عظة · قراءة 10 د
ينابيع لا تنضب
Hudson Taylor النص
يوحنا 4:14
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
كُتبت من إعياء هدسن تايلور نفسه في داخل الصين، حين بدأ يسأل نفسه إن كان ينبغي له أن يكفّ عن الكرازة بالكلّية. وهو يعصر وعد المسيح حتى يُخرج ثقله — فقوله لن يعطش إلى الأبد يعني إلى الأبد، ومن يشرب عادةٌ لا جرعةٌ واحدة — ثمّ يُري البئر وقد صارت ينبوعًا، إذ الفيض لا يتوقّف على سعة الإناء بل على المورد.
ج. هدسون تايلور
«أجاب يسوع وقال لها: لو كنتِ
تعلمين عطية الله، ومن هو الذي يقول
لكِ أعطيني لأشرب، لطلبتِ
أنتِ منه، فأعطاكِ
ماءً حيًّا.
«كل من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا
فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي
أعطيه يصير فيه ينبوع ماء
ينبع إلى حياة أبدية».
يوحنا 4:10، 14، الترجمة المنقّحة (RV).
ينابيع لا تنضب
إنّ خير برهان على المسيحية هو حياةٌ تشبه حياة المسيح، وخير برهان على وحي كلمة الله إنما يوجد في الكلمة نفسها؛ فهي متى دُرست وأُحبّت وأُطيعت ووُثق بها، لا تخيّب رجاءً قطّ، ولا تضلّ أحدًا قطّ، ولا تخذل أبدًا. فلماذا يُنفق هذا القدر كله من الوقت — بل يُنفق فيما هو شرّ من الضياع — في نقد أسفارها المختلفة؟ إنّ المطلوب هو التأمّل المتواضع الوقور المصحوب بالصلاة، تأمّل أولئك الذين عقدوا العزم على أن يعملوا مشيئة الله؛ فلهؤلاء وحدهم موعودٌ إرشاد الروح، ولهم تُكشف كمالات الكلمة الإلهية. وهل من شيء صنعته يد الإنسان لا يسهل إثبات أنّه عمل بشريّ متى فُحص تحت المجهر؟ إنّ المجهر يكشف العيوب والنقائص في أدقّ الصنعة وأتقنها؛ في حين أنّ أصغر ما في خليقة الله، إذا عُومل المعاملة نفسها، لا يزداد إلا ظهورًا في كمال أعجب وأبهر. وهذا هو الفرق عينه بين كلمة الإنسان وكلمة الله؛ فهذه الأخيرة، إذا امتُحنت بالامتحانات اللائقة بها، ثبت أنها إلهية.
وكما هي الحال في كثير من أجزاء الكتاب المقدس الأخرى، يمكن أن يُدرس بفائدة سردُ الأصحاح الرابع من إنجيل يوحنا بوصفه قطعة من التاريخ القديم. فهو يبيّن كيف أنّ ابن الله، في أيام جسده، إذ كان يعمل مشيئة أبيه، كان لا بدّ أن يجتاز في السامرة، وأن يتجنّب الطريق الواقع شرقيّ الأردن الذي اعتاد اليهود أن يسلكوه هربًا من مخالطة السامريين. وما أغزر ما نتعلّمه ونستفيده حين نلاحظ كيف نسي المخلّص المُتعَب تعبَه في حضرة نفس واحدة محتاجة إلى الخلاص؛ وكيف استدرج بحكمة إلهية عطفَ تلك المرأة الخاطئة الجاهلة ودهشتها وانتباهها، واستخرج منها اعترافها هي بفمها: «ليس لي زوج». وكيف كشف لها في جملة واحدة معرفته بحياتها كلها، وحقّق ما كانت هي نفسها تتوقّعه من المسيح. ثم إذ أعطاها ما طلبته وهي لا تدري — الماء الحيّ — أعلن لها صريحًا أنه هو بالحقيقة مسيح الله، وأذن لها، في اندفاع الحياة الجديدة، أن تفعل ما لم يكن التلاميذ أنفسهم قد حاولوا فعله بعد — أن تشهد له شهادة تسوق الجموع إلى قدميه. إنها حقًّا قطعة من التاريخ القديم شائقة ونافعة، وهي بهذه الصفة جديرة بفحص أدقّ وأمعن بكثير مما نالته حتى الآن.
ولكن، أما من زاوية أخرى يجدر بنا أن ننظر منها إلى هذا السرد؟ ولماذا دُوّن هذا كله، إن لم يكن لأجل تعليمنا نحن؟ أليس المسيح الحيّ نفسه يكلّمنا الآن من خلال هذه القصة، نحن الذين نحتاج إلى الماء الحيّ بمقدار ما احتاجت إليه المرأة السامرية؟ فلنلاحظ إذًا، وهذا الفكر في أذهاننا، ملاحظةً خاصة تلك الكلمات التي استعملها مخلّصنا في الحديث عن هذا الماء الحيّ.
قال يسوع (عدد 10): «لو كنتِ تعلمين عطية الله، ومن هو الذي يقول لكِ أعطيني لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حيًّا». ما أبسط هذه الشروط وما أيسرها! لو كنتِ تعلمين لطلبتِ، ولكان هو قد أعطى؛ إنها لم تطلب منه شيئًا لأنها لم تكن قد عرفته بعد؛ أما نحن الذين نعلم، والذين نؤمن بفرح بكلمات الرب المدوّنة في الأصحاح السابق: «لأنه هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد...» — فلا شكّ أننا نعرف عطية الله، أي المخلّص الحيّ الحاضر معنا الآن، بحسب وعده هو: «وها أنا معكم كل الأيام» — كما كان حاضرًا حينئذ مع المرأة السامرية. وإذ ندرك حضوره، ونعرفه بوصفه عطية الله، أفليس من امتيازنا نحن أن نطلب منه في الحال، ومن فرحه هو أن يعطينا في الحال هذه العطية الثمينة، أي الماء الحيّ؟ ولا ريب أنه لهذا الغرض عينه دُوّنت هذه الكلمات. قد لا نعلم، ولا نستطيع أن نخبر بكل ما تتضمّنه هذه العطية، ولكنّ معرفتنا به هو تكفينا. «الله طريقه كامل»؛ وما علينا إلا أن نتمّم نصيبنا نحن، فنطلب منه الماء الحيّ، ونترك له وحده النتائج كلها.
ولكن لننظر ماذا لديه أيضًا ليقوله لنا: ففي العدد 13 يقول: «كل من يشرب من هذا الماء [ماء بئر يعقوب] يعطش أيضًا»؛ وقد عرفت المرأة التي سمعت هذه الكلمات بالاختبار أنّ هذا حقّ؛ ونحن أيضًا قد أثبتنا أنه حقّ في كل ماء أرضيّ، وفي كل عطية أرضية. وحقًّا ينبغي لنا أن نشكر الله على بركاتنا الزمنية وتعزياتنا وأفراحنا: فهي ليست فضولًا لا لزوم له؛ إنها تسدّ حاجات حقيقية، وهي علامات محبة أبينا السماوي؛ ولكنها، مع أنها تعين وتُرضي حينًا، لا تُشبع إشباعًا دائمًا، بل تتركنا نعطش من جديد، وآه كم يكون هذا العطش عميقًا في كثير من الأحيان! غير أنّ مخلّصنا يمضي فيقول (العدد 14): «من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد». يا لها من كلمات عجيبة! فلتستوعب نفوسنا الفرحة ملأها. «فلن»: أي ليس «قد لا»، بل لن البتّة؛ «إلى الأبد»: أي لا بوجه من الوجوه إلى دهر الداهرين (حرفيًّا)؛ «يعطش»: أي يُترك في شوق، يُترك غير مكتفٍ، واهنًا بلا انتعاش. يا له من ضمان مبارك بانتعاش وقوّة لا ينقطعان!
«فلن يعطش إلى الأبد». يا له من وعد! وكم مرّة عطشنا نحن! وكم من القلوب المتعبة غير الشبعانة بيننا؛ ومع ذلك فإنّ هذا المدد الكامل لم يُقصد به أن يكون نصيبًا خاصًّا لنفس مُنعَّمة بلا مثيل، فلاحظ كلمة المخلّص: «كل من يشرب»، إنه مبذول مجانًا للجميع. فليؤهّلنا الروح القدس أن نأخذ مكاننا داخلين في هذا «الكلّ»، وأن نعطي تلك الكلمات العجيبة، «فلن يعطش إلى الأبد»، معناها الكامل المبارك. وإنّ معرفة أنّ «لن» تعني لن حقًّا، وأنّ «إلى الأبد» تعني إلى الأبد فعلًا، وأنّ «العطش» يعني أيّ حاجة غير مسدودة — قد تكون واحدة من أعظم الإعلانات التي أعلنها الله قطّ لنفوسنا.
على أننا يجب ألا نغيّر كلمات المخلّص. لاحظ بدقّة أنه لا يقول: كل من شرب، بل «كل من يشرب»: فهو لا يتكلّم عن شربة واحدة منفردة، بل عن عادة النفس المستمرّة. وفي هذا الموضع، كما في مواضع أخرى كثيرة، من المهمّ أن نتنبّه إلى قوّة الاستمرار التي يعبّر عنها زمن المضارع في الأفعال اليونانية. فهناك شبع كامل عميق عند الشربة الأولى من الماء الحيّ، غير أنّ هذا الماء مدد دائم للاستعمال المتّصل. وهذا ما يجليه الرب أتمّ جلاء حين يقول: «بل الماء الذي أعطيه يكون [أو بالأحرى «يصير»، بحسب الترجمة المنقّحة] فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية». وهذه الكلمات تفسّر لماذا لا يعقب شربَ الماء الحيّ عطشٌ جديد. فالماء الحيّ يصير بئرًا، ينبوعًا متاحًا على الدوام، ينبع في المؤمن، فلا يبقي مكانًا للعطش فحسب، بل يفيض أيضًا لسدّ حاجة الآخرين بلا انقطاع.
وليس هذا الوعد العجيب وعدًا فريدًا لا نظير له ولا شبيه. فقد كان دائمًا، ولا يزال، قصدُ المخلّص أن يُشبع. ففي حادثة إطعام الخمسة الآلاف (يوحنا 6)، كان أسمى ما بلغه فكر فيلبس وارتفع إليه أن يُدبّر ما يكفي لينال كل واحد شيئًا يسيرًا؛ أما الرب فأخذ القليل الذي كان عندهم أصلًا وكثّره في أثناء العطاء نفسه، حتى نال كل واحد بمقدار ما شاء، وامتلأت اثنتا عشرة قفّة مما فضل بعد أن شبع الجميع. وفي اليوم التالي رفع ربنا أفكارهم إلى الخبز الحقيقي النازل من السماء، قائلًا: «أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا». أو بتعبير أوفى وأقرب إلى الحرف: «الذي هو [على الدوام] مقبل إليّ لن يجوع البتّة، والذي هو مؤمن بي لن يعطش البتّة في أيّ وقت». والكلمة اليونانية هي عينها المستعملة في القول: «الله لم يره أحد قطّ». فعادة الإقبال إليه بالإيمان لا تجتمع البتّة مع جوع لا يُسدّ ولا مع عطش لا يُروى. وأيضًا يقول المسيح في يوحنا 7: «إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من يؤمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حيّ. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه».
وفي الحقّ المعلَّم على هذا النحو شيء بديع جدًّا: فبدل الحاجة المحسوسة والشوق غير المُشبَع، مدد وافر وشبع فائض؛ وبدل الفقر والضعف، غنى وقوّة نعين بهما آخرين محتاجين. يا له من مخلّص إلهيّ! ويا له من خلاص كامل تامّ! إنّ فيض الله يفوق كل ما يلزم لسدّ نقص طاقة الفرد. لسنا جميعًا نستطيع أن نكون عظماء، ولا أغنياء ولا أقوياء، ولا حكماء ولا ذوي خبرة؛ لكنّ المسيح قد صار لنا حكمة وبرًّا وتقديسًا وفداءً: وهو يشاء أن يكون لنا الكلّ في الكلّ، للحياة وللخدمة جميعًا.
وإذ يتجوّل المرء بين جبال الله الجميلة في يوم صيفيّ بهيج، ما أسرع ما يتعب من الصعود ويجفّ حلقه من العطش! فإذ يقوده صوت الماء الجاري، نلتمس ظلّ صخرة ناتئة، وشربة من الجدول البلّوريّ المنحدر من فوق. وقد لا يكون في أيدينا إلا إناء صغير نشرب منه، غير أننا نستطيع أن نملأه مرّة بعد مرّة، لأنّ المدد المنحدر علينا لا ينفد ولا ينقطع. فإن كان الكأس صغيرًا امتلأ سريعًا وفاض؛ ولو كان معنا دلو لاستغرق ملؤه وقتًا أطول، لكنه متى امتلأ فاض كذلك؛ ولو وُضع تحت الجدول برميل ضخم، لفاض هو أيضًا في حينه. والفيض في كل حالة من هذه الحالات يكون واحدًا بعينه، لأنه لا يتوقّف على حجم الإناء، بل على مدد الجدول الذي لا ينقطع.
وهكذا استطاعت المرأة السامرية المخلَّصة، بلا أيّ إعداد ولا أيّ أهلية أخرى، أن تجتذب في الحال إلى مخلّصها الذي وجدته حديثًا جمهورًا من النفوس المحتاجة، في حين أنّ كثيرًا من الوعّاظ الفصحاء قد يتركون الجموع ترجع إلى بيوتها غير مخلَّصة ولا شبعانة. ومتى فهمنا هذا، لم تعد المسألة مسألة مَن نحن، ولا ماذا نستطيع أن نفعل، بل صار الأمر المهمّ هو: أَجِئنا بإنائنا إليه ليملأه حتى الفيض، حتى إذا شبعنا نحن وزيادة، كان لنا ما نعطيه لكل عطشان وأيّ عطشان بلا شحّ وبلا خوف؟ فإنّ وعد يوحنا 7 هو أنهار ماء حيّ، ووعد يوحنا 4 هو ينبوع لا ينضب يجري ويجري إلى الحياة الأبدية.
ولا نترك هذا الموضوع، أيها الأحبّاء، من غير أن نسأل أنفسنا أين نحن من هذا الأمر. أفنحن في عداد العطاش، أم نحن في عداد الذين جاءوا إلى المصدر العظيم الواحد، وهم يشربون ويؤمنون، ومن ثمّ ينالون، لسدّ حاجتهم هم ولبركة الآخرين؟
وفي الختام، أودّ أن أقول كلمات قليلة من شهادتي الشخصية. ففي زمن حاجة روحية عميقة أُعطيت لي الأفكار التي عبّرت عنها آنفًا، وأنا وحدي في داخل الصين. كنت أشعر شعورًا مؤلمًا بأنني لست أحيا كل ما كنت أحاول أن أعلّمه للصينيين. وإذ كنت أجاهد لأنال الغلبة، كنت أجد نفسي مغلوبًا مرارًا كثيرة، حتى سألت نفسي: أما ينبغي لي أن أكفّ عن الكرازة، وأن أعتزل العمل الإرسالي؟ الصوم، والصلاة، والتأمّل في الكلمة، وكل ما خطر لي — بدا ذلك كله عاجزًا عن معونتي، إلى أن جئت ذات بعد ظهر، في أثناء قراءتي المعتادة، إلى الأصحاح الرابع من يوحنا. كان دائمًا عندي تاريخًا قديمًا، وبهذه الصفة كنت أحبّه وأقدّره، لكنه في ذلك الأصيل صار لأوّل مرّة رسالة حاضرة لنفسي. لم يكن أحد أشدّ عطشًا مني، فقبلت هناك وحينئذ تلك الدعوة المملوءة نعمة، وطلبت فنلت الماء الحيّ، مؤمنًا من كلمته هو أنّ أيام عطشي قد مضت كلها، لا بناء على أيّ شعور حاضر، بل بسبب وعده. وفي مساء ذلك اليوم عينه قمت، بلا تردّد، بدرس الكتاب المعتاد مع الصينيين، وتكلّمت بحرّية، من غير أن أشعر بقوّة خاصة. غير أنني علمت في الفطور صباح الغد أنّ أحد سامعيّ قد جيء به إلى بكيت عميق على الخطية حتى قضى ليلته بلا نوم؛ ومن ذلك الحين صارت خدمتي مقبولة عند الله على نحو لم تكن عليه منذ زمن قبل ذلك.
وبعد بضعة أشهر اجتزت في زمن تجربة عظيمة وحزن عظيم؛ موت ولد حبيب، وإرسال ثلاثة آخرين إلى الوطن، وأشقّ زمن مرّت به إرساليتنا الحبيبة قطّ في الصين، جالبًا مصاعب وحيرات لا تُحصى؛ ولكنه كان أيضًا زمن فرح روحيّ متعمّق وراحة، وزمن اختبار أنّ مخلّصي كان كافيًا لكل ظرف طارئ مهما كان. ففي تيينتسين كانت راهبات الرحمة والكهنة الفرنسيون والقنصل قد ذُبحوا، وفي جميع محطّاتنا الداخلية كان هياج وخطر شديد. وكانت تصلني كل يوم تقريبًا رسائل من هذه الجماعة أو تلك من العاملين تطلب إرشادًا، وتتساءل: أنبقى في المحطّة أم نغادرها، إذ كان العمل في تلك الآونة مستحيلًا؟ ولم أكن أدري بماذا أشير، لكنني في كل حالة بسطت الرسائل أمام الرب، كما فعل حزقيا، ووثقت به أن يعلّمني كيف أجيب عنها. لم يكن هناك إعلان محسوس، ولكنني في كل مرّة هُديت إلى الجواب الذي أدّى إلى أفضل النتائج، وكنت أُرسل كل رسالة في سلام فرِح، عالمًا أنني قد طلبت وأنه قد منح الحكمة النافعة للإرشاد. وفي ذروة هذه الأزمة أصيبت زوجتي الأولى العزيزة بنوبة من الكوليرا لم تُفق منها إلا بصعوبة بالغة؛ ووُلد لنا طفل صغير لم يعش إلا أسبوعين، إذ لم تكن مرضعة تُوجد في ذلك الزمن المضطرب. ولكنّ الماء الحيّ ثبت مرّة أخرى أنه كافٍ لها ولي. وفي مساء اليوم الذي دُفن فيه الطفل بعينه أصيبت زوجتي الغالية بنوبة إغماء لم تفق منها تمامًا، وفي صباح الغد الباكر أُخذت هي أيضًا. حينئذ فهمت لماذا جعل الرب هذا المقطع حقيقيًّا إلى هذا الحدّ عندي. وتبع ذلك مرض دام أسابيع عدّة، وآه كم كانت ساعات التعب موحشة أحيانًا وأنا حبيس فراشي؛ وكم افتقدت زوجتي العزيزة، ووقع خطوات الصغار المتعثّرة بعيدًا هناك في إنجلترا. ولعلّي عشرين مرّة في اليوم، إذ كنت أحسّ بعطش القلب عائدًا من جديد، كنت أصرخ إلى الرب: «أنت وعدتني أنني لن أعطش أبدًا»، وفي الحال كان الرب يأتي ويُشبع قلبي الحزين ويزيد، حتى كنت كثيرًا ما أتساءل: أيمكن أن تكون حبيبتي التي أُخذت متمتّعة بإعلان لحضوره أوفى مما أتمتّع به أنا في وحدة غرفتي؟ لقد أتمّ حرفيًّا تلك الصلاة —
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.