صورة F. B. Meyer

F. B. Meyer — السيرة

1847–1929

إن لم تثق بي في الكلّ، فأنت لا تثق بي البتّة.
ف. ب. ماير

وُلد فريدريك بروذرتون ماير في كلابهام بلندن، في 8 أبريل 1847، ابنًا لرجل أعمال يُدعى فريدريك ولزوجته آن، ونشأ في بيت موسور الحال تقيّ القلب. ولم تكن قصّة اهتدائه من تلك القصص الدراميّة الصاعدة من الحضيض؛ فقد ترعرع وسط وقار المواظبين على الكنيسة، وجلس صبيًّا تحت كرازة وليم بروك في مصلّى بلومزبري، حيث كانت الأسرة تعبد في خمسينيات القرن التاسع عشر، وقد ترك مثاله الرعويّ فيه أثرًا باقيًا. اعتمد سنة 1864 في مصلّى نيو بارك رود ببريكستون، وفي السادسة عشرة من عمره عرف في نفسه أنّه مدعوّ إلى خدمة الكلمة. وتلقّى تعليمه في كليّة برايتون، ثمّ دخل كليّة ريجنتس بارك سنة 1866 ليتدرّب للخدمة المعمدانية، ونال درجته من جامعة لندن سنة 1869. غير أنّ الطريق المرتّبة أمام واعظ شابّ حسن النشأة كانت توشك أن تنفتح على ما هو أوسع وأعجب ممّا كان يستطيع أن يخطّط له. فقد صار ماير، على مدى ستّين سنة من الكرازة، واحدًا من أحبّ الأصوات الإنجيلية في عصره، وصديقًا لد. ل. مودي، وركنًا ثابتًا في مؤتمر كِزويك، ورجلًا دعته الصحف — نصفَ مزاح ونصفَ جدّ — «رئيس أساقفة الكنائس الحرّة».

واعظ شابّ ونقطة تحوّل

كانت أولى رعايات ماير في مصلّى بمبروك المعمدانيّ في ليفربول سنة 1870، حيث خدم أوّلًا مساعدًا ثمّ واعظًا مشاركًا، تلتها سنة 1872 كنيسة شارع البريوري المعمدانية في يورك. وفي فبراير 1871 تزوّج جين إليزا جونز، التي كانت رفيقته في الحياة والخدمة إلى آخر أيّامه؛ ورُزقا ابنة واحدة. وفي يورك، وهو ما يزال رجلًا شابًّا، التقى المبشّر الأمريكيّ دوايت ل. مودي، وكان حينئذٍ مجهولًا في إنجلترا إلى حدّ بعيد. ففتح له ماير أبواب المصلّيات والخدّام الإنجليز، وصار الرجلان صديقين مدى العمر. وقد طبعت هذه الصداقة ماير طبعًا عميقًا؛ وقال فيما بعد إنّ دفء مودي وصراحته أرَياه مسيحيّةً أوسع ممّا أدركته تقواه المتحفّظة إلى ذلك الحين، وصار يعدّ مشورة مودي أعظم تأثير في خدمته — تلك المشورة القائلة إنّ الواعظ العظيم لا بدّ أن يكون عاملًا عظيمًا، والعامل العظيم واعظًا عظيمًا. وهذا الجمع بين خدمة المنبر والانخراط العمليّ في الشارع صار السمة المميّزة لعمل ماير.

لكنّ الساعة الحاسمة في حياته لم تأتِ على يد اسم شهير، بل على يد لاعب كريكيت شابّ. ففي ليستر، حيث ذهب ماير سنة 1874 ليرعى كنيسة شارع فيكتوريا، ثمّ أسّس سنة 1878 الإرسالية المستقلّة في ملبورن هول، التقى تشارلز ت. ستَدّ والمرسلين الشبّان المتّجهين إلى إرسالية الصين الداخلية. وكان في فرحهم صفاءٌ لا تشوبه غيمة، فكشف عن شيء كان ينقص ماير نفسه. فسألهم كيف السبيل إلى أن ينال ما نالوه هم، فأجابه ستَدّ أنّ الأمر أن يبذل نفسه للمسيح لا على وجه العموم بل على وجه التخصيص — غير مستبقٍ شيئًا. فجثا ماير، وسلّم المسيح — على حدّ وصفه الحيّ — حلقةً من حديد تحمل كلّ مفاتيح حياته، خلا مفتاحٍ صغير واحد أبقاه مقبوضًا عليه لخزانة خاصّة في قلبه.

إن لم تثق بي في الكلّ، فأنت لا تثق بي البتّة.

— ف. ب. ماير

لم يستطع أن يقول إنّه راضٍ بتسليم ذلك المفتاح الأخير. أمّا ما استطاع أن يقوله فصار من أكثر الاعترافات اقتباسًا في التقوى الإنجيلية — صلاة رجل صادق لا يطيق أن يتظاهر بتسليم لم يشعر به بعد.

وتكلّم ماير عن ساعة تسليم أخرى، ساعةٍ ظلّ يميّزها دائمًا عن اهتدائه ويعدّها البداية الحقيقية لخدمته المقتدرة. ففي موسم أحسّ فيه بالعجز وقلّة الجدوى في خدمته، خرج وحده يطلب وجه الله.

الخدمة وثمرها

من ذلك التسليم تدفّقت الخدمة التي يُذكر بها ماير. ففي ملبورن هول بليستر (1878–1888) تضخّمت جماعته إلى الألوف، وانتقل سنة 1888 إلى لندن، فقسم العقود الثلاثة التالية بين مصلّى ريجنتس بارك (1888–1892، ثمّ مرّة أخرى 1909–1915) وكنيسة المسيح في لامبث (1892–1909، مع فترة أخيرة من 1915 إلى 1921). وقد كرز في أنحاء بريطانيا وأمريكا، وفي كندا وجنوب أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وصار من أكثر المعلّمين طلبًا في مؤتمر كِزويك — إذ خاطب ستّة وعشرين من اجتماعاته — حيث كانت «الحياة الأعلى» في التكريس والاتّكال على الروح تُلحّ على عشرات الألوف. واتّسمت رسائله في كِزويك بالبساطة والصور الحيّة والنبرة الرعوية: الدعوة إلى التسليم الكامل، والاتّكال على الروح القدس، والسعي وراء القداسة.

ولم تكن قداسة ماير قطّ أمرًا باطنيًّا فحسب. فقد شنّ حربًا لا تكلّ على شرور مدينته الاجتماعية — السُّكر والقمار وتجارة البغاء. وبين منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر وسنة 1907 يُنسب إلى حملاته إغلاق مئات من بيوت الدعارة والحانات، وأدخل في خدمته جمعيةً لإغاثة المسجونين، وبيوتًا للمعوزين، وعملًا بين أفقر أحياء لندن. وكان مناصرًا ملتزمًا لدعوة الامتناع عن المسكرات، يتكلّم ويحمل الحملات على خراب الشراب حيثما خدم، وامتدّت عنايته بالضعفاء إلى إرساليات الإنقاذ ودور الأيتام وجمعيات التبنّي، التي وُضع بها الأطفال المتروكون والمشرّدون في بيوت أكثر أمانًا. وسخر منه مقاوموه فدعوه «ماير المتطفّل المتباكي»، لكنّه لم يتوقّف. فالإرشاد والرحمة عنده شيء واحد: فالله الذي يقود النفس إلى السلام هو الذي يقود اليد إلى حيّ الفقراء.

وكان مدى امتداد تأثيره مذهلًا في اتّساعه بالنسبة إلى رجل بدأ واعظًا معمدانيًّا متواضعًا في الأرياف. فقد نمت ملبورن هول، الإرسالية التي أسّسها في ليستر، حتى صارت من أوائل الجماعات الحديثة الكبرى، وتضخّمت عضويّتها إلى الألوف اجتذبتهم كرازته البسيطة الحانية. وحملت جولاته الأمريكية، التي بدأها أوّلًا في صحبة مودي ثمّ قام بها وحده، صوته عبر الأطلسيّ مرّة بعد مرّة — اثنتا عشرة جولة في الجملة، بدأ آخرها وهو في الثمانين. وفي جولة إلى جنوب أفريقيا مع زوجته سنة 1908 التقى موهانداس غاندي وقضى معه أيّامًا عدّة في الحديث، معربًا عن تعاطف محترز مع فلسفة غاندي في المقاومة السلبية — لمحة صغيرة دالّة على رجل أبى فضوله وشفقته أن يُحبسا داخل تقليده هو.

وكان، فوق كلّ شيء، كاتبًا علّم المسيحيين العاديين أن يسلكوا مع الله. فإلى جانب نحو ستّة عشر ألف عظة وعظ بها في حياته، أنتج أكثر من سبعين كتابًا، منها سِيَر كتابية حانية لإبراهيم وموسى وإيليّا ويوحنّا المعمدان وبطرس وبولس، وكتب تعبّدية كلاسيكية مثل عظتنا اليومية ما تزال تُقرأ. ولم تكن هذه الدراسات في الشخصيات معنيّةً بالسياق التاريخيّ بقدر عنايتها بالحياة الروحية الباطنة لأناس ناقصين تنكشف فيهم نعمة الله وقصده — مرايا، كما رآها، يستطيع المسيحيّ المعاصر أن يتعرّف فيها على رحلته هو. وعبرت كتبه الحدود الطائفية، فقرأها المعمدانيون والميثوديون والأنجليكان وغير الملتزمين على السواء، وبيعت بالملايين، فحملت رسالته إلى أبعد كثيرًا ممّا تطيقه منابره اللندنية. وفي سرّ الإرشاد، وهو الكتاب الذي يقدّمه أوخوروس له، يُسمع صوت قلبه الرعويّ كاملًا واضحًا.

قوّتنا وسلامنا يتوقّفان على أن نعرف أين يريدنا الله أن نكون، وأن نكون هناك.

— ف. ب. ماير

وقد كتب للقلقين ولبطيئي القلوب، لا لأصحاب الثقة بأنفسهم، مصرًّا على أنّ الله ينحني إلى أبلد ولد يريد الطاعة حقًّا. ولم تكن مشورته في الصلاة تقنيّةً، بل مزاجَ ثقة — أنّ الحقائق تأتي أوّلًا، والإيمان يستريح عليها، والمشاعر تتبع في وقت الله هو.

حقائق الله، موضوعةً كأساس من صوّان. وإيماننا، يدركها ويستريح عليها. والمشاعر الفرحة، تأتي دفعةً واحدة أو بعد مضيّ أيّام وشهور، كما يشاء الله.

— ف. ب. ماير

تجارب لاقاها بالإيمان

كانت حياة ماير العلنية طويلة مثمرة، لكنّه لم يتظاهر قطّ بأنّه رجل لا يعرف الاضطراب. فقد كان صريحًا، في تعليمه ورسائله، في الحديث عن المعارك الباطنة التي يخوضها الخادم بعيدًا عن الأعين. وكان أكثر ما اعترف به على الملأ صراعه مع الغيرة. فقد خدم في المدينة نفسها التي خدم فيها وعّاظ فاقته جموعهم وشهرتهم، وأقرّ بأنّ الحسد لهم كان يقدر أن يقبض على قلبه. أمّا علاجه فهو ذاته الذي كان يعظ به غيره: حمل الخطية إلى ركبتيه، وصلّى عامدًا من أجل نجاح منافسيه، سائلًا الله أن يتوافد الناس أكثر فأكثر إلى سماعهم، حتى جاع الحسد فمات ورُدّت المحبّة. كان انتصارًا صغيرًا خفيًّا، لكنّه كشف عن المبدأ عينه الذي في المفاتيح المسلَّمة — أنّ الخروج من قلب مقيَّد إنّما يكون بتسليم المرء حتى مراراته للمسيح.

وحمل أيضًا الثقل المعتاد لرجل يتوجّع لآلام الآخرين. ففي الحرب العالمية الأولى خدم قسًّا للجنود، يحمل العزاء الروحيّ إلى رجال يواجهون واقع الجبهة الكئيب، وعبر إلى فرنسا مع الكويكريّ هيوبرت بيت ليرى بنفسه كيف يُعامَل المستنكفون ضميريًّا المسجونون، مُعيرًا صوته للمرذولين وغير المحبوبين حين كان السكوت أيسر. لقد عرف بنفسه ما معنى أن يُساء فهمه، فردّ على سوء الفهم لا بالمرارة بل بمزيد من العمل.

الموت والإرث

ظلّ ماير يعظ ويسافر إلى النهاية تقريبًا. وفي مارس 1929، قبل أيّام من عيد ميلاده الثاني والثمانين، علم أنّ موته قد اقترب. والرسالة التي بعث بها إلى صديق عمّرت أكثر من كثير جدًّا من عظاته، وهي تُقرأ تمامًا كما يُتوقَّع أن يكتب رجل قضى حياته على الضفّة الأخرى من إرادة مسلَّمة.

علمتُ للتوّ، ولشدّ ما دهشت، أنّه لم يبقَ لي إلا أيّام قليلة أحياها. ولعلّي أكون قد دخلتُ القصر قبل أن يصلك هذا. لا تُتعب نفسك بالكتابة. سنلتقي في الصباح.

— ف. ب. ماير

مات في 28 مارس 1929. ودعته الديلي تلغراف «رئيس أساقفة الكنائس الحرّة»، ونُعي في أنحاء العالم الناطق بالإنجليزية بأنّه بنّاء جسور جمع بين الإنجيليّ والاجتماعيّ، وبين ما هو شخصيّ عميق وما هو عامّ واسع، في حياة واحدة غير عجولة. وبقيت كتبه متداولة في المطابع؛ وظلّت ترنيمته في التكريس تُرنَّم؛ ووجدت أجيال من المؤمنين الهادئين الذين لم يسمعوه يعظ قطّ، في الصفحات التي خلّفها، صديقًا يفهم مخاوفهم ويشير بهم برفق إلى إرشاد الله.

إنّ الذي تركه ماير للكنيسة لم يكن نظامًا مرتّبًا بل هيئة قلب — اليد المفتوحة التي لا تستبقي مفتاحًا، والاعتراف الذي يثق بالله قبل أن يشعر بالاستعداد، والثقة المستقرّة بأنّ الذي يقود الحاجّ سيعوله أيضًا في الطريق. كتب: «إن كنّا حيث يريدنا أبونا السماويّ أن نكون، فنحن على يقين أنّه سيعول». وقد راهن بحياته كلّها على ذلك، ولم يُخيَّب رجاؤه، بشهادة كلّ من عرفه.

لا توجد كتب أو عظات في المكتبة بعد لهذا الكاتب.