عظة · قراءة 13 د
الشدّة المباركة
Hudson Taylor النص
مزمور 23:6
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
إن كان الخير والرحمة يتبعان المؤمن كلّ أيّامه، فأيّام الشدّة هي أيضًا أيّام بركة. يقرأ تايلور نوائب أيّوب على أنّها من صنع الله لا من صنع الشيطان — فالعدوّ خادمٌ لا سيّد قطّ — ويحثّ القارئ أن يأخذ كلّ حزنٍ من يد أبٍ، أيًّا كان من حمله إليه.
في تأمّلاتنا في المزمور الأوّل وقفنا طويلًا عند «النجاح المبارك». غير أنّ معاملات الله كلّها، لا بعضها فحسب، مملوءة بركةً: فهو صالحٌ ومحسن، لا يصنع إلّا الخير، ولا يزال يصنعه على الدوام بلا انقطاع. والمؤمن الذي اتّخذ الربّ راعيًا له يستطيع أن يقول بكلّ ثقة ويقين بكلمات المزمور الثالث والعشرين: «إنّما خيرٌ ورحمةٌ يتبعانني كلّ أيّام حياتي، وأسكن في بيت الربّ إلى مدى الأيّام»؛ أو، إن نحن أخذنا بالقراءة الهامشيّة التي في الترجمة المنقّحة: «لا يتبعني إلّا الخير والرحمة». ومن ثمّ نستطيع أن نوقن كلّ اليقين أنّ أيّام الشدّة إنّما هي بعدُ أيّام نجاحٍ أيضًا، وأنّها هي كذلك مملوءة بركة.
وليس المؤمن في حاجة إلى أن ينتظر حتى يرى علّة معاملات الله المؤلمة معه ليطمئنّ قلبه ويستريح؛ فهو يعلم أنّ كلّ الأشياء تعمل معًا للخير للّذين يحبّون الله؛ ويعلم أنّ معاملات الله كلّها إنّما هي معاملات أبٍ محبّ، لا يسمح بما هو في الوقت الحاضر محزنًا إلّا لكي يتمّم به نتائج لا سبيل إلى بلوغها بأيّ طريق آخر أقلّ إيلامًا منه. أمّا أولاد الله الحكماء الواثقون فإنّهم يفتخرون في الضيقات، «عالمين أنّ الضيق يُنشئ صبرًا»، والصبر تزكية، والتزكية رجاءً — رجاءً «لا يُخزي، لأنّ محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا».
وإنّ تاريخ أيّوب لمملوءٌ تعليمًا، وحقُّه أن يعلّمنا دروسًا كثيرة بالغة الطرافة عظيمة النفع. فههنا يُرفع الحجاب عن العالم غير المنظور، فنتعلّم الكثير عن قدرة خصمنا العظيم وسلطانه؛ ولكنّنا نتعلّم أيضًا الكثير عن عجزه هو وضعفه متى لم يأذن له الله أبونا بشيء.
في العدد الثامن من الأصحاح الأوّل يشهد الله نفسه لعبده هذه الشهادة: «ليس مثله في الأرض. رجلٌ كاملٌ ومستقيم، يتّقي الله ويحيد عن الشرّ». وفي الأصحاح الثاني والعدد الثالث يعيد الشهادة عينها، ويزيد عليها قوله: «وإلى الآن هو متمسّكٌ بكماله، وقد هيّجتني عليه لأبتلعه بلا سبب». وقلّما يستطيع المرء أن يتصوّر للحياة التي أهّلت نعمةُ الله أيّوبَ أن يحياها شهادةً أقوى من هذه الشهادة. فالتأديب الذي حلّ به مشهودٌ له أنّه كان بلا سبب، من جهة حياته ومن جهة روحه على السواء. فلنشكر الله أنّ النعمة عينها التي أهّلت أيّوب، منذ ذلك الزمن البعيد، أن يحيا حياةً أرضت الله ونالت من فمه المدح مرّة بعد مرّة، هي هي لم تتغيّر ولم تتبدّل؛ وأنّنا بها نستطيع نحن أيضًا أن نحيا حياةً تكون مرضيّة عند ذاك الذي معه أمرنا.
وكثيرًا جدًّا ما يضايق الشيطان المؤمن ويؤرّقه في أوقات الحزن والتجربة، إذ يحمله على أن يظنّ أنّ الله غاضب عليه — وأنّ ما أصابه إنّما هو قصاصٌ على ذنبٍ لا يعرفه؛ وهكذا تتلبّد بالغيوم تعزياتٌ وتسليات كثيرة كان يمكن للمؤمن أن يتمتّع بها لولا ذلك. أفلا نرى بالحريّ من كلمة الله أنّه أشبه بأبٍ مغتبط مسرور، يسرّه أن يقدر أن يشجّع ابنًا قويًّا صحيح البنية على أن يخوض مباراة رياضيّة من المباريات تقتضي منه جهدًا شاقًّا وتمرينًا دقيقًا، أو أن يحثّه على الاستعداد لامتحان أدبيّ عسير بدرسٍ طويل متعب، وهو يعلم أنّه سينال بما يبلغه من التحصيل شرفًا ونفعًا دائمًا لا يزول؟ هكذا أبونا السماويّ يسرّه أن يأتمن ولدًا أمينًا على تجربة يقدر فيها أن يمجّد الله تمجيدًا عظيمًا، وينال بها اتّساعًا دائمًا في القلب، وبركةً لنفسه ولغيره.
خذ حالة إبراهيم: لقد وثق الله به ثقة تامّة، حتى لم يخشَ أن يدعو عبده إلى أن يصعد ابنه الحبيب محرقة. وها هنا، في حالة أيّوب، لم يكن الشيطان هو الذي تحدّى الله في أمر أيّوب، بل الله هو الذي تحدّى العدوّ الأكبر، المشتكي على الإخوة، أن يجد عيبًا في خُلقه أو زللًا في حياته. وفي كلتا الحالتين انتصرت النعمة، وفي كلتيهما كوفئ الصبر والأمانة مكافأة غنيّة؛ ولكنّ لهذا حديثًا آخر بعد قليل.
وجواب الشيطان جديرٌ بالملاحظة. فهو لم يحتج أن يسأل: «أيّ أيّوب؟» أو: «أين يسكن؟» فقد كان قد جعل قلبه على عبد الله، وواضحٌ أنّه كان يعرف عنه كلّ شيء. فمن أين جاءته هذه المعرفة الوثيقة بهذا الرجل الأمين، رجل الله؟ لعلّ الأمر جرى على هذا النحو: إنّ أرواح الشرّ الدنيا، التي يظهر أنّها تحت إمرة الشيطان، كانت قد جرّبت مع هذا الأب الجليل وسائل التجربة المعتادة فلم تُفلح. ولعلّها رفعت خبر إخفاقها إلى بعض رؤساء الشرّ وسلاطينه، فجرّب هؤلاء بدورهم فنونهم الشيطانيّة، فلم ينجحوا هم أيضًا في حمل أيّوب على أن يحيد عن كماله. وأخيرًا وجد العدوّ الأكبر بنفسه أنّ جهوده كلّها عاجزة عن مضايقة عبد الله الحبيب وإضلاله. فقد وجد سياجًا حوله، وحول عبيده، وحول بيته، وحول كلّ ما له من كلّ ناحية — حصنًا من المنعة بحيث لم يستطع أن يخترقه، ومن العلوّ بحيث لم يستطع، وهو يجول كأسدٍ زائر، أن يثب فوقه، ولا أن يُدخل بليّة إلى داخل الدائرة التي يحرسها الله.
فما أعظم البركة في أن يسكن المرء في مثل هذه الحماية! لقد بارك الله عمل يدي أيّوب، فانتشرت مواشيه في الأرض، وصار أعظم بني المشرق كما كان أفضلهم؛ لأنّ الله في ذلك الزمان كان يُظهر رضاه في الأكثر — وإن لم يكن في ذلك وحده — بإفاضة البركات الزمنيّة.
أفليست هناك بركة روحيّة نظيرة يمكن التمتّع بها في أيّامنا هذه؟ الشكر لله، بلى، هناك. فكلّ مؤمن يستطيع أن يُحفظ في مثل ذلك الأمان وأن يُبارَك بمثل ذلك التمام كما حُفظ أيّوب وبورك، وإن لم يكن ذلك على الوجه عينه — يستطيع أن يُنقذ من سلطان العدوّ، وأن يُصان في دائرة محروسة من سلام كامل. والشروط بسيطة، وقد أعطانا إيّاها الرسول بولس في الأصحاح الرابع من رسالة فيلبّي، الأعداد 4-7: «افرحوا في الربّ كلّ حين… ليكن حلمكم [أي وداعتكم ولينكم] معروفًا عند جميع الناس. الربّ قريب». فليست العبرة بقدرتك على مقاومة الشرّ وعلى «الدفاع عن حقوقك»، بل بروح اللين فيك، وأنت مؤمن أنّ الربّ سيحفظ لك كلّ ما هو لخيرك حقًّا؛ وأنّه على كلّ حال قريبٌ، وسيكافئ عمّا قليل مكافأة غنيّة كلّ أمانة لوصيّته. وأخيرًا: «لا تهتمّوا بشيء، بل في كلّ شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلَم طلباتكم لدى الله. وسلام الله الذي يفوق كلّ عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع».
فكيف يخفق المؤمنون هذا الإخفاق المتكرّر في التمتّع بهذه البركة الموعودة؟ أليس ذلك لأنّنا نخفق في ألّا نهتمّ بشيء، وفي أن نرفع كلّ شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر أمام الله؟ فقد نحمل إليه تسعًا من كلّ عشر مصاعب، ونحاول أن ندبّر العاشرة بأنفسنا؛ وتلك الصعوبة الصغيرة الواحدة، كالثقب اليسير الذي يستنزف السفينة شيئًا فشيئًا حتى تجفّ، هي قاتلة للأمر كلّه؛ وهي كثغرة صغيرة في سور المدينة، تفتح المدخل لقوّة العدوّ. أمّا إن نحن أتممنا الشروط، فهو أمينٌ لا محالة؛ وعوض أن يكون علينا نحن أن نحفظ قلوبنا وأفكارنا — أي عواطفنا وخواطرنا — نجدها هي محفوظة لنا. فالسلام الذي لا نقدر نحن أن نصنعه ولا أن نحفظه هو نفسه، كحاميةٍ مرابطة، يحفظنا ويحمينا؛ وتحاول الهموم والاهتمامات أن تدخل علينا فلا تستطيع.
ونعود إلى تاريخ أيّوب: فالمشتكي العظيم، إذ لم يجد في خُلقه ولا في حياته مغمزًا، يلمّح إلى أنّ ذلك كلّه ثمرة حبّ الذات: «هل مجّانًا يتّقي أيّوب الله؟» وحقًّا لم يكن يتّقيه مجّانًا، والشيطان يعلم ذلك حقّ العلم! ولا اتّقى أحدٌ قطّ، قبله ولا بعده، الله مجّانًا. فما من خدمةٍ يعود أجرها بمثل ما يعود أجر خدمة سيّدنا السماويّ؛ وما من خدمةٍ تُكافأ مكافأة ملوكيّة كهذه. لقد كان الشيطان يقرّر أمرًا صادقًا، ولكنّ التلميح الذي قرنه به — أنّ أيّوب إنّما كان يعبد الله من أجل هذا الأجر — لم يكن صادقًا.
ولكي تظهر براءة أيّوب نفسه ويتبيّن خُلُقه على حقيقته أمام ملائكة الله كما أمام أرواح الشرّ، أُذن للشيطان أن يمتحن أيّوب، وأن ينزع عنه تلك الكنوز التي من أجلها وحدها توهّم الشيطان — أو تظاهر بأن يتوهّم — أنّ أيّوب إنّما كان يعبد الله. قال الله: «هوذا كلّ ما له في يدك، وإنّما إليه لا تمدّ يدك».
وسرعان ما أظهر الشيطان ما في طبعه من خبثٍ وحقد، إذ جلب على ذلك الرجل التقيّ المتفاني بليّة إثر بليّة، ونكبة في أثر نكبة. فبأعوانه أثار السبئيّين، فوقعوا على البقر والأتن الراعية بجانبها، وضربوا الغلمان بحدّ السيف، ولم يدعوا إلّا واحدًا منهم ينجو — وليس ذلك عن رأفةٍ به ولا عن شفقة، بل ليحمل الخبر إلى سيّده التعِس، فيخبره بهلاك ماله وغلمانه جميعًا. ويظهر أنّ الشرّير كان له أيضًا سلطان أن يُنزل البرق من السماء، فأُهلك به الغنم والغلمان القائمون على رعايتها هلاكًا تامًّا. وهنا أيضًا لم يُترك من هؤلاء إلّا غلامٌ واحد، ليزيد هو أيضًا برسالته من كربة رجل الله المنكوب.
ثمّ عمل العدوّ في جهة أخرى من الجهات، فسِيقَ الكلدانيّون إلى أن يأتوا ثلاث فرق، فيسبوا جمال أيّوب ويستاقوها، ويضربوا الغلمان كلّهم بحدّ السيف، ما خلا الواحد الذي تُرك ليحمل هو أيضًا الخبر الرديء. وكأنّ هذا كلّه لم يكن كافيًا في نظره، فحتى أولاد أيّوب أنفسهم — بنوه السبعة وبناته الثلاث، وهم أولاد صلواتٍ كثيرة — جُرفوا بضربة واحدة، بإعصارٍ رهيب هبّ من البرّيّة، فصدم زوايا البيت الأربع جميعًا فسقط عليهم، ولم يُترك من أهل البيت إلّا غلامٌ واحد ليشهد هو أيضًا بالمصيبة. ولم يبقَ لأيّوب من أهله كلّهم، فيما يظهر، إلّا واحدة: امرأته. ولكنّها، بدل أن تكون له عونًا وسندًا روحيًّا في ساعة الحزن والتجربة هذه، فقدت هي نفسها إيمانها بالله وثقتها به؛ ولمّا حلّت به بليّة أخرى بعد ذلك، وصار في ألمٍ جسديّ شديد وفي بلاء، زِيد على محنته وبلائه كلامُ امرأته اليائسة القانطة: «بارك الله ومت!» ونرى من هذا أنّها هي أيضًا لم تُترك لأيّوب رحمةً من العدوّ العظيم ولا شفقة، بل لكي تُملأ كأس البلوى إلى آخرها وتُترع في ساعة ضيقه وشدّته.
ولكنّ الذي أرسل التجربة هو نفسه الذي أعطى أيضًا النعمة اللازمة لاحتمالها؛ فأجاب أيّوب بتلك الكلمات عينها التي سبق أن اقتبسناها في أوّل الحديث: «الربّ أعطى والربّ أخذ، فليكن اسم الربّ مباركًا».
أفكان أيّوب مخطئًا في قوله هذا؟ أما كان ينبغي له أن يقول: «الربّ أعطى والشيطان أخذ»؟ كلّا، لم يكن ثمّة خطأ البتّة. فالنعمة عينها التي أهّلته أن يقبل البركة من يد الله من غير أن يلحقه منها ضرر، هي التي أهّلته أيضًا أن يتبيّن يد الله عينها في النوائب التي حلّت به. حتى الشيطان نفسه لم يجترئ أن يسأل الله أن يُؤذن له أن يبتلي أيّوب بنفسه. ففي الأصحاح الأوّل والعدد الحادي عشر يقول: «ابسط يدك الآن ومسّ كلّ ما له، فإنّه في وجهك يجدّف عليك»؛ وفي الأصحاح الثاني والعدد الخامس: «ابسط الآن يدك ومسّ عظمه ولحمه، فإنّه في وجهك يجدّف عليك». كان الشيطان يعلم أنّه ليس أحد سوى الله يقدر أن يمسّ أيّوب؛ فلمّا أُذن للشيطان بعد ذلك أن يبتليه، كان أيّوب مصيبًا كلّ الإصابة إذ عرف الربّ نفسه فاعلًا لهذه الأمور التي سمح هو بأن تُفعل.
وكثيرًا ما نُعان ونُبارَك إن نحن ذكرنا هذا الأمر ولم ننسه: أنّ الشيطان خادم لا سيّد، وأنّه هو والأشرار الذين يهيّجهم إنّما يُؤذن لهم أن يفعلوا ما سبق الله فحتمه بمشورته المحتومة وعلمه السابق أن يكون. فليأتِ الفرح أو ليأتِ الحزن، لنا في كلّ حين وفي كلّ حال أن نأخذه من يد الله.
أسلم يهوذا سيّده بقبلة. ولم يقف ربّنا عند يهوذا ولم يكتفِ به، بل لم يقف حتى عند العدوّ العظيم الذي ملأ قلب يهوذا ليصنع هذا الأمر؛ بل قال: «الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها؟» فما أسرع ما يزول من النفس ميلها إلى الحقد وما فيها من شعور خاطئ، لو أنّنا أخذنا الأذيّة من يد أبٍ محبّ، بدل أن ننظر بالدرجة الأولى إلى الأداة التي جاءتنا الأذيّة على يدها! فلا يهمّ من يكون ساعي البريد — إنّما شأننا نحن مع كاتب الرسالة؛ ولا يهمّ من يكون الرسول الذي حملها إلينا — إنّما مع الله وحده لأولاده أن يتعاملوا.
ونخلص من ذلك إلى أنّ أيّوب لم يكن مخطئًا، وأنّنا نحن لن نكون مخطئين إن نحن اقتفينا أثره، فقبِلنا معاملات الله التدبيريّة كلّها على أنّها منه هو. ولنا أن نوقن أنّها ستنتهي بنا إلى بركة في الآخرة؛ لأنّ الله هو الله، ومن ثمّ فإنّ «كلّ الأشياء تعمل معًا للخير» للّذين يحبّونه.
على أنّ تجربة أيّوب لم تكن قد تمّت بعدُ، كما رأينا، بنزع أملاكه عنه. فلمّا تحدّى الربّ الشيطان مرّة ثانية قائلًا له: «هل جعلت قلبك على عبدي أيّوب…؟» لم تكن عند الشيطان كلمة مدحٍ واحدة يقولها، بل تلميح آخر أشرّ من الأوّل: «جلدٌ بجلد، وكلّ ما للإنسان يعطيه لأجل نفسه… مسّ عظمه ولحمه، فإنّه في وجهك يجدّف عليك». وإذ نال من الربّ إذنًا آخر أن يبتليه في جسده هذه المرّة، مع الوصيّة أن يحفظ نفسه ولا يمسّها، خرج الشيطان من حضرة الربّ، وضرب أيّوب بقرحٍ رديء من باطن قدمه إلى هامته.
لا بدّ أنّ ألم مرضه وبشاعة منظره كانا عظيمين جدًّا؛ فلمّا جاء أصحابه من بعيد لينظروه لم يعرفوه البتّة. فقد تشقّق جلده وصار كريهًا تعافه العين، ولبس لحمه الدود مع مدر التراب. وتعاقبت عليه أشهر السوء وليالي الشقاء، الواحدة في أثر الأخرى، في تتابع محزن؛ فكانت راحته في الليل تُراع بالأحلام وتُرهب بالرؤى؛ حتى إنّه، إذ لم تكن له هوادة ولا فترة، صار الخنق عنده راحة، واختار الموت على الحياة. ولكن لم يكن على حياته من خطر، لأنّ الشيطان كان قد أُوصي ألّا يمسّ نفسه.
وخذله أقاربه الأدنون، ويظهر أنّ الذين عرفوه من أصدقائه الحميمين قد نسوه. وحسبه نزلاء بيته أجنبيًّا عنهم، وصار في أعينهم غريبًا، ولم يجبه عبده حين دعاه وتضرّع إليه بفمه طالبًا منه العون. بل — وهو أمرّ من ذلك كلّه — انصرفت عنه امرأته هي أيضًا وتحوّلت، فصرخ في حزنه قائلًا: «نكهتي مكروهة عند امرأتي، وخممت عند أبناء أحشائي». فلا عجب أنّ الناظرين إليه ظنّوا أنّ الله نفسه قد صار له عدوًّا.
ولكنّ الأمر لم يكن كذلك في الحقيقة. فقد كان الله يراقبه طول الوقت بمحبّة أبٍ حنون رقيق القلب؛ ولمّا دام الامتحان من الزمن ما يكفي لإظهار قوّة نعمة الله والشهادة لها، ولإعداد أيّوب نفسه لبركة أوفى وأغنى، رُفعت عنه البلايا كلّها؛ وأُنعم عليه، عوض التجربة الوقتيّة، بترنّم النجاة.
ولم تكن البركة التي أعطاها الله لعبده بركة صغيرة ولا يسيرة. ففي زمن البلوى هذا، الذي لعلّه لم يطل كثيرًا، تعلّم أيّوب دروسًا عجزت حياة النجاح كلّها عن أن تعلّمه إيّاها. فصُحّحت له الأخطاء التي كان قد وقع فيها في عجلة روحه؛ وتعمّقت معرفته بالله وازدادت واتّسعت؛ وتعلّم أن يعرفه معرفة أفضل ممّا كان يمكن أن يبلغه بأيّ طريق آخر. فهتف أنّه كان قد سمع عنه من قبل بسمع الأذن، وأنّه إنّما كان يعرف الله بالخبر المنقول وحده؛ وأمّا الآن فقد رأته عينه، وصارت معرفته بالله ثمرة اختبار شخصيّ ومعاينة، لا مجرّد رواية يتناقلها الناس. وذهب برّه الذاتيّ كلّه ولم يبقَ منه شيء: فرفض نفسه وندم في التراب والرماد.
ثمّ لمّا صلّى أيّوب لأجل أصحابه، رفع الربّ عنه الحزن، وردّ إليه محبّة أولئك الذين كانوا قد تنكّروا له إلى حين وصداقتهم، وبارك آخرة أيّوب أكثر من أولاه. فتضاعف ما كان له من الغنم والجمال والبقر والأتن. وأُعطي من جديد سبعة بنين وثلاث بنات، فتضاعف بذلك عدد أولاده هو أيضًا؛ لأنّ الذين ماتوا منهم لم يكونوا قد ضاعوا ولا فُقدوا، إنّما كانوا قد سبقوه إلى هناك فحسب. وبعد هذا كلّه عاش أيّوب 140 سنة، ورأى بنيه وبني بنيه من بعدهم إلى الجيل الرابع؛ ثمّ مات في آخر الأمر شيخًا وشبعان الأيّام.
أفلا يحقّ لنا إذًا أن نقول إنّه إن كان نجاح أيّوب نجاحًا مباركًا، فإنّ شدّته كذلك كانت شدّة مباركة؟ «عند المساء يبيت البكاء، وفي الصباح ترنّم»؛ وليل البكاء يحمل ثمرًا أغنى وأبقى ممّا يقدر أن ينتجه أيّ نهار من أنهار الفرح والابتهاج. «وكان مساءٌ وكان صباحٌ يومًا واحدًا». فالنور الخارج من الظلمة هو ترتيب الله ونظامه؛ وإذا استطاع أبونا السماويّ أحيانًا أن يأتمننا نحن على تجربة، فتلك علامة أكيدة لا تخيب أنّه، إن قُبلت التجربة بالنعمة، سيأتمننا عمّا قليل على بركة.
وفي هذا الزمان، الذي كثر فيه الوقوف عند الأسباب المادّيّة حتى صار يُخشى أن تُنسى العوامل غير المنظورة، لا يغيبنّ عنّا وجود أعدائنا الروحيّين غير المنظورين وحقيقتهم. فكم من ابن لله يعرف ما هو الصراع المرّ مع اللحم والدم؛ ومع ذلك، كما يقول الرسول: «فإنّ مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحم، بل مع… أجناد الشرّ الروحيّة في السماويّات» (بحسب الهامش). ولكان من اليسير نسبيًّا أن نعالج أعداءنا المنظورين، لولا أنّ وراءهم أعداء غير منظورين. وإذ كان أعداؤنا بهذه القوّة، وبحيث لا سبيل إلى مقاومتهم البتّة إن نحن فارقنا حماية الله الحافظة، لكنّا لا محالة عاجزين لو تُركنا بلا وقاية ولا سلاح.
إنّنا نحتاج إذًا أن نلبس سلاح الله الكامل كلّه، وألّا نجهل أفكار الشيطان ولا مكايده. ولكن، من الجهة الأخرى، لا يغيبنّ عن أعيننا ذلك الحقّ الثمين: أنّ الله وحده لا سواه هو القادر على كلّ شيء؛ وأنّ الله هو معيننا وحامينا وترسنا، كما أنّه هو أيضًا أجرنا العظيم جدًّا. «إن كان الله معنا، فمن علينا؟» فلنكن دائمًا في صفّه هو ومن حزبه، طالبين أن نتمّم مقاصده ونجري وراءها؛ فحينئذ تكون قوّة الله معنا على الدوام، ويعظم انتصارنا بالذي أحبّنا.
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.