فصل 8 · قراءة 12 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
أسئلة الكويكرز
يلي في الأهمية ذلك الانطباعَ الذي تركه في ذهني الغض التعليمُ الخاص بالإرشاد المحسوس من الروح القدس، الانطباعُ الذي تركته «شهادات الأصدقاء» كما كانت تسمى، و«الأسئلة» المؤسسة عليها.
كانت هذه «الأسئلة» سلسلة من الأسئلة تتناول ممارسة مذهب الكويكرز، تُطرح ويُجاب عنها في مهابة ووقار مرة كل شهر في الاجتماعات الشهرية التي أُقيمت لغرض تصريف أعمال الجمعية. وكانت هذه الأسئلة ثمانية، تؤلف معًا دستورًا نبيلًا للأخلاق، مُعدًّا لأن يُخرج قومًا على استقامة وأمانة لا تتزعزعان في جميع معاملاتهم، وعلى ضبط للنفس وإنكار للذات ملحوظَين في حياتهم الخاصة. ومع كل ما قاسيته من ضيق بها وأنا طفلة، لم أستطع قط أن أنسى الدروس التي علّمتها؛ بل إنني حتى الآن كثيرًا ما أجد نفسي أهتدي بوصاياها.
ومع هذا التمحيص الشهري للسلوك الذي كانت تقتضيه هذه الأسئلة، كان يكاد يكون محتومًا أن يصير مقياس رفيع من البر جزءًا لا يتجزأ من حياة الكويكري، وإني لأشعر أنه كان عنصرًا لا يقدَّر بثمن في تربيتي الدينية.
وكان وراء هذه الأسئلة مجموعة من «شهادات الأصدقاء» التي نشأت عنها الأسئلة.
ومع أن هذه الشهادات لم تكن مكتوبة — إلا بقدر ما عُبّر عنها في الأسئلة — فإنها كانت ملزمة إلزامًا مطلقًا لكل صديق حق. وكثيرًا ما خطر لي أنها كانت في الحقيقة وصايانا العشر الكويكرية، وإن لم يقل أحد ذلك قط. أما وأنا طفلة فقد كنت أعتقد يقينًا أنها وصايا خاصة أُعطيت لنا نحن الكويكرز، تميزنا عن جميع المسيحيين من حولنا وتجعلنا «الشعب الخاص» الذي كنا نفخر بأن نسمي أنفسنا به.
وكان كثير من هذه الشهادات صارمًا شديدًا، ولا بد أنها كثيرًا ما بدت قاسية في أعين الغرباء. ولكن لما كان جميع الكويكرز الذين عرفتهم قد نشأوا عليها منذ المهد، فإنها لم تكن تثقل علينا بالقدر الذي قد يُظن. غير أنها كانت تعمل على إبقاء أقدام الكويكرز سائرة في طريق ضيق — «الباب الضيق والطريق الضيق» الذي يتكلم عنه الكتاب المقدس بوصفه السبيل الوحيد الذي «يُؤَدِّي إِلَى ٱلْحَيَاةِ».
وكنا نؤمن إيمانًا تقيًا بأن كل شهادة من هذه الشهادات قد أُعلنت إعلانًا مباشرًا من الروح القدس للأصدقاء الأولين؛ ومهما بدت في غير ذلك من الاعتبارات بعيدة عن المعقول، فقد كنا نحن الأصدقاء الصغار نوقرها كأنها أقوال الله نفسها.
ولما كانت هذه الأسئلة قد تراجعت في السنوات الأخيرة بين الكويكرز إلى الظل تراجعًا يكاد يكون تامًا، فسأدوّنها هنا عرضًا أمينًا لمذهب الكويكرز أيام صباي.
السؤال الأول. — هل تُحضَر جميع اجتماعاتنا الدينية للعبادة والنظام حضورًا لائقًا؛ وهل يُراعى الموعد؛ وهل الأصدقاء بريئون من النوم فيها ومن كل سلوك آخر غير لائق؟
السؤال الثاني. — هل المحبة والوحدة محفوظتان بينكم؟ وهل تُثبَّط النميمة والغيبة؟ وإذا نشأت خلافات، فهل تُبذل المساعي لإنهائها على وجه السرعة؟
السؤال الثالث. — هل يحرص الأصدقاء على تنشئة من هم في عهدتهم على البساطة في الكلام والسلوك واللباس؛ وعلى المداومة على قراءة الكتب المقدسة؛ وعلى كفّهم عن قراءة الكتب المفسدة وعن الحديث الفاسد؟ وهل هم أنفسهم قدوة صالحة في هذه الأمور؟
السؤال الرابع. — هل يحرص الأصدقاء على تثبيط ما لا ضرورة له من تقطير المشروبات الروحية وتعاطيها، وارتياد الحانات؛ وعلى تجنب أماكن اللهو؛ وعلى التزام الاعتدال والقصد الحق في الأعراس والمآتم وسائر المناسبات؟
السؤال الخامس. — هل تُتفقَّد حاجات فقراء الأصدقاء تفقدًا لائقًا، وهل يُغاثون أو يُعانون على عمل يناسب قدراتهم؟ وهل ينال أولادهم نصيبًا وافرًا من التعليم الذي يؤهلهم للعمل، وهل يوضَعون هم وأولاد سائر الأصدقاء بين الأصدقاء؟
السؤال السادس. — هل تحفظون شهادة أمينة ضد الأيمان؛ وضد الخدمة المأجورة؛ وضد حمل السلاح والتدريب العسكري وسائر الخدمات الحربية؛ وضد الاشتغال بالتجارة الغشاشة أو السرية، وشراء البضائع المستوردة على هذا النحو أو بيعها، والاتجار ببضائع الغنائم؛ وضد تشجيع اليانصيب بكل أنواعه؟
السؤال السابع. — هل يحرص الأصدقاء على العيش في حدود إمكاناتهم وعلى التزام الاعتدال في تجارتهم أو أعمالهم؟ وهل هم أوفياء لمواعيدهم عادلون في سداد ديونهم؟ وإذا أعطى أحدهم سببًا معقولًا للخوف عليه في هذه الأمور، فهل يُسعى إليه بالنصح في حينه صونًا له أو استنقاذًا؟
السؤال الثامن. — هل تعتنون العناية الواجبة بأن تعاملوا جميع المخطئين معاملة منتظمة بروح الوداعة، بلا محاباة ولا تأخير لا داعي له، طلبًا لعونهم؛ وإذا لم يُجدِ هذا السعي، فهل تصدرون الحكم عليهم بسلطان الحق؟
كانت قراءة هذه الأسئلة في اجتماعاتنا الشهرية بمثابة اعتراف علني شهري للجمعية كلها، وكانت مواسم فحص مهيب للنفس للكبار والصغار على السواء. وكان كل اجتماع من الاجتماعات التابعة للاجتماع الشهري يرسل مجموعته الخاصة من الأجوبة، وكانت مناقشتها تُعرف باسم «النظر في حال الجمعية».
ولا تزال أجوبة من هذا القبيل عالقة بذاكرتي: «لقد حضر معظمُ أعضائنا جميعَ اجتماعاتنا حضورًا لائقًا، غير أن بعض الأصدقاء لم يراعوا الموعد.»
«بريئون في الأغلب من السلوك غير اللائق، غير أنه لوحظ شيء من النوم.»
«الأصدقاء عمومًا حريصون على تنشئة أولادهم على البساطة في الكلام والسلوك واللباس، غير أن مزيدًا من الأمانة في هذا الشأن أمر مرغوب فيه.»
«إن شهادتنا ضد الأيمان والخدمة المأجورة وحمل السلاح والاشتغال بالتجارة السرية، وضد تشجيع اليانصيب، قد حفظها جميع أعضائنا بأمانة.»
وقد جرت العادة، بعد قراءة كل سؤال وجوابه، أن تعقبهما فترة من الصمت تتيح للأصدقاء فرصة أن «يريحوا أذهانهم» من أي رسالة قد تكون أُعطيت لهم في شأن ذلك السؤال بعينه. وكانت هذه الفترات في الغالب أوقات تفتيش عميق للقلب لجميع الحاضرين.
وعلى ما أذكر، كان السؤال الذي كان يُوعَظ فيه أكثر من غيره وبأشد الحرارة هو السؤال الثالث، الخاص بشهادة «البساطة في الكلام والسلوك واللباس، وضد أزياء العالم الباطلة». وهذه الشهادة هي التي أسهمت أكثر من سواها في جعل الكويكرز «شعبًا خاصًّا»، وهي التي سببت لنا نحن الأصدقاء الصغار أشد لواعج القلب. وإني لأذكر ذكرًا حيًا ما كنت أقاسيه كل شهر وأنا جالسة إلى جانب أمي أستمع إلى هذا السؤال يُقرأ ويُشرح. كان خوفي الدائم أن يزيدها ذلك تشددًا في إبعادنا عن «أزياء العالم الباطلة» التي كانت، على الرغم من كل تربيتنا، تملك علينا فتنة لم نستطع قط أن نقهرها قهرًا تامًا. وكلما اقترب الصديق المعيَّن لقراءة الأسئلة من هذا السؤال بعينه، كنت أبذل جهدي لأصرف ذهني عنه، حتى إنني كنت أسد أذنيّ خلسة، محاولة أن أخدع نفسي بأنني إن لم أسمعه فلن تنتبه إليه أمي هي الأخرى. ولكن واأسفاه، كان الخذلان نصيبي دائمًا، فقد كان الوعظ في هذا السؤال أكثر الوعظ تكرارًا وأشده توهجًا، وكان لا بد لكلتينا في النهاية، هي وأنا، من الإصغاء.
وتعود إليّ حادثتان من حوادث طفولتي متصلتان بهذا السؤال في وضوح شديد.
كانت أمنا قد اشترت لنا شالات بيضاء من كريب الصين ذات أهداب طويلة فاتنة كانت في أعيننا من الجمال بحيث تعجز عنه الكلمات، وكنا نلبسها بفخر عظيم. غير أنها عادت يومًا من اجتماع قُرئت فيه الأسئلة وأُجيب عنها، فأخبرتنا أنها شعرت أثناء الاجتماع بأن أهدابنا الطويلة «مبهرجة» (gay) أكثر مما يليق بأولاد الأصدقاء، وأنها ترى من واجبها أن تقصّها.
وإني لأرى المشهد كله الآن: كيف بسطت الشالات بعناية على مائدة كبيرة، ووضعت مسطرة الياردة على الأهداب عند الطول الذي رأته لائقًا، ثم شرعت تقص كل تلك الخيوط الزائدة الجميلة. كان ذلك أشبه بالقص في قلوبنا نفسها. وأذكر كيف توسلنا وألححنا في التوسل أن تُنزل المسطرة المشؤومة إلى أسفل قليلًا بعد. كان خوفنا الأكبر أن تصير أهدابنا أقصر من أهداب صديقتينا الحميمتين هانا وجين سكل، اللتين كان مسموحًا لهما بقدر من البهرجة أكثر مما سُمح لنا. وكان أن تزيد أهدابهما على أهدابنا ولو عُشر بوصة يبدو لنا نكبة لا تُحتمل. ولا أذكر كيف انتهى الأمر، ولكنني لن أنسى أبدًا ما قاسيناه من عذاب النفس في أثناء تلك العملية.
وثمة تجربة أخرى متصلة بثوب تركت فيّ أثرًا لا يُمحى. كان الكم الذي يُعد «بسيطًا» في أيامي هو كم فخذ الضأن، وعلى هذا النحو كانت تُفصَّل جميع أثوابنا. ولكن تأثيرًا رحيمًا — لم نعرف قط ما هو — حمل أمنا في أحد الربيعات على أن تسمح بأن تُفصَّل أكمامنا على شيء من زي ذلك الزمان، وكان الزي يومئذ الكم الأسقفي، المنفوش عند الكتف والمعصم جميعًا. كانت الأكمام الأسقفية التي على الموضة واسعة جدًا، أما أكمامنا فكانت صغيرة ضئيلة؛ ومع ذلك فقد كانت أسقفية حقًا، وكان فخرنا بها عظيمًا. كانت هذه الأكمام في أثواب مدرستنا الربيعية الجديدة، من قماش مطبوع مقلَّم بالبني والأبيض — «كاليكو» كما كنا نسميه. ومع أن الجو كان لا يزال شتويًا، كانت رغبتنا في إظهار أكمامنا العصرية من الجموح بحيث لم يرضنا إلا أن نلبسها ونخرج في نزهة طويلة بغير معاطفنا؛ وما مشت في شوارع فيلادلفيا قط طفلتان أشد زهوًا من هانا وسالي ويتال في ذلك الصباح. وأذكر أن أختنا الصغرى ماري أرادت أن ترافقنا، ولكن أكمامها كانت لا تزال على شكل فخذ الضأن، فرأينا أن ظهور واحدة من جماعتنا بذلك الشكل المحتقر يفسد كمال الأثر، فجعلناها تمشي على الجانب الآخر من الشارع. وما زلت أرى نظراتها المشتاقة عبر الطريق وهي تتأمل مجدنا من بعيد.
ولم تلبث أن أخذت بثأرها. فقد دخلت في الموضة «البنطلونات» المكشكشة (كما كنا نسمي السراويل الداخلية يومئذ) التي تصل إلى القدمين، فلما صنعت لها أمنا طقمًا جديدًا، جاء طويلًا مكشكشًا، بينما بقي علينا نحن أن نلبس سراويلنا البسيطة المكفوفة الحواشي التي لا تظهر من تحت أثوابنا. وهذه المرة خرجت ماري هي الأخرى إلى النزهة لتعرض زينتها الجديدة، ولكنها، إذ كانت أرحم منا، دعتنا إلى مرافقتها. ويخجلني أن أقول إن آدم القديم فينا امتعض من حظوتها امتعاضًا شديدًا حتى رفضنا أن نمشي معها على جانب واحد من الشارع، وعبرنا باحتقار إلى الجانب الآخر، تاركين إياها تمشي وحدها، وقد أتلف احتقارُنا القاسي وجفاؤنا كل مجد بنطلوناتها المكشكشة الجميلة.
كان الأصدقاء الأولون، في شهادتهم ضد تقلبات الموضة الحمقاء عند «أهل العالم»، قد تمسكوا، بقدر الإمكان، بزي اللباس الذي كان سائدًا حين نشأوا أول مرة. وفي سنوات قليلة جدًا صار هذا الزي بطبيعة الحال غريبًا، وانتهى إلى أن تطور إلى ما يشبه زيًا رسميًا كويكريًا شعر جميع الأصدقاء الأمناء بأنهم «مقودون» إلى اتخاذه. وأقول «بقدر الإمكان» لأن بعض الطرز كانت، متى بطلت موضتها، تختفي سريعًا من السوق فلا يعود الحصول عليها ميسورًا؛ ولأن أشد الأصدقاء تشددًا أنفسهم لم يكن في وسعهم إلا أن يتأثروا بعض التأثر بالزمن والعادة.
لم تكن شهادتهم في بساطة اللباس شهادة مع زي بعينه أو ضده، بل كانت مجرد احتجاج على اتباع «أزياء العالم الباطلة». فما إن يصير طراز ما قديم الطراز آخذًا في الزوال من الاستعمال حتى يكون الكويكرز مستعدين لاتخاذه.
وقد وقعت أخيرًا على مثال طريف لذلك في مقتطفات من يوميات قديمة. ففي زمن الملكة إليزابيث، قبل أن يوجد الكويكرز، كانت الموضة العامة أن تلبس السيدة مئزرًا أخضر ضمن ثياب ذهابها إلى الكنيسة. فلما ظهر الكويكرز، كان هذا الطراز قد أخذ في الاندثار، وكانت المآزر البيضاء المقواة آخذة في أن تصير موضة. وحرصًا على عدم اتباع الأزياء المتقلبة، تمسك الأصدقاء بالمآزر الخضراء لباسًا للذهاب إلى الاجتماع، وشجب وعّاظهم المآزر البيضاء العصرية بوصفها «مبهرجة منجِّسة». ويُروى عن واعظ قديم أنه أعلن أن ماء النشا المستعمل في تقويتها هو «ماء الشيطان الذي لا بد أن يُرشوا به»، محذرًا سامعيه من استعماله الملوِّث.
والغريب أن هذا الاعتراض الكويكري على اتباع أزياء العالم امتد حتى إلى كثير من المخترعات النافعة التي كان المرء يظن أن حس الأصدقاء العملي السليم سيرحب بها. أذكر حين ظهرت آلات الخياطة أول مرة؛ كانت تُعد يومئذ دنيوية إلى أبعد حد. فلما عزمت على شراء واحدة، اضطررت إلى أن أتم الشراء سرًا وأن أخبئ الآلة في أبعد غرف البيت منالًا، لئلا يحزن أحد بسبب دنيويتي. ثم لما ألف الأصدقاء هذا المستحدث، صارت آلات الخياطة بطبيعة الحال شائعة في كل بيت كويكري حسن التدبير؛ ولكنني ظللت زمنًا طويلًا يساورني إحساس مقلق بأنني سقطت من النعمة بسبب هذا الشيء الدنيوي الذي اقتنيته.
وكان مقياس البساطة يتغير بالضرورة من جيل إلى جيل. ولكن أيًّا كان المقياس، فإن الشهادة ضد أزياء العالم الباطلة بقيت ثابتة لا تتغير، وكان كل جيل يشعر أن الزي المستقر في أيامه هو بمعنى من المعاني فريضة إلهية فُصّلت في السماء نفسها.
وهذا الاقتناع بقداسة «اللباس البسيط» نشأ في أكبر الظن، فيما أعتقد، من أن جل الاختبار الديني الشخصي كان يجيء من هذه القناة. فالصديق حديث الاستيقاظ، صغيرًا كان أو كبيرًا، كان يواجَه لا محالة بمسألة «التحول إلى البساطة»، وكان تسليم الإرادة الذي يقتضيه اتخاذ الزي الكويكري يجلب دائمًا من سلام النفس وراحتها ما كان يكاد يحتم أن يُعد اللباس البسيط سبب البركة. وقد صدق هذا على أبينا العزيز خاصة. ففي يومياته، تحت تاريخ سنة 1823، وكان يومئذ في الثالثة والعشرين تمامًا، يكتب: «بينما كنت في البيت بعد رحلتي البحرية الخامسة، رأيت أن من الصواب أن أتخذ لباس الأصدقاء البسيط ولغتهم البسيطة. وبينما كنت تحت الاقتناع بصوابه، خائفًا أن أفقد وظيفتي إن فعلت، لقيت صموئيل بتل الكبير، فقال لي، وهو لا يعلم ما بنفسي من ضيق، إنني إن كنت أمينًا لما أراه صوابًا، فإن الرب سيصنع لي طريقًا حيث لا يبدو طريق؛ وقد فعل حقًا، إذ أعطاني نعمة في عيني رب عملي، فكان في ذلك تعزية كبيرة لي. وإذ سمعت بسفينة تحتاج إلى مساعد أول للربان، استعرت معطفًا بسيطًا من صديقي جيمس كوكس — إذ لم يكن معطفي جاهزًا بعد — وتقدمت إلى الربان، وقلت له إنني لا أستطيع أن أخاطبه بلقبَي ‹Mr.› و‹Sir› كما جرت العادة. فأجابني بلطف أن الأمر لن يكون سوى أعجوبة تسعة أيام، وعيّنني في الحال مساعدًا أول. وهكذا استُجيبت صلاتي، وصُنع لي طريق حيث لم أكن أرى طريقًا. فليتبارك اسم الرب إلى الأبد.»
كانت هذه نقطة التحول في حياته الدينية، وقد أعقبها من ارتفاع النفس ومن الإحساس بمحبة الله ما جعله لا يستطيع قط أن يفصل بين الاختبارين. وظل طوال حياته يعتقد أن أي إنسان يتخذ اللباس نفسه تتبعه البركة نفسها. وأحسب أنه كان يهب عن طيب خاطر معطفًا بسيطًا لكل من يرضى بلبسه، ولم يزعزع شيء قط اقتناعه العميق بأن المعاطف البسيطة والبونيهات البسيطة قد فُصّلت وصُممت في السماء.
حتى إنه أكد لنا مرة أنه يعتقد اعتقادًا تامًا أن أجناد السماء المذكورين في رؤيا 19:14، الذين يتبعون ملك الملوك على خيل بيض، كانوا جميعًا يلبسون «معاطف بسيطة». وكان عضوًا في مجلس إدارة كلية كويكرية قرب فيلادلفيا، كان جميع طلابها ملزمين بلبس معاطف بسيطة ذات ياقات قائمة. ولكن في الجو الحار، حين كان الطلاب مضطرين إلى لبس معاطف من الكتان أو قماش السيرسكر، كانت الياقات الرقيقة تتهدل من الحر. فلما عُرضت على المجلس مسألة ما إذا كان يجوز في مثل هذه الظروف السماح بالياقات المطوية إلى أسفل، مال بعض الأعضاء إلى الإجازة، أما أبونا فلم يقبل بذلك أبدًا. وأعلن أنه إذا لم يكن في الإمكان جعل الياقات تقف بغير ذلك، فلا بد من تقويتها بعظم الحوت، لأنها «يجب أن تقف لا محالة». على أنني أظن أن حر الصيف تغلب في النهاية حتى على مبادئه الصلبة، فرضخ على مضض للياقات المطوية.
ولا أشك في أن أمورًا مشابهة تحدث في طوائف أخرى غير الأصدقاء. فلهذه الطوائف أيضًا صورها وطقوسها الخاصة المطلوبة من أعضائها، والخضوع لها كثيرًا ما يثمر إحساسًا بالسلام والراحة الروحية شبيهًا بما كان يختبره الأصدقاء عند اتخاذ اللباس البسيط. وعلى غرار الأصدقاء، ظن كثيرون أن هذه الصور أو الطقوس هي سبب البركة، فرفعوها إلى مقام القداسة، معتقدين أنها مرسومة مصممة في السماء. وقد شعرت بهذا شعورًا قويًا منذ عهد غير بعيد حين حضرت قداسًا كاثوليكيًا رومانيًا في إيطاليا. كنت أميل إلى انتقاد ثياب الكهنة الفاخرة، ظانّة أن الرب لا يمكن أن يعبأ بمثل هذه الأشياء، وإذا بالفكرة تلمع في ذهني فجأة: أنه لا فرق حقيقيًا، في نهاية الأمر، بين حلة من القرمز والذهب ومعطف أسود ذي ياقة قائمة، ولا بين زي إحدى راهبات المحبة الغريب الطريف وبونيه على هيئة مغرفة السكر مع شال بلون الحمام. وكما كان كويكرز طفولتي على يقين من أن ثيابهم البسيطة مرضية عند الله، كان هؤلاء الكهنة الأتقياء على يقين من أن حللهم الغنية مقبولة في عينيه. كل فريق اعتقد أنه يطيع الرب في لباسه، وكانت طاعته، على قدر فهمه، هي بيت القصيد.
ومنذ ذلك الحين لم أجد صعوبة في أن أشعر بمحبة مسيحية كاملة نحو كل صورة أو طقس صادر عن إخلاص، مهما خالف أفكاري، لأنني أدرك عمق الحق في هذه الكلمات: «لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ ٱلْإِنْسَانُ. لِأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى ٱلْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا ٱلرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى ٱلْقَلْبِ».