Richard Baxter — السيرة
1615–1691
وهكذا (بلا وسيلةٍ سوى الكتب) سُرّ الله أن يحسم أمري ويجعلني له.
كان ريتشارد باكستر يعظ كرجلٍ ينتظر الموت — لا على سبيل التعبير المجازيّ، بل قراءةً صريحةً لحال جسده هو. فقد حمل نحو خمسين سنةً من عمره خليطًا من الأمراض عجز أطبّاؤه عن تسميتها وعن شفائها معًا، وكان يبتدئ كلّ عملٍ من أعمال حياته تقريبًا على افتراض أنّه لن يعيش حتى يُتمّه. وقد ظلّ مخطئًا في ذلك نصف قرنٍ من الزمان. وفي غضون ذلك كتب ما يقارب مئةً وستّين كتابًا، وحوّل بلدةَ نسّاجين مستهترةً لاهيةً لا تُبالي إلى واحدةٍ من أشهر الأبرشيات في إنجلترا كلّها، ورفض أسقفيّةً عُرضت عليه، وفقد منبره، وسِيق إلى بين يدَي أقسى قضاة ذلك الزمان. وهو من أغرب الشخصيات وأشدّها إنسانيّةً ممّا أنجبته الكنيسة الإنجليزية: رجلٌ عظيم الحنان لم يستطع أن يكفّ عن الجدال، وصانع سلامٍ كثير الخصومات، ورجلٌ يحتضر فعاش بعد كلّ من رثى له تقريبًا.
صبًا في شروبشير، وكتابٌ عند الباب
وُلد في الثاني عشر من نوفمبر 1615 في روتون بمقاطعة شروبشير، في بيت جدّه لأمّه، وعُمّد في هاي إركال. وكان أبوه يُدعى ريتشارد باكستر هو أيضًا؛ أمّا أمّه فبياتريس، واسمها قبل الزواج أدني. وفي فبراير 1626 انتقلت الأسرة إلى إيتون كونستانتين. أمّا التعليم الدينيّ الذي أُتيح له وهو صبيّ فكان، بحسابه هو، هزيلًا فقيرًا — سلسلةٌ من رجال الإكليروس المحلّيين متفاوتي الجدّيّة — وجاءت يقظة ضميره لا على يد واعظ، بل بكتبٍ مستعملةٍ وصلت إلى البيت بما يشبه المصادفة.
أمّا أوّلها فكتابٌ أعاره لأبيه عاملُ مياومةٍ فقير من أهل البلدة: نسخةٌ قديمة ممزّقة ممّا يسمّيه باكستر كتاب العزم لبَنّي — وهو كتابٌ تعبّديّ وضعه بارسونز اليسوعيّ ونقّحه إدموند بَنّي ليصلح للاستعمال البروتستانتيّ. فلمّا قرأه باكستر أحسّ بقلبه يتحرّك تحرّكًا لم تُحرّكه إيّاه عظةٌ قطّ إلى ذلك الحين. ثم جاء بائعٌ متجوّل إلى الباب ومعه أغانٍ شعبيّة وبضعة كتبٍ جيّدة، فاشترى أبوه القصبة المرضوضة لريتشارد سِبز. وكتب باكستر عن ذلك الكتاب إنّه «فتح لي محبّة الله فتحًا أوسع، وأعطاني إدراكًا أحيا لسرّ الفداء». ثم تبيّن بعد ذلك أنّ خادمًا في البيت يملك جزءًا من أعمال ويليام بيركنز، فكان ذلك ما ثبّته. وقد اعترف بأنّه لم يكن يعرف هو ولا أبوه إنسانًا واحدًا له فهمٌ حقيقيّ في الدين؛ ولم يكن قد سمع في حياته أحدًا يصلّي من غير كتاب.
وهكذا (بلا وسيلةٍ سوى الكتب) سُرّ الله أن يحسم أمري ويجعلني له.
— ريتشارد باكستر، آثار باكستر
ويجدر بنا أن نقف عند هذه الجملة، لأنّها تفسّر كثيرًا ممّا تلاها. فباكستر اهتدى بالمطبوع، في بيتٍ لا يدور فيه حديثٌ مسيحيّ البتّة. وقد سلك بقيّة حياته كما لو كان كتابٌ يُدسّ في اليد المناسبة قادرًا أن يصنع ما لا يقدر هو أن يصنعه، إذ لا يستطيع أن يسافر إلى ذلك البعد ولا أن يعيش ذلك الطول.
الحرمان من الألقاب الجامعيّة
لم يدخل باكستر جامعةً قطّ. ولم يكن ذلك مبدأً من مبادئ البيوريتان ولا تصنّعًا للتواضع؛ بل كان خيبةً، وقد قالها صريحةً. فقد التحق بالمدرسة المجانيّة في روكسيتر تحت معلّمٍ اسمه جون أوين، وأتقن اللاتينيّة إتقانًا كفى لأن يكون مستعدًّا لأكسفورد. ثم — على حدّ قوله — «لمّا صرتُ مستعدًّا للجامعة، جرّني معلّمي إلى طريقٍ آخر أبعدني عنها، وهناك كانت رغباتي الملحّة». فأُرسل عوضًا عن ذلك إلى قلعة لَدلو ليدرس على ريتشارد ويكستيد، كاهن المجلس هناك. فأمّا أكسفورد التي اشتهاها فلم تكن قطّ، وظلّ يجد ألم فقدها ستّين سنة. وكان يعلم تمام العلم ما سيكلّفه ذلك: «كنتُ أعلم أنّ الحرمان من الألقاب والدرجات الجامعيّة خليقٌ أن يجعلني حقيرًا عند أكثر الناس، وأن يعوق بالتالي نجاح مساعيّ».
فعلّم نفسه بنفسه، تعليمًا شرسًا لا نظام له ولا ترتيب، وأثر هذا التعليم الذاتيّ بادٍ في كلّ ما كتبه — السَّعة الهائلة، ونفاد الصبر بمدارس الفكر ومذاهبها، وعادة أن يحسم كلّ مسألةٍ بنفسه انطلاقًا من المبادئ الأولى، كأنّ أحدًا لم يسألها قبله قطّ. وفي سنة 1638 صار ناظرًا للمدرسة النحويّة المجانيّة في دَدلي، ورسمه جون ثورنبره أسقف ووستر. ثم انتقل بعد ذلك إلى بريدجنورث في شروبشير فمكث فيها نحو سنتين. وكان يومئذٍ شابًّا في عجلةٍ من أمره، وكان المرض قد نال من جسمه من قبلُ.
كِدرمنستر
في ربيع سنة 1641، وهو ابن ستٍّ وعشرين سنة، دُعي إلى كِدرمنستر بمقاطعة ووسترشير، وهي بلدة نسّاجين يشتغلون بالأنوال اليدويّة، وعُيّن فيها رسميًّا في الخامس من أبريل. وكانت الأبرشيّة تضمّ نحو ثمانمئة عائلة. وكانت خدمتها السابقة لا تكاد تُذكر، وكانت شهرتها بالسُّكر والجهل.
أمّا الذي صنعه باكستر هناك في العقدين التاليين فصار النموذج الذي حاول نصف رعاة إنجلترا أن ينسجوا على منواله من بعده. وعظ، بلا ريب. لكنّه كان مقتنعًا في الوقت نفسه بأنّ الوعظ وحده لا يكفي، فخصّص هو ومعاونه يومين في الأسبوع، وأخذا أربع عشرة عائلة كلّ أسبوع، يمشيان في الأبرشيّة عائلةً عائلة، ويجلسان مع كلّ بيتٍ على حدة، لا يُؤذن لغريبٍ بالدخول — قاصدَين أن يستوعبا الأبرشيّة كلّها في سنة ثم يبتدئا من جديد. ومن هذه الممارسة خرج الراعي المُصلَح (1656)، الكتاب الذي جعل التعليم الشخصيّ بيتًا بيتًا مثلًا أعلى عند البيوريتان لا شذوذًا غريبًا. وقد حفظ، بحسابه هو، ستّمئة عضوٍ متناولين من تلك العائلات الثمانمئة، ولم يشأ أن يجمع من الأبرشيّة جماعةً منتقاةً من الراغبين: «أرى العمل الأبرشيّ هو الأفضل».
وكانت النتائج تُخجله أن يصفها. لكنّه وصفها على كلّ حال، لأنّه — كما قال — كان مدينًا لله بذبيحة الشكر، ولم يشأ أن يمنعها خوفًا من أن يُظنّ به الكبرياء. فقد ضاق المبنى بالجماعة حتى اضطرّوا أن يُقيموا فيه خمس شُرفات. وكنتَ إذا سرت في كِدرمنستر يوم الأحد سمعت مئة عائلةٍ ترنّم المزامير وتتذاكر العظة في بيوتها.
لمّا جئتُ إلى هناك أوّل مرّة، كانت في الشارع عائلةٌ واحدة تقريبًا تعبد الله وتدعو باسمه، ولمّا رحلتُ عنها كانت هناك شوارع لا يزيد فيها على عائلةٍ واحدة في جانب الشارع مَن لا يفعل ذلك
— ريتشارد باكستر، آثار باكستر
ولم يفارقه ذلك قطّ. كتب يقول: «آهِ، مَن أنا؟ دودةٌ لا قيمة لها، لا يعوزني الشرف الجامعيّ وحده، بل كثيرٌ من العُدّة اللازمة لعملٍ بهذا العلوّ، ثم يشاء الله أن يشجّعني هذا التشجيع الفيّاض، على حين أنّ معلّميّ الموقّرين في صباي كدّوا خمسين سنةً معًا في موضعٍ واحد، وما كادوا يقدرون أن يقولوا إنّه اهتدى على أيديهم واحدٌ أو اثنان من أهل أبرشيّاتهم!»
وفي كِدرمنستر أيضًا كان أن وصلت إلى البلدة فتاةٌ من علية القوم اسمها مارجريت تشارلتون — متكبّرةً، مولعةً بالأناقة وبقصص الغرام، ظاهرة الازدراء لنسّاجي البلدة الفقراء — فاهتدت هي نفسها تحت كرازته عن الاهتداء. ثم لم يلبث أن أصابها بعد ذلك بقليل ما سمّاه باكستر «سُعالًا وما يشبه السُّلّ، كِدنا فيه نيأس من حياتها». فلم يحتمل هو ولا جيرانه المصلّون أن تُنتزع من بينهم في الحال نفسٌ لم تتغيّر إلّا منذ عهدٍ قريب، فعزموا أن يصوموا ويصلّوا لأجلها. فتعافت.
الحرب، والكاهن العسكريّ
اندلعت الحرب الأهليّة في أغسطس 1642، فجُرف إليها باكستر جرفًا وهو الذي لم يشأ أن يكون له فيها نصيب. حاول الحياد، فوجد البلدة غير آمنة، فانسحب إلى غلوستر، ثم إلى كوفنتري مع نحو ثلاثين خادمًا آخرين من الهاربين، وخدم هناك كاهنًا لحامية المدينة. وبعد معركة نيزبي صار كاهنًا لكتيبة الكولونيل إدوارد ويلي بمشورة خدّام كوفنتري، وبقي فيها إلى مطلع سنة 1647. وكان يحضر الحصارات ولم يقاتل قطّ. أمّا الذي وجده في الجيش النموذجيّ الجديد فأفزعه فزعًا لم يفارقه أبدًا: سربٌ من أصحاب الشِّيَع والمتحمّسين يفتّتون كلّ عقيدةٍ من عقائد الإيمان بالجدال، فأنفق مدّة خدمته يحاول أن يردّهم بالجدال نفسه، ولم يُفلح في الأغلب.
وفي سنة 1647 أوقفه جسده أخيرًا. فقد أنهى رُعافٌ هائل — واحدٌ من كثير — خدمته في الجيش وتركه واهنًا شهورًا. وقرأ في ذلك، على عادته، تدبيرًا إلهيًّا، ورأى بعد ذلك أنّ الله أخرجه من الجيش قبل أن يقتله الجيش.
كُتب في زمن وهنه
ليست صحّة باكستر حاشيةً على هامش حياته؛ بل هي محرّكها. فقد كان يعاني رُعافًا عنيفًا «بكمّيّاتٍ مفرطة، هدّدت حياتي مرارًا»، وانتهى إلى أنّ مصدره «حصًى كامنة في كُلْيتيّ، سبّبها طعامٌ غير موافقٍ في صباي» — أي حصى الكلى. وأُضيف إلى ذلك رأسٌ روماتيزميّ، ومعدةٌ قال إنّها تُحيل كلّ شيءٍ ريحًا، ودمٌ حادّ حتى إنّه كان يسلخ أطراف أصابعه، ثم — بعد سنين من الفصد على أيدي الأطبّاء — حالةٌ سمّاها Praematura Senectus: الشيخوخة المبكّرة، أي أمراض ابن الثمانين مضافةً إلى ذلك كلّه. وكان يعدّ في ذلك رحمتين عظيمتين. أمّا الأولى فأنّه، على كلّ شقاء جسده، لم تغلبه كآبةٌ حقيقيّة قطّ.
وفي أثناء نقاهته في بيت السيّدة راوس في راوس لِنش بمقاطعة ووسترشير، بعيدًا عن بيته، وليس عنده كتابٌ يرجع إليه سوى كتابه المقدّس، وهو ينتظر الموت انتظارًا متّصلًا شهورًا متتابعة، كتب راحة القدّيسين الأبديّة. كتبه لنفسه، تأمّلَ رجلٍ يحتضر في البلد الذي كان يتوقّع أن يدخله في غضون تلك السنة. وقد نطقت صفحة عنوانه بذلك: كتبه المؤلّف لاستعماله الخاصّ في زمن وهنه، لمّا نزع الله عنه خدمته العلنيّة. ثم وعظ به في كِدرمنستر ونشره سنة 1650، فصار من أحبّ الكتب التعبّديّة إلى النفوس في اللغة الإنجليزية. وعاش بعد ذلك إحدى وأربعين سنة.
وإذ كنتُ أحسب أنّ العمر قصير، جاهد قلبي المتّقد أن يربح النفوس.
وعظتُ كمن ليس له أن يعظ بعدها أبدًا، وكرجلٍ يموت لرجالٍ يموتون!
— ريتشارد باكستر، شذرات شعريّة (1681)
الأسقفيّة المرفوضة
ولمّا أُعيدت الملكيّة سنة 1660 جاء باكستر إلى لندن، وجُعل واحدًا من كهنة الملك، فوقف موسمًا قصيرًا قريبًا من قلب الحياة الدينيّة في إنجلترا كلّها. وعمل في مؤتمر سافوي سنة 1661 من أجل تسويةٍ تكون من السَّعة بحيث تُبقي البيوريتان المعتدلين داخل كنيسة إنجلترا، ووضع لذلك الغرض مسوّدة ليتورجيا مُصلَحة. فرُفضت.
ثم جاء العرض. فقد فاتحه الكولونيل بيرش سرًّا نيابةً عن اللورد المستشار بأسقفيّة هيرفورد — سرًّا، كما لاحظ باكستر، لئلّا تُرفض أسقفيّةٌ علانية. ولم يشأ باكستر أن يردّ ردًّا قاطعًا ما دام ثمّة رجاءٌ في تسويةٍ واسعة، ولكنّه لم يكن في شكٍّ من أمره قطّ: «قلتُ له إنّي عاقدٌ عزمي ألّا أكون أسقفًا لهيرفورد أبدًا، وإنّي لا أظنّ أنّي سأرى يومًا سببًا يحملني على قبول أيّ أسقفيّة». وقال إنّه سيحيا مسالمًا تحت أيّ حكمٍ يقيمه الملك؛ أمّا أن تكون له يدٌ في تنفيذه فلا.
وفي السادس عشر من مايو 1662 وعظ عظة الوداع في الكنيسة الكبرى ببلاكفرايرز. وكان قانون التوحيد يُلزم كلّ خادمٍ أن يمتثل قبل عيد القدّيس برثلماوس، في الرابع والعشرين من أغسطس 1662. فلم يمتثل باكستر. وخرج معه نحو ألفَي خادمٍ فيما عُرف بالطرد الكبير — «برثلماوس الأسود»، كما سمّاه المنشقّون — فوُلدت بذلك اللاامتثاليّة الإنجليزية. وكان باكستر ابن ستٍّ وأربعين سنة، ولن تكون له أبرشيّةٌ بعدها أبدًا. ولم يعد إلى كِدرمنستر قطّ.
وبعد ثلاثة أسابيع، في العاشر من سبتمبر 1662، تزوّج مارجريت تشارلتون في كنيسة بينيت-فنك. كان قد طُرد لتوّه، بلا رزق، معتلّ الصحّة، وأكبر منها بكثير؛ ومع ذلك دام الزواج تسع عشرة سنة، وكان — بشهادة كلّ ما بقي من الأخبار، وفيها شهادته هو — سعيدًا سعادةً نادرة. فقد دبّرت مارجريت حياتهما المزعزعة في خضمّ الاضطهادات؛ ولمّا ماتت في الرابع عشر من يونيو 1681 جلس باكستر في غضون ستّة أسابيع فكتب مختصر حياة مارجريت باكستر — مذكّرات زوجٍ مفجوع، بلغت من الصراحة في وصف مواهبها وأعصابها وتفوّقها عليه في الحُكم العمليّ أنّها ما زالت من أشدّ وثائق الزواج البيوريتانيّ تأثيرًا في النفس.
وفي تلك السنة نفسها نشر شذرات شعريّة، وهو شِعرٌ كتبه في أكثره لنفسه ولأصدقائه المقرّبين في أوقات المرض. وكان بين تلك القصائد ترنيمةٌ سمّاها «عهد الإيمان وثقته»، وألحق بها حاشيةً واحدةً هادئةً لا غير: هذا العهد قد وقّعته زوجتي الحبيبة بنفسٍ راضيةٍ فرِحة في مرضها السابق.
الاضطهاد، والمحاكمة
كانت السنون التي تلت سنة 1662 سنينَ بؤسٍ وطحنٍ بطيء. فاعتزل في أكتون ليتفرّغ للدرس. وسُجن لعقده اجتماعًا دينيًّا غير مشروع، ثم خرج بموجب أمر الإحضار. وسُحبت رخصته في الوعظ؛ وأُغلق بيت اجتماعٍ افتتحه في شارع أوكسندن بعد أن استُعمل مرّةً واحدة. وفي سنة 1680 جاء الضبّاط إلى بيته فحملوا كتبه وأمتعته. وفي سنة 1684 سِيق ثلاث مرّاتٍ إلى دار القضاء وأُلزم بكفالةٍ قدرها أربعمئة جنيه.
وفي فبراير 1685 قُبض عليه بتهمة القدح في كنيسة إنجلترا في كتابه شرح العهد الجديد. ومَثَل للمحاكمة في الغِلدهول في الثلاثين من مايو 1685 أمام السير جورج جفريز، رئيس القضاة، الذي ليست قسوته أسطورةً تُروى بل واقعًا مدوّنًا. وكان باكستر ابن تسعٍ وستّين سنة، وقد تحطّم جسده. ولم يكن في نيّة جفريز أن ينظر الدعوى؛ بل شتم الشيخ من منصّته، ولم يُؤذن قطّ بسماع الدفاع الذي كان باكستر قد أعدّه. فأُدين، وغُرّم خمسمئة مارك، وحُبس حتى تُدفع الغرامة. فمكث في السجن نحو ثمانية عشر شهرًا، إلى أن أعفته الحكومة من الغرامة وأطلقته في أواخر سنة 1686. ولم ينشر في حياته روايةً للمحاكمة.
إنّي أرى الآن في جميع الناس خيرًا أكثر وشرًّا أكثر ممّا كنتُ أرى من قبل: أرى أنّ الصالحين ليسوا في الصلاح كما كنتُ أظنّهم يومًا، بل فيهم من النقائص أكثر… وأجد أنّ قليلين هم الذين بلغوا من الرداءة ما يتصوّره فيهم أعداؤهم الحاقدون أو المعترفون الانفصاليّون الذين لا يشبعون من اللوم.
— ريتشارد باكستر، آثار باكستر
ذلك هو باكستر يراجع عقله في شيخوخته، وهو أقرب ما كتب في حياته إلى صورةٍ لنفسه. كان رجلًا محبًّا للسلام أنفق عمره في الجدال، وكان يعرف ذلك. اشتهى وحدة المسيحيّين، فما وُفّق إلّا أن يتخاصم مع كلّ فريقٍ تقريبًا كان يمكن أن يمدّه بها — الأساقفة، والمستقلّون، وأصحاب الشِّيَع في الجيش، وعددٌ لا بأس به من حلفائه هو. كتب أكثر ممّا ينبغي، وتنازل في الجدل أقلّ ممّا ينبغي، ثم ندم على الحدّة من بعد. وهو لا يزداد حُسنًا بأن تُشذَّب حوافّه.
أكاد أكون بخير
بعد إعلان التسامح سنة 1687 كانت سنوه الأخيرة هادئة. فخدم بلا أجرٍ مساعدًا لماثيو سلفستر، مقدّرًا في الرجل الأصغر وداعته وسلامة مبادئه، ومعوّضًا من المنبر ما كان ينقص سلفستر من حُسن الإلقاء. وظلّ يكتب إلى النهاية.
ولمّا سأله زائرٌ قرب النهاية كيف حاله، أجاب باكستر: «أكاد أكون بخير». وفي اليوم السابق لموته جاءه الدكتور ويليام بيتس وقدّم له بعض كلمات العزاء، فأجابه باكستر: «عندي وجع: ولا سبيل إلى مجادلة الإحساس؛ ولكن عندي سلام: عندي سلام!». ومات نحو الساعة الرابعة من صباح الثلاثاء، الثامن من ديسمبر 1691، عن ستٍّ وسبعين سنة. وجاء إلى جنازته رجال الكنيسة والمنشقّون معًا، وكان لذلك في تلك السنة وفي تلك المدينة معنًى. ودُفن إلى جانب مارجريت وأمّها في كنيسة المسيح بنيوجيت، ووعظ بيتس في الجنازة.
وبعد خمس سنين نشر سلفستر ركام الأوراق التي تركها له باكستر عن حياته بعنوان آثار باكستر (Reliquiae Baxterianae) — مترامية، قليلة التحفّظ، غير منقّحة، وواحدة من أعظم المذكّرات في اللغة. وفيها يعطي رجلٌ بلا شهادة، ولا صحّة، ولا منبرٍ في السنين التسع والعشرين الأخيرة من عمره، ولا موهبةٍ البتّة في ترك الجدال وشأنه — يعطي اللهَ الفضل في شارعٍ من شوارع كِدرمنستر كانت المزامير تُسمع من نوافذه.
لا توجد كتب أو عظات في المكتبة بعد لهذا الكاتب.