عظة · قراءة 16 د

النجاح المبارك

صورة Hudson Taylor Hudson Taylor

النص

مزمور 1

باختصار

في تأمّله في المزمور الأول، يقابل تايلور بين النجاح الآتي من أسفل، أي فلاح الأشرار العابر الذي كثيرًا ما يحيّر خدّام الله، وبين غبطة الرجل الذي في ناموس الرب مسرّته. فذاك الرجل، المغروس عند مجاري المياه، يعطي ثمره في أوانه، وكلّ ما يصنعه ينجح.

تأمّلات في المزمور الأول.

تمهيد.

ثمّة نجاح لا بركة فيه: فهو لا يأتي من فوق بل من أسفل، ويقود بعيدًا عن السماء لا نحوها. وكثيرًا ما يكون نجاح الأشرار هذا حيرة أليمة لخدّام الله، فهم في حاجة إلى أن يُذكَّروا بالوصية: «وَلَا تَغَرْ مِنَ ٱلَّذِي يَنْجَحُ فِي طَرِيقِهِ، مِنَ ٱلرَّجُلِ ٱلْمُجْرِي مَكَايِدَ». وكثيرون غير كاتب المزمور غاروا من المتكبّرين حين رأوا نجاح الأشرار، وجُرّبوا أن يسألوا: «هَلْ عِنْدَ ٱلْعَلِيِّ مَعْرِفَةٌ؟» وما دام الشيطان إله هذا الدهر، وفي يده أن يُنجح أتباعه، فستبقى هذه الحيرة قائمة عند الذين لا يدخلون مقادس الله ولا ينتبهون إلى آخرة أهل العالم.

وليس الذين لا يعرفون الله وحدهم من يُجرَّبون بعرض نجاح يأتي من أسفل. فمخلّصنا نفسه جرّبه العدوّ الأكبر بهذه الطريقة. قيل للمسيح إنّ كلّ ما أراد أن يحقّقه لممالك هذا العالم يمكن أن يتمّ بطريق أسهل من الصليب: قليل من المساومة مع ذاك الذي كان في يده السلطان ويقدر أن يهب الممالك، فيصير الكلّ له. وقد رفض ربّنا في الحال حيل المضلّ الكاذبة؛ أمّا عند كثيرين من شعبه فليست هذه الحيل عديمة الأثر إلى هذا الحدّ: قليل من الدهاء بدلًا من الطريق الذي يلحّ عليه الضمير، وقليل من نقص الاستقامة في المعاملات التجارية، وقليل من المساومة مع طرق العالم، يعقبها نجاح لا يحمل بركة. هذه كلّها كثيرًا ما تبرهن على أنّ فنون العدوّ لا تزال هي هي.

ولكن، شكرًا لله! هناك نجاح حقيقي يأتي منه ويقود إليه. وهو لا يتّفق فقط مع الاستقامة الكاملة وقداسة القلب والحياة التي لا تساوم، بل لا يمكن بلوغه بدونهما، والتمتّع به يعمّقهما. هذا النجاح الإلهي هو قصد الله لكلّ مؤمن في كلّ ما يتولّاه: في الأمور الزمنية والأمور الروحية، في كلّ علاقات هذه الحياة وشؤونها، كما في كلّ عمل للمسيح وللأبدية؛ فمشيئة الله لكلّ ولد من أولاده هي أنّ «كُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ».

غير أنّ كثيرين من أولاده، على ما يبدو، لا يتمتّعون بهذه البركة الدائمة؛ فبعضهم يجد الإخفاق لا النجاح قاعدة حياته، وآخرون، ينجحون حينًا ويخيب رجاؤهم حينًا، يعيشون حياة لا يقين فيها، كثيرًا ما يخالطها القلق بل الخوف أيضًا. أفلا يسأل كلّ واحد منّا في البداية: كيف حالي أنا؟ هل هذا النجاح المبارك هو اختباري؟ هل يقودني الروح في أعمالي، ويُنجحني الله في عواقبها، حتى أستطيع بصفتي شاهدًا له أن أشهد لأمانته لهذا الوعد؟ وإن لم يكن الأمر كذلك معي، فما السبب؟ أيّ الشروط اللازمة أخفقت في تتميمها؟ ليت تأمّلاتنا في المزمور الأول توضح هذه الشروط لأذهاننا، وليت الإيمان يتمكّن من أن يطالب على نحو محدّد بكلّ ما يتضمّنه هذا الوعد العجيب!

الشروط السلبية للبركة

«طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ ٱلْأَشْرَارِ».

وبترجمة أكثر حرفية: يا لبركات الرجل، يا لسعادته المتعدّدة، ذاك الذي يصف العددان الأول والثاني من هذا المزمور صفاته! إنّه سعيد فيما ينجو منه أو يتجنّبه، وسعيد وناجح فيما يتولّاه.

والصفة الأولى المعطاة لنا هي أنّه لا يسلك في مشورة الأشرار. لاحظ أنّ النصّ لا يقول مجرّد أنّه لا يسلك في مشورة شرّيرة، فرجل الله بديهيًّا لا يفعل ذلك؛ بل ما يقوله هو أنّه «لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ ٱلْأَشْرَارِ». والأشرار كثيرًا ما تكون لهم حكمة دنيوية وافرة، ويشتهرون بنجاحهم وحصافتهم، لكنّ ولد الله ينبغي أن يكون دائمًا على حذر من مشورتهم هم؛ فمهما بدت حسنة فهي مملوءة خطرًا.

ومن أبرز صفات الشرّير أنّ الله ليس في شيء من أفكاره؛ فهو يرى كلّ شيء من زاوية الذات، أو في أحسن الأحوال من زاوية الإنسانية. وحكمته: «اعتن بالرقم واحد»، كانت لتكون حسنة جدًّا لو قُصد بها أنّ الله هو الأول وينبغي أن يوضع أولًا على الدوام؛ لكنّه لا يقصدها هكذا: فالذات لا الله هي الرقم واحد عند الشرّير. والأشرار كثيرًا ما ينصحون بالأمانة، لا على أساس أنّ الأمانة ترضي الله، بل لأنّها أفضل سياسة؛ فإذا بدت في صفقة ما سياسة أربح مأمونة تمامًا، فأولئك الذين كانوا أمناء لمجرّد أنّ الأمانة أربح، يسهل جدًّا أن يكفّوا عنها.

لا حاجة لولد الله إلى مشورة الأشرار؛ فإن أحبّ كلمة الله ودرسها جعلته أحكم من كلّ هؤلاء المشيرين. وإن طلب كلّ مشورة الله وحفظها، بإرشاد الروح القدس، فلن يسلك في الظلمة حتى في الأمور الدنيوية. قد تبدو توجيهات كلمة الله أحيانًا غريبة وبعيدة عن الحكمة العملية، ولكن بقدر ما يكون له من الإيمان ليطيع التوجيهات التي يجدها في الكتاب، غير مائل عنها يمينًا ولا شمالًا، يُصلح طريقه ويُفلح.

وتاريخ جماعة الأصدقاء (الكويكرز) الأوائل في أمريكا، الذين أبوا أن يحملوا سلاحًا ليحموا أنفسهم من قبائل الهنود الشرسة، يبيّن كم هو مأمون أن نتبع كلمة الله ولا نقاوم الشرّ. واختبارهم اللاحق في الحرب الأهلية الأخيرة، إذ لم يفقد أحد منهم حياته، مع أنّهم تعرّضوا لأعظم الأخطار والمشاقّ لأنّهم أبوا أن يقاتلوا، يؤكّد كذلك حكمة الطاعة الحرفية للكتاب وبركتها معًا. ولا تزال عينا الرب تجولان في كلّ الأرض ليتشدّد مع المتّكلين عليه تجاه بني البشر. والمؤمن المستنير له مشورة أفضل بكثير، حتى إنّه لا يحتاج إلى مشورة الأشرار، ولا يتنازل إلى قبولها.

بل أكثر من ذلك، فإنّ ولد الله الحكيم يتحقّق بعناية من زاوية نظر أخيه المؤمن قبل أن يقدّر مشورته؛ لأنّه يتعلّم من الكتاب ومن الاختبار أنّ الشيطان كثيرًا ما يتّخذ من شعب الله أدوات له، كما في حالة بطرس مثلًا. فما كان بطرس المندهش يدري من أين جاءت نصيحته للرب بأن يشفق على نفسه؛ وقول الرب: «ٱذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ» أظهر أنّ ربّنا قد تتبّع هذه المشورة، التي لم تطلب أولًا ملكوت الله، إلى مصدرها الحقيقي. وا أسفاه، إنّ مشورة المسيحيين ذوي الذهن الدنيوي تُحدث ضررًا أكبر بكثير من مشورة الأشرار المجاهرين. فكلّما جاءت أولًا مصالح الذات المزعومة، أو العائلة، أو الوطن، أو حتى الكنيسة أو الإرسالية، أمكننا أن نتيقّن تمامًا من المصدر الحقيقي لتلك المشورة؛ فهي على الأقلّ أرضية نفسانية، إن لم تكن شيطانية.

ثمّ إنّ الرجل المبارك حقًّا—

وَفِي طَرِيقِ ٱلْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ.

إنّ الطيور على أشكالها تقع؛ فطريق الخاطئ لا يلائم المؤمن الحقيقي، كما أنّ طريق المؤمن لا يلائم الخاطئ. قد يذهب إلى الخطاة شاهدًا لسيّده رجاء أن يخلّص الهالكين؛ لكنّه لن ينقل خيامه إلى سدوم كما فعل لوط، لئلّا يقع في الشرك كما وقع لوط، الذي لم ينجُ إلّا بنفسه، وخسر كلّ من كان يحبّهم أكثر من سواهم، وكلّ ممتلكاته. آه، كم من الآباء رفرفوا كالفراش قرب اللهب، فرأوا أولادهم يهلكون به، ولم ينجوا هم أنفسهم سالمين! وكم من الكنائس والمؤسّسات المسيحية، في محاولتها أن تجتذب غير المتجدّدين بمغريات العالم أو ملاهيه، خسرت هي نفسها بركة الله، وفقدت القوّة الروحية حتى إنّ الذين اجتذبتهم على هذا النحو لم ينتفعوا شيئًا! فبدلًا من أن ترى الموتى يُحيَون، زحفت عليها هي نفسها حالة من الخمول والموت.

لا حاجة إلى أيّ جاذبية أخرى، ولا مكان لها، غير تلك التي قدّمها المسيح نفسه حين قال: «أَنَا إِنِ ٱرْتَفَعْتُ ... أَجْذِبُ إِلَيَّ ٱلْجَمِيعَ». لقد كان سيّدنا على الدوام «قَدِ ٱنْفَصَلَ عَنِ ٱلْخُطَاةِ»، والروح القدس يتكلّم بما لا لبس فيه في كورنثوس الثانية 6: «أَيَّةُ خُلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَٱلْإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ ٱلظُّلْمَةِ؟ ... فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ ٱللهِ ٱلْحَيِّ، كَمَا قَالَ ٱللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. لِذَلِكَ ٱخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَٱعْتَزِلُوا ... وَلَا تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ».

«وَفِي مَجْلِسِ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ».

إنّ مجلس المستهزئين من الأخطار الخاصّة التي تكتنف هذا العصر. فالكبرياء والتجرّؤ والاستهزاء مرتبطة معًا ارتباطًا وثيقًا، وهي بعيدة كلّ البعد عن الفكر الذي في المسيح يسوع. وكثيرًا ما يظهر هذا الروح في أيّامنا في صورة النقد المستخفّ بالمقدّسات. فالذين هم أقلّ الناس أهلية روحية لذلك تجدهم جالسين في كرسيّ القضاء، بدلًا من أن يأخذوا مكان السائل والمتعلّم. أهل بيرية قديمًا لم يرفضوا باستهزاء تعاليم الرسول بولس التي بدت لهم غريبة، بل كانوا يفحصون الكتب كلّ يوم: هل هذه الأمور هكذا؟ أمّا الآن، ويا للعجب، فالكتب نفسها موضع تشكيك، وأسس الإيمان المسيحي ذاتها يتخلّى عنها رجال يحبّون أن يُنظر إليهم كرسل الفكر الحديث. ليحفظ الله شعبه من أن يتخلّوا عن الإيمان المسلَّم مرّة للقدّيسين، من أجل الأوهام العابرة التي لا أساس لها في أيّامنا هذه!

الشروط الإيجابية للبركة.

لقد تأمّلنا في الأمور التي يتجنّبها الرجل المبارك حقًّا. آه، ما أعظم بؤس الذين يخفقون في تجنّبها وما أفدح خسائرهم! وعلينا الآن أن نتأمّل في الصفات الخاصّة لرجل الله، تلك التي هي في آن واحد مصدر قوّته وترس حمايته.

«فِي نَامُوسِ ٱلرَّبِّ مَسَرَّتُهُ،
«وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا.»

إنّ غير المتجدّدين لا يستطيعون أن يُسرّوا بناموس الرب. قد يكونون متديّنين جدًّا، وقد يقرأون الكتاب المقدّس كواجب من واجباتهم الدينية. وقد يُعجبون بالكثير ممّا فيه، ويرفعون أصواتهم بمدحه، فهو، ولو عُدّ مجرّد كتاب، أعجب كتاب في العالم. بل قد يذهبون أبعد من ذلك بكثير، فيتوهّمون، كما توهّم شاول المضطهِد، أنّ حياتهم منتظمة بحسب تعاليمه، وهم لا يزالون بعيدين عن الله. ولكن حين يتجدّد أمثال هؤلاء يكتشفون أنّهم كانوا عميانًا؛ ومن بين ما يشمله القول: «هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا»، يجدون أنّهم قد نالوا كتابًا مقدّسًا جديدًا؛ وكأطفال مولودين الآن يشتهون لبن الكلمة العديم الغشّ لكي ينموا به. وما أحسن الحال حين يُغذّى المسيحيون الأحداث تغذية صحيحة من كلمة الله، فلا يفسد ذوقهم، ولا تُهدم بنيتهم الروحية، بالتغذّي على تخيّلات البشر بدلًا من حقائق الله.

ليس من الصعب أن تكتشف بماذا يُسرّ الإنسان. «مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ ٱلْفَمُ». فالأمّ تُسرّ بالحديث عن طفلها، والسياسي يحبّ الكلام في السياسة، والعالِم في علمه المفضّل، والرياضي في رياضته. وعلى هذا النحو يُظهر المسيحي الجادّ السعيد مسرّته بكلمة الله؛ فهي طعامه وتعزيته، ودرسه ومرشده؛ وإذ يلقي الروح القدس نورًا جديدًا على حقائقها الثمينة، يجد فيها فرحًا ومتعة لا يُقاسان بشيء. ومن الطبيعي أن يتحدّث كثيرًا، وبعفوية، عمّا هو ثمين هكذا لقلبه.

والمؤمن، إذ صار بالتجديد ابنًا لله، يجد اهتمامًا جديدًا وتعليمًا جديدًا في كلّ أعمال الله. فأبوه صمّمها وخلقها، ويحفظها ويستخدمها، ولمجده هي كائنة. غير أنّ هذا يصدق على نحو خاصّ على كلمة الله. فإذ له فكر المسيح، ويتعلّم من روح المسيح، يجد في كلّ جزء من كلمة الله شهادة لشخص سيّده وصديقه المعبود ولعمله. والكتاب المقدّس يزداد قربًا إلى قلبه بألف طريقة، إذ يكشف فكر الله وطرقه، ومعاملاته الماضية مع شعبه، وإعلاناته العجيبة عن المستقبل.

وإذ يدرس المؤمن كلمة الله هكذا، يشعر بمصدر جديد للمسرّة؛ فليس ما أُعلن هو وحده الثمين، بل إنّ جمال الإعلان نفسه وكماله يزدادان في عينيه يومًا بعد يوم. لم يعد في حاجة إلى براهين خارجية تثبت وحيه؛ فهو يحمل في كلّ موضع طابع الألوهية. وكما أنّ المجهر الذي يكشف خشونة أعمال الإنسان وعيوبها لا يُظهر إلّا كمال أعمال الله على نحو أوفى، ويكشف عن جمالات جديدة لم تخطر على بال، هكذا الحال مع كلمة الله حين تُفحص عن قرب.

ما أعجب التباين بين هذا الكتاب وأعمال البشر! فعلم الأمس لا قيمة له اليوم؛ أمّا التاريخ واكتشافات عصرنا فلا تفعل إلّا أن تؤكّد صدق هذه السجلات المقدّسة القديمة. وكلّما قوي إيماننا بالوحي الكامل اللفظي لكلمة الله المقدّسة، وكلّما جعلناها مرشدنا على نحو أتمّ، وتبعنا تعاليمها بثقة أكمل، تعمّق سلامنا وكثر ثمر خدمتنا. «سَلَامَةٌ جَزِيلَةٌ لِمُحِبِّي شَرِيعَتِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَعْثَرَةٌ». وإذ يزداد المؤمن اقتناعًا بالحكمة الإلهية في توجيهات الكتاب ووصاياه، وبصدق مواعيده، تصير حياته أكثر فأكثر حياة طاعة وثقة؛ وهكذا يختبر بنفسه كم هي صالحة ومرضية وكاملة إرادة الله، وكذلك الكتاب الذي يعلنها.

والكلمات «نَامُوسِ ٱلرَّبِّ»، التي نفهم أنّها تعني كلمة الله كلّها، غنيّة بالإيحاء. فهي تدلّ على أنّ الكتاب المقدّس قد قُصد به أن يعلّمنا ما يريد الله أن نعمله؛ وأنّنا لا ينبغي أن نبحث فقط عن المواعيد ونحاول أن ننال من الله كلّ ما نستطيع، بل ينبغي أن نشتاق بجدّية أكبر بكثير إلى أن نعرف ما يريدنا أن نكونه وما يريدنا أن نعمله لأجله. ومكتوب عن عزرا أنّه هيّأ قلبه لطلب شريعة الرب لكي يعمل بها، ويعلّم إسرائيل فريضة وقضاء. وكانت النتيجة أنّ يد إلهه الصالحة كانت عليه، وأُعطي الكثير من سؤل قلبه، وصار قناة بركة لشعبه كلّه. وكلّ من يفتّش الكتب بالروح نفسه ينال بركة الله وينقلها إلى غيره: يجد فيها الإرشاد الذي يحتاج إليه لخدمته هو، وكثيرًا ما يجد كلمة في وقتها لمن يعاشرهم.

ولكن الكتاب المقدّس لا يصير له ناموس الرب فقط من حيث إنّه يعلّم ويوضّح ما يريده الله أن يكون وأن يعمل، بل بالأكثر من حيث إنّه يعلن ما هو الله نفسه وما يعمله. فكما أنّ ناموس الجاذبية يعرّفنا كيف تعمل، في ظروف معيّنة، قوّة يمكننا أن نعتمد عليها دائمًا، هكذا يعرّفنا ناموس الرب به هو، وبمبادئ حكمه التي يمكننا أن نتّكل عليها بثقة كاملة.

ورجل الله يُسرّ أيضًا بأن يتتبّع الله في الكلمة بوصفه العامل العظيم، ويفرح بامتياز أن يكون عاملًا معه، أداة مسرورة طوعية في عمل مشيئة الله، ومع ذلك يفرح بالنعمة التي جعلته راغبًا، وبالقوّة الإلهية الجبّارة التي تعمل من خلاله. والكتاب المقدّس يعلّمه أيضًا أن ينظر إلى نفسه كذرّة، إن جاز التعبير، في كون الله العظيم؛ وأن يرى عمل الله العظيم كلًّا رائعًا، يجري بعشرة آلاف وسيلة، في كلّ المجالات، وفي كلّ الأزمنة، ولا يمكن أن يخفق في النهاية، إعلانًا مجيدًا لكمالات العامل العظيم! قد يمضي هو نفسه، وألف غيره من رفقائه الخدّام؛ لكنّ هذه الفكرة لا تشلّ جهوده، لأنّه يعلم أنّ كلّ ما عُمل في الله يثبت، وأنّ كلّ ما يبقى ناقصًا حين ينتهي عمله سيكمّله العامل العظيم في وقته وبطريقته.

إنّه لا يتوقّع أن يفهم كلّ شيء عن العمل العظيم الذي نال امتياز الاشتراك فيه بنصيب مبارك وإن كان متناهي الصغر؛ فهو يستطيع أن ينتظر اكتماله، ويستطيع منذ الآن أن يفرح بالإيمان واثقًا أنّ الكلّ سيوجد من كلّ وجه جديرًا بالمصمّم والمنفّذ العظيم. فحقّ له أن تكون مسرّته في ناموس الرب، وحقّ له أن يلهج فيه نهارًا وليلًا.

ثمرة البركة.

ننتقل بعد ذلك إلى ملاحظة المواعيد الرائعة في العدد الثالث من هذا المزمور، وهو من أروع مواعيد الكتاب وأشملها:—

«فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي ٱلْمِيَاهِ،
«ٱلَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ،
«وَوَرَقُهَا لَا يَذْبُلُ.
«وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ.»

لو استطعنا أن نقدّم للأشرار خطّة دنيوية تضمن لهم النجاح في كلّ ما يتولّونه، فكم يتلقّفونها بلهفة! ومع ذلك، حين يعلن الله نفسه لشعبه خطّة ناجعة، ما أقلّ الذين ينتفعون بها! كثيرون يخفقون في الجانب السلبي، فلا يخرجون من العالم خروجًا واضحًا؛ وكثيرون يخفقون في الجانب الإيجابي، فيدعون واجبات أخرى أو ملذّات تأخذ الوقت الذي ينبغي أن يُعطى لقراءة كلمة الله والتأمّل فيها. ومن الناس من لا يسهل عليه أبدًا أن يؤمّن وقتًا للخلوة الصباحية، لكنّ شيئًا لا يعوّض خسارتها. ولكن، أليست هناك فئة ثالثة من المسيحيين يرجع إخفاقهم في الغالب إلى أنّهم لا يعتنقون الوعد ولا يطالبون به بالإيمان؟ ففي كلّ طريق من هذه الطرق الثلاث قد يدخل الإخفاق، وقد تضيع بركات العهد.

فلنتأمّل الآن ما هي البركات، والسعادات المتعدّدة، التي على الإيمان أن يطالب بها متى تمّت الشروط.

أولًا: الرسوخ.— يكون كشجرة (لا مجرّد نبتة حوليّة)، ذات نموّ مطّرد متقدّم وإثمار متزايد. شجرة مغروسة، توجد في مكانها على الدوام، لا تتقاذفها الرياح، ولا تكون ألعوبة للظروف. قد تزهر الأزهار ثمّ تزول، أمّا الشجرة فتثبت.

ثانيًا: موارد مستقلّة.— مغروسة عند مجاري المياه. قد تنقطع الموارد العادية من المطر والندى، أمّا موارده العميقة الخفيّة فلا تنقطع. في سنة القحط لا يخاف، وفي أيّام الجوع يشبع. مورده هو الماء الحيّ، روح الله، الذي هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد؛ لذلك لا يعتمد على نبع متقطّع.

ثالثًا: إثمار في أوانه.— سيلاحظ دارس الكتاب المتأنّي التوازي بين تعليم المزمور الأول وتعليم ربّنا في إنجيل يوحنا، حيث نتعلّم في الأصحاح السادس أنّ من يتغذّى بالمسيح يثبت فيه، وفي الخامس عشر أنّ من يثبت يأتي بثمر كثير. إنّنا نتغذّى بالمسيح، الكلمة المتجسّد، من خلال الكلمة المكتوبة. وهكذا في هذا المزمور، من يُسرّ بناموس الرب ويلهج فيه نهارًا وليلًا يعطي ثمره في أوانه.

في هذا شيء جميل. الكلمة في وقتها ما أحسنها؛ بل كم تشجّع نظرة في وقتها أو تردع، توبّخ أو تعزّي! والوعد يذكّر المرء بتلك المواعيد في إنجيل يوحنا عن الماء الحيّ: يشرب العطاش فلا ينتعشون فقط، بل يصيرون قنوات تجري فيها أنهار ماء حيّ على الدوام، حتى يجد عطاش آخرون في ساعة حاجتهم انتعاشًا في وقته. لكنّ الصورة في المزمور ليست صورة ماء يجري فينا كما في قناة، بل صورة ثمر، هو حصيلة حياتنا المتغيّرة ذاتها، حياة الاتّحاد بالمسيح.

ما أعظم نعمة إلهنا أنّه لا يعمل من خلالنا بطريقة آلية بحتة، بل يجعلنا أغصانًا في الكرمة الحقيقية، الأعضاء ذاتها التي بها يُنتج ثمرها. لسنا إذن عاملين مستقلّين، لأنّ هناك فرقًا جوهريًّا بين الثمر والعمل. العمل حصيلة الجهد، والثمر حصيلة الحياة. قد يعمل الرجل الرديء عملًا جيّدًا، أمّا الشجرة الرديئة فلا تقدر أن تصنع أثمارًا جيّدة. نتيجة العمل لا تتكاثر، أمّا الثمر فبزره فيه. العامل عليه أن يبحث عن مادّته وأدواته، وكثيرًا ما يعكف على مهمّته بمثابرة مؤلمة. أمّا ثمر الكرمة فهو الحصيلة المسرورة الحرّة التلقائية للحياة التي في داخلها؛ وهو يتكوّن وينمو وينضج في أوانه.

وما هو الثمر الذي ينبغي أن يحمله المؤمن؟ أليس يمكن التعبير عنه بكلمة واحدة: التشبّه بالمسيح؟ ومن اللافت أنّ الكتاب لا يتكلّم عن أثمار الروح بصيغة الجمع، كأنّنا نستطيع أن نختار ما نشاء من الفضائل المذكورة، بل عن الثمر بصيغة المفرد، وهو عنقود غنيّ مؤلّف من: «مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ»، وغيرها. ما أعظم بركة أن نعطي مثل هذا الثمر في أوانه!

رابعًا: نضارة دائمة.— «وَرَقُهَا لَا يَذْبُلُ». في مناخنا تقدر أشجار كثيرة أن تحفظ حياتها طوال الشتاء، لكنّها لا تقدر أن تحتفظ بأوراقها. أمّا الشجرة الدائمة الخضرة الصلبة فلا تحيا فحسب، بل تُظهر حياتها، وبوضوح أشدّ بسبب الأغصان العارية من حولها. فالحياة التي في داخلها أقوى من أن تخشى النهار القصير، أو الريح الباردة، أو الثلج المتساقط. وهكذا رجل الله الذي تُحفظ حياته بشركة خفيّة من خلال الكلمة؛ فالشدائد لا تفعل إلّا أن تُبرز قوّة الحياة التي في داخله وحقيقتها.

وورق الشجرة ليس مجرّد زينة. فإن كان الجذر يوحي إلينا بقوّة التلقّي، إذ يستمدّ من التربة النسغ المنشّط الذي لا تقوم الحياة بدونه، فإنّ الأوراق لا تقلّ عنه في تذكيرنا بنعمة العطاء والتطهير. فهي تمنح الجوّ رطوبة طيّبة؛ وتوفّر للمسافر ظلًّا منعشًا، وتنقّي الهواء الذي سمّمته أنفاس الكائنات الحيّة.

والشجرة أيضًا تُكافأ خير مكافأة على كلّ ما تعطيه بأوراقها. فالنسغ الرقيق المنشّط الآتي من الجذر، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يبني الشجرة، يتكثّف إذ يعطي رطوبته، ويستحوذ بواسطة الأوراق على الكربون من الجوّ. وإذ يغتني هكذا، يعود النسغ خلال الشجرة، فيبنيها حتى إنّ أدقّ الجذيرات تتغذّى بالأوراق بقدر ما تتغذّى الأوراق بالجذور. جرّد شجرة من أوراقها مدّة كافية فلا بدّ أن تموت. وهكذا المؤمن، ما لم يكن يعطي كما يأخذ، مطهّرًا حياته وتأثيره، لا يستطيع أن ينمو ولا أن يحفظ حيويّته كما ينبغي. أمّا من يُسرّ بناموس الرب ويلهج فيه نهارًا وليلًا، فورقه لا يذبل.

خامسًا: نجاح دائم.— «كُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ». أيمكن لوعد أن يتجاوز هذا؟ إنّ امتياز ولد الله أن يرى يد الله في كلّ ظروفه وما يحيط به، وأن يخدم الله في كلّ أشغاله وواجباته. سواء أكل أو شرب، عمل أو استراح، تكلّم أو صمت؛ في كلّ مشاغله، روحية كانت أو بيتية أو دنيوية، هو خادم لله على حدّ سواء. لا شيء مشروع عنده أصغر من أن يتيح فرصة لتمجيد الله؛ فالواجبات التافهة أو المضجرة في ذاتها ترتفع وتتمجّد حين يدرك المؤمن أنّه يستطيع من خلالها أن يُفرح قلب سيّده المحبّ الساهر عليه دائمًا ويرضيه. ومن يعرف نفسه في كلّ الأمور خادمًا لله، يستطيع أن يعتمد على كفاية من الله لكلّ نوع من الاحتياج، وأن يتطلّع بتوقّع واثق إلى الله لكي يُنجحه حقًّا في كلّ ما يعمل.

لكنّ هذا النجاح لن يكون ظاهرًا دائمًا إلّا لعين الإيمان. فحين رفضت كورزين وبيت صيدا رسالة ربّنا، احتاج الأمر إلى عين الإيمان ليتهلّل بالروح ويقول: «نَعَمْ أَيُّهَا ٱلْآبُ، لِأَنْ هَكَذَا صَارَتِ ٱلْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ». ولا شكّ أنّ جحافل الجحيم ابتهجت حين رأت ربّ المجد مسمّرًا على الخشبة الملعونة؛ ومع ذلك نعلم أنّ ربّنا المبارك لم يكن قطّ أكثر نجاحًا منه حين قدّم نفسه، بصفته رئيس كهنتنا، ذبيحة كفّارة عنّا، وحمل خطايانا في جسده على الخشبة. وكما كان الأمر حينئذ، هكذا الآن: كثيرًا ما يمرّ طريق النجاح الحقيقي في أعمق الآلام؛ ولأتباع المسيح أن يرضوا بالطريق الذي سلكه هو.

ولكن وإن لم يكن هذا النجاح ظاهرًا في الحال، فإنّه حقيقي دائمًا، وينبغي أن يُطالب به بالإيمان دائمًا. الخادم في كنيسته، والمرسل بين الوثنيين، والتاجر إلى مكتبه، والأمّ في بيتها، والعامل في كدّه، كلّ واحد منهم يستطيع أن يطالب به على حدّ سواء. فليس عبثًا ما كُتب: «كُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ».

سادسًا: وأخيرًا، لنلاحظ أنّ هذه المواعيد كلّها بصيغة الخبر، وأنّها، متى تمّت الشروط، مطلقة. فليس فيها «ربّما». ثمّ إنّها مقطوعة لكلّ مؤمن بمفرده. فإن أخفق مؤمنون آخرون، فمن يقبلها لن يخفق؛ فالكلمة هي: «كُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ».

المقابلة.

«لَيْسَ كَذَلِكَ ٱلْأَشْرَارُ».

لا حاجة إلى الإطالة في الكلام عن المقابلة. فالأشرار لا يستطيعون أن يتمتّعوا بسعادة ولد الله، لأنّهم لا يستطيعون أن يتمّموا الشروط. فهم لا يستطيعون، ولا يرغبون، أن يتجنّبوا مشورة أمثالهم أو صحبتهم أو طرقهم؛ ويعوزهم البصر الروحي الذي لا غنى عنه للمسرّة بكلمة الله. وبدلًا من أن يكونوا ممتلئين حياة كالسنبلة الغضّة، يصيرون قساة يابسين؛ والشمس نفسها التي تُنضج الواحدة تُعدّ الأخرى للهلاك. وبدلًا من أن يكونوا «مغروسين»، تذرّيهم الريح؛ والذي يُسرّ بطريق شعبه يجعل طريق الأشرار تهلك.

الشواهد الكتابية في هذه العظة مزمور 1

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.