من بين كل الوصايا التي أعطاها يسوع، قليلة هي التي تُدهش، أو تصعب، مثل هذه الوصية: أحبّوا أعداءكم. إنها تسير عكس كل غريزة طبيعية فينا. فحين يسيء إلينا أحد، نريد أن نردّ الإساءة، أو على الأقل أن نحجب عنه حسن نيّتنا. لكن يسوع يدعو أتباعه إلى أمر يكاد العالم لا يفهمه: أن يحبّوا بالفعل، ويباركوا، ويصلّوا لأجل الناس أنفسهم الذين يجرحونهم. «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى 5:44-45). ليست هذه نصيحة للمتقدّمين روحيًّا؛ بل علامة على معنى الانتماء إلى الله. وإليك ما تعنيه، وكيف يمكن أن تُطاع بالنعمة.

ما تعنيه محبة الأعداء، وما لا تعنيه

أولًا، علينا أن نفهم الوصية فهمًا صحيحًا. محبة الأعداء لا تعني أن تكون لديك مشاعر دافئة تجاه من يؤذونك، ولا أن تتظاهر بأن الخطأ ليس خطأ، ولا أن تعرّض نفسك بتهوّر لإساءة مستمرّة. فالمحبة التي يوصي بها يسوع ليست عاطفة بل قرار: اختيار راسخ لطلب خير الآخر، مهما كانت مشاعرنا. ويشرحها يسوع بالأفعال: «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ» (لوقا 6:27-28).

لاحظ أن هذه كلها أمور نفعلها، لا مجرّد أمور نشعر بها: نُحسن، ونبارك، ونصلّي. وهذا يحرّرنا إلى حدّ بعيد، لأنه يعني أننا نستطيع أن نطيع حتى حين تغيب المشاعر. قد لا نقدر أن نستحضر مودّة نحو من أساء إلينا، لكننا نستطيع أن نختار أن نتمنّى له الخير، وأن نتكلّم عنه بلطف، وأن نساعده إن احتاج، وأن نصلّي لأجله. والمشاعر كثيرًا ما تتبع الأفعال مع الوقت، لكن الوصية تمسك بالإرادة أولًا.

أحسِن، وارفض الانتقام

تظهر محبة العدو بأوضح صورها في رفض الانتقام وردّ الخير عن الشر. وهذا يسير عكس طبيعتنا إلى حدّ أن الكتاب المقدس يكرّره مرة بعد مرة. «لَا تُجَازُوا أَحَدًا عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ… لَا تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ… لَا يَغْلِبَنَّكَ ٱلشَّرُّ بَلِ ٱغْلِبِ ٱلشَّرَّ بِٱلْخَيْرِ» (رومية 12:17، 19، 21). المسيحي يكسر دائرة الانتقام لا بالضعف بل بقوة أسمى: القوة على أن يمتصّ الإساءة بدل أن يمرّرها.

وهذا عملي إلى أبعد حدّ. فقد يعني أن تردّ على الجواب القاسي بجواب ليّن، أو أن تصنع معروفًا لمن استخفّ بك، أو ببساطة أن ترفض رعاية الضغينة والتخطيط لردّ الصاع. ويصوّر سفر الأمثال ذلك تصويرًا حيًّا: «إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَٱسْقِهِ مَاءً» (أمثال 25:21). حتى الناموس القديم أوصى الإنسان بأن يعين بهيمة عدوّه الشاردة (خروج 23:4-5). محبة الأعداء ليست سلبية؛ إنها تطلب خيرهم بنشاط، وبذلك تنزع سلاح قوة الشر.

اترك العدل والنقمة لله

كيف نتخلّى عن الرغبة في الانتقام؟ لا سبيل إلى ذلك إلا بأن نستودع العدل لله. نحن لسنا مدعوّين إلى أن نتغاضى عن الشر كأنه لا يهمّ، بل إلى أن نسلّم الأمر للديّان الوحيد الذي سيقوّم كل شيء. «لَا تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: ‹لِيَ ٱلنَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ ٱلرَّبُّ›» (رومية 12:19). وهذا ما يجعل محبة العدو ممكنة من دون أن تصير إنكارًا للعدل: نحن نرخي قبضتنا عن الميزان لأننا نثق بأن الله ممسك به.

وهذا يحرّرنا من عبء المرارة الذي يأكل النفس. فعدم الغفران والتعطّش إلى الانتقام قيود ثقيلة، وهي تؤذي من يحملها أكثر مما تؤذي من توجَّه إليه. وحين نضع الإساءة في يدي الله، نصير أحرارًا: أحرارًا لنحبّ، وأحرارًا لنمضي قُدمًا، وأحرارًا من أن يتحكّم فينا ما فعله بنا غيرنا. ويجمع بطرس ذلك كله: «غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِٱلْعَكْسِ مُبَارِكِينَ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ لِكَيْ تَرِثُوا بَرَكَةً» (بطرس الأولى 3:9).

المثال هو الله نفسه، والصليب

لماذا ينبغي أن نحبّ أعداءنا؟ لأن هذه بالضبط هي الطريقة التي أحبّنا بها الله. فيسوع يؤسّس الوصية على صفات الآب، الذي «يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى ٱلْأَشْرَارِ وَٱلصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى ٱلْأَبْرَارِ وَٱلظَّالِمِينَ» (متى 5:45). الله يُفيض لطفه حتى على الذين يرفضونه. وفوق كل شيء، أحبّنا نحن حين كنّا أعداءه: «وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ ٱللهِ بِمَوْتِ ٱبْنِهِ» (رومية 5:10).

الصليب هو الصورة القصوى لمحبة العدو. فبينما كانوا يسمّرونه عليه، صلّى يسوع: «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لوقا 23:34). نحن مدعوّون إلى محبة أعدائنا لأننا كنّا الأعداء الذين أحبّهم الله، ولأننا نتبع مخلّصًا صلّى لأجل صالبيه. أن تحبّ عدوًّا هو أن تتصرّف كأبينا وأن تسير في خطوات ربّنا. بل إن يسوع يجعلها علامة على البنوّة الحقيقية: الشبه العائلي بين الذين ينتمون إلى الله.

لا تكون ممكنة إلا بالنعمة

لنكن صادقين: هذه الوصية فوق طاقتنا بقوتنا الذاتية. فمحبة العدو تسير عكس طبيعتنا إلى حدّ أننا لا نقدر عليها بقوة الإرادة وحدها. إنها محبة فائقة للطبيعة، ولا بدّ أن يمدّنا الله بها. والمحبة نفسها التي نؤمَر بأن نعطيها هي أولًا المحبة التي نلناها: «لِأَنَّ مَحَبَّةَ ٱللهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى لَنَا» (رومية 5:5). نحن نحبّ أعداءنا بمحبة ليست من طبعنا، بل يعطينا إياها الروح.

وهذا يعني أن طريق النموّ في محبة العدو هو أن نعود إلى الله مرة بعد مرة لنطلبها: أن نصلّي لأجل قلب يلين تجاه من أساؤوا إلينا، وأن نتأمّل كم غُفر لنا نحن، وأن نطلب من الروح أن يُنشئ فينا المحبة التي لا نقدر أن نصنعها. والصلاة لأجل العدو كثيرًا ما تكون البداية: فمن الصعب جدًّا أن تستمرّ في كراهية إنسان تصلّي لأجله بإخلاص، وكثيرًا ما يستخدم الله تلك الصلاة ليغيّر قلوبنا نحن بقدر ما يغيّر أيّ شيء آخر. والذين تألّموا ألمًا عظيمًا ومع ذلك غفروا، حتى في أحلك مواضع القسوة البشرية، يشهدون أن هذه المحبة، وإن كانت مستحيلة علينا، ممكنة عند الله.

ما تصنعه محبة العدو

محبة العدو ليست ردًّا ساذجًا أو عديم الجدوى؛ بل هي، في يد الله، ردّ قويّ. إنها تكسر دائرة الانتقام التي لا تنتهي والتي تُبقي الكراهية حيّة، إذ تمتصّ الإساءة بدل أن تمرّرها. وهي تحرس قلوبنا من سمّ المرارة، الذي يؤذي من يحمله أكثر بكثير مما يؤذي من يوجَّه إليه. وهي تحمل شهادة لا يستطيع العالم أن يتجاهلها، فلا شيء يَسِم الإنسان بوضوح بأنه ينتمي إلى الله مثل محبة تمتدّ حتى إلى الذين يسيئون إليه.

بل إن الكتاب المقدس يلمّح إلى أن مثل هذه المحبة قد تكون هي نفسها ما يستخدمه الله لتغيير قلب العدو. «فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ… لِأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هَذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ» (رومية 12:20)، وهي صورة لا عن الانتقام، بل عن لطف غير متوقَّع إلى حدّ أنه يذيب العداوة ويوقظ الخجل، وأحيانًا التوبة. وكثير من الخصوم المتصلّبين رُبحوا لا بالجدال بل بمحبة لا يستحقّونها. نحن لم نُوعَد بأن كل عدوّ سيتغيّر، لكننا وُعدنا بأن المحبة نفسها لا تضيع أبدًا، لأنها محبة الله الجارية من خلالنا إلى عالم في أمسّ الحاجة إليها.

من أين تبدأ

فكيف تبدأ بمحبة عدوّ؟ ابدأ بالصلاة: صلِّ لأجله باسمه، طالبًا من الله أن يباركه وأن يغيّر قلبك أنت. ارفض الانتقام، واترك العدل لله. ابحث عن خير ملموس تستطيع أن تصنعه، مهما كان صغيرًا، واصنعه. احرس لسانك من أن يردّ الشتيمة بالشتيمة. وداوم على النظر إلى الصليب، متذكّرًا أنك أنت أيضًا كنت يومًا عدوًّا، أُحببت وغُفر لك بثمن لا حدّ له.

ويختم يسوع تعليمه في هذا الأمر بدعوة تحبس الأنفاس: «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (متى 5:48)، أي كاملين، في سياق الكلام، في هذا الأمر بعينه: المحبة التي تمتدّ حتى إلى الأعداء. لن نبلغ ذلك بالكامل في هذه الحياة، لكن علينا أن نسعى نحوه، وكل خطوة هي شبه متزايد بالله. إن محبة أعدائك من أوضح العلامات على أن نعمة الله حقيقية فيك: محبة لا يستطيع العالم أن يفسّرها، لأنها آتية من آب لا يعرفه العالم. اطلبها منه، وابدأ.