النص
راعوث 2:12
باختصار
يبارك بوعز راعوث، التي تركت أباها وأمّها وأرض مولدها لتحتمي تحت جناحي إله إسرائيل، داعيًا أن يعطيها الربّ أجرًا كاملًا. ويقرأ تايلور قصّتها رمزًا للنفس التي تترك كلّ شيء لتتّكل على الله، ويجد أنّ الله لا يبقى مدينًا لأحد.
«إِنَّنِي قَدْ أُخْبِرْتُ بِكُلِّ مَا فَعَلْتِ ... حَتَّى تَرَكْتِ أَبَاكِ وَأُمَّكِ وَأَرْضَ مَوْلِدِكِ وَسِرْتِ إِلَى شَعْبٍ لَمْ تَعْرِفِيهِ مِنْ قَبْلُ. لِيُكَافِئِ ٱلرَّبُّ عَمَلَكِ، وَلْيَكُنْ أَجْرُكِ كَامِلًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ ٱلَّذِي جِئْتِ لِكَيْ تَحْتَمِيَ تَحْتَ جَنَاحَيْهِ» (راعوث 2:11-12).
في هذه القصة الشائقة مثال آخر على الطريقة التي يعلّمنا بها الروح القدس بواسطة سِيَر رمزية. وقد تأمّلنا من قبل في بعض الدروس الثمينة التي نتعلّمها عن ملكنا من خبر مجيء ملكة سبأ إلى الملك سليمان. هناك تعلّمنا على وجه خاصّ كيف تُحلّ مسائلنا الصعبة، وكيف تشبع قلوبنا شبعًا تامًّا. أمّا هنا فيُعطى لنا درس أسمى: كيف نخدم حتى ننال «أجرا كاملا»، فضلًا عن نور غير قليل يُلقى على طبيعة ذلك الأجر الكامل.
ولهذه الدروس عندنا أهمية خاصّة لتعلّقها بالإرساليات إلى الأمم الأجنبية، ولعلّها تفسّر بعض الشيء لماذا قال ذاك الذي يُسرّ بأن يبارك، والقادر أن يبارك النفس المطيعة، بكلّ هذا التوكيد: «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلْأُمَمِ»؛ «ٱذْهَبُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ أَجْمَعَ». إنّ خدمة الله امتياز مبهج في كلّ مكان. غير أنّ الذين يبقون في أوطانهم يحتاجون أن يصيروا فيها غرباء ونزلاء. وليس هذا سهلًا دائمًا في أيّامنا هذه، فكثيرون يخفقون وينسون مركزهم الحقيقي. أمّا الذين يُسمح لهم بأن يتعبوا في بلاد غريبة فالخطر عليهم في هذا الأمر أقلّ، ولذلك ينال كثيرون منهم في خدمتهم الحاضرة فرحًا أوفر، ويتطلّعون إلى أجر آتٍ أوفر، ممّا توقّعوا قبل أن يتركوا كلّ شيء من أجل يسوع.
كانت راعوث بالطبيعة «أجنبية عن رعوية إسرائيل»، لكنّها بزواجها من رجل إسرائيلي أُدخلت في وسط ذلك الشعب. ولمّا مات زوجها ظلّت ملتصقة بحماتها وبإلهها، إله إسرائيل. وقد قدّرت مركزها المميّز حتى إنّها تركت من أجله أرض مولدها وكلّ مباهجها، وتركت أبويها وأقرباءها وأصدقاءها، وكلّ تلك المغريات التي جعلت عرفة ترجع إلى موآب. فقد رأت أنّ كونها رفيقة لحماتها، على فقرها ووحشتها، خير لها من أن تتمتّع إلى حين بما كان يمكن أن يكون لها في موآب.
وكانت هذه التضحية حقيقية إلى حدّ أنّ نعمي، مع شدّة محبّتها لكنّتها، ومع الوحشة التي كانت ستعانيها من دونها، شعرت بأنّها لا تستطيع أن تتمنّاها لها من أجل نفسها فقط؛ ولكن لمّا قالت راعوث: «شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلَهُكِ إِلَهِي»، لم يبقَ عندها شكّ تثيره، ولا عائق تضعه في طريقها. فإن كانت رفقة واحدة من خدّام الله الفقراء ثمينة إلى هذا الحدّ، فماذا نقول لذاك الذي يحثّنا قائلًا: «فَٱذْهَبُوا ... وَهَا أَنَا مَعَكُمْ»؟ أليس كأنّه يقول: الراعي الصالح لا بدّ أن يطلب الخراف الضالّة حتى يجدها. فاذهبوا أنتم أيضًا واطلبوها، وبذلك تجدون رفقتي مضمونة لكم؟ أفنرفض هذه الشركة معه، ونتركه، على قدر ما يتعلّق الأمر بنا، يطلبها وحده؟
ثمّ نجد راعوث تكدّ تحت الشمس المحرقة لاقطةً للسنابل، وهناك تلتقي أوّل مرّة بسيّد الحصاد. إنّ جمال الخبر عن بوعز وهو يحيّي حصّاديه بقوله: «ٱلرَّبُّ مَعَكُمْ»، وجوابهم له: «يُبَارِكُكَ ٱلرَّبُّ»، لا بدّ أن يُبهج كلّ قارئ. وراعوث المسكينة أيضًا، مع أنّها ليست حاصدة بل لاقطة فقط، تلقى أحرّ ترحيب، وتُشجَّع على البقاء في حقول بوعز حتى ينتهي الحصاد كلّه. وببساطة مؤثّرة واتّضاع تجيب اللاقطة الشاكرة: «كَيْفَ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَيَّ وَأَنَا غَرِيبَةٌ؟» فيجيبها سيّد الحصاد بالكلمات التي أوردناها في صدر هذه المقالة: «إِنَّنِي قَدْ أُخْبِرْتُ بِكُلِّ مَا فَعَلْتِ» إلخ.
فلنتحوّل إذن من بوعز إلى ربّ الحصاد الحقيقي. هل يلقانا نحن هناك، نكدّ في حرّ شمس الصيف؟ وإذ يعرف تمامًا كلّ ما عملناه نحن، هل تجلب تلك المعرفة فرحًا إلى قلبه هو؟ وهل هو فرح لنا أن نعلم أنّه يعلم كلّ شيء؟ إنّ ربّنا القائم المجيد، الموصوف وصفًا عجيبًا في رؤيا 1، لا يزال يمشي في وسط المناير الذهبية. فهل يستطيع أن يقول لنا: «أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ» من دون كلمة توبيخ؟ أم نشعر بحمرة الخجل وعينه، وهي «كَلَهِيبِ نَارٍ»، مستقرّة علينا؟ «وَٱلْآنَ أَيُّهَا ٱلْأَوْلَادُ، ٱثْبُتُوا فِيهِ، حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلَا نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ».
فلنترك جميعًا أرض آبائنا التي هي العالم، ولنصر فيه على الأقلّ غرباء ونزلاء. ولنتعب جميعًا بطريقة أو بأخرى في حقل الحصاد العظيم، وإن جاز لنا ذلك، فلا نتباطأ في طاعة الأمر: «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلْأُمَمِ». وحيث تكون الحاجة أعظم فلنوجد هناك مطيعين بفرح أمر السيّد. فإنّنا إنّما نجده في حقل الحصاد، وبين الحصّادين.
ليست هناك خدمة مسيحية لا يحتاج فيها الإيمان إلى أن يكون في عمل حيّ نشيط. في الوطن أو في الخارج، في هذا الفرع من عمل الله أو ذاك، بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه. قد يغرس بولس ويسقي أبلوس، أمّا الله وحده فيُنمي. كلّ خادم حقيقي لله، وكلّ مرسَل حقيقي، وكلّ معلّم حقيقي في مدرسة الأحد، وكلّ عامل مسيحي، هو عامل بالإيمان. ولكنّ العاملين في الحقل الأجنبي مُلقَون على الله بوجه خاصّ. فهناك أخطار ومصاعب خاصّة، وضعفات وحاجات خاصّة، تُقرّب الله جدًّا، أقرب ممّا عرفه أكثر العاملين حين كانوا في أوطانهم. وللذين خرجوا بلا ضمان بشري لإعالتهم، ولا يعرفون متى تصلهم المعونة التالية ولا مقدارها، رباط إضافي بقلب أبينا وإلهنا العظيم المحبّ، ثمين ومرحَّب به فوق ما يوصف.
ألا يحقّ لنا أن نقول إنّنا في كلّ ظرف من ظروف الحياة، حين نكون ضعفاء في أنفسنا وفي أصدقائنا وفي أحوالنا، نكون حينئذ أقوى ما نكون فيه؟ وحين نتمسّك بالله في حاجاتنا العظيمة، لأنفسنا أو للنفوس من حولنا، ونقول: «إِنَّمَا لِلهِ ٱنْتَظِرِي يَا نَفْسِي، لِأَنَّ مِنْ قِبَلِهِ رَجَائِي»، فأيّ راحة وأيّ أمان ويقين يدخل النفس المنتظرة! وآه! حين نتعب بهذه الروح، ما أعمق ما تنفذ إلى القلب كلمات كتلك التي قالها بوعزنا السماوي: «لِيُكَافِئِ ٱلرَّبُّ عَمَلَكِ، وَلْيَكُنْ أَجْرُكِ كَامِلًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ ٱلَّذِي جِئْتِ لِكَيْ تَحْتَمِيَ تَحْتَ جَنَاحَيْهِ». يا لسعادة الكادح في الصين! يا لسعادة الكادح في الوطن! وإن أظلم الطريق أحيانًا، فما الظلّ إلّا ظلّ جناحه، الذي أنت ساكن تحته، والذي جئت لكي تحتمي تحته.
لن نطيل هذا التأمّل. إنّ الذي عزّى اللاقطة الوحيدة وباركها ما دام الحصاد قائمًا، صار زوجها حين انقضى تعب الحصاد. هكذا كافأ الربّ عملها هي. ولم يتبارك إسرائيل بمعزل عنها، فإنّ داود المنقذ، وسليمان مجد إسرائيل، وُلدا من النسل الذي كان لبوعز منها. وعن قريب يأتي اليوم المجيد لعرس المسيح وكنيسته. ومعها سيأتي لينقذ إسرائيل ويدين العالم بل الملائكة أيضًا. لم تكن راعوث تعلم إلّا قليلًا عن الكرامة والسعادة اللتين كانتا تنتظرانها حين تركت كلّ شيء من أجل الله وشعبه. أمّا نحن فنعلم مقاصد نعمة الله والأمجاد المذخرة لنا. فأيّ أناس ينبغي أن نكون إذن، وكم ينبغي أن نكون غيورين أمناء في الوقت القصير الباقي لنا قبل أن نُدعى إلى أجرنا، وإلى ملاقاته في الهواء؟ حين يقول هو: اذهبوا! أنجيبه: لا؟ وحين يطلب منّا أن نبقى في حصاده حتى ينتهي الحصاد، أنقول له: كلّا؟
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.