نكران الله لذاته ·شهادة القبعة

فصل 10 · قراءة 10 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

شهادة القبعة

كان جزءًا من الشهادة على «بساطة اللباس» تلك الشهادة ضد ما كان يسمى «إكرام القبعة». فقد اعتقد الكويكرز أنه لما كان خلع القبعة علامة ظاهرة على توقير الله، فليس من الصواب ولا من اللياقة أن تُمنح هذه الإشارة نفسها لبني البشر.

قال باركلي: «مَن يكشف رأسه للمخلوق، فماذا أبقى للخالق؟»

ولما كان خلع القبعة يُعَدّ علامة احترام خاص لأشخاص معينين أو أماكن معينة، فإن الأصدقاء — الذين آمنوا بأن الناس جميعًا متساوون في استحقاق الاحترام بوصفهم أبناء أب واحد، وأن الأماكن كلها مقدسة على السواء لأن حضور الله في كل مكان — عبّروا عن هذا الإيمان برفضهم أن يخلعوا قبعاتهم لأي إنسان أو في أي مكان، إلا حين تقتضي الراحة ذلك. ولم يكن يجوز التساهل في هذه القاعدة حتى عند دخول مكان للعبادة، لأن خلع القبعة كان يوحي بأن الله حاضر داخل ذلك البناء أكثر من حضوره خارجه في الهواء الطلق. وكانت هذه الفكرة مناقضة تمامًا لمعتقدات الكويكرز الأساسية.

يكتب الأستاذ وليم جيمس في كتابه القيّم «تنوع الخبرة الدينية»، وهو يتناول الكويكرز الأوائل وغرائبهم: «كثير من هذه الغرائب نشأ من تصميمهم على ألا تكون لهم صلة بالزيف أو التظاهر، بل أن يكونوا صادقين مخلصين في كل تعاملاتهم مع الله ومع إخوتهم من البشر.»

آمن جورج فوكس بأن الرب أراه أن كثيرًا من الأعراف الاجتماعية المتعارف عليها زائف ومنافق. فكتب: «حين أرسلني الرب إلى العالم، نهاني أن أخلع قبعتي لأحد، رفيعًا كان أو وضيعًا؛ وطُلب مني أن أخاطب بصيغة ‹أنتَ› (thee) و‹أنتَ› (thou) جميعَ الرجال والنساء، بلا اعتبار لغني أو فقير، ولا لعظيم أو صغير. وحين كنت أتنقل في البلاد، لم يكن لي أن أحيّي الناس بقول ‹صباح الخير› أو ‹مساء الخير›؛ ولا كان يجوز لي أن أنحني أو أثني ساقي تحيةً لأحد... آه من الازدراء والحنق والغضب الذي ثار! وآه من اللكمات والضربات والجلدات وأحكام السجن التي قاسيناها لأننا لم نخلع قبعاتنا للناس! لكن تبارك الرب، فقد جاء كثيرون إلى إدراك بطلان تلك العادة، عادة خلع القبعات للناس، وأحسّوا بثقل شهادة الحق ضدها.»

وقد قبل أتباع جورج فوكس جميعًا هذه الإعلانات إرشادًا لهم كما كانت إرشادًا له، فهجروا العادات الدنيوية التي أدانها، معتبرين ذلك ذبيحة للحق ووسيلة تجعل أفعالهم أصدق تعبيرًا عن الروح التي جاهروا بها. واستمر هذا النبذ حتى زماني أنا، وإن كنت أظن أن كثيرين ممن مارسوه لم يعودوا يدركون تمامًا الأسباب الكامنة وراء هذه الغرائب.

بلغ الأمر ببعض الأصدقاء في أيام شبابي أن عدّوا لبس القبعة في كل وقت ممكن — حتى في أثناء الطعام — ضربًا من الواجب الديني. وذات مرة كان شاب أعرفه يسير مع أحد الشيوخ في شوارع ويلمنغتون بولاية ديلاوير، وكان الشيخ ينصحه مبينًا أهمية مساندة شهادات الأصدقاء في كل موقف، فقال: «لقد لاحظت، يا صديقي الشاب العزيز، بارتياح عظيم، أنك تحرص على ألا تخلع قبعتك حين تلقى معارفك في الشارع، ولا تنزعها عند دخولك بيت الاجتماع حتى تأخذ مقعدك. غير أني أرى في هذا الأمر مجالًا لأمانة أعظم، وأجد نفسي في حِلّ من أن أقول لك إني أومن أن من الصواب لي أن ألبس قبعتي في كل الأوقات إلا حين أكون في الفراش. فأنا أضعها على رأسي لحظة قيامي في الصباح، ولا أشعر أن لي حرية نزعها حتى أرتدي ثياب النوم، قبيل دخولي الفراش ليلًا.»

وكثيرًا ما كانت هذه الممارسة، ممارسة إبقاء القبعة على الرأس، مصدر صراع وامتحان للكويكرز الذين كانت الواجبات الاجتماعية أو الأعمال تلزمهم بالمثول أمام أناس يتوقعون منهم إشارة الاحترام هذه. وفي يوميات الأصدقاء القديمة أخبار كثيرة عن المعاناة التي سببتها «شهادة القبعة» هذه. ففي يوميات توماس إلوود، صديق ميلتون، الذي اقتنع بآراء الأصدقاء، يصف الكراهية العنيفة التي كان أبوه يكنّها لهذه الشهادة.

يكتب: «كان منظر قبعتي على رأسي عند دخولي عليه يثير من غضبه ما جعله يندفع نحوي بكلتا يديه، فينتزع قبعتي بعنف ويلقي بها بعيدًا؛ ثم كال إلى رأسي بعض الضربات وقال: ‹يا غلام، اصعد إلى حجرتك.›»

وفي يوم آخر يروي كيف جاء إلى مائدة الطعام لابسًا قبعته: «ما إن دخلت حتى رأيت من ملامح أبي أن قبعتي ما زالت إساءة في عينيه. ولكن حين جلست، وقبل أن أذوق شيئًا، زاد الأمر وضوحًا إذ قال لي: ‹إن كنت لا ترضى أن تجيء إلى الطعام من غير أن يكون هايسُك على رأسك (هكذا كان يسمي قبعتي)، فقُم إذن واذهب فتناول طعامك في مكان آخر.› فلما سمعت هذا قمت من المائدة ودخلت المطبخ، وبقيت فيه حتى جلس الخدم إلى الطعام، فجلست معهم راضيًا.»

وبعد تجربة إلوود بسنوات كثيرة، وصف صديق إنجليزي ثري، هو جوزيف جون غيرني، محنته هو في سنة 1810 فقال: «كنت مدعوًّا قبل الموعد بزمن طويل إلى حفل عشاء. وطوال ثلاثة أسابيع قبله كنت في اضطراب لعلمي أن عليّ أن أدخل قاعة الاستقبال وقبعتي على رأسي. ومن هذه التضحية، مهما بدت غريبة غير مفهومة، لم يكن لي مهرب. فدخلت قاعة الاستقبال في اللحظة المرهوبة لابسًا زي الأصدقاء وقبعتي على رأسي، وصافحت ربة البيت، ثم عدت إلى الردهة فوضعت قبعتي هناك ورجعت. وذهبت إلى بيتي بشيء من السلام. وبعد ذلك كان عليّ أن أفعل الشيء نفسه في بيت الأسقف. وكانت النتيجة أني وجدت نفسي كويكريًّا حاسم الأمر، قد فهم الجميع تمامًا أني اتخذت ذلك الموقف، فلم أعُد أُدعى إلى حفلات العشاء — إلا في نطاق دائرة الأسرة.»

ثم بعد ذلك أيضًا واجه أبونا العزيز تحديًا مماثلًا. فقد كان يرجو في إحدى المرات أن يُعيَّن قبطانًا لسفينة مهمة، وبينما كان يستعد لتقديم طلبه إلى أصحابها، عانى صراعًا شديدًا لاعتقاده أن من واجبه أن يدخل عليهم وقبعته على رأسه. وكان يخشى أن يجعلهم ذلك متحاملين عليه، لكنه ظل ثابتًا على ما رآه واجبه الديني، واثقًا بأن الرب سينجحه. يكتب في يومياته: «ظن بعض أصدقائي أن لباسي البسيط وكلامي البسيط سيقفان عقبة في طريقي، لكني قلت لهم أن ينتظروا ليروا ألن أظفر بالمنصب ببركة الله، الذي إليه أرد كل نجاح في حياتي. وقد أُنزلت السفينة نيو جيرسي إلى الماء في اليوم الأول من الشهر الثاني عشر سنة 1824، وفي اليوم الثالث أسند إليّ ويتون إيفانز، صاحب السفينة، قيادتها.»

وبينما كنت أقرأ مؤخرًا كتابًا شائقًا جدًّا هو «وصية إغناطيوس لويولا»، دهشت إذ وجدت أن هذا القديس القديم من القرن السادس عشر شارك الكويكرز الأوائل كثيرًا من هذه التحرجات. فهو يكتب أن عادته في مخاطبة الناس كانت إغفال جميع الألقاب من مثل «سيادتكم» أو «قدسكم»، إيمانًا منه بأن تلك البساطة هي ما جرى عليه المسيح ورسله. ويروي أيضًا كيف جُرِّب، خوفًا من العواقب، أن يتساهل في هذه العادة مع قائد معين، وأنه ما إن أدرك أن هذا تجربة حتى عزم قائلًا: «ما دام الأمر كذلك، فلن أدعوه سيادتكم، ولن أبدي له توقيرًا، ولن أنزع القلنسوة عن رأسي.»

والحق أنه على مدى التاريخ المسيحي كانت غرائب اللباس أو الكلام إحدى الطرق التي عبّر بها المؤمنون المكرسون عن التزامهم، وباستثناء الصورة الخاصة التي اتخذها الأمر عندهم، لم يكن الأصدقاء الأوائل بدعًا في هذا. غير أنهم، بخلاف كثير من الجماعات المسيحية الأخرى، حملوا أيضًا شهادة خاصة ضد الألوان الزاهية كلها، التي كانت تُعَدّ — لأسباب غير واضحة تمامًا — دنيوية. فكانت درجات البني والألوان الترابية الكامدة تُعَدّ بمنأى عن الدنيوية، وكانت معظم ثيابنا ضربًا من هذه الألوان. وكان يُسمح أحيانًا بقليل من الأخضر، ومن الغريب أن أرجوانيًّا داكنًا كان يُباح في بعض الأحيان، أما الأحمر والأزرق والوردي والأصفر فكانت محظورة حظرًا تامًّا بوصفها «مبهرجة أكثر مما ينبغي». بل عرفت بعض الأصدقاء المتحرّجي الضمير ممن لم يجدوا أنفسهم في حِلّ من زرع أزهار الجيرانيوم القرمزية في حدائقهم أو وضع مزهرية من الزهور القرمزية في صالوناتهم.

بعد أن صرت معلّمة دينية معترفًا بها، كثيرًا ما كان يقصدني أصحاب الضيقات الروحية طلبًا للعون. وكان من بينهم شابة من الأصدقاء ذات ضمير مرهف جدًّا، جاءتني يومًا في اضطراب شديد بسبب أزهار الجيرانيوم القرمزية. كانت تسكن في أحد شطري بيت مزدوج في ضواحي فيلادلفيا، وأمام البيتين حديقة صغيرة مشتركة فيها حوض أزهار بيضاوي، كانت تتناوب هي وجارتها على ملئه في كل ربيع. وفي تلك السنة كان الدور لها، فرغبت في إرضاء جارتها وسألتها أي الأزهار تزرعان. وآثرت الجارة الجيرانيوم القرمزي، وكانت صديقتي على وشك طلبه حين استولى عليها فجأة تحرّجٌ من أن تسمح لأزهار بهذا الزهو أن تزيّن الحديقة أمام بيتها. فجاهدت وصلّت في الأمر، وكلما أكثرت الصلاة بدا الصوت الداخلي يعلو أكثر قائلًا لها إنه ليس من الصواب أن تزرع الجيرانيوم القرمزي. أما كيف تشرح ذلك لجارتها — التي لا تعرف شيئًا عن الأصدقاء — فذلك ما لم تستطع تصوره، فجاءتني في كرب عظيم تطلب العون.

لطالما وجدت أنه ما من شيء أصعب مقاومةً من تحرّجات الضمير. ومع أني اجتهدت جدًّا في إقناع صديقتي المسكينة الحائرة بأن في الحياة المسيحية أمورًا أهم بكثير من لون الأزهار في حدائقنا — وبأن الرب قد يُسَرّ باللطف والمجاملة نحو جارتها أكثر مما يُسَرّ بأي قاعدة صارمة في ألوان الأزهار، وهي ألوان خلقها هو نفسه على كل حال فلا يمكن إذن أن تكون مكروهة عنده — فقد ذهب ذلك كله سدى.

وأخيرًا اضطُررت إلى أن أسدي إليها نصيحة لم تكن تروق لي كثيرًا: قلت لها أن «تسأل يوشيا».

كان يوشيا زوجها، وكنت أعلم أنه يملك نصيبًا وافرًا من الحس السليم. ومع أني لم أكن عمومًا أستحسن أن يُترك للأزواج أن يفصلوا في مثل هذه الأمور نيابة عن زوجاتهم، فقد بدا ذلك في هذه الحالة أقرب إلى الضرورة. وقد صدقت ثقتي، فقد قال يوشيا — بكثير من التعقل — إنه سيحمل مسؤولية الجيرانيوم القرمزي على كتفيه هو، وإنه واثق أن الرب لن يستاء أن يرى أمام بيتهما أزهارًا صنعها هو بنفسه.

وبطبيعة الحال، أخذت تعديلات على هذه الآراء المتطرفة تظهر مع الزمن، وقد شهدت في حياتي تغيرات تدريجية كنت وأنا طفلة أحسب مجرد تخيّلها تجديفًا.

ولما شبّ أبناء جيلي — الذين لم يروا في هذه الشهادات القديمة إلا «تقاليد الشيوخ» لا قناعات شخصية — وبلغوا النضج، تخلوا عنها شيئًا فشيئًا. وأخذ اجتماع سنوي بعد آخر يألف تغييرات كانت في يوم من الأيام كفيلة بأن تحني أصحابها إلى الأرض خجلًا وحزنًا.

كان الأصدقاء الإنجليز، على ما أذكر، أول من لان؛ لكن الاجتماعات السنوية الأمريكية، ما عدا اجتماعنا نحن في فيلادلفيا، لم تكن بعيدة عنهم كثيرًا. أما نحن في فيلادلفيا فقد تمسكنا بعاداتنا القديمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، ولكن حتى نحن اضطُررنا إلى الإذعان في النهاية.

تزوجت إحدى أخواتي واستقرت ضمن اجتماع بالتيمور السنوي — وهو اجتماع تقبّل هذه التغييرات بأسرع مما فعلنا نحن بكثير، وكنا نحن في فيلادلفيا نعدّه «مبهرجًا» على نحو يُرثى له. غير أن أختي حملت معها روح فيلادلفيا، ولما كبرت أسرتها الكبيرة من البنات، اجتهدت بجدّ في إبقائهن على مقياس فيلادلفيا في البساطة. ولكن ذلك كله ذهب سدى؛ فقد تسللت بدعة بعد أخرى، ووجدت نفسها عاجزة عن منع ذلك.

ولحسن الحظ كانت موهوبة حسًّا فكاهيًّا بديعًا، وكانت حتى في خضم جهادها من أجل البساطة قادرة على رؤية ما في الموقف من عبث. جاءتني يومًا تصف لي صعوباتها وتطلب مشورتي. فلما بسطت أمامي كل شيء، وثبت فجأة واقفة وفي عينها بريق شقي، ورفعت إحدى قدميها في الهواء وقالت: «والآن يا هانا، قولي لي من فضلك أين يكون من المأمون أن أضع قدمي وأثبت عليها. وضعتها مرة عند التنانير الفوقية، فما لبثت أن اضطُررت إلى رفعها. ثم وضعتها عند الأزهار الاصطناعية في قبعات البنات، فاضطُررت مرة أخرى إلى رفعها. ثم وضعتها عند الخواتم في أصابعهن، فكان لا بد من رفعها من جديد. والآن لا أريد أن أضعها ثانية حتى أكون على يقين تام أني لن أضطر إلى رفعها بعد. فهل تظنين يا هانا» — وهنا اتخذت سيمة وقار مضحكة — «أن في وسعي أن أجازف آمنة فأضع قدمي عند خزامات الأنف؟»

كان هذا أكثر مما يحتمله وقاري؛ فانفجرت ضاحكة، وشاركتني أختي الضحك. وعلى نحوٍ ما صفا الجو، وقررت أنها لم تعد قادرة على مواصلة الجهد العقيم لفرض أفكار فيلادلفيا على بالتيمور، وأنها ستقبل التغييرات المحتومة التي لا بد آتية، حتى في وسط جماعة محافظة كالأصدقاء.

والحقيقة البسيطة، كما بينت، هي أن هدف الكويكرز كان دائمًا اجتناب اتباع «أزياء العالم الباطلة»؛ فهم لا يتبنون طرازًا جديدًا إلا بعد أن يصير قديمًا آخذًا في الزوال. وكل ما في الأمر أن أصدقاء بالتيمور كانوا مستعدين لذلك قبل أصدقاء فيلادلفيا بقليل. وقد حدثتني إحدى بنات أخواتي من بالتيمور أنها تذكر أنها جاءت مرة إلى فيلادلفيا لحضور حفل أقامته بنات عمومتها في فيلادلفيا، فشعرت بأنها دنيوية وشريرة على نحو مريع لأن ثوبها كان مفصلًا على الموضة أكثر من أثوابهن.

ما أقلَّ ما يستطيع شبان الكويكرز في أيامنا هذه أن يفهموا من كل هذا! ولكن كم كان كل هذا حقيقيًّا إلى أبعد حد في نظرنا نحن.

المحتويات

نكران الله لذاته Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 10 دقيقة متبقية في الفصل