فصل 9 · قراءة 11 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
قبعة مغرفة السكر
كان من أبرز السمات المميزة لـ«بساطة الملبس» في أيامي تلك القبعة التي كانت تعتمرها كل النساء المحترمات من الأصدقاء. وبسبب شكلها كنا نحن الصغار نسميها، بقلة توقير، «مغرفة السكر»، وإن كان يبدو لنا في أغلب الأحيان أن إطلاق اسم بهذا الاستخفاف على شيء نعدّه مقدسًا يكاد يكون تدنيسًا للمقدسات. وما كان أي كويكري شاب في زماني ليرى رأيًا آخر. وقد وصفها كاتب يتحدث عن فترة تالية لفترتي بقليل وصفًا دقيقًا: «ليس بالأمر الهيّن، على من نشأ داخل الحظيرة، أن يقترب من موضوع مهيب رهيب كقبعة الكويكرز. فقد كان يحيط بها وقار مولود من الرهبة. سواء تربّعت في صدارة اجتماع النساء، أو غامرت في عواصف الشتاء محميّة بغلافها من الساتان أو المشمّع تحت مظلة الأصدقاء، أو حتى رقدت وحدها في أبّهة باذخة على سرير غرفة الضيوف — في أي مكان، وفي كل مكان، كانت شيئًا مهيبًا.»
أما لماذا عُدّت هذه القبعة — الرقيقة في نسيجها الحريري الخفيف، الباهظة الثمن إلى أقصى حد، العسيرة الصنع، وغير المريحة قطعًا — قبعة «بسيطة»، بينما حُكم على قبعة قش بسيطة بلا زخرفة، لا تكلف إلا جزءًا يسيرًا من ثمنها وهي أكثر راحة منها بكثير، بأنها «مبهرجة» (gay)، فذلك لغز. لكن هكذا كان الحال. وكان الحديث عن «القبعة البسيطة» يعني دائمًا مغرفة السكر.
أما بقية اللباس البسيط للمرأة من الأصدقاء فكان يتألف من شال حريري ناعم بلون الحمام يُطوى فوق ثوب بسيط الخصر منخفض العنق بلون الحمام الرمادي أو البني، مع نسيج موصلين أبيض رقيق يملأ فتحة العنق ويتقاطع على الصدر. وكانت تُلبس قلنسوة من الموصلين على هيئة القبعة، تُربط تحت الذقن بشرائط بيضاء ناعمة، داخل البيت وخارجه، تحت مغرفة السكر. وفي الطقس البارد كانت النساء يرتدين شالات أكبر من الكشمير بلون الحمام، أو عباءات كشمير من طراز مذر هبرد مثنيّة على كتفية ومزودة بقلنسوة مبطنة بالحرير. وكانت الشالات تُطوى دائمًا بدقة متناهية: طرف مدبب ينسدل على الظهر، وثلاث طيات أنيقة عند العنق يثبتها دبوس متين، ودبابيس أخرى خفية عند الكتفين تمسك وفرة القماش في موضعها، حتى ليبدو كأن الثنيات قد رتّبت نفسها بنفسها.
أما ثياب الرجال البسيطة فكانت معطفًا مشقوق الذيل بياقة مستقيمة كياقة رجال الدين، وقبعة عريضة الحواف. وكان الزي كله طريفًا عتيق الطراز، غير أن النساء خاصة كنّ يبدون فاتنات فيه، ولا أظنني رأيت قط وجوهًا أحلى ولا أكثر صفاءً من تلك الوجوه التي كانت تؤطرها قلنسوات الكويكرز وقبعاتهم القديمة. لقد فقد العالم شيئًا جميلًا بزوالها.
ولأن الكويكرز جميعًا — صغارًا وكبارًا — كانوا يُعاملون كأنهم «داخل الحظيرة» بالفعل، ولم يكونوا يُحَثّون قط على الاهتداء، فإن الدليل الوحيد الذي كنا نعرفه على تغيّر في الاختبار الديني لشخص ما هو ما كنا نسميه «أن يصير المرء جادًّا» أو «أن يصير بسيطًا». وكانت العلامة الظاهرة على ذلك اعتماد اللباس البسيط الخاص بالجمعية.
وكان لبس الثوب البسيط يُعدّ عندنا قدَرًا محتومًا ينتظر كل طفل كويكري، قدَرًا نسعى إلى تأجيله ما أمكن. وفي فيلادلفيا كان التغيير يحدث عادة في الاجتماع السنوي الربيعي في أبريل، حين يظهر الجميع في ثياب الموسم الجديدة. عندئذ كان التحول المرهوب أرجح ما يكون وقوعًا. وكان الأعضاء الشباب الذين «صاروا جادّين» يشعرون بأنهم ملزمون بالظهور في قبعات مغرفة السكر، أو في معاطف ذات ياقات مستقيمة وقبعات عريضة الحواف — علامات خارجية على تغيّر داخلي. أما نحن الذين لم يمسسنا هذا القدَر بعد، فكنا نصل باكرًا ونتخذ مواقعنا حيث نستطيع مراقبة المداخل، متلهفين لنكتشف أي رفيق من رفاقنا قد انتُزع من صفوفنا بهذه الدعوة المهيبة.
لم نكن نعرف إلا معرفة غامضة شيئًا عن الصراعات الخاصة والمجاهدات الروحية التي كانت تسبق هذا الإعلان العلني، غير أن الحدث كان يحمل من الثقل ما يجعلنا نشعر بأن رفاقنا، متى تغيّروا، صاروا ينتمون إلى عالم آخر. وإذا اقترن اعتماد الزي البسيط بنطق كلمات قليلة بصوت مرتجف في الاجتماع، بدت لنا الهوة بيننا وبينهم مطلقة — هوة لا يمكن عبورها حتى نقع نحن أيضًا تحت القدَر نفسه.
لا تستطيع أي كلمات أن تنقل نقلًا كاملًا ما كان لهذا الاحتمال في ذهني الصغير من جلال مرهوب. فقد كان «لبس القبعة البسيطة» يبدو شبه مرادف لنهاية الحياة البشرية العادية. فبعده لا يعود المرء يعيش أبدًا كما يعيش سائر الناس. إن كان صغيرًا فلا مزيد من المرح — لا سباق في الجري، ولا تسلّق للأشجار، ولا صعود على أكوام التبن — ولا شيء من هذا قطعًا وهو يعتمر مغرفة سكر بلون الحمام. وإن كان أكبر سنًّا فعلى قلبه أن يتجه كله نحو اجتماعات الأصدقاء وشهاداتهم وهمومهم الدينية. وعليه أن يحب كتاب النظام، ودفاع باركلي، ويوميات الأصدقاء الدينية، وأن يدير ظهره لكل ما هو سارّ أو جميل أو دنيوي.
ولما كان «أن يصير المرء جادًّا» لا يعني في خيالي أقل من اعتمار هذه القبعة المثيرة للرهبة، فقد ملأ هذا الاحتمالُ روحي المحبة للمرح رعبًا لا يوصف. وكان قد علق بذهني، على نحو ما، أن أمنا العزيزة تعتزم، طاعةً للسؤال الخاص بـ«بساطة الملبس»، أن تُلزم كل واحدة من بناتها باعتماد القبعة البسيطة في سن الخامسة عشرة.
وكانت هي نفسها قد أُلبست واحدة منها، وهي طفلة، منذ ما يكاد يكون المهد. ومع أن قلبها رُبّي على الطاعة، فقد تمردت هي أيضًا ذات مرة.
كانت تقصّ علينا، على سبيل العظة والتحذير، أنها حين كانت في التاسعة أو العاشرة من عمرها كانت تلميذات المدرسة يعيّرنها بقبعتها بلا رحمة، حتى تملّكها اليأس في سبيل الخلاص منها. أما والداها فظلا على صلابتهما ورفضا. وذات صباح، وهي تعبر الجسر الموحش فوق جدول وودبري في طريقها إلى المدرسة، اشتعلت كراهيتها للقبعة اشتعالًا شديدًا حتى راحت تركلها أمامها بغضب. وطوال النهار ظل ضميرها يعذبها. ولما عادت عند الغسق رأت ظلًّا داكنًا على ضفة الجدول، فاستحال في خيالها المهتاج شبحًا مخيفًا يتقدم نحوها. واعتقدت أنه إبليس نفسه قد جاء ليخطفها جزاء شرّها. ففرّت إلى البيت مذعورة، وهي تقسم ألا تتمرد على قبعتها البسيطة مرة أخرى أبدًا.
وقد تركت هذه القصة فينا نحن الأطفال أثرًا عميقًا، وكنا ننظر دائمًا إلى ذلك الجسر بعينه برهبة تبلغ حد الخرافة. وأذكر مرات كثيرة عبرته فيها راكضة بسرعة تقطع الأنفاس، لا أكاد أجرؤ على التنفس خوفًا من أن أستحضر بشكل ما ذلك الشبح الرهيب. وفي ضوء تجربة أمنا، لم أتصور لحظة واحدة أن في وسعي الإفلات من قدَر «القبعة البسيطة»، أما الهول الذي كنت أرقب به، وأنا طفلة، تقدُّم سنيّ الزاحف نحو سن الخامسة عشرة المشؤومة، فيفوق كل وصف. ولحسن الحظ، قبل أن أبلغ تلك السن، كان التغيّر الخفي في الأفكار الذي أخذ يؤثر بهدوء في الجمعية كلها قد نال من أمنا أيضًا، فلم تظهر «القبعات البسيطة» المرهوبة قط.
وبدلًا منها لبسنا أبسط ما يمكن العثور عليه من قبعات القش الريفية الصغيرة. وبالقياس إلى «القبعات البسيطة» التي طالما رهبناها، بدت لنا هذه في مخيلتنا الكويكرية من البهرجة والدنيوية بحيث شعرنا ونحن نخرج بها إلى الطريق بأننا «سيدات عصريات أنيقات»، وإن كنت الآن على اقتناع بأننا كنا لا نزال نبدو أشد ما تكون بنات الكويكرز الصغيرات تزمتًا وتحفظًا.
وحين كان قدَر «القبعة البسيطة»، كما أسميه، يحل بأحد الأصدقاء الشباب، كان كبار الأصدقاء يستقبلونه عمومًا برقة محبة تجعل حمل «الصليب» أقل مشقة.
لكنه كان أحيانًا يهبط على فرد من أسرة لا ترحب به البتة.
كانت بيننا درجات في البساطة: فبعض الأصدقاء «متشددون» (strict) — والأكثر شيوعًا أن يقال عنهم أصدقاء «رصينون» (solid) — بينما عُرف آخرون، ممن كانوا أكثر انغماسًا في أزياء العالم الباطلة، بالأصدقاء «المبهرجين» (gay). وفي أسرة من هذه الأسر «المبهرجة» التي كنت أعرفها كانت هناك فتاة متوقدة مرحة اسمها إليزابيث، في مثل سني تقريبًا، مرّت في مطلع صباها بتجربة تبدو لي الآن مأساوية حقًّا.
في أحد الأيام، بعد أن قُرئ السؤال الخاص بـ«بساطة الملبس» وتلا القراءةَ الصمتُ المعتاد، نهضت خادمة متجولة وقالت بأسلوب مؤثر إنها تؤمن بأن الرب أعطاها رسالة لقلب شاب حاضر في الاجتماع، قلبٍ مدعو إلى أن يحمل الصليب ويلبس «الثوب البسيط». ولسبب ما تأثرت إليزابيث الصغيرة تأثرًا عميقًا. وبدا أن صوتًا داخليًا يقول لها إن الرسالة موجهة إليها هي. فأجهشت بالبكاء، وفي ختام الاجتماع لاحظ أحد الشيوخ اضطرابها، فدنا منها ووضع يده على كتفها وقال بوقار: «أيتها الطفلة الغالية، أعتقد أن الرب قد كلمكِ. فلتكوني مطيعة للرؤيا السماوية.» فرسّخ هذا القولُ الأثرَ في نفس إليزابيث، ومضت إلى بيتها مثقلة بإحساس رهيب بدعوة إلهية شعرت أنها لا تجرؤ على مقاومتها.
ثم بدأ صراع مخيف. كانت تعلم أن أسرتها سترفض الأمر رفضًا تامًّا، وكانت على يقين من أنهم لن يعطوها المال لشراء المواد اللازمة لإحداث التغيير الذي اعتقدت أنه مطلوب منها في لباسها. وكانت تخاف وتخجل أن تخبر أحدًا بما تكابده. وأخيرًا قررت أن عليها أن تحاول أن تصنع لنفسها «ثوبًا بسيطًا» بيديها. فادخرت كل قرش من مصروفها الضئيل، وجمعت شيئًا فشيئًا ما يكفي لشراء أرخص ما وجدت من الأقمشة. وفي الليل، وحدها في غرفتها بعد أن يأوي الجميع إلى فراشهم، أخذت تفصّل الزي المطلوب بجهد جهيد ودموع غزيرة. لم تجرؤ أن تطلب إرشادات أو نماذج للتفصيل، وليلة بعد ليلة كدحت في عملها الذي لم تألفه، حتى اكتمل أخيرًا، على نحو خشن ناقص، ذلك الزي الصغير المسكين. وجاء اليوم الذي نحّت فيه ثيابها «الدنيوية» جانبًا وظهرت أمام أسرتها في القلنسوة والمنديل والشال الكامد اللون مما تلبسه المسنات من الأصدقاء.
أما ما كلفها ذلك فلم تشأ أن تخبرني به قط، وحتى في أواسط عمرها لم تكن تستطيع أن تتحدث عن استقبال أسرتها المفزوع لها من غير دموع شفقة عميقة على استشهادها في صباها. ومع ذلك قالت إنها، سواء أكانت على صواب أم على خطأ، كانت على الأقل أمينة لما اعتقدت أنه واجبها. وقد جلبت لها هذه الأمانة سلامًا عميقًا، وأثبت التغيير الجذري في حياتها نفعًا دائمًا لشخصيتها حتى إنها لم تتمنَّ قط أن تتخلى عنه، وظلت حتى وفاتها تلبس الطراز نفسه من الزي الذي اعتمدته، في ذلك العذاب الروحي، وهي فتاة.
ولعل مقتطفًا من يومياتي، كُتب بُعيد يقظتي الدينية في السادسة عشرة، يلقي بعض الضوء على الطريقة التي كانت تعمل بها أمثال هذه الهواجس الورعة في القلب الحساس الأمين لفتاة شابة أخرى، كانت صديقة حميمة لي وكاتمة أسراري في كل الأمور الروحية. فتحت تاريخ اليوم الثالث عشر من الشهر الحادي عشر، 1849، أجد ما يلي: «لقد أمضت أ. أسبوعًا عندي، ولا أعلم متى استمتعت بوقتي أكثر مما استمتعت به هذه المرة.
كان التواصل الروحي بيننا كاملًا. لا أظن أن إحدانا أخفت عن الأخرى شيئًا من مشاعرها. حدثتني عن العذاب النفسي — عذاب أشد مما كانت تظن أن في طاقتها احتماله — الذي سبق إعلان إرادة الله في نفسها، وعن كرب الروح حين انكشفت تلك الإرادة. لقد اعتقدت أنه مطلوب منها أن تتخلى فورًا عن كل لباسها المبهرج، وأن تحرق دبابيس صدرها وكشتبانها الذهبي وكثيرًا من قطع ثيابها، حتى فساتينها. وكانت تجربة قاسية؛ إذ بدا لها ذلك تبديدًا محضًا، وتراجعت الطبيعة البشرية أمامه. وكانت هناك تجربة أشد بعد. فقد كانت قد رسمت صورة كبيرة أحادية اللون كان والداها قد أطّراها وعلّقاها في صالون بيتهما، وكانا شديدي الإعجاب بها. فشعرت أن عليها أن تأخذ هذه الصورة وتحرقها هي أيضًا، بإطارها وكل شيء. وكانت تعلم كم سيحزن والداها، وكم سيبدو الأمر حماقة في عيني أختها وأخيها، فكان الصراع هائلًا. لكن توبيخات مرشدها الإلهي كانت من الإيلام بحيث لم تعد تحتملها آخر الأمر، فاستسلمت. وكان أبوها وأمها وأختها في كيب ماي حينذاك، ولولا ذلك، كما قالت، لما استطاعت أن تفعله أبدًا. ولما عادوا أخبرتهم، وعندئذ، كما قالت، كان الهدوء المقدس السماوي الذي أعقب ذلك مما لا يوصف؛ فلم تكد تشعر بأنها على الأرض، وبدا لها أنها لن تخطئ بعدُ أبدًا، وأن الجزاء كان أعظم كثيرًا من العذاب. ما أنبل ما فعلت! أخشى أنني كنت سأرفض الطاعة وأحتمل أي عذاب على أن أقدم تضحيات عظيمة كهذه. وها هي الآن قد قبلت أن تلبس قبعة بسيطة — ‹مغرفة سكر› كما أسميها. ومع أنه تغيير كبير وسيكثر الكلام حوله، فهي لا تكاد تخشاه، لأنها تجد صادقًا كل الصدق أن الله يستطيع أن يجعل الصعب سهلًا والمرّ حلوًا. فهل أستطيع أنا أن أحمل الصليب كما حملته هي؟»
ويدل على أنني تأثرت بهذا القدر أو ذاك بتجربة صديقتي قيدٌ آخر في اليوميات كُتب بعد ذلك بقليل: «اليوم السابع عشر من الشهر الحادي عشر، 1849. بدا لي أحيانًا اليوم، وأنا أفكر في الأمر، أنه يكاد يكون صوابًا أن ألبس قبعة مغرفة السكر البسيطة؛ لكنني لا أكاد أجرؤ على تصديق أن نعمة عظيمة كهذه قد تُمنح لي. وإنه لغريب، حتى في عيني أنا نفسي، أن أشتاق هذا الاشتياق كله إلى الوقت الذي يُتاح لي فيه أن أقدم هذه التضحية، مع أنها في الحقيقة لن تكون تضحية البتة.
الناس عمومًا ينفرون من هذه القبعات نفورًا شديدًا، وكذلك كنت أنا أيضًا، ربما قبل عام؛ أما الآن فإنني أتوق إليها توقًا جادًّا حتى لأخشى أنني لا أستطيع الحكم في أمرها بهدوء وصفاء. ومع أنني كنت سأقدم بكل سرور هذه التضحية وأي تضحية أخرى قد يطلبها الله، فإنني أعلم كم سيكون مروعًا أن أجري من قبل أن أُرسَل، وأن أفعل ما لم يطلبه الله. يبدو لي أحيانًا أنني لا أستطيع الانتظار أكثر — وأن عليّ أن أفعل شيئًا لأنال خلاص نفسي؛ فإن كان الله لا يطلب شيئًا، فعليّ أنا أن أقدم شيئًا من عندي. ومع ذلك فهذا ما لا أجرؤ عليه. آه، إني أشعر أن في وسعي أن أحب الصليب بل والعار أيضًا، لو أن الله يضعهما عليّ؛ أما الآن فواجباي هما الصبر والانتظار الهادئ.»
يتضح من هذا المقتطف أن روح الاستشهاد كانت قد استيقظت فيّ، وأنني كنت أتوق إلى أن أفعل شيئًا شاقًّا من أجل ديني. لكن هذه المشاعر سرعان ما انقضت، وقبعة «مغرفة السكر» التي رهبتها واشتهيتها معًا لم تزيّن رأسي قط. فقد كنت مخلوقة شابة موفورة الصحة، مفعمة بالحيوية الغريزية، مستغرقة في مباهج الحياة الخارجية. وكان ضميري يسكن بسهولة دائمًا، وقضيت صباي في معظمه لا أعي إلا المطالب العادية لواجب كل يوم، تلك المطالب التي جعلتها تربيتي والجو الكويكري الضاغط من حولي طبيعة ثانية تقريبًا.