عظة · قراءة 27 د· 1855
عدم تغيّر الله
Charles H. Spurgeon النص
ملاخي 3:6
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
الدرس اللائق بالمسيحيّ هو الله نفسه، وها هنا يثبّت سبرجن نظره على كمال واحد: «أنا الربّ لا أتغيّر». ولأنّ طبيعة الله ومحبّته ومقاصده لا تتبدّل البتّة، فإنّ بني يعقوب لم يفنوا — وللمؤمن الذي يتزعزع عالمه أن يرسو في القلب الوحيد الذي لا يمكن أن يتغيّر.
«لأني أنا الربّ لا أتغيّر، فأنتم يا بني يعقوب لم تفنوا.»—ملاخي 3:6
لقد قال أحدهم يومًا إنّ «الدرس اللائق بالبشر هو الإنسان». ولستُ أنا بالذي يعارض هذه الفكرة، لكنّي أومن أنّه صحيح بالقدر نفسه أنّ الدرس اللائق بمختاري الله هو الله نفسه؛ وأنّ الدرس اللائق بالمسيحيّ إنّما هو اللاهوت. فإنّ أسمى العلوم، وأنبل التأمّلات، وأقوى الفلسفات التي يمكن أن تستأثر يومًا بانتباه ابن الله وتستولي على فكره، هي اسم الله العظيم الذي يدعوه أباه، وطبيعته، وأقنومه، وعمله، وأفعاله، ووجوده. وإنّ في التأمّل في الألوهة لشيئًا يبني العقل بناءً عجيبًا ويرقّيه ترقيةً فائقة. فهو موضوع من السعة بحيث تضيع فيه أفكارنا كلّها وتتلاشى في عظمته؛ ومن العمق بحيث يغرق كبرياؤنا كلّه في لانهائيّته. أمّا سائر المواضيع فنستطيع أن نحيط بها وأن نمسك بتلابيبها ونصارعها؛ ونحسّ فيها بضربٍ من الرضى عن الذات، فنمضي في طريقنا ونحن نقول في أنفسنا: «هأنذا قد صرتُ حكيمًا». ولكنّنا حين نأتي إلى هذا العلم السيّد، فنجد أنّ مِسبارنا لا يبلغ قراره، وأنّ عين النسر التي فينا لا تقدر أن تدرك علوّه، ننصرف عنه ونحن نفكّر أنّ الإنسان الفارغ يشتهي أن يكون حكيمًا، وهو إنّما كجحش الفراء يولد؛ وننطق بذلك الهتاف المهيب: «إنّما نحن من أمسٍ ولا نعلم شيئًا». وما من موضوع للتأمّل أقدر على إذلال العقل وتصغيره في عينه من التفكير في الله. فلا بدّ لنا حينئذ أن نشعر ونقول —
«يا إلهي العظيم، ما أعظم لانهائيّتك،
وما أحقرنا نحن الديدان!»
ولكنّ هذا الموضوع، على حين يُذلّ العقل، فإنّه يوسّعه أيضًا. فمن يُكثر التفكير في الله يكون عقله أرحب وأوسع من عقل الرجل الذي يكتفي بأن يدبّ حول هذه الكرة الأرضيّة الضيّقة. قد يكون ذاك عالِمًا بالطبيعة، يفخر بمهارته في تشريح خنفساء، أو في بضع ذبابة، أو في ترتيب الحشرات والحيوانات في طوائف ذوات أسماء لا يكاد اللسان ينطق بها؛ وقد يكون عالِمًا بطبقات الأرض، قادرًا على أن يحاضر في الميغاثيريوم والبليزيوصور وسائر أصناف الحيوانات المنقرضة؛ وقد يتوهّم أنّ علمه، أيًّا كان ذلك العلم، يشرّف عقله ويوسّعه. ولا أجرؤ على إنكار أنّه يفعل ذلك؛ ولكن، بعد هذا كلّه، إنّ أفضل درسٍ لتوسيع النفس هو علم المسيح، وإيّاه مصلوبًا، ومعرفة اللاهوت في الثالوث المجيد. فما من شيء يوسّع الفكر هذا التوسيع، وما من شيء يعظّم نفس الإنسان كلّها هذا التعظيم، مثل بحثٍ تقيّ جادّ متواصل في موضوع الألوهة العظيم. ثم إنّ هذا الموضوع، مع كونه يُذلّ ويوسّع، هو معزٍّ إلى أبعد حدّ. آه، إنّ في التأمّل في المسيح لبلسمًا لكلّ جرح؛ وفي التفكّر في الآب سكينةً لكلّ حزن؛ وفي تأثير الروح القدس مرهمًا شافيًا لكلّ قرحة. أتودّ أن تفقد أحزانك؟ أتودّ أن تُغرق همومك؟ إذًا امضِ فاغطس في أعمق بحار اللاهوت؛ وضِعْ في عظمته التي لا تُحدّ؛ فتخرج من هناك كمن قام عن فراش راحة، منتعشًا مجدَّد القوّة. ولستُ أعرف شيئًا في الدنيا يعزّي النفس هذه التعزية، ولا يهدّئ أمواج الحزن والأسى المتلاطمة هذا التهدئة، ولا يخاطب رياح التجربة بالسلام هذا المخاطبة، مثل تأمّلٍ تقيّ في موضوع اللاهوت. وإلى هذا الموضوع بعينه أدعوكم هذا الصباح. وسنعرض عليكم منه وجهًا واحدًا لا غير — وهو عدم تغيّر يهوه المجيد. يقول نصّي: «أنا يهوه» (فهكذا ينبغي أن تُترجم الكلمة) «أنا يهوه لا أتغيّر، فأنتم يا بني يعقوب لم تفنوا».
وأمامنا هذا الصباح ثلاثة أمور نتناولها. أوّلها: إلهٌ لا يتغيّر؛ وثانيها: الأشخاص الذين ينالون النفع من هذه الصفة المجيدة، أي «بنو يعقوب»؛ وثالثها: النفع الذي ينالونه هم منها، وهو أنّهم «لم يفنوا». فلنتوجّه الآن إلى هذه النقاط واحدة فواحدة.
أوّلًا: ها قد وُضع أمامنا في مستهلّ الأمر تعليم عدم تغيّر الله. «أنا الله لا أتغيّر». وهنا سأحاول أن أشرح هذه الفكرة شرحًا، أو بالحريّ أن أوسّعها وأبسطها أمامكم، ثم أُتبع ذلك بعدُ ببضع حجج تُقيم البرهان على صحّتها.
1. سأقدّم شيئًا من شرح نصّي، فأقول أوّلًا إنّ الله هو يهوه، وإنّه لا يتغيّر البتّة في جوهره. إنّنا لا نستطيع أن نخبركم ما هو اللاهوت. ولا نعرف ما هذا الكيان الذي ندعوه الله. إنّه وجود، إنّه كائن؛ أمّا ما هو في ذاته، فذلك ما لا نعلمه. غير أنّه أيًّا كان، فإنّنا نسمّيه جوهره، وذلك الجوهر لا يتغيّر ولا يعتريه تبدّل البتّة. أمّا جوهر الأشياء الفانية فهو في تغيّر دائم لا يفتر. فالجبال ذوات التيجان البيضاء كالثلج تخلع أكاليلها القديمة في الصيف، فتنحدر أنهارًا متسلّلة على جوانبها، بينما تتوّجها غيوم العاصفة تتويجًا جديدًا؛ والمحيط بمياهه الجبّارة يفقد ماءه حين تقبّل أشعّة الشمس أمواجه وتخطفها ضبابًا صاعدًا إلى السماء؛ بل إنّ الشمس نفسها تحتاج إلى وقود جديد من يد القدير غير المحدود لتملأ أتونها الدائم الاشتعال. فكلّ المخلوقات بلا استثناء تتغيّر. والإنسان، لا سيّما من جهة جسده، في انقلاب مستمرّ لا يقف. ولعلّه لا توجد في جسدي اليوم ذرّة واحدة كانت موجودة فيه قبل بضع سنين خلت. فقد بلي هذا الهيكل بالحركة، وأزيلت ذرّاته بالاحتكاك، وتوالت في تلك الأثناء ذرّات جديدة من المادّة على جسدي بلا انقطاع فتجدّد بها؛ لكنّ جوهره على كلّ حال قد تبدّل. وإنّ النسيج الذي صُنع منه هذا العالم في زوال دائم؛ فهو كجدول ماء، تجري منه قطرات وتتبعها أخرى، فيبقى النهر ممتلئًا كما هو، وهو أبدًا متغيّر في عناصره. أمّا الله فهو هو إلى الأبد لا يحوّله شيء. إنّه غير مركّب من أيّ جوهر أو مادّة، بل هو روح — روح نقيّ، جوهريّ، سماويّ — ولذلك هو غير قابل للتغيّر. يبقى إلى الأبد هو هو. ليس على جبينه الأزليّ تجعيدة واحدة. لم يشلّه دهر من الدهور؛ ولا وسمته السنون بآثار مرورها؛ يرى الدهور تمضي وتتعاقب، ولكنّها عنده الآن دائمًا. إنّه «أنا الكائن» العظيم — العظيم الذي لا يتغيّر. وانتبهوا جيّدًا: إنّ جوهره لم يعتره تغيّر حين اتّحد بالناسوت. فحين تمنطق المسيح في الأزمنة الماضية بالطين الفاني، لم يتغيّر جوهر لاهوته قيد شعرة؛ فلم يصر الجسد إلهًا، ولا صار الله جسدًا بتغيّر حقيقيّ فعليّ في الطبيعة؛ بل اتّحد الاثنان اتّحادًا أقنوميًّا، وظلّ اللاهوت هو هو كما كان. كان هو هو حين كان طفلًا صغيرًا في المذود، كما كان هو هو حين بسط ستائر السماء؛ وهو الإله نفسه الذي عُلّق على الصليب وسال دمه منحدرًا نهرًا أرجوانيًّا، وهو بعينه الإله الذي يحمل العالم كلّه على منكبيه الأبديّين، ويمسك في يديه مفاتيح الموت والهاوية. لم يتغيّر قطّ في جوهره، ولا حتى بتجسّده؛ بل يبقى إلى الدهور، أزلًا وأبدًا، الإله الواحد الذي لا يتغيّر، أبا الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظلّ دوران.
2. ثم إنّه لا يتغيّر في صفاته. فأيًّا ما كانت صفات الله في القديم، فهي هي بعينها الآن؛ ونستطيع أن نرنّم لكلّ واحدة منها قائلين: «كما كانت في البدء، هي الآن، وستكون دائمًا، إلى دهر الداهرين. آمين». أكان قديرًا؟ أكان هو الإله الجبّار حين نطق بكلمة فخرج العالم من رحم العدم؟ أكان هو الضابط الكلّ حين كوّم الجبال بعضها فوق بعض وحفر الأغوار لتضمّ اللُّجج المتدحرجة؟ نعم، لقد كان قديرًا حينئذ، وذراعه اليوم غير مشلولة، وهو الجبّار نفسه في قوّته لم ينقص منها شيء؛ لم يجفّ عصير غذائه، وقوّة نفسه ثابتة هي هي إلى أبد الآبدين. أكان حكيمًا حين أنشأ هذه الكرة الجبّارة، وحين أرسى أسس الكون كلّه؟ أكانت له الحكمة حين رسم طريق خلاصنا، وحين خطّط منذ الأزل مقاصده المهيبة؟ نعم، وهو حكيم الآن كما كان؛ لم تنقص مهارته، ولا نقصت معرفته؛ عينه التي ترى كلّ شيء لم يخبُ نورها؛ وأذنه التي تسمع كلّ صرخات شعبه وتنهّداتهم ونحيبهم وأنينهم لم تثقل بالسنين الطوال التي سمع فيها صلواتهم. إنّه غير متغيّر في حكمته قيد أنملة، يعلم الآن مقدار ما علمه دائمًا، لا أكثر من ذلك ولا أقلّ؛ فله المهارة الكاملة عينها، وله التدابير السابقة غير المحدودة عينها. وهو غير متغيّر أيضًا — تبارك اسمه — في عدله. فعادلًا قدّوسًا كان في الماضي كلّه؛ وعادلٌ قدّوسٌ هو في الحاضر. وهو غير متغيّر كذلك في حقّه؛ قد وعد، وهو يُتمّ لا محالة ما وعد به؛ قد قال، ولا بدّ أن يكون ما قاله. ولا يتبدّل البتّة في صلاح طبيعته وسخائها ولطفها وإحسانها. فلم يصر طاغيةً قديرًا بعد أن كان أبًا قديرًا؛ بل تقف محبّته القويّة كصخرة من الصوّان الصلد، لا تزعزعها أعاصير آثامنا مهما عصفت. وتبارك اسمه العزيز، إنّه غير متغيّر في محبّته. فحين كتب العهد أوّل مرّة، كم كان قلبه مملوءًا حنانًا نحو شعبه! كان يعلم أنّ ابنه لا بدّ أن يموت ليصدّق بنود ذلك الاتّفاق. كان يعلم علم اليقين أنّه لا بدّ أن ينتزع حبيبه الأوحد من أحشائه، وأن يرسله إلى الأرض لينزف ويموت. ومع ذلك كلّه لم يتردّد لحظة في التوقيع على ذلك العهد الجبّار؛ ولا تجنّب إتمامه حين حان أوانه. إنّه يحبّ الآن كما أحبّ حينئذ، وحين تكفّ الشموس عن الإشراق، والأقمار عن بذل نورها الضئيل، سيظلّ هو يحبّ إلى أبد الآبدين. خذوا أيّة صفة من صفات الله شئتم، وسأكتب أنا عليها هذه الكلمة: semper idem (أي: هو هو دائمًا). وخذوا أيّ شيء تقولونه عن الله الآن، فإنّه يُقال عنه لا في الماضي المظلم فحسب، بل في المستقبل المشرق أيضًا؛ سيبقى هو هو دائمًا: «أنا يهوه لا أتغيّر».
3. ثم إنّ الله لا يتغيّر في خططه. ذاك الإنسان ابتدأ يبني ولم يقدر أن يكمل، فغيّر خطّته، كما يفعل كلّ حكيم في مثل حاله؛ فبنى على أساس أصغر منه وابتدأ العمل من جديد. ولكن هل قيل يومًا من الأيّام إنّ الله ابتدأ يبني فلم يقدر أن يكمل؟ كلّا وحاشا. فإذ كانت تحت أمره خزائن لا حدّ لها ولا نهاية، وإذ كانت يمينه قادرة أن تخلق عوالم بعدد قطرات ندى الصباح، أفيقف يومًا لأنّه لا يقدر؟ أو ينكص عن خطّته أو يبدّلها أو يعيد ترتيبها لأنّه عاجز عن تنفيذها؟ يقول قائل: «لعلّ الله لم تكن له خطّة قطّ». أفتظنّ إذًا يا سيّدي أنّ الله أحمق منك؟ أتشرع أنت في عمل بلا خطّة؟ تقول: «لا، إنّ لي دائمًا تدبيرًا». وكذلك الله. فلكلّ إنسان خطّته، ولله خطّته أيضًا. إنّ الله عقل سيّد؛ رتّب كلّ شيء في فكره الجبّار قبل أن يصنعه بدهور طويلة؛ وإذ قد ثبّته مرّة واحدة، فاعلموا جيّدًا أنّه لا يبدّله أبدًا. يقول: «هذا الأمر سيكون»، فتسجّله يد القضاء الحديديّة، فيتمّ لا محالة. ويقول: «هذا هو قصدي»، فيثبت قصده، ولا تقدر الأرض ولا الجحيم أن تغيّره. «هذا هو مرسومي»، يقول: أذيعوه أيّها الملائكة؛ ومزّقوه من باب السماء أيّتها الشياطين؛ لكنّكم لن تقدروا أن تغيّروا المرسوم؛ لا بدّ أن يتمّ. إنّ الله لا يبدّل خططه؛ ولماذا يبدّلها؟ هو القدير، فيستطيع أن يصنع مسرّته. ولماذا يبدّلها؟ هو الحكيم كلّ الحكمة، فلا يمكن أن يكون قد خطّط خطأً. ولماذا يبدّلها؟ هو الإله الأبديّ، فلا يمكن أن يموت قبل أن تتمّ خطّته. فلماذا يتغيّر؟ أيّتها الذرّات الحقيرة من الوجود، يا خلائق يومٍ واحد! أيّتها الحشرات الدابّة على ورقة الغار هذه من الوجود! أنتم قد تغيّرون خططكم أنتم، أمّا هو فلن يغيّر خطّته هو أبدًا أبدًا. أفقد قال لي إنّ خطّته أن يخلّصني؟ إن كان قد قال، فأنا في أمان.
«إنّ اسمي من راحتَي يديه
لن يمحوه الأبد؛
مطبوعًا على قلبه يبقى،
بسماتٍ من نعمة لا تُمحى.»
4. ثم إنّ الله لا يتغيّر أيضًا في مواعيده. آه، ما أحلى عندنا أن نتكلّم عن مواعيد الله العذبة! ولكن لو أمكننا يومًا أن نتصوّر أنّ واحدًا منها قد يتغيّر، لما تكلّمنا عنها بعد ذلك بحرف واحد. فلو ظننتُ أنّ أوراق بنك إنجلترا لا يمكن صرفها في الأسبوع القادم، لرفضتُ أن آخذها؛ ولو ظننتُ أنّ مواعيد الله لن تتمّ — لو ظننتُ أنّ الله سيرى من الصواب أن يبدّل كلمة واحدة من مواعيده — لقلتُ: وداعًا أيّتها الأسفار المقدّسة! إنّي أريد أمورًا لا تتغيّر؛ وأنا أجد أنّ لي مواعيد لا تتغيّر حين أرجع إلى الكتاب المقدّس: لأنّه «بأمرين عديمَي التغيّر، لا يمكن أنّ الله يكذب فيهما»، قد وقّع وثبّت وختم كلّ موعد من مواعيده. فالإنجيل ليس «نعم ولا»؛ وليس هو يعِد اليوم ثم يجحد غدًا؛ بل الإنجيل هو «نعم ونعم» لمجد الله. أيّها المؤمن! لقد كان لك بالأمس موعد بهيج تفرح به؛ وهذا الصباح لمّا رجعتَ إلى الكتاب لم يكن ذلك الموعد حلوًا في فمك. أتدري لماذا؟ أتظنّ أنّ الموعد نفسه قد تغيّر؟ آه، كلّا! بل أنت وحدك الذي تغيّرت؛ وهناك تكمن المسألة كلّها. لقد كنتَ تأكل من عنب سدوم، فأفسد ذوق فمك، فلم تعد تتذوّق تلك الحلاوة. ولكنّ العسل نفسه كان هناك بعينه، فثِقْ بذلك، والنفاسة عينها لم تنقص. يقول أحد أولاد الله: «لقد بنيتُ بيتي مرّة بناءً وثيقًا على بعض المواعيد الراسخة؛ فجاءت ريح عاصفة، فقلتُ: يا ربّ، قد سقطتُ وأنا هالك». آه، ما سقطت المواعيد؛ ولا زُحزحت الأسس من مواضعها؛ بل الذي سقط إنّما هو كوخك الصغير من «الخشب والعشب والقشّ» الذي كنتَ تبنيه بيديك. إنّما زُعزعتَ أنت على الصخرة، لا الصخرةُ التي تحتك. ولكن دعوني أخبركم بأفضل طريقة للعيش في هذا العالم. سمعتُ أنّ رجلًا من السادة قال لرجل أسود: «لا أدري كيف تكون أنت دائمًا فرحًا في الربّ، وأنا كثيرًا ما أكون منكّس الرأس مكتئبًا». فأجابه الرجل: «يا سيّدي، أنا أطرح نفسي منبطحًا على الموعد — وهناك أرقد وأستريح؛ أمّا أنت فتقف على الموعد وقوفًا، فلا يكون لك به إلّا شأن يسير، فتسقط متى هبّت الريح، ثم تصرخ: آه، قد سقطتُ! أمّا أنا فأنبطح على الموعد رأسًا من أوّل الأمر، ولهذا لا أخاف سقوطًا». فلنقل إذًا على الدوام: «يا ربّ، ها هو الموعد أمامك؛ وإتمامه شأنك أنت لا شأني». وأنا أنبطح على الموعد منبطحًا! لا وقوف لي عليه. وهناك ينبغي أن تذهبوا أنتم أيضًا — ساجدين على الموعد؛ واذكروا أنّ كلّ موعد صخرة راسخة، وأمر لا يتغيّر. فاطرح نفسك عند قدميه، واستقرّ هناك إلى الأبد.
5. ولكن ها هنا تأتي نغمة ناشزة تُفسد اللحن. فالله عند بعضكم لا يتغيّر في تهديداته. فإن كان كلّ موعد ثابتًا، وكلّ قسم من أقسام العهد يتمّ، فاسمع أيّها الخاطئ! — تنبّه للكلمة — واسمع نعي آمالك الجسديّة؛ وانظر جنازة اتّكالاتك اللحميّة. إنّ كلّ تهديد من تهديدات الله، شأنه شأن كلّ موعد من مواعيده، لا بدّ أن يتمّ. أتتحدّثون عن المراسيم؟ إذًا سأخبركم أنا بمرسوم: «ومن لم يؤمن يُدَنْ». هذا هو المرسوم، وهذه فريضة لا يمكن أن تتغيّر أبدًا. كن صالحًا ما شئت، وكن فاضلًا ما استطعت، وكن أمينًا ما أردت، واسلك باستقامة ما قدرت — فها هو التهديد الذي لا يتغيّر قائم: «ومن لم يؤمن يُدَنْ». فماذا تقول في ذلك أيّها الأخلاقيّ؟ آه، إنّك تودّ لو تستطيع أن تبدّله فتقول: «من لا يحيا حياة مقدّسة يُدَنْ». وذاك صحيح؛ لكنّ الكتاب لا يقول هكذا. بل يقول: «من لم يؤمن». ها هنا حجر الصدمة وصخرة العثرة؛ ولكنّك لا تستطيع أن تغيّره. لا بدّ أن تؤمن أو تُدان، هكذا يقول الكتاب؛ وانتبه، إنّ ذلك التهديد من الله لا يتغيّر كما أنّ الله نفسه لا يتغيّر. وحين تكون ألف سنة من عذابات الجحيم قد مضت، سترفع بصرك إلى العلاء فترى مكتوبًا بحروف من نار متّقدة: «ومن لم يؤمن سوف يُدان». فتقول: «ولكن يا ربّ، أنا مُدانٌ بالفعل». ومع ذلك يبقى مكتوبًا «سوف يُدان». وحين تكون ملايين الدهور قد انقضت، وأنت منهك من آلامك وأوجاعك، سترفع عينيك فتقرأ بعدُ «سوف يُدان»، غير متغيّر ولا مبدَّل. وحين تظنّ أنّ الأبديّة لا بدّ أن تكون قد غزلت آخر خيط فيها — وأنّ كلّ ذرّة ممّا ندعوه الأبديّة قد نفدت — سترى ذلك بعدُ مكتوبًا هناك في العلاء: «سوف يُدان». يا للفكرة المرعبة! كيف أجرؤ أن أنطق بها؟ ولكن لا بدّ لي. لا بدّ أن تُنذَروا يا سادة، «لئلّا تأتوا أنتم أيضًا إلى موضع العذاب هذا». ولا بدّ أن تُقال لكم أمور قاسية خشنة؛ فإن لم يكن إنجيل الله أمرًا قاسيًا، فإنّ الناموس أمر قاسٍ، وجبل سيناء أمر قاسٍ. الويل كلّ الويل للرقيب الذي لا ينذر الفاجر! إنّ الله لا يتغيّر في تهديداته. فاحذر أيّها الخاطئ، لأنّه «مخيف هو الوقوع في يدَي الله الحيّ».
6. ولا بدّ أن نلمّح إلى فكرة واحدة قبل أن نمضي، وهي أنّ الله لا يتغيّر في موضوعات محبّته — لا في محبّته فحسب، بل في موضوعاتها أيضًا.
«لو حدث يومًا أن يكون
أنّ خراف المسيح قد تسقط،
فنفسي المتقلّبة الواهنة، وا أسفاه،
كانت لتسقط ألف مرّة في اليوم.»
لو هلك قدّيس واحد عزيز من قدّيسي الله، لأمكن أن يهلك الجميع؛ ولو ضاع واحد من أهل العهد، لأمكن أن يضيع الكلّ، وإذًا لا يصدق موعد واحد من مواعيد الإنجيل؛ بل يكون الكتاب المقدّس كذبًا، وليس فيه شيء يستحقّ أن أقبله. سأصير كافرًا في الحال متى استطعتُ أن أصدّق أنّ قدّيسًا لله يمكن أن يسقط سقوطًا نهائيًّا. فإن كان الله قد أحبّني مرّة، فإنّه سيحبّني إلى الأبد.
«أأشرق يسوع عليّ مرّة؟
إذًا فيسوع لي إلى الأبد.»
إنّ موضوعات المحبّة الأبديّة لا تتغيّر أبدًا ولا تتبدّل. فالذين دعاهم الله، هؤلاء هو نفسه سيبرّرهم؛ والذين برّرهم، هؤلاء سيقدّسهم؛ والذين يقدّسهم، هؤلاء أيضًا سيمجّدهم.
1. وإذ قد أخذتُ — وربّما أكثر ممّا ينبغي — وقتًا طويلًا في مجرّد توسيع فكرة الإله الذي لا يتغيّر، سأحاول الآن أن أبرهن أنّه غير قابل للتغيّر. ولستُ واعظًا مولعًا بالجدل، غير أنّ حجّة واحدة أذكرها هي هذه: إنّ وجود الله وكينونته نفسها يبدو لي أنّهما يستلزمان عدم التغيّر. دعوني أفكّر في الأمر لحظة واحدة. هناك إله؛ وهذا الإله يسود ويدبّر كلّ شيء؛ وهذا الإله هو الذي صاغ العالم، وهو الذي يسنده ويحفظه. فأيّ نوع من الكائنات ينبغي أن يكون؟ إنّه ليخطر لي حقًّا أنّكم لا تستطيعون البتّة أن تتصوّروا إلهًا متغيّرًا. وأحسب أنّ هذه الفكرة منافية للبديهة إلى حدّ أنّكم إن فكّرتم لحظة واحدة في إله متغيّر، بدت الكلمتان متضاربتين، واضطررتم أن تقولوا: «إذًا لا بدّ أن يكون ضربًا من الإنسان»، فتخرجون بفكرة مورمونيّة عن الله. وأتصوّر أنّه من المحال تصوّر إله متغيّر؛ هو محال عليّ أنا. وقد يقدر آخرون على مثل هذه الفكرة، أمّا أنا فلا أطيقها. لا أستطيع أن أفكّر في إله متغيّر أكثر ممّا أستطيع أن أفكّر في مربّع مستدير، أو أيّ محال آخر. إنّ الأمر يبدو من التناقض بحيث إنّي متى قلتُ «الله» اضطررتُ أن أُدرج في المعنى فكرة كائن لا يتغيّر.
2. وأظنّ أنّ حجّة واحدة تكفي، لكن ثمّة حجّة أخرى جيّدة تُستمدّ من واقع كمال الله. إنّي أومن أنّ الله كائن كامل كلّ الكمال. فإن كان كائنًا كاملًا، فلا يمكن البتّة أن يتغيّر. أفلا ترون هذا بأعينكم؟ افترضوا أنّي كامل اليوم؛ فإن أمكن أن أتغيّر، أأكون كاملًا غدًا بعد التبديل؟ لو تغيّرتُ، فلا بدّ أن يكون تغيّري إمّا من حال صالحة إلى أصلح — وإذا أمكن أن أصير أصلح فلستُ كاملًا الآن — وإمّا من حال أفضل إلى أسوأ، وإن صرتُ أسوأ فلستُ كاملًا حينئذ. فإن كنتُ كاملًا، فلا يمكن أن أتبدّل من غير أن أصير ناقصًا. وإن كنتُ كاملًا اليوم، فلا بدّ أن أبقى هو هو غدًا لأكون كاملًا حينئذ. فكذلك إن كان الله كاملًا، فلا بدّ أن يكون هو هو؛ لأنّ التغيّر يستلزم نقصًا الآن أو نقصًا حينئذ.
3. ثم هناك واقع لانهائيّة الله، وهو يستبعد التغيّر استبعادًا تامًّا. إنّ الله كائن غير محدود. فما الذي تعنونه بذلك؟ ما من إنسان يستطيع أن يخبركم ما يعنيه بكائن غير محدود. ولكن لا يمكن أن توجد لانهائيّتان. فإن كان شيء واحد غير محدود، فلا موضع لشيء آخر؛ لأنّ «غير محدود» يعني الكلّ. يعني ما لا حدّ له، وما ليس متناهيًا، وما ليس له نهاية. إذًا لا يمكن أن توجد لانهائيّتان. فلو كان الله غير محدود اليوم، ثم تغيّر وصار غير محدود غدًا، لكانت هناك لانهائيّتان. وهذا محال. وافترضوا أنّه غير محدود ثم تغيّر: فلا بدّ أن يصير محدودًا، فلا يعود إلهًا؛ فإمّا أن يكون محدودًا اليوم ومحدودًا غدًا، أو غير محدود اليوم ومحدودًا غدًا، أو محدودًا اليوم وغير محدود غدًا — وكلّها فروض متساوية في السخف. إنّ كونه كائنًا غير محدود يُبطل في الحال فكرة كونه كائنًا متغيّرًا. فاللانهائيّة مكتوب على جبينها ذاته كلمة «عدم التغيّر».
4. ولكن، أيّها الأحبّاء، فلننظر الآن إلى الماضي: فهناك نجمع بعض البراهين على طبيعة الله التي لا تتغيّر. «هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلّم ولا يفي؟» أفلا يقال عن يهوه: «قد صنع كلّ مشيئته، وأتمّ كلّ قصده»؟ التفتوا إلى فلسطية؛ واسألوا أين هي اليوم من الوجود. قال الله: «ولولي يا أشدود، ويا أبواب غزّة، فإنّكم ستسقطون»؛ فأين هم الآن؟ وأين أدوم؟ اسألوا البتراء وأسوارها المهدّمة. أفلا تردّان صدى الحقّ القائل إنّ الله قد قال: «تصير أدوم غنيمة وتُهلَك»؟ وأين بابل، وأين نينوى؟ وأين موآب وأين عمّون؟ أين هي الأمم التي قال الله إنّه سيهلكها؟ أفلم يقتلعها من أصولها ويطرح ذكرها من على وجه الأرض؟ وهل رفض الله شعبه يومًا؟ وهل نسي موعده مرّة واحدة من المرّات؟ وهل نكث قسمه وعهده مرّة، أو حاد عن خطّته مرّة؟ آه، كلّا وحاشا له ذلك. أشيروا إلى حادثة واحدة في التاريخ كلّه تغيّر فيها الله! لا تستطيعون ذلك يا سادة؛ لأنّه في التاريخ كلّه من أوّله إلى آخره يقوم هذا الواقع الثابت: أنّ الله كان غير متغيّر في مقاصده. وأحسبني أسمع قائلًا منكم يقول: «إنّي أذكر موضعًا واحدًا في الكتاب المقدّس تغيّر فيه الله!». وهكذا كنتُ أظنّ أنا أيضًا مرّة من المرّات. والحالة التي أعنيها هي حالة موت حزقيّا. جاءه إشعياء وقال له: «يا حزقيّا، لا بدّ أن تموت، فمرضك عضال لا شفاء له؛ أوصِ بيتك». فحوّل وجهه إلى الحائط وابتدأ يصلّي؛ وقبل أن يبلغ إشعياء الدار الخارجيّة قيل له أن يرجع أدراجه ويقول: «هأنذا أضيف إلى أيّامك خمس عشرة سنة». وقد تظنّون أنّ هذا يثبت أنّ الله يتغيّر؛ ولكنّي حقًّا لا أرى فيه أدنى برهان في الدنيا كلّها. فمن أين لكم أنّ الله لم يكن يعلم ذلك؟ بلى، إنّ الله كان يعلمه؛ كان يعلم علم اليقين أنّ حزقيّا سيحيا. إذًا فهو لم يتغيّر البتّة، إذ لو كان يعلم ذلك مسبقًا، فكيف يمكن أن يتغيّر؟ هذا هو ما أودّ أن أعرفه. ولكن أتعرفون أمرًا صغيرًا آخر؟ — أنّ منسّى ابن حزقيّا لم يكن قد وُلد بعدُ في ذلك الوقت، وأنّ حزقيّا لو مات حينئذ لما كان هناك منسّى، ولا يوشيّا، ولا مسيح، لأنّ المسيح جاء من ذلك النسل عينه. وستجدون في الكتاب أنّ منسّى كان ابن اثنتي عشرة سنة حين مات أبوه؛ فلا بدّ إذًا أنّه وُلد بعد تلك الحادثة بثلاث سنين لا غير. أفلا تصدّقون أنّ الله قد قضى بميلاد منسّى وسبق فعرفه؟ بلى، بالتأكيد. إذًا فقد قضى أيضًا أن يذهب إشعياء ويقول لحزقيّا إنّ مرضه عضال، ثم يقول في النفس عينه: «ولكنّي سأشفيه، وهو سيحيا». وإنّما قال ذلك ليحرّك حزقيّا إلى الصلاة. تكلّم في أوّل الأمر كما يتكلّم إنسان: «بحسب كلّ الاحتمالات البشريّة، مرضك عضال، ولا بدّ أن تموت». ثم انتظر حتى صلّى حزقيّا؛ وعندئذ جاءت تلك «لكنْ» الصغيرة في آخر الجملة. فلم يكن إشعياء قد أتمّ جملته بعدُ. قال: «أوصِ بيتك، فليس ثمّة شفاء بشريّ؛ ولكنْ» (ثم خرج من عنده. فصلّى حزقيّا قليلًا، ثم عاد إشعياء ودخل عليه وقال) «ولكنّي سأشفيك». فأين هو التناقض ها هنا، إلّا في أدمغة الذين يحاربون الربّ ويريدون أن يجعلوه كائنًا متغيّرًا؟
ثانيًا: والآن دعوني أقول لكم كلمة عن الأشخاص الذين يكون هذا الإله الذي لا يتغيّر نفعًا وبركة لهم. «أنا الله لا أتغيّر، فأنتم يا بني يعقوب لم تفنوا». فمن هم إذًا «بنو يعقوب» هؤلاء الذين يستطيعون أن يفرحوا بإله لا يتغيّر؟
1. أوّلًا وقبل كلّ شيء، هم أبناء اختيار الله؛ لأنّه مكتوب: «أحببتُ يعقوب وأبغضتُ عيسو، وهما لم يولدا بعدُ، ولا فعلا خيرًا ولا شرًّا». وقد كُتب أيضًا: «الكبير يُستعبَد للصغير». إنّ «بني يعقوب» هؤلاء —
«هم أبناء اختيار الله،
الذين يؤمنون بالنعمة السياديّة؛
وبالتعيين الأزليّ
ينالون النعمة والمجد.»
والمقصود بـ«بني يعقوب» ها هنا مختارو الله — أولئك الذين سبق فعرفهم وسبق فعيّنهم للخلاص الأبديّ.
2. والمقصود بـ«بني يعقوب»، في المقام الثاني، أشخاص يتمتّعون بحقوق وألقاب خاصّة. فيعقوب، كما تعلمون جيّدًا، لم تكن له حقوق بحكم الولادة؛ لكنّه اكتسب تلك الحقوق سريعًا. فقد بادل أخاه عيسو بطبيخ عدس، ونال بذلك حقّ البكوريّة. ولستُ أنا بالذي يبرّر الوسيلة التي سلكها؛ لكنّه على كلّ حال نال البركة أيضًا، فاكتسب بذلك حقوقًا خاصّة به. والمقصود بـ«بني يعقوب» ها هنا أشخاص لهم حقوق وألقاب خاصّة على هذا النحو. فالذين يؤمنون قد أعطاهم الله الحقّ والسلطان أن يصيروا أولاد الله. فلهم نصيب في دم المسيح؛ ولهم حقّ أن «يدخلوا من الأبواب إلى المدينة»؛ ولهم لقب في الأكاليل الأبديّة؛ ولهم موعد بمجد لا يزول؛ ولهم حقّ أن يدعوا أنفسهم أبناء الله. آه، إنّ لـ«بني يعقوب» حقوقًا وامتيازات خاصّة بهم دون سائر الناس!
3. ثم إنّ هؤلاء «بني يعقوب» كانوا أيضًا رجال إعلانات خاصّة. فقد نال يعقوب من إلهه إعلانات خاصّة به وحده، فأُكرم بذلك إكرامًا عظيمًا. اضطجع مرّة في جوف الليل فنام؛ وكانت السياجات ستائره، والسماء مظلّته من فوقه، والحجر وسادته، والأرض العارية فراشه. آه، ما أعجب الإعلان الخاصّ الذي ناله في تلك الليلة! فهناك كان سلّم منصوب، ورأى ملائكة الله صاعدة ونازلة عليه. وهكذا نال إعلانًا للمسيح يسوع، ذلك السلّم الذي يبلغ من الأرض إلى السماء، والذي عليه تصعد الملائكة وتنزل لتحمل إلينا الرحمات. ثم أيّ إعلان عجيب كان له في محنايم، حين لاقاه ملائكة الله؛ وأيضًا في فنيئيل، حين صارع الله ورآه وجهًا لوجه! تلك كانت إعلانات خاصّة حقًّا؛ وهذا الموضع من الكتاب يشير إلى الذين نالوا، مثل يعقوب، إعلانات خاصّة كهذه.
فالآن، كم واحدًا منكم نال إعلانات شخصيّة من هذا القبيل؟ تقولون: «آه، إنّ هذا حماس؛ وإنّ هذا تعصّب». حسنًا، إنّه حماس مبارك على كلّ حال، فإنّ بني يعقوب قد نالوا إعلانات خاصّة. لقد كلّموا الله كما يكلّم الرجل صديقه الحميم؛ وهمسوا في أذن يهوه بأسرارهم؛ وجاء المسيح إليهم ليتعشّى معهم وهم معه؛ وأشرق الروح القدس في نفوسهم بضياء جبّار حتى لم يعد يمكنهم بعدُ أن يشكّوا في الإعلانات الخاصّة. إنّ «بني يعقوب» هم بعينهم الرجال الذين يتمتّعون بهذه الإعلانات.
4. ثم إنّهم أيضًا رجال تجارب خاصّة. آه، يعقوب المسكين! ما كنتُ لأختار نصيب يعقوب لنفسي لو لم يكن أمامي رجاء بركة يعقوب؛ فقد كان نصيبه نصيبًا قاسيًا مرًّا. اضطرّ أن يهرب من بيت أبيه إلى بيت لابان؛ ثم إنّ لابان العجوز الفظّ ظلّ يخدعه كلّ السنين التي قضاها هناك — خدعه في زوجته، وخدعه في أجرته، وخدعه في قطعانه، وخدعه في القصّة كلّها من أوّلها إلى آخرها. ثم اضطرّ بعد حين أن يهرب من وجه لابان، فتبعه لابان وأدركه في الطريق. ثم أقبل عيسو ومعه أربع مئة رجل ليستأصله من أصله وفرعه. ثم كان له وقت صلاة، وبعده صارع، فمشى بقيّة حياته كلّها وفخذه مخلوعة. وبعد قليل ماتت راحيل حبيبته العزيزة. ثم ضلّت ابنته دينة، وقتل بنوه أهل شكيم. وبعد ذلك بيع يوسف العزيز إلى مصر، ثم جاء الجوع على الأرض. ثم صعد رأوبين إلى مضجع أبيه ونجّسه؛ وارتكب يهوذا الزنى مع كنّته؛ وصار بنوه كلّهم بلاءً عليه. وأخيرًا أُخذ منه بنيامين أيضًا؛ فصرخ الشيخ وقلبه يكاد ينفطر من شدّة الحزن: «يوسف مفقود وشمعون مفقود وتأخذون بنيامين!». وما جُرّب إنسان قطّ أكثر ممّا جُرّب يعقوب، وكلّ ذلك بسبب خطيّة واحدة، هي خداعه أخاه. وطوال حياته كلّها أدّبه الله. لكنّي أومن أنّ كثيرين ها هنا يستطيعون أن يشاركوا يعقوب العجوز العزيز مشاعره. فقد اضطرّوا أن يجتازوا تجارب تشبه تجاربه شبهًا كبيرًا. فيا حاملي الصلبان! يقول الله: «أنا لا أتغيّر، فأنتم يا بني يعقوب لم تفنوا». أيّتها النفوس المجرَّبة المسكينة! لم تفنوا لسبب سوى طبيعة إلهكم التي لا تتغيّر. فلا تأخذوا الآن في التذمّر قائلين، بغرور البؤس وكبريائه: «أنا هو الرجل الذي رأى مذلّة». فإنّ «رجل الأوجاع» قد تألّم أكثر منك بكثير؛ نعم، لقد كان يسوع نائحًا حقًّا. أمّا أنت فلا ترى إلّا أذيال ثوب الضيق. لم تنل قطّ تجارب كتجاربه. أنت لا تفهم ما معنى المتاعب؛ بل بالكاد رشفتَ من كأس الضيق رشفة؛ لم تنل منها إلّا قطرة أو قطرتين، أمّا يسوع فقد شرب الثُّفل كلّه. لا تخافوا، يقول الله: «أنا الربّ لا أتغيّر، فأنتم يا بني يعقوب» — يا رجال التجارب الخاصّة — «لم تفنوا».
5. ثم فكرة أخيرة واحدة عمّن هم «بنو يعقوب»، فإنّي أودّ لكم أن تكتشفوا بأنفسكم أأنتم من «بني يعقوب» أم لا. إنّهم رجال ذوو طبع خاصّ؛ فمع أنّ في طبع يعقوب أمورًا لا نستطيع نحن أن نمدحها ولا أن نستحسنها، فإنّ فيه أمرًا أو أمرين يمدحهما الله نفسه. فهناك أوّلًا إيمان يعقوب، الذي به كُتب اسم يعقوب بين أولئك الأبطال الجبابرة الذين لم ينالوا المواعيد على الأرض، لكنّهم سينالونها كاملة في السماء. أفأنتم رجال إيمان أيّها الأحبّاء؟ أتعرفون ما معنى أن تسلكوا بالإيمان، وأن تحيوا بالإيمان، وأن تنالوا قوتكم الوقتيّ نفسه بالإيمان، وأن تعيشوا على المنّ الروحيّ النازل من فوق — كلّ ذلك بالإيمان وحده؟ أالإيمان هو قانون حياتكم وقاعدتها؟ إن كان الأمر كذلك، فأنتم إذًا من «بني يعقوب».
ثم إنّ يعقوب كان رجل صلاة — رجلًا صارع وتنهّد وصلّى. وهناك رجل هنالك لم يصلّ هذا الصباح قبل أن يصعد إلى بيت الله. آه أيّها الوثنيّ المسكين، ألا تصلّي؟ يقول: «لا، ما خطر لي مثل هذا قطّ؛ لي سنون لم أصلّ فيها». حسنًا، أرجو أن تصلّي قبل أن تموت. عِشْ ومُتْ بلا صلاة، فسوف تصلّي طويلًا بما يكفي حين تبلغ الجحيم. وهناك امرأة أيضًا: لم تصلّ هذا الصباح؛ فقد كانت مشغولة جدًّا بإرسال أولادها إلى مدرسة الأحد، حتى لم يكن عندها وقت للصلاة. لا وقت للصلاة؟ أفكان عندك وقت لتلبسي ثيابك؟ إنّ لكلّ أمر تحت السماء وقتًا معلومًا، ولو كنتِ قد عزمتِ في قلبك على الصلاة لصلّيتِ. إنّ أبناء الله لا يستطيعون البتّة أن يحيوا بلا صلاة. إنّهم يعاقبة مصارعون. إنّهم رجال يعمل فيهم الروح القدس عملًا حتى لا يستطيعوا أن يحيوا بلا صلاة أكثر ممّا أستطيع أنا أن أحيا بلا تنفّس. لا بدّ لهم أن يصلّوا. فانتبهوا جيّدًا يا سادة: إن كنتم تحيون بلا صلاة، فأنتم إنّما تحيون بلا مسيح؛ وإن متّم على هذه الحال، فيكون نصيبكم في البحيرة المتّقدة بنار. ليفدكم الله من ذلك، ولينقذكم من مثل هذا النصيب المخيف! أمّا أنتم يا «بني يعقوب»، فتعزّوا، لأنّ الله لا يتغيّر.
ثالثًا: ولا أستطيع أن أقول إلّا كلمة واحدة عن النقطة الأخيرة — وهي النفع الذي يناله هؤلاء «بنو يعقوب» من إله لا يتغيّر. «فأنتم يا بني يعقوب لم تفنوا». «تفنوا»؟ وكيف ذلك؟ كيف يمكن للإنسان أن يفنى؟ إنّ هناك طريقين لا غير. كان يمكن أن نفنى في الجحيم. فلو كان الله إلهًا متغيّرًا، لأمكن أن يكون «بنو يعقوب» الحاضرون ها هنا هذا الصباح قد فنوا في الجحيم؛ ولولا محبّة الله التي لا تتغيّر لكنتُ أنا حزمة حطب ملقاة في النار. ولكن هناك أيضًا سبيل إلى الفناء في هذا العالم؛ فثمّة أمر اسمه أن تُدان قبل أن تموت — «قد دِين» — وثمّة أمر اسمه أن تكون حيًّا في الظاهر وأنت في الحقيقة ميت. وقد كان يمكن أن نُترك لتدابير أنفسنا وأهوائنا، فأين كنّا نكون الآن يا ترى؟ لكنّا اليوم نعربد مع السكّير في عربدته، ونجدّف على الله القدير. آه، لو تركك أيّها الحبيب وشأنك، ولو كان إلهًا متغيّرًا، لكنتم اليوم بين أقذر الأقذار وأرذل الأرذال. أفلا تذكرون في حياتكم مواسم شبيهة بتلك التي شعرتُ بها أنا؟ لقد بلغتُ حافّة الخطيّة تمامًا؛ وأمسكت بي تجربة قويّة من ذراعيّ كلتيهما حتى لم أقدر أن أصارعها. دُفعتُ وحدي، وجُررتُ جرًّا بقوّة شيطانيّة مروّعة إلى حافّة هاوية مرعبة. ونظرتُ إلى أسفل، ثم إلى أسفل، ثم إلى أسفل، فرأيتُ نصيبي هناك في القاع؛ وارتعشتُ واقفًا على شفير الهلاك. ارتعبتُ، وقد وقف شعر رأسي، وأنا أفكّر في الخطيّة التي كنتُ موشكًا أن أرتكبها، وفي الحفرة الفظيعة التي كنتُ موشكًا أن أسقط فيها. فأنقذني ذراع قويّ في تلك اللحظة بعينها. فارتددتُ إلى الوراء وصرختُ قائلًا: يا الله! أيمكن أن أكون قد اقتربتُ هكذا من الخطيّة ثم رجعتُ سالمًا؟ أيمكن أن أكون قد مشيتُ إلى الأتون مباشرة ولم أسقط فيه، كما سقط رجال نبوخذنصّر الأشدّاء، وقد أكلهم لهيبه؟ آه، أمن الممكن حقًّا أن أكون ها هنا هذا الصباح، حين أفكّر في الخطايا التي ارتكبتها، وفي الجرائم التي عبرت في خيالي الشرّير؟ نعم، ها أنا هنا، لم أفنَ، لأنّ الربّ لا يتغيّر. آه، لو أنّه تغيّر، لفنينا بعشرات الطرق؛ لو تغيّر الربّ، لفنيتُ أنا وفنيتم أنتم بأنفسنا؛ فإنّ السيّد «الذات»، بعد كلّ شيء، هو أشرّ عدوّ يكون للمسيحيّ. لكنّا قتلنا نفوسنا بأيدينا قتلًا؛ ولمزجنا كأس السمّ لأرواحنا بأنفسنا، لو لم يكن الربّ إلهًا لا يتغيّر، فينتزع تلك الكأس من أيدينا ونحن موشكون أن نشربها. ثم إنّنا فوق ذلك كلّه كنّا نفنى بالله نفسه لو لم يكن إلهًا لا يتحوّل. إنّنا ندعو الله أبًا؛ ولكن ما من أب واحد في هذا العالم ما كان ليقتل أولاده كلّهم منذ زمن بعيد، من فرط ما يستفزّونه ويغيظونه، لو كان قد أُتعب بنصف ما أُتعب به الله من عائلته. إنّ له أتعب عائلة وأشقّها في الدنيا كلّها — غير مؤمنة، ناكرة للجميل، عاصية، ناسية، متمرّدة، شاردة، متذمّرة، صلبة الرقبة. فحسنًا جدًّا أنّه طويل الأناة على هذا النحو، وإلّا لأخذ لا العصا فحسب، بل السيف أيضًا على بعضنا منذ زمن بعيد. ولكن لم يكن فينا شيء يُحَبّ في البدء، فلا يمكن إذًا أن يكون فينا الآن أقلّ ممّا كان. وكان جون نيوتن يروي قصّة طريفة ويضحك منها هو أيضًا، عن امرأة صالحة قالت، لتثبت تعليم الاختيار: «آه يا سيّدي، لا بدّ أنّ الربّ قد أحبّني قبل أن أُولد، وإلّا لما رأى فيّ بعد ذلك شيئًا واحدًا يُحَبّ». وإنّي لواثق أنّ هذا صحيح في حالتي أنا، وصحيح في حال أكثر شعب الله؛ فإنّ فيهم بعد ولادتهم قليلًا جدًّا ممّا يُحَبّ، حتى إنّه لو لم يكن قد أحبّهم قبل ذلك، لما رأى سببًا واحدًا يختارهم من أجله بعد ذلك؛ ولكن بما أنّه أحبّهم بلا أعمال، فهو يحبّهم بلا أعمال إلى الآن؛ وبما أنّ أعمالهم الصالحة لم تكسب حنانه، فأعمالهم الرديئة لا تستطيع أن تقطع ذلك الحنان؛ وبما أنّ برّهم لم يربط محبّته بهم، فشرّهم لا يستطيع أن يقصم تلك الحلقات الذهبيّة. لقد أحبّهم بنعمة سياديّة خالصة، وسيظلّ يحبّهم إلى المنتهى. ولولا ذلك لكنّا فنينا بإبليس وبأعدائنا — فنينا بالعالم، وفنينا بخطايانا، وبتجاربنا، وبمئة طريقة أخرى غيرها، لو كان الله قد تغيّر يومًا من الأيّام.
والآن، قد ضاق بنا الوقت، ولا أستطيع أن أقول إلّا القليل. ولم أفعل إلّا أن مررتُ على النصّ مرورًا عابرًا. وها أنا أسلّمه إليكم. فليعنكم الربّ يا «بني يعقوب» أن تحملوا هذه الحصّة من الطعام إلى بيوتكم؛ اهضموها جيّدًا وتغذّوا بها. وليطبّق الروح القدس بعذوبة الأمور المجيدة المكتوبة! ولتكن لكم «وليمة سمائن، وليمة خمر على درديّه، سمائن ممخّة، درديّ مصفّى»! واذكروا دائمًا أنّ الله هو هو لا يتبدّل، مهما زال سواه من حولكم. قد ينفرّ عنكم أصحابكم، وقد يُؤخذ عنكم خدّامكم، وقد يتغيّر كلّ شيء تحت الشمس، أمّا الله فلا يتغيّر. قد يتغيّر إخوتكم ويطرحون اسمكم كشرّير، أمّا الله فسيظلّ يحبّكم. ولتتغيّر منزلتكم في الحياة، ولتذهب أملاككم؛ ولتُزعزع حياتكم كلّها، فتصيروا ضعفاء سقماء؛ وليمضِ كلّ شيء — فثمّة موضع واحد لا يستطيع التغيّر أن يضع عليه إصبعه؛ وثمّة اسم واحد لا يمكن أن يُكتب عليه التقلّب؛ وثمّة قلب واحد لا يمكن أن يتبدّل أبدًا؛ ذلك القلب هو قلب الله — وذلك الاسم هو المحبّة.
«ثِقْ به، فلن يخدعك أبدًا،
وإن كنتَ به قليل الظنّ؛
لن يتركك أبدًا، أبدًا،
ولا يدعك تتركه بالكلّيّة.»
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.