرّ إلى ترنيمه، لأنّنا لن نقدر أن نرنّم شيئًا آخر سواه. سنشعر حينئذ أنّنا لم نصنع شيئًا البتّة، وأنّنا لم نكن شيئًا، بل أنّ الله صنع الكلّ — وأنّه لم يكن فينا شيء يكون باعثًا له على صنعه، بل باعثه كان كامنًا في ذاته؛ فله وحده إذًا تكون كلّ ذرّة من الكرامة إلى أبد الآبدين.

والآن، هذا هو — فيما أرى — معنى النصّ؛ وهو كريه بغيض عند السواد الأعظم من الناس، حتى من المتسمّين بالمسيحيّة في هذا الجيل. إنّه تعليم يحتاج إلى ملح كثير ليُساغ، وإلّا فقليلون هم الذين يقبلونه. إنّه بغيض المذاق عندهم جدًّا. غير أنّه قائم هناك على حاله. «ليكن الله صادقًا وكلّ إنسان كاذبًا». فحقّه هو يجب أن نكرز به، وهذا يجب أن ننادي به. إنّ الخلاص «لا من الناس ولا بإنسان؛ ليس من مشيئة جسد ولا من دم»، ولا من ولادة، بل من مشيئة الله السياديّة، ومن الله وحده.

ثانيًا. والآن، في المقام الثاني، عليّ أن أوضّح هذا النصّ وأؤكّده وأقيم عليه البرهان.

تأمّلوا لحظةً في صفة الإنسان. إنّ ذلك يُذلّنا ويضع من كبريائنا، ويميل إلى تثبيت هذه الحقيقة وترسيخها في أذهاننا. ودعوني أضرب لكم مثلًا من الأمثال. سأنظر إلى الإنسان بوصفه مجرمًا محكومًا عليه. فإنّه كذلك قطعًا في عينَي الله، ولستُ بمفترٍ عليه ولا ظالمه في شيء. هبوا الآن أنّ مجرمًا عظيمًا قد أُدرك أخيرًا في إثمه وقُبض عليه، وحُبس في سجن نيوجيت وأُلقي في زنزانته. وقد ارتكب الخيانة العظمى والقتل والتمرّد وكلّ إثم يمكن للإنسان أن يرتكبه. وخالف شرائع المملكة كلّها ونقضها — واحدةً واحدة. والصيحة العامّة مرتفعة في كلّ مكان: «لا بدّ أن يموت هذا الرجل؛ فلا سبيل إلى صيانة الشرائع وحفظ هيبتها ما لم يُجعل هذا مثالًا لصرامتها. وذاك الذي لا يحمل السيف عبثًا لا بدّ أن يدع السيف هذه المرّة يذوق الدم. لا بدّ أن يموت هذا الرجل؛ فإنّه أهل لذلك كلّ الأهليّة». وتقلّب صفحات سيرته من أوّلها إلى آخرها وتفتّش فيها: فلا ترى فيها سمةً واحدة تشفع له أو تخفّف عنه. إنّه مجرم قديم عريق في الإجرام؛ وقد ثابر في إثمه وأصرّ عليه زمنًا طويلًا حتى تُضطرّ أن تقول: «قد يئسنا من أمر هذا الرجل؛ فجرائمه من التفاقم والغلظ بحيث لا نستطيع أن نلتمس له عذرًا ولو حاولنا واجتهدنا. ولا دهاء اليسوعيّين نفسه يقدر أن يخترع لهذا الشقيّ المرذول ظلّ عذر، ولا بارقة أمل في حجّة؛ فليمت!» والآن، إن شاءت جلالة الملكة، وفي يديها سلطان الحياة والموت المطلق، ألّا يموت هذا الرجل، بل أن يُعفى عنه، أفلا ترون بوضوح النهار ووضوح الشمس أنّ السبب الوحيد الذي يمكن أن يحرّكها إلى العفو عن ذلك الرجل إنّما هو محبّتها هي وشفقتها هي؟ إذ قد افترضتُ من قبل أنّه ليس في سيرة ذلك الرجل ما يصلح حجّةً للرحمة، بل على العكس من ذلك، إنّ سيرته كلّها تصرخ بأعلى صوتها طالبةً الانتقام من خطيّته. وسواء رضينا بذلك أم أبينا وكرهناه، فهذه هي الحقيقة بعينها في أمرنا نحن. هذه هي صفتنا بعينها وهذا هو موقفنا أمام الله. آه يا سامعي، لعلّك تدير عقبك منصرفًا، مشمئزًّا معثورًا؛ ولكنّ ها هنا قومًا يشعرون أنّ هذا حقّ رهيب مقرَّر في اختبارهم هم، فهم لذلك يشربون هذا التعليم شربًا ويتلقّفونه، لأنّه السبيل الوحيد الذي به يمكن أن يخلصوا. يا سامعي، لعلّ ضميرك يقول لك هذا الصباح إنّك قد أخطأت خطأً شنيعًا حتى ما بقي في سيرتك منفذ واحد يدخل منه شعاع واحد من الرجاء. وقد أضفت إلى خطاياك هذه الخطيّة العظمى: أنّك تمرّدت على العليّ عن عبثٍ واستهتارٍ وشرّ. وإن لم تكن قد ارتكبت كلّ الخطايا في سجلّ الجرائم، فما ذلك إلّا لأنّ العناية الإلهيّة أمسكت يدك وكفّتها؛ أمّا قلبك فقد كان من السواد ما يكفي لها جميعًا. وأنت تشعر أنّ نجاسة خيالك وشهواتك قد بلغت غاية الذنب البشريّ ومنتهاه، وأنّك لم تكن تستطيع أن تمضي إلى أبعد من ذلك. لقد قويت عليك خطاياك وغلبتك، وطمَت فوق رأسك حتى غمرتك. والآن، أيّها الإنسان، إنّ الأساس الوحيد الذي عليه يقدر الله أن يخلّصك هو محبّته هو لا غير. لا يقدر أن يخلّصك لأنّك تستحقّ ذلك، إذ لست تستحقّه البتّة، ولأنّه ما من عذر يمكن أن يُلتمس لخطيّتك. كلّا، إنّك بلا عذر البتّة، وأنت تشعر بذلك في نفسك. آه! فبارك اسمه العزيز وسبّحه، إذ قد دبّر هذا الطريق الذي به يقدر أن يخلّصك على أساس محبّته السياديّة ونعمته التي لا حدّ لها، بلا شيء فيك. وأريد أن ترجعوا معي إلى نيوجيت مرّة أخرى، إلى هذا المجرم. هبوا الآن أنّ جلالة الملكة تزور هذا المجرم بنفسها. تذهب إليه فتقول له بلسانها: «أيّها المتمرّد، أيّها الخائن، أيّها القاتل، إنّ في قلبي شفقةً عليك؛ ولست تستحقّها؛ ولكنّي قد أتيت إليك هذا اليوم لأقول لك إنّك إن تُبتَ نلتَ الرحمة من يديّ». فهبوا أنّ هذا الرجل ينهض من مكانه واثبًا فيلعنها — يلعن ملاك الرحمة هذا في وجهه، ويبصق عليه، وينطق بالتجاديف، ويصبّ اللعنات على رأسه صبًّا. فتنصرف عنه؛ وتمضي في سبيلها؛ ولكنّ شفقتها من العظم بحيث ترسل في اليوم التالي رسولًا؛ وأيّامًا وأسابيع وشهورًا وسنين ترسل الرسل بلا انقطاع ولا ملل، فيذهبون إليه ويقولون: «إن تُبتَ عن تعدّياتك نلتَ الرحمة؛ لا لأنّك تستحقّها، بل لأنّ جلالتها رؤوفة، ومن نفسها الكريمة الرحيمة تشتهي خلاصك وتبتغيه. أفتتوب؟» فهبوا أنّ هذا الرجل يلعن الرسول، ويسدّ أذنيه دون الرسالة فلا يسمعها، ويبصق عليه، ويقول له إنّه لا يبالي به ولا برسالته البتّة. أو لنفترض حالًا أهون من هذه — هبوه يستدير على مقعده فيقول: «لا أبالي أشُنقتُ أم لم أُشنق؛ سأجرّب حظّي مع سائر الناس؛ ولستُ ملتفتًا إليك». وهبوا أكثر من ذلك: أنّه ينهض من مقعده فينغمس من جديد في كلّ الجرائم التي حُكم عليه بها من قبل، ويرتمي بكلّيّته على رأسه مرّة أخرى في عين الخطايا التي جاءت بعنقه تحت حبل المشنقة. والآن، لو أرادت جلالتها أن تعفو عن رجل كهذا، فعلى أيّ أساس تفعل؟ تقول: «لا تستطيع البتّة، إلّا أن تفعله عن محبّة؛ ولا تستطيع أن تفعله لاستحقاق فيه، لأنّ بهيمةً كهذه ينبغي أن تموت». والآن، ما أنا وأنت بالطبيعة إلّا مثل هذا الرجل بعينه؟ ويا سامعي غير المهتدي، ما هذا كلّه إلّا صورتك أنت ورسمك؟ أما زار الله نفسه ضميرك وقرع بابه؟ أما قال لك: «أيّها الخاطئ! هلمّ نتحاجج. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيضّ كالثلج. إن كانت حمراء كالدوديّ تصير كالصوف»؟ وماذا صنعت أنت؟ سددت أذنك دون صوت الضمير — ولعنت الله وحلفت به، وجدّفت على اسمه القدّوس، واحتقرت كلمته، وشتمت خدّامه وطعنت فيهم. وهذا اليوم، مرّة أخرى، قد أتاك عبدٌ من عبيد الله والدموع في عينيه، ورسالته: «آمن بالربّ يسوع المسيح فتخلص؛ حيّ أنا، يقول السيّد الربّ، إنّي لا أُسرّ بموت الشرّير، بل بأن يرجع الشرّير عن طريقه ويحيا». وماذا أنت صانع؟ إنّكم، لو تُركتم لأنفسكم، لضحكتم من الرسالة وسخرتم منها واحتقرتموها. وستنبو عنكم كما ينبو السهم عن رجل مدجَّج بالدرع من رأسه إلى قدميه، وتنصرفون لتحتقروا الله من جديد كما فعلتم من قبل. أفلا ترون إذًا وتبصرون أنّ الله إن خلّصكم يومًا فلا يمكن أن يكون ذلك من أجلكم، بل لا بدّ أن يكون من محبّته هو غير المحدودة؛ ولا يمكن أن يكون لسبب آخر البتّة، إذ قد رفضتم المسيح، واحتقرتم إنجيله وازدريتم به، ودُستم دم يسوع بأرجلكم، وأبيتم أن تخلصوا على يديه. فإن خلّصكم، فلا بدّ أن تكون النعمة المجّانيّة، والنعمة المجّانيّة وحدها.

ولكن تصوّروا الآن شيئًا آخر عن هذا المجرم في نيوجيت. فهذا الشقيّ، إذ لم يكفه أن أضاف خطيّة إلى خطيّة، ورفض الرحمة المعروضة عليه لنفسه، أخذ يشغل نفسه بجدٍّ ودأب في الطواف على كلّ الزنازين التي فيها محبوسون آخرون، ليقسّي قلوبهم هم أيضًا على رحمة الملكة. فما يكاد يرى إنسانًا حتى يبدأ بتلويثه وتنجيسه بتجديف قلبه؛ وينطق بالشتائم والأذى على الجلالة التي تُبقي عليه، ويجتهد أن يجعل الآخرين في مثل نجاسته. فماذا يقول العدل الآن؟ إن كان هذا الرجل لا ينبغي أن يموت من أجل نفسه، فإنّه ينبغي أن يموت من أجل الآخرين؛ وإن عُفي عنه، أفليس بيّنًا كلّ البيان، وضوح الشمس في رابعة النهار، أنّه لا يمكن أن يُعفى عنه لسببٍ فيه هو؟ لا بدّ أن يكون ذلك من أجل شفقة صاحبة السيادة التي لا تُغلب. والآن انظروا ها هنا: أليست هذه حال بعض الحاضرين؟ ألستم لا تخطئون أنتم بأنفسكم فحسب، بل تقودون غيركم إلى الخطيّة؟ وإنّي لأعلم أنّ هذه كانت إحدى ضرباتي وعذاباتي حين أتى بي الله إلى نفسه أوّل مرّة: أنّي قد قدت آخرين إلى التجربة. أليس ها هنا رجال قد علّموا غيرهم الحلف؟ أليس ها هنا آباء قد أعانوا على إهلاك نفوس أولادهم أنفسهم؟ أليس فيكم من هو كشجرة الأوباس القاتلة؟ تبسطون أغصانكم، فمن كلّ ورقة يقطر السمّ على من يأتون تحت ظلّها المميت. أليس ها هنا من أغوى العفيفات، ومن أضلّ من كانوا في الظاهر أتقياء، ومن بلغ به القساء حتى صار يفتخر بذلك ويتباهى؟ ولم يكفكم أن تهلكوا أنتم، بل تسعون أن تقودوا آخرين إلى الهوّة أيضًا. وإذ حسبتم أنّه لا يكفي أن تكونوا أنتم في عداوة مع الله، أردتم أن تحاكوا الشيطان بجرّ آخرين معكم. يا سامعي، أليست هذه حالك؟ أما يعترف بها قلبك في داخلك؟ أما تنحدر الدمعة على خدّك؟ فاذكر إذًا وتيقّن أنّ هذا لا بدّ أن يكون حقًّا: إن خلّصك الله فلا بدّ أن يكون ذلك لأنّه هو شاء أن يفعله. لا يمكن أن يكون لأنّ فيك شيئًا صالحًا، إذ أنت الآن مستوجب الموت بجرمك؛ وإن أشفق عليك فلا بدّ أن تكون المحبّة السياديّة والنعمة السياديّة.

وسأستعمل مثلًا واحدًا آخر لا غير، ثمّ أكفّ، وأحسب أنّي أكون قد أوضحت النصّ إيضاحًا كافيًا وبيّنته البيان الذي يكفي. ليس بين السواد ودرجةٍ أشدّ سوادًا منه من الفرق ما بين البياض النقيّ والسواد الحالك. وكلّ أحد يرى ذلك ويدركه بأدنى نظر. فليس إذًا بين الإنسان والشيطان من الفرق ما بين الله والإنسان. فالله هو الكمال بعينه؛ ونحن سود مظلمون بالخطيّة. وما الشيطان إلّا درجة أشدّ سوادًا؛ ومهما يكن الفرق عظيمًا بين خطيّتنا وخطيّة الشيطان، فإنّه ليس بعظيم كالفرق بين كمال الله ونقص الإنسان. فتخيّلوا معي الآن دقيقة واحدة أنّ في مكان ما من أفريقيا قبيلة من الشياطين تعيش، وأنّ في وسعي أنا وأنت أن نخلّص هذه الشياطين من غضب متوعَّد لا بدّ أن يدركها. فلو ذهبتَ أنت أو ذهبتُ أنا إلى هناك ومتنا لنخلّص تلك الشياطين، فما عسى أن يكون باعثنا على ذلك؟ من الذي نعرفه عن طبع الشيطان، لا يمكن أن يكون الباعث الوحيد الذي يحملنا على ذلك إلّا المحبّة. ولا يمكن أن يكون سواها البتّة. لا بدّ أن يكون ذلك ببساطة لأنّ لنا قلوبًا من السعة والرحابة بحيث تحتضن الأبالسة أنفسهم. وها هوذا: ليس بين الإنسان والشيطان من الفرق ما بين الله والإنسان. فإن كان الباعث الوحيد الذي يحمل الناس على تخليص شيطان لا بدّ أن يكون محبّة الإنسان، أفلا يلزم بقوّة لا تُردّ أنّ الباعث الوحيد الذي يقود الله إلى تخليص الناس لا بدّ أن يكون محبّة الله نفسها؟ وعلى كلّ حال، إن لم تكن هذه الحجّة قاطعة عندكم، فالحقيقة لا تقبل جدالًا: «لا من أجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل». إنّ الله يرانا على ما نحن عليه: مرذولين أشرارًا أثمة مستوجبين غضبه؛ فإن خلّصنا، فمحبّته التي لا حدّ لها ولا قرار هي التي تقوده إلى ذلك — لا شيء فينا البتّة.

ثالثًا. والآن، إذ قد كرزت بهذا التعليم على هذا النحو وأكّدته، آتي إلى تطبيق عمليّ رهيب جدًّا. وهاهنا ليُعنّي الله الروح القدس وأنا أعالج قلوبكم وأجاهد معها!

أوّلًا: ما دام هذا التعليم حقًّا، فما أشدّ ما ينبغي أن يكون المسيحيّ متواضعًا. إن كنت قد خلصت، فما كان لك في ذلك يد ولا نصيب؛ بل الله وحده صنعه. وإن كنت قد خلصت، فما استحققت ذلك. إنّها رحمة غير مستحَقّة البتّة تلك التي نلتها، ونعمة لم تكن لك. وقد سُررت أحيانًا وابتهجت حين رأيت شكر المرذولين وامتنانهم لمن مدّ إليهم يد العون. أذكر أنّي زرت يومًا دارًا للإيواء. وكانت هناك فتاة مسكينة قد سقطت في الخطيّة زمنًا طويلًا؛ فلمّا وجدت نفسها تُخاطَب بلطف ورفق، ويعترف بها المجتمع بعد نبذه لها، ورأت خادمًا مسيحيًّا يشتهي خير نفسها، انفطر قلبها وذابت نفسها. وما شأن رجل الله بها؟ لقد كانت في غاية النجاسة. وكيف يمكن أن يكلّمها مسيحيّ؟ آه! فكم بالحريّ ينبغي أن ينهض هذا الشعور بعينه في قلوبنا؟ إلهي! لقد تمرّدت عليك، ومع ذلك أحببتني، أنا غير المستحقّ، أنا! فكيف يكون هذا؟ وأنّى له أن يكون؟ لا أستطيع بعد اليوم أن أرفع نفسي بالكبرياء، بل لا بدّ أن أنحني أمامك ساجدًا في شكرٍ لا ينطق به لسان. واذكروا هذا، يا إخوتي الأحبّاء، أنّ الرحمة التي نلتها أنا وأنتم ليست غير مستحقّة فحسب، بل كانت بغير طلب. حقًّا إنّكم صلّيتم، ولكن ما صلّيتم حتى جعلتكم النعمة المجّانيّة تصلّون. ولكنتم إلى هذا اليوم قساة القلوب، بلا إله وبلا مسيح، لولا أنّ النعمة المجّانيّة خلّصتكم. أفتقدرون بعد هذا أن تفتخروا إذًا؟ أتفتخرون برحمة قد فُرضت عليكم فرضًا — إن جاز لي هذا التعبير؟ أتفتخرون بنعمة أُعطيت لكم رغم إرادتكم وعلى غير هوى منكم، حتى غيّرت النعمة السياديّة إرادتكم؟ وفكّروا في هذا أيضًا. إنّ كلّ رحمة لكم اليوم قد رفضتموها يومًا من الأيّام؛ والمسيح يتعشّى معكم على مائدتكم؛ فلا تفتخروا بصحبته. واذكروا أنّه كان يوم فيه قرع فأبيتم — يوم جاء إلى الباب وقال: «رأسي امتلأ من الطلّ، وقُصَصي من ندى الليل؛ افتحي لي يا حبيبتي»؛ فأوصدتم الباب في وجهه، وأبيتم أن تدعوه يدخل. فلا تفتخر إذًا بما لك في يدك، وأنت تذكر أنّك رفضته يومًا. أيضمّك الله في ذراعَي محبّته؟ اذكر أنّك رفعت يومًا يد التمرّد عليه. أمكتوب اسمك في سفر حياته؟ آه! لقد كان وقتٌ لو كان الأمر في يدك لمحوت تلك السطور المقدّسة التي فيها خلاصك أنت. أفنقدر، بل أفنجرؤ، أن نرفع رأسنا الشرّير بالكبرياء، والحال أنّ هذه الأمور كلّها ينبغي أن تجعلنا نطأطئ رؤوسنا إلى التراب في أعمق اتّضاع؟ هذا درس واحد قد تعلّمناه؛ فلنتعلّم درسًا آخر.

هذا التعليم حقّ، ومن ثمّ ينبغي أن يكون موضوع أعظم شكر. ولمّا كنت أتأمّل في هذا النصّ أمس وأقلّبه في فكري، كان أثره فيّ نشوةً وطربًا وفرحًا. آه! قلت في نفسي: على أيّ شرط آخر كان يمكن أن أخلص؟ ونظرت إلى ورائي، إلى حالي الماضية؛ فرأيت نفسي وقد رُبّيت وثُقّفت تربيةً تقيّة صالحة، ولكنّي كنت متمرّدًا على ذلك كلّه نافرًا منه. ورأيت دموع أمّ سُكبت عليّ باطلًا، وإنذار أبٍ ضاع عليّ، ومع ذلك وجدت نفسي مخلَّصًا بالنعمة وحدها، فما استطعت إلّا أن أقول: «يا ربّ، أباركك لأنّها بالنعمة، إذ لو كانت بالاستحقاق لما خلصت البتّة. ولو كنت انتظرت حتى يكون فيّ شيء صالح، لانتظرت حتى أغرق وأهوي في هلاك الجحيم الذي لا رجاء معه، إذ ما كان ليوجد في الإنسان صلاح قطّ لولا أنّك أنت وضعته فيه أوّلًا». ثمّ فكّرت في الحال: «آه! ما أقدرني على أن أمضي فأكرز بهذا للخاطئ المسكين!» آه، فدعوني أجرّب إن كنت أستطيع ذلك أو لا أستطيع. أيّها الخاطئ! أنت تقول إنّك لا تجرؤ أن تأتي إلى المسيح لأنّه ليس لك شيء يزكّيك ولا يشفع لك. إنّه لا يريد شيئًا يزكّيك؛ بل لن يخلّصك إن كان لك ما يزكّيك، لأنّه يقول: «لا من أجلكم أنا صانع». اذهب إلى المسيح والأقراط في أذنيك والحليّ معلّقة عليك؛ واغسل وجهك، وتزيّن بالذهب والفضّة، وقف أمامه وقل: «يا ربّ خلّصني؛ قد غسلت نفسي وكسوت نفسي؛ فخلّصني!» فيقول: «امضِ عنّي وابعد! لا من أجلكم أنا صانع هذا». ثمّ اذهب إليه مرّة أخرى، على نحو آخر، وقل: «يا ربّ، قد جعلت حبلًا في عنقي ومسحًا على حقويّ؛ فانظر كم أنا تائب نادم، وانظر كيف أشعر بحاجتي وفقري؛ فخلّصني الآن!» فيقول: «كلّا، ما كنت لأخلّصك من أجل حللك المتباهية، ولستُ الآن أخلّصك من أجل أسمالك؛ إنّما أخلّصك لا لشيء فيك ولا لشيء عليك؛ فإن خلّصتك، فمن شيء في قلبي أنا، لا من شيء تشعر به أنت. امضِ عنّي!» ولكن إن ذهبت اليوم إلى المسيح وقلت: «أيّها الربّ يسوع، ليس في الدنيا كلّها سبب واحد يوجب أن أخلص — بل هناك سبب في السماء؛ يا ربّ، ما لي حجّة أدفع بها، وأنا مستحقّ الهلاك، وما لي عذر أعتذر به عن خطاياي كلّها، ولا معذرة أقدّمها؛ يا ربّ، إنّي أستحقّ ذلك، وليس فيّ ما يوجب خلاصي، إذ لو خلّصتني لما كنت — بعد هذا كلّه — إلّا مسيحيًّا مسكينًا ضعيفًا؛ وأخاف أن تكون أعمالي الآتية لا تكرمك ولا تمجّدك — وددت لو تكرمك، ولكنّ نعمتك وحدها يجب أن تصنعها صالحة، وإلّا بقيت رديّة. ولكن يا ربّ، مع أنّه ليس لي ما أقدّمه، ولا ما أقوله عن نفسي، فإنّي أقول هذا: قد سمعت وبلغني أنّك جئت إلى العالم لتخلّص الخطاة الهالكين — فيا ربّ، خلّصني!

‹إنّي أنا أوّل الخطاة.›

وأعترف أنّي لا أشعر بهذا كما ينبغي لي، ولا أنوح عليه كما ينبغي؛ وما لي توبة تزكّيني وتشفع لي؛ بل يا ربّ، ما لي إيمان يزكّيني أيضًا، إذ لست أصدّق وعدك كما ينبغي؛ ولكن آه! إنّي متشبّث بهذا النصّ. يا ربّ، قد قلت إنّك لن تفعله من أجلي. وأشكرك أنّك قلت ذلك. فما كنت تستطيع أن تفعله من أجلي، إذ ليس لي سبب يوجب أن تفعله. يا ربّ، إنّي أتمسّك بوعدك الكريم. ‹اللهمّ ارحمني، أنا الخاطئ›». آه أيّها القوم الصالحون في أعين أنفسكم، إنّ هذا التعليم لا يوافق بعضكم؛ إنّه مُذلّ أكثر ممّا تحتملون، أليس كذلك؟ أنتم يا من واظبتم على حضور كنائسكم، وحضرتم الاجتماعات بكلّ تقوى، يا من لم تنقضوا السبت قطّ، ولا حلفتم يمينًا، ولا فعلتم شيئًا رديئًا، إنّ هذا لا يوافقكم. تقولون: إنّه صالح جدًّا للكرازة به للزواني والسكارى والحلّافين، ولكنّه لا يوافق صالحين مثلنا. آه، حسنًا، فهذا هو نصّكم أنتم: «لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاةً إلى التوبة». إنّكم «أصحّاء» — نعم أنتم كذلك؛ و«لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب بل المرضى». فامضوا في طريقكم. جاء المسيح ليخلّص أمثالكم. أنتم تظنّون أنّكم تقدرون أن تخلّصوا أنفسكم بأنفسكم. فافعلوا ذلك، واهلكوا وأنتم تفعلونه. أمّا أنا فأشعر أنّ الإنجيل عينه الذي يوافق زانية يوافقني أنا، وأنّ تلك النعمة المجّانيّة التي خلّصت شاول الطرسوسيّ لا بدّ أن تخلّصني، وإلّا فلن أخلص أبدًا. هلمّوا، فلنمضِ جميعًا معًا إليه. كلّنا مذنبون — بعضنا أكثر من بعض، وبعضنا أقلّ، ولكنّنا جميعًا مذنبون على نحوٍ لا رجاء معه. فلنمضِ معًا إلى موطئ قدمَي رحمته، ومع أنّنا لا نجرؤ أن نرفع أعيننا إلى فوق، فلنضطجع هناك في التراب، ولنتنهّد من جديد: «يا ربّ ارحمنا، نحن الذين مات يسوع لأجلهم».

«كما أنا، بلا حجّة أرفعها،

سوى أنّ دمك قد سُفك لأجلي،

وأنّك أنت تدعوني أن آتي إليك،

يا حمل الله، أنا آتٍ، أنا آتٍ.»

أيّها الخاطئ، تعالَ الآن؛ تعالَ الآن، إنّي أتوسّل إليك؛ وأناشدك وأستحلفك، تعالَ الآن. يا روح الله الحيّ، اجذبهم الآن! ليكن هذا الكلام الضعيف الواهن وسيلةً في يدك لجذب نفوس إلى المسيح. أترفضون سيّدي مرّة أخرى بعد اليوم؟ أتخرجون من هذا البيت وقد ازددتم قساوةً على قساوتكم مرّة أخرى؟ لعلّكم لا تحسّون أبدًا بعد اليوم بمثل هذه المشاعر التي أُثيرت الساعة في نفوسكم. تعالوا الآن، اقبلوا رحمته المعروضة عليكم؛ والآن أخضعوا أعناقكم راضيةً طائعة لنيره؛ وحينئذ أعلم يقينًا أنّكم تنصرفون لتذوقوا محبّته الأمينة، ولترنّموا أخيرًا في السماء ترنيمة المفديّين: «للذي أحبّنا وقد غسّلنا من خطايانا بدمه، له المجد إلى أبد الآبدين. آمين».

«أيّها اليسوع الأزليّ العظيم،

يا رئيس السلام العليّ القدير،

ما أبهى ما تشعّ عجائبك،

في عجائب نعمتك:

إنّ إنجيلك الغنيّ يأنف الشروط،

وينفح خلاصًا مجّانيًّا كالهواء؛

ولا ينفح إلّا رحمةً ظافرة،

تُخزي الذنب وكلّ يأس.

«ما أعظم جلال الإنجيل،

كيف يهتف بالدم المطهّر؛

ويُظهر أحشاء مخلّصٍ،

ويُظهر قلب الله الحنون.

لا يبحث إلّا في محبّة أبديّة،

ويُعلي النعمة الفائضة على الكلّ،

ولا يعرف شيئًا سوى الحياة والغفران،

فداءً كاملًا، وسلامًا لا ينتهي.»

الشواهد الكتابية في هذه العظة حزقيال 36:32

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.