صورة Hudson Taylor

Hudson Taylor — السيرة والعظات

1832–1905·2 عظات

إنّ عمل الله، متى عُمل بطريقة الله، لا يعوزه عطاءُ الله أبدًا.
هدسون تايلور
كل الأعمال · قراءة 24 د

قبل أن يُولد جيمس هدسون تايلور كان قد وُهب لله. فقد كان أبوه صيدليًّا ميثوديًّا في بلدة بارنسلي بمقاطعة يوركشير، وكان له اهتمامٌ متّقد بالصين وبملايينها التي لا تُحصى، ممّن لم يسمعوا باسم المسيح قطّ. فجثا جيمس وأميليا تايلور معًا، وصلّيا على ولدهما المنتظر صلاةً بالكاد تجاسرا أن ينطقا بها جهارًا: «أعطِ أن يعمل هو لك في الصين». ولم يكن للصبيّ، الذي وُلد في الحادي والعشرين من مايو 1832، أن يعلم بذلك الطلب إلّا وقد صار رجلًا. غير أنّ السماء كانت قد سمعته، وكانت حياته الطويلة كلّها ستُقرأ كأنّها جوابه البطيء المذهل.

ولم تكن نشأةٌ في بيتٍ تقيّ كافيةً لتجعل الإيمان أمرًا تلقائيًّا. فقد انجرف هدسون في مراهقته إلى الشكّ وإلى شيءٍ من الفتور العالميّ، وكان عدم إيمانه هو نفسه يقلقه ويؤرّقه. ثمّ جاءت ظهيرةُ يومٍ من أيام يونيو سنة 1849. كان في السابعة عشرة، وقد تُرك لنفسه في نصف يومٍ من الفراغ، فدخل مكتبة أبيه متسكّعًا، وانتزع كرّاسًا إنجيليًّا من سلّةٍ فيها كرّاسات، وجلس ينتظر قصّةً طيّبة، عازمًا على أن يتخطّى العظة التي في آخره. أمّا العبارة التي استوقفته فكانت بسيطة: عملُ المسيح المُكمَّل. ولِمَ مُكمَّل؟ لأنّ الصرخة التي على الصليب أعلنت: «قد أُكمل» — أي كفّارةٌ تامّة كاملة، ودَينُ الخطية قد وُفي كلّه. فلم يبقَ شيءٌ يُضاف، بل شيءٌ يُقبَل ليس غير. وهناك، وحده في تلك الغرفة الساكنة، جثا هدسون تايلور وسلّم نفسه للمخلّص.

وقد وسم يقينُ ذلك الجواب المشترك تايلورَ مدى حياته. فقد تعلّم، قبل أن يملك لاهوتًا للإرساليات، أنّ الصلاة تحرّك اليد التي تحرّك العالم. وعاد إليه حلم الصين القديم الذي رافق طفولته، ولكن دعوةً مستقرّةً هذه المرّة. فأخذ، عن قصدٍ وتدبير، يُعدّ نفسه لبلادٍ لا يكون له فيها راتب، ولا جمعيةٌ من ورائه، ولا صديقٌ في متناوله سوى الله.

أن يتعلّم تحريك الناس بالله

وكان إعداده روحيًّا بقدر ما كان طبّيًّا. فقد انتقل إلى حيّ دراينسايد الكئيب على حافّة الخندق في مدينة هَل، ليعمل تحت يد طبيبٍ ويدرس الطبّ، وفرض على نفسه انضباطًا صارمًا: أن يعيش في بساطة، وأن يعطي بسخاء، وأن يتّكل على الله في كلّ شيء. قال محاجًّا نفسه: «متى بلغتُ الصين لم يكن لي على أحدٍ مطلبٌ في شيء. وإنّما يكون مطلبي على الله وحده. فما أعظم أهمّية أن أتعلّم، قبل أن أغادر إنجلترا، كيف أحرّك الإنسان بالله، بالصلاة وحدها». وقد امتحن الوعد امتحان رجلٍ يجرّب الجليد قبل أن يأتمنه على ثقل بدنه.

وثمّة حادثةٌ لم ينسها قطّ. فقد كان مخدومه كثير النسيان لأمر الأجرة؛ فوجد تايلور نفسه ذات مساءٍ وليس معه إلّا قطعة نصف كراون واحدة — ولا طعام في الأفق ليوم الغد. ثمّ دُعي ليصلّي عند امرأةٍ تحتضر في مسكنٍ بائس، فطعنه في قلبه فقرُ تلك الأسرة الجائعة المحيطة بسريرها. وقال له شيءٌ في داخله أن يعطي ما معه. فجاهد وتردّد؛ فتلك كانت كلّ ما يملك. ثمّ وضع القطعة أخيرًا في يد الرجل المسكين، وقال له إنّ الله أبٌ بالحقيقة يمكن أن يُوثق به. ورجع إلى بيته وجيبه فارغ وقلبه ممتلئ امتلاءً عجيبًا.

وفي سنة 1853، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، أبحر تايلور إلى الصين مع جمعية تبشير الصين، فتقاذفته شهورًا سفينةٌ شراعية ضربتها العواصف، حتى بلغ شنغهاي وهي تتشنّج بالثورة والحرب. وكانت السنون الأولى قاسية، وكثيرًا ما كانت موحشة. ومع ذلك صنع أمرًا استفزّ كثيرين من رفاقه المرسلين: فلبس الزيّ الصينيّ، وحلق مقدّم رأسه، وأرسل الضفيرة الصينية، لكي يزيل كلّ حاجزٍ لا لزوم له بينه وبين الشعب الذي أحبّه. فمن أجل أن يبلغ الصينيّين، رضي أن يصير صينيًّا بقدر ما يسمح له الضمير. وفي سنة 1858 تزوّج ماريا داير، ابنة مرسلٍ ذات رجاحة عقلٍ نادرة وإيمانٍ عميق، فصارت رفيقته القوية في أتعابه.

إرسالية الصين الداخلية

واضطرّ اعتلالُ الصحّة آلَ تايلور إلى العودة إلى إنجلترا سنة 1860؛ غير أنّ الراحة لم تعطِ هدسون سلامًا. فقد كانت أمامه مبسوطةً خريطةُ مقاطعات الصين الداخلية الشاسعة، حيث شعوبٌ بأسرها — يموت منها في تقديره مليون في كلّ شهرٍ بغير المسيح — لم يكن لها مرسلٌ واحد البتّة. وثقُل الحمل حتى صار لا يُطاق. كان يتوق إلى أن يُرسل الله عمّالًا، ولكنّه كان ينكمش أمام المسؤولية الساحقة: أن يطلب من رجالٍ أن يذهبوا إلى حيث لا يضمن لهم إلّا المشقّة. وكاد هذا الصراع يحطّم صحّته.

وانفجرت الأزمة في يوم أحدٍ، هو الخامس والعشرون من يونيو 1865. فإذ لم يعد يطيق التظاهر بالعبادة، خرج وحده يمشي على رمال برايتون. وهناك، والمدّ يُقبل، سلّم الثقل كلّه لله: فإن كان الله هو الذي يدعو العمّال، والله هو الذي يحفظهم، فالمسؤولية إذًا مسؤوليته هو لا مسؤولية تايلور. وكتب على الصفحة البيضاء في كتابه المقدس الكلمات التي أسّست إرساليةً بأكملها: «صلّيتُ لأجل 24 عاملًا راغبين ماهرين، في برايتون، 25 يونيو 1865». اثنان لكلّ مقاطعةٍ من المقاطعات الداخلية الإحدى عشرة التي لم يبلغها الإنجيل، واثنان لمنغوليا. وهكذا وُلدت إرسالية الصين الداخلية، لا في غرفة لجنةٍ، بل في صلاةٍ على شاطئ.

إنّ عمل الله، متى عُمل بطريقة الله، لا يعوزه عطاءُ الله أبدًا.

— هدسون تايلور

وقد امتُحن هذا المبدأ ألف مرّةٍ في الأربعين سنة التالية، فثبت. فكان المال يصل، كثيرًا ما يصل من غير طلب، وكثيرًا ما يصل في اليوم عينه الذي احتيج إليه فيه، من أناسٍ ما كان لهم أن يعلموا بالحاجة. وصارت دفاتر الإرسالية حجّةً طويلةً هادئة على أمانة الله. ولم يكن تايلور في ذلك حالمًا؛ بل كان يحصي كلّ فلسٍ ويمسك الحسابات بدقّةٍ متناهية. غير أنّه كان قد حسم الأمر مرّةً واحدة إلى الأبد: أنّ الله الذي يدعو هو نفسه الذي يعول، وأنّ عملًا ابتدأ ومضى في الاتّكال على الصلاة لن يُترك ليسقط لعوز المال.

ثمرٌ عظيم وحزنٌ عظيم

كان الثمر عظيمًا — وكذلك كان الثمن. فنمت الإرسالية، وفُتحت المحطّات في مقاطعةٍ بعد مقاطعة، وجاء مئات من الصينيّين إلى الإيمان. غير أنّ تلك السنين عينها كانت مبلولةً بالحزن. فقد وُضع عددٌ من أولاد تايلور الصغار في قبورٍ صينية. وفي سنة 1870، بعد أن دفن ابنًا رضيعًا آخر، ماتت ماريا نفسها وهي في الثالثة والثلاثين، وقد أنفقت قوّتها في العمل الذي شاركته إيّاه بكلّ فرح. أمّا تايلور، وقد أنهكه التعب وأضناه المرض في أحيانٍ كثيرة، فصارع الوحشة وصارع مواسم من الكآبة لم يكن يخفيها. ولم يكن سرّه في تلك السنين بنيةً من حديد، بل راحةً اكتشفها اكتشافًا — إدراكًا غيّره تغييرًا: أنّ الغصن ليس عليه إلّا أن يثبت في الكرمة، وأنّ المسيح نفسه يمدّ العبد بالقوّة التي تعوزه.

ليس عليّ أن أجعل من نفسي غصنًا. فالربّ يسوع يقول لي إنّي غصن. أنا جزءٌ منه، وليس عليّ إلّا أن أصدّق ذلك وأن أعمل بموجبه.

— هدسون تايلور

ومن تلك الراحة عينها خرجت أجرأ مغامراته في الصلاة وأشدّها إقدامًا. ففي سنة 1881، والعمّال بالكاد يبلغون المئة، جثا تايلور وزملاؤه وسألوا الله سبعين مرسلًا جديدًا في غضون ثلاث سنين. وبحلول ختام سنة 1884 كان ثلاثة وسبعون منهم قد أبحروا. فتشجّعوا وازدادوا جرأة، وسألوا سنة 1886 مئة عاملٍ جديد في سنةٍ واحدة. وبحلول نوفمبر 1887 كانت الإرسالية قد قبلت مئةً واثنين. ولم يكن يعامل الصلاة معاملة الوصفة التي يُنال بها الشيء؛ بل كان يعاملها بوصفها التعامل الطبيعيّ الجاري بين ولدٍ وأبٍ يسرّه أن يعطي، ولم يكن يهاب أن يسمّي عددًا بعينه ويدع الله يجيب عليه.

قد وجدتُ أنّ لكلّ عملٍ عظيمٍ من أعمال الله ثلاث مراحل: أوّلًا يكون مستحيلًا، ثمّ يكون صعبًا، ثمّ يكون قد تمّ.

— هدسون تايلور

الظلّ الطويل والرجوع إلى البيت

وجاء أعمق أحزان حياة تايلور قريبًا من نهايتها. ففي صيف سنة 1900 اجتاحت ثورةُ الملاكمين شمال الصين بالنار والمذبحة، وكانت إرسالية الصين الداخلية أشدّ الجمعيات كلّها تضرّرًا: قُتل منها ثمانية وخمسون مرسلًا وواحدٌ وعشرون من أولادهم. وكان تايلور، وقد شاخ ووهن، في سويسرا حين وصلته الأخبار، فكاد ثقلها يسحقه — إذ كان هؤلاء شعبه هو، وقد أرسلتهم يده هو. واعترف في ظلمة تلك الساعة قائلًا: «لا أستطيع أن أقرأ؛ ولا أستطيع أن أفكّر؛ ولا أستطيع حتى أن أصلّي، ولكنّي أستطيع أن أثق». ولمّا عاد السلام وعرضت السلطات الصينية تعويضًا عن خسائر الإرسالية، رفض تايلور كلّ فلسٍ منه، لكي تظهر وداعة المسيح لأمّةٍ كانت تنظر.

أمّا زوجته الثانية جيني، التي تزوّجته سنة 1871 ووقفت إلى جانبه أكثر من ثلاثين سنة، فماتت بالسرطان سنة 1904. فوجّه المرسل العجوز، وقد أخذت قواه كلّها في الخَوَر والتراجع، وجهه إلى رحلةٍ أخيرة إلى البلاد التي بذل لها حياته كلّها. فبلغ الصين في ربيع سنة 1905، وحُمل في مقاطعاتٍ كانت يومًا مغلقةً في وجه الإنجيل وقد صارت الآن منثورةً بالكنائس، حتى وصل أخيرًا إلى تشانغشا، عاصمة مقاطعة هونان — وهي مدينةٌ طالما قاومت الإنجيل ووقفت في وجهه، ثمّ ها هي اليوم ترحّب به. وهناك، في مساء الثالث من يونيو 1905، في هدوءٍ وبغير صراعٍ ولا نزاع، انسلّ ليكون مع المسيح الذي خدمه أكثر من نصف قرن. ودُفن في تراب الصين، بين الشعب الذي صلّى لأجله أبوه وأمّه قبل أن يُولد.

وخلّف وراءه إرساليةً بلغت في حياته أكثر من ثمانمئة مرسل، وما زالت إلى يومنا هذا ماضيةً في عملها عبر خليفتها «زمالة الإرساليات الخارجية» (OMF International). غير أنّ ميراثه الأصدق ليس منظّمة. بل هو برهانٌ عُمل على مدى ثلاثٍ وسبعين سنة وكُتب على امتداد قارّةٍ بأسرها: أنّ الله يُوثق به ثقةً مطلقة — وأنّ عمله، متى عُمل بطريقته، لا يعوزه عطاؤه أبدًا. فالصبيّ المصلّي من بارنسلي قد صار هو نفسه جواب صلاة أبويه، وبرهانًا حيًّا على أنّ السماء ما زالت تسمع.