فصل 1 · قراءة 12 د
سرّ الإرشاد
كثيرون من أولاد الله يشغلهم أمر الإرشاد انشغالًا عميقًا، حتى إنه قد يكون من المفيد أن نقدّم بعض الاقتراحات في كيفية معرفة الطريق الذي يريدنا أبونا أن نسلك فيه، والعمل الذي يريدنا أن نعمله. ولا يمكن المبالغة في أهمية هذا الموضوع؛ فجانب كبير من قوّتنا وسلامنا قائم على أن نعرف أين يريدنا الله أن نكون، وأن نكون هناك بالتمام.
لا ينزل المنّ إلا حيث يرفّ عمود السحاب؛ لكنه يوجد يقينًا على الرمال التي كانت قبل ساعات قليلة تتلألأ في الضوء الخاطف للنار السماوية، وها هي الآن تظلّلها قبّة السحاب الناعمة كالصوف. فإن كنّا تمامًا حيث يريدنا أبونا السماوي أن نكون، فنحن على يقين كامل من أنه سيدبّر لنا الطعام والكسوة وكل ما سوى ذلك. وحين يرسل عبيده إلى كريث، فإنه يجعل حتى الغربان تأتيهم بالطعام.
كم من عملنا المسيحي قد أُجهض لأننا أصررنا على أن نبادر به من تلقاء أنفسنا، بدلًا من أن نتحقّق مما كان الله يعمله، وأين كان يطلب حضورنا! نحلم أحلامًا زاهية بالنجاح، ونحاول أن نفرضه فرضًا، ونستعين بشتّى أنواع الوسائل، مشكوكًا فيها كانت أم غير ذلك. وأخيرًا نرجع خائبين خجلين، كأطفال مزّقتهم الأشواك وخدشتهم، ولطّختهم الأوحال. وما كان شيء من هذا ليحدث لو كنّا منذ البداية تحت إرشاد الله الذي لا يخطئ. قد يمتحننا، لكنه ما كان ليسمح لنا أن نضلّ.
ومن الطبيعي أن يلجأ ابن الله، التائق إلى معرفة مشيئة أبيه، إلى الكتاب المقدس، فيجدّد ثقته إذ يلاحظ كيف أرشد الله في كل العصور الذين تجاسروا أن يثقوا به ثقة تامة لا تحفّظ فيها، مع أنهم لا بدّ كانوا في حينهم حائرين كما نحن كثيرًا الآن. فنحن نعلم كيف ترك إبراهيم عشيرته ووطنه، وانطلق، بلا دليل سوى الله، عبر البرية التي لا مسالك فيها، إلى أرض لم يكن يعرفها. ونعلم كيف قيد بنو إسرائيل أربعين سنة عبر شبه جزيرة سيناء، بمتاهاتها من الحجر الرملي الأحمر وقفارها الرملية. ونعلم كيف استطاع يشوع، حين دخل أرض الموعد، أن يواجه صعوبات إقليم مجهول، وأن يغلب أممًا عظيمة محاربة، لأنه كان ينظر إلى رئيس جند الرب الذي يقود دائمًا إلى النصرة. ونعلم كيف مُكِّن الرسل في الكنيسة الأولى من أن يشقّوا طريقهم عبر أعسر المسائل، وأن يحلّوا أعقد المشكلات، واضعين مبادئ سترشد الكنيسة إلى انقضاء الدهر؛ وذلك لأن ما كان ينبغي لهم أن يفعلوه ويقولوه كان يُعلَن لهم بالروح القدس.
المواعيد بالإرشاد لا لبس فيها.
مزمور 32:8: «أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ ٱلطَّرِيقَ ٱلَّتِي تَسْلُكُهَا». هذا هو تأكيد الله الصريح للذين غُفر إثمهم وسُترت خطيتهم، والذين هم أسرع إلى ملاحظة أدنى علامة من مشيئته من الفرس أو البغل إلى الإحساس باللجام.
أمثال 3:6: «فِي كُلِّ طُرُقِكَ ٱعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ (أو: يمهّد) سُبُلَكَ». كلمة أكيدة نستطيع أن نستند إليها، شرط أن نستوفي الشرطين السابقين: أن نتّكل على الرب بكل قلوبنا، وألّا نعتمد على فهمنا.
إشعياء 58:11: «وَيَقُودُكَ ٱلرَّبُّ عَلَى ٱلدَّوَامِ». يستحيل أن نتصوّر أنه يمكن أن يرشدنا أصلًا إن لم يكن يرشدنا دائمًا. فإن أعظم أحداث الحياة، مثل الصخور الهزّازة الضخمة في غرب إنجلترا، تدور على أصغر النقاط. قد تغيّر حصاةٌ مجرى جدول. وقد يحدّد نموّ حبة خردل واحدة كمية المطر الهاطل على قارّة. وهكذا نُدعى إلى أن نتطلّع إلى إرشاد يشمل الحياة كلها بكل حاجاتها التي لا تُحصى.
يوحنا 8:12: «أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ». يبدو أن الإشارة هنا إلى تيهان البرية، والسيد يَعِد بأن يكون لكل النفوس الأمينة، في رحلة غربتها إلى مدينة الله، ما كان عمود السحاب لبني إسرائيل في مسيرهم إلى أرض الموعد.
ليست هذه إلا نماذج. فقبّة الكتاب المقدس مرصّعة بآلاف مثلها، تتلألأ كلٌّ بقدرها كالنجوم التي تهدي التائه عبر اللجّة. وحُقّ للنبي أن يلخّص ميراث عبيد الرب بقوله عن المدينة المقدسة: «وَكُلَّ بَنِيكِ تَلَامِيذَ ٱلرَّبِّ، وَسَلَامَ بَنِيكِ كَثِيرًا».
ومع ذلك قد يبدو لبعض القلوب المجرَّبة الخائفة كأن كل من ذُكر في كلمة الله قد نال العون، أما هم فتُركوا بلا عون. يبدو لهم أنهم وقفوا أمام مسائل محيّرة، وجهًا لوجه أمام أسرار الحياة، يتوقون بلهفة إلى معرفة ما يفعلون، لكن لم يأتِ ملاك ليخبرهم، ولم ينفتح لهم باب من حديد في سجن الظروف.
بعضهم يلقي اللوم على بلادة ذهنه. فعقولهم كليلة بطيئة، لا تستطيع أن تدرك قصد الله الذي يكون واضحًا لغيرهم. ويبلغ بهم الخوف من فعل الخطأ حدًّا يعجزون معه عن أن يتعلّموا بوضوح ما هو الصواب. «مَنْ هُوَ أَعْمَى إِلَّا عَبْدِي، وَأَصَمُّ كَرَسُولِي ٱلَّذِي أُرْسِلُهُ؟ مَنْ هُوَ أَعْمَى كَٱلْكَامِلِ، وَأَعْمَى كَعَبْدِ ٱلرَّبِّ؟» ولكن، كيف نعامل نحن أولادنا؟ ولدٌ حادّ الذكاء متوقّد تكفيه إشارة صغيرة ليعرف الطريق؛ وآخر وُلد بطيء الفهم لا يستطيع أن يستوعب قصدك سريعًا. أفتُطلع الذكيّ وحده على ما تريد؟ ألا تأخذ الآخر على ركبتيك وتوضّح له التعليمات التي تحيّره؟ أوَليست لوعة الصغير الذي يتوق أن يعرف لكي يطيع في الحال تنسج رباطًا يكاد يكون أقوى من الرباط الذي يشدّك إلى الباقين؟ آه! أيها الأولاد المتعَبون الحائرون البطيئو الفهم، آمنوا بمحبة الله العظيمة، وألقوا أنفسكم عليها، واثقين أنه سينزل إلى جهلكم، ويلائم نفسه مع حاجاتكم، وأنه سيصنع بكم ما قيل عنه: «بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ ٱلْحُمْلَانَ، وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا، وَيَقُودُ ٱلْمُرْضِعَاتِ».
ثمة توجيهات عملية معيّنة يجب أن نراعيها لكي نُقاد إلى فكر الرب.
أولًا — يجب أن تكون دوافعنا نقية.
«مَتَى كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا» (لوقا 11:34). لقد كنتَ في ظلمة كثيفة في الآونة الأخيرة، ولعل هذه الآية تكشف لك السبب. لم تكن عينك بسيطة. كان في نظرك شيء من الانحراف — حَوَلٌ روحي؛ وهذا ما منعك من تمييز دلائل مشيئة الله التي كانت لولا ذلك واضحة وضوح الظهيرة.
يجب أن نكون حريصين جدًّا في الحكم على دوافعنا، فنفتّشها كما يفتّش رجال التحرّي عند أبواب مجلس العموم الإنجليزي كل غريب يدخل. فحتى بعد أن نكون قد تحرّرنا بنعمة الله من صور الخطية الأغلظ، نبقى عرضة لعمل الذات الخفيّ في أقدس ساعاتنا وأبهاها. إنها تسمّم دوافعنا، وتنفث الفساد على أجمل ثمارنا، وتهمس بالتملّق المغري في آذاننا المسرورة، وتحوّل الروح عن قصدها المقدس، كما تحرف كتل الحديد في البواخر العابرة للمحيط إبرة البوصلة عن القطب.
ما دام هناك شيء من التفكير في منفعة شخصية، أو شيء من الرغبة في نيل مديح الناس واستحسانهم، أو شيء من السعي إلى تعظيم الذات، فسيستحيل علينا ببساطة أن نكتشف قصد الله من جهتنا. يجب أن يُغلَق الباب بعزم أمام هذا كله إن أردنا أن نسمع الصوت المنخفض الخفيف. ويجب أن نحجب كل الأضواء المتقاطعة إن أردنا أن نرى حجر الأوريم والتميم يتألّق بـ«نعم» من الله، أو يُظلم بـ«لا» منه.
اطلب من الروح القدس أن يعطيك العين البسيطة، وأن يلهم قلبك غاية واحدة فقط: تلك التي كانت تحرّك ربنا، ومكّنته من أن يهتف وهو يستعرض حياته: «أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى ٱلْأَرْضِ». فليكن هذا شعار حياتنا: «ٱلْمَجْدُ لِلهِ فِي ٱلْأَعَالِي». وحينئذٍ يكون «جسدنا كله نيّرًا، ليس فيه جزء مظلم، كما حينما يضيء السراج بلمعانه».
ثانيًا — يجب أن تكون إرادتنا مسلَّمة.
«دَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لِأَنِّي لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ ٱلْآبِ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا 5:30). هذا هو السرّ الذي لم يمارسه يسوع فحسب، بل علّمه أيضًا. فبصورة أو بأخرى كان يلحّ على الدوام على الإرادة المسلَّمة، بوصفها المفتاح إلى المعرفة الكاملة: «إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ».
هناك فرق شاسع بين إرادة مطفأة وإرادة مسلَّمة. فالله لا يطلب أن تُسحق إرادتنا سحقًا، كأوتار ذراعَي الفقير الزاهد المعطَّلتين. إنما يطلب فقط أن تقول له «نعم»، وأن تكون ليّنة بين يديه كغصن الصفصاف في اليد المتمرّسة.
كم من مرة، والباخرة تقترب من الرصيف، راقبتُ الصبيّ الصغير يأخذ مكانه تحت مؤخّرة السفينة، وعينه وأذنه مشدودتان إلى القبطان، منتظرًا أن يصيح بكل كلمة ينطق بها إلى رجال المحرّكات الملطَّخين بالسخام في الأسفل؛ وكم تمنّيت أن تردّد إرادتي كلمات الله ومشيئته بمثل هذه الدقّة وهذه السرعة، حتى تطيع الطبيعة الدنيا كلها.
ومن أجل غياب هذا الخضوع كثيرًا ما يفوتنا الإرشاد الذي نطلبه. فهناك نزاع خفيّ بين إرادتنا وإرادة الله. ولن نستقيم أبدًا حتى ندعه يأخذ، ويكسر، ويصنع من جديد. آه! اطلب هذا بكل جدّ. إن لم تستطع أن تعطي، فدعه يأخذ. وإن لم تكن راغبًا، فاعترف بأنك راغب في أن يجعلك راغبًا. سلّم نفسك له ليعمل فيك أن تريد وأن تعمل من أجل مسرّته. يجب أن نكون كالطين الليّن، مستعدّين أن نتّخذ أيّ شكل يختاره الخزّاف العظيم، وهكذا نستطيع أن نتبيّن إرشاده.
ثالثًا — يجب أن نطلب المعلومات لأذهاننا.
هذه بلا ريب هي الخطوة التالية. لقد أعطانا الله هذه الملكات العجيبة من قوّة العقل، وهو لن يتجاهلها. ففي النعمة لا يُلغي عمل أيّ عطيّة من عطاياه العجيبة، بل يستخدمها لإبلاغنا مقاصده وأفكاره.
فمن الأهمية القصوى إذًا أن نغذّي أذهاننا بالحقائق، وبالمعلومات الموثوقة، وبثمار الخبرة البشرية، و(فوق الكل) بتعاليم كلمة الله. ومما يدعو إلى أعظم الإعجاب أن نلاحظ كم يمتلئ الكتاب المقدس بالسِّيَر والتاريخ، حتى إنه لا تكاد توجد أزمة واحدة في حياتنا إلا ولها نظير في تلك الصفحات العجيبة. ليس هناك كتاب مثل الكتاب المقدس يلقي نورًا على بسطات الدرج المظلمة في الحياة البشرية.
ليس لنا حاجة ولا حقّ في أن نهرع هنا وهناك لنسأل أصدقاءنا عمّا ينبغي أن نفعل؛ لكن لا ضرر في أن نجتهد في جمع كل المعلومات الموثوقة، التي تتغذّى عليها شعلة الفكر المقدس والقصد المكرَّس فتنمو وتقوى. والقرار في النهاية لنا، بحسب ما يعلّمنا الله، لكن صوته قد يأتينا من خلال صوت الحسّ السليم المقدَّس، العامل في المواد التي جمعناها. وبالطبع قد يأمرنا الله أحيانًا أن نتصرّف على خلاف عقلنا، لكن هذه حالات استثنائية جدًّا؛ وحينئذٍ يكون واجبنا واضحًا وضوحًا لا يحتمل أيّ خطأ. أما في الغالب فإن الله يتكلّم من خلال نتائج التأمّل المتأنّي، حين نزن ونوازن بين الحجج المؤيِّدة والمعارِضة.
حين كان بطرس محبوسًا في السجن، ولم يكن بإمكانه أن ينقذ نفسه، أُرسل ملاك ليفعل له ما لم يستطع أن يفعله لنفسه؛ لكن حين اجتازا شارعًا أو شارعين من المدينة، فارقه الملاك وتركه يدبّر أمره بنفسه. هكذا يعاملنا الله إلى اليوم. إنه يُملي المسلك المعجزي بوسائل معجزية. أما حين يكون نور العقل العادي كافيًا للمهمّة، فإنه يتركنا لنتصرّف كما تقتضي الظروف.
رابعًا — يجب أن نكثر من الصلاة طلبًا للإرشاد.
المزامير مملوءة بالتوسّلات الحارّة في طلب الإرشاد الواضح: «عَلِّمْنِي يَارَبُّ طَرِيقَكَ، وَٱهْدِنِي فِي سَبِيلٍ مُسْتَقِيمٍ بِسَبَبِ أَعْدَائِي». إنه ناموس بيت أبينا أن يسأل أولاده ما يحتاجون إليه. «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللهِ ٱلَّذِي يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلَا يُعَيِّرُ».
وفي أوقات التغيير والأزمات نحتاج إلى أن نكثر من الصلاة، لا على ركبنا فقط، بل في تلك الصورة العذبة من الصلاة الباطنية، التي فيها تقدّم الروح نفسها لله على الدوام، طالبة أن يُريها مشيئته، ومتوسّلة أن تنطبع هذه المشيئة على صفحتها، كما تطبع الأجرام السماوية صورها على الورق المعَدّ للتصوير. والمؤمن الواثق، ملتفًّا بصلاة كهذه، يستطيع أن يذرع سطح الباخرة ليلة بعد ليلة، على يقين من أن الذي يرسم للنجوم مساراتها لن يقصّر في توجيه النفس التي لا غاية لها إلا أن تعمل مشيئته.
ومن صور الصلاة الحسنة في مثل هذا المنعطف أن نطلب أن تُغلق الأبواب، وأن يُسدّ الطريق، وأن يُوقَف منذ بدايته كل مشروع ليس بحسب مشيئة الله. ضع الأمر كله في يدي الله منذ البداية، وهو لن يقصّر في تحطيم المشروع وإحباط الغاية اللذين ليسا بحسب مشيئته المقدسة.
خامسًا — يجب أن ننتظر انكشاف خطة الله تدريجيًّا في عنايته.
إن انطباعات الله في داخلنا، وكلمته من خارجنا، تؤيّدهما دائمًا عنايته من حولنا، وعلينا أن ننتظر بهدوء حتى تلتقي هذه الثلاث في نقطة واحدة.
يبدو أحيانًا كأننا مضطرون إلى التصرّف. فالجميع يقولون إنه لا بدّ أن نفعل شيئًا؛ وفي الواقع تبدو الأمور وقد بلغت من اليأس حدًّا يحتّم علينا ذلك. خلفنا المصريون، وعن اليمين وعن اليسار جروف شاهقة لا تُرتقى، وأمامنا البحر. ليس سهلًا في مثل هذه الأوقات أن نقف وننظر خلاص الله؛ لكن يجب علينا ذلك. وحين تجلّد شاول وأصعد المحرقة لأنه ظنّ أن صموئيل قد تأخّر في المجيء، ارتكب الخطأ الأكبر في حياته.
قد يتأخّر الله في المجيء في صورة عنايته. كان هناك تأخير قبل أن يرقد جيش سنحاريب كأوراق ذابلة حول المدينة المقدسة. وكان هناك تأخير قبل أن يأتي يسوع ماشيًا على البحر في الفجر الباكر، أو يسرع ليقيم لعازر. وكان هناك تأخير قبل أن يسرع الملاك إلى جانب بطرس في الليلة السابقة لاستشهاده المرتقَب. إنه يتمهّل بما يكفي لامتحان صبر الإيمان، لكنه لا يتأخّر لحظة واحدة عن الساعة القصوى للحاجة. «ٱلرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى ٱلْمِيعَادِ، وَفِي ٱلنِّهَايَةِ تَتَكَلَّمُ وَلَا تَكْذِبُ. إِنْ تَوَانَتْ فَٱنْتَظِرْهَا لِأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلَا تَتَأَخَّرُ».
من اللافت جدًّا كيف يرشدنا الله بالظروف. ففي لحظة قد يبدو الطريق مسدودًا تمامًا، ثم بعد قليل تقع حادثة تافهة قد لا تعني الكثير للآخرين، لكنها تتكلّم بالكثير لعين الإيمان الثاقبة. وأحيانًا تتكرّر هذه العلامات بطرق مختلفة استجابةً للصلاة. إنها ليست نتائج عشوائية للمصادفة، بل هي انفتاح الظروف في الاتجاه الذي ينبغي أن نسلك فيه. وتأخذ في التكاثر كلما تقدّمنا نحو غايتنا، تمامًا كما تتكاثر الأضواء حين نقترب من مدينة آهلة ونحن نندفع عبر البلاد ليلًا في قطار سريع.
أحيانًا يتنهّد الناس متمنّين أن يأتي ملاك ليدلّهم على طريقهم؛ وهذا يعني ببساطة أن الوقت لم يحِن بعد لكي يتحرّكوا. إن كنت لا تعرف ما ينبغي أن تفعل، فقف ساكنًا حتى تعرف. وحين يأتي وقت العمل، ستتلألأ الظروف على طول طريقك كاليراعات؛ وستصير متيقّنًا أنك على صواب، حين يتّفق شهود الله الثلاثة، حتى إنك لن تكون أكثر يقينًا لو أشار إليك ملاك أن تتقدّم.
ظروف حياتنا اليومية هي لنا دليل لا يخطئ على مشيئة الله، حين تتّفق مع حثّ الروح في الداخل ومع كلمة الله. فما دامت ساكنة فانتظر. وحين يجب أن تتصرّف ستنفتح، ويُشقّ لك طريق عبر البحار والأنهار، والقفار والصخور.
كثيرًا ما نقع في خطأ كبير، إذ نظن أن الله لا يرشدنا البتّة، لأننا لا نستطيع أن نرى بعيدًا أمامنا. لكن هذه ليست طريقته. فهو لا يتعهّد إلا بأن خطوات الإنسان الصالح تتثبّت من قِبَل الرب. ليس السنة القادمة، بل الغد. ليس الميل التالي، بل الذراع التالية. ليس النقش كله، بل الغرزة التالية في القماش. فإن توقّعت أكثر من هذا فستخيب، وترجع إلى الظلمة. لكن هذا سيضمن لك أن تُقاد في الطريق المستقيم، كما ستعترف حين تستعرضه من على قمم المجد.
لا يمكننا أن نتأمّل بعمق كافٍ في دروس السحابة الواردة في الدرس المصوَّر البديع عن الإرشاد (عدد 9:15-23): «وَفِي يَوْمِ إِقَامَةِ ٱلْمَسْكَنِ، غَطَّتِ ٱلسَّحَابَةُ ٱلْمَسْكَنَ، خَيْمَةَ ٱلشَّهَادَةِ. وَفِي ٱلْمَسَاءِ كَانَ عَلَى ٱلْمَسْكَنِ كَمَنْظَرِ نَارٍ إِلَى ٱلصَّبَاحِ. هَكَذَا كَانَ دَائِمًا. ٱلسَّحَابَةُ تُغَطِّيهِ وَمَنْظَرُ ٱلنَّارِ لَيْلًا. وَمَتَى ٱرْتَفَعَتِ ٱلسَّحَابَةُ عَنِ ٱلْخَيْمَةِ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَرْتَحِلُونَ، وَفِي ٱلْمَكَانِ حَيْثُ حَلَّتِ ٱلسَّحَابَةُ هُنَاكَ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْزِلُونَ. حَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَرْتَحِلُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ كَانُوا يَنْزِلُونَ. جَمِيعَ أَيَّامِ حُلُولِ ٱلسَّحَابَةِ عَلَى ٱلْمَسْكَنِ كَانُوا يَنْزِلُونَ. وَإِذَا تَمَادَتِ ٱلسَّحَابَةُ عَلَى ٱلْمَسْكَنِ أَيَّامًا كَثِيرَةً كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَةَ ٱلرَّبِّ وَلَا يَرْتَحِلُونَ. وَإِذَا كَانَتِ ٱلسَّحَابَةُ أَيَّامًا قَلِيلَةً عَلَى ٱلْمَسْكَنِ، فَحَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ كَانُوا يَنْزِلُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. وَإِذَا كَانَتِ ٱلسَّحَابَةُ مِنَ ٱلْمَسَاءِ إِلَى ٱلصَّبَاحِ، ثُمَّ ٱرْتَفَعَتِ ٱلسَّحَابَةُ فِي ٱلصَّبَاحِ، كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ ٱرْتَفَعَتِ ٱلسَّحَابَةُ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، مَتَى تَمَادَتِ ٱلسَّحَابَةُ عَلَى ٱلْمَسْكَنِ حَالَّةً عَلَيْهِ، كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْزِلُونَ وَلَا يَرْتَحِلُونَ. وَمَتَى ٱرْتَفَعَتْ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. حَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ كَانُوا يَنْزِلُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ كَانُوا يَرْتَحِلُونَ. وَكَانُوا يَحْرُسُونَ حِرَاسَةَ ٱلرَّبِّ حَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ بِيَدِ مُوسَى».
لنتطلّع إلى العلوّ الكافي في طلب الإرشاد. لنشجّع نفوسنا على أن تنتظر الله وحده حتى يُعطى. لنتحلَّ بتلك الوداعة التي يدرّبها في الحق. لنسعَ أن نكون سريعي الفهم، لكي نكون متأهّبين لرؤية أدنى علامة من مشيئته. لنقف وأحقاؤنا ممنطقة وسُرُجنا موقدة، لكي نكون مستعدّين للطاعة في الحال. طوبى لأولئك العبيد. إنهم سيُهدَون طريقًا مستقيمًا إلى مدينة القديسين الذهبية.
وأما عن نفسي، فبعد شهور من الانتظار والصلاة، صرت متيقّنًا يقينًا مطلقًا من إرشاد أبي السماوي؛ وبقوّة الاختبار الشخصي أودّ أن أشجّع كل نفس مضطربة حائرة قد تقرأ هذه السطور على أن تنتظر الرب وتصبر له، حتى يُعلن مشيئته بوضوح.
اكتمل الفصل 1
سرّ الإرشاد