فصل 7 · قراءة 6 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
الإرشاد عند الكويكرز
كان أقوى انطباع ارتسم في قلبي الفتيّ هو ذلك الامتياز الأسمى الذي كنا نتمتع به نحن الكويكرز في معرفتنا بـ«الإرشاد المحسوس» للروح القدس، والضرورة الحيوية لطاعة هذا الإرشاد. وكنا نحن الأصدقاء الصغار نؤمن إيمانًا تامًّا بأن «جمعيتنا» هي المستودع الوحيد لهذه المعرفة؛ ومع أنها كانت في معظمها سرًّا عظيمًا عندنا، فإننا لم نكن نملك إلا أن نشعر بشيء من الفخر بمثل هذا الامتياز المتفرد.
وكان مما يبرهن على أن الأصدقاء اعتبروا هذا الإرشاد أمرًا حقيقيًّا تمامًا أن كل ما قيل إنه ثمرة هذا الإرشاد كان يُعامَل بأعمق الاحترام والاعتبار. فلو قال طفل إنه شعر بـ«قيادة» إلهية في اتجاه ما، كان الأصدقاء الأكبر سنًّا يتلقون تلك القيادة باعتبار محب، وما لم تكن غير لائقة على نحو ظاهر، كان الطريق يُمهَّد لها برفق حتى تُنفَّذ. فقد آمن الأصدقاء بأن أولادهم معدودون بين حملان القطيع، وأن لهم في سماع صوت الراعي الصالح الامتيازات نفسها التي كانت لوالديهم.
وقد حدث قبل مئتي سنة في تاريخ عائلتنا نفسها مثال بالغ الدلالة على هذا التوقير لكل ما كان يُشعَر بأنه صادر عن الإرشاد الإلهي. فقد كانت عمة أحد أجداد أجدادنا امرأة تُدعى إليزابيث هادون، وهي ابنة صديق ثريّ اسمه جون هادون كان يقيم في روذرهايث، التي هي اليوم إحدى ضواحي لندن. وكان جون هادون قد اشترى أرضًا في نيو جيرسي عازمًا على الانتقال إليها مع عائلته، بل أرسل صنّاعًا بنوا هناك بيتًا مناسبًا وملحقاته. غير أن الظروف اقتضت في تلك الأثناء أن يبقى هو في إنجلترا.
أما ابنته الشابة إليزابيث، وكانت في الثامنة عشرة فحسب، وقد اعتقدت أنها شعرت بدعوة إلى العمل في نيو جيرسي، فقد أصابتها خيبة أمل كبيرة. ولكن فيما كانت تصلي في الأمر، بدا لها أنها تسمع صوتًا داخليًّا يقول لها إن عليها أن تحمل عبء العائلة وتعبر بنفسها إلى العالم الجديد لتعمّر الملكية هناك. فجمعت أهل بيتها وأخبرتهم بما انطبع في نفسها من شعور بالواجب. كانت صغيرة جدًّا، والبلاد غير مستقرة، ففزع والداها. لكنهما كانا من الكويكرز الراسخين، وكانا قد علّما أولادهما دومًا الطاعة المطلقة لما قد يطلبه صوت الرب، فلم يجرؤا على معارضة ما شعرت ابنتهما الشابة بهذه القوة أنه واجبها. وهكذا، وإن يكن بكثير من الخوف والرعدة، دبّرا أمر هجرتها.
كان ذلك سنة 1701. فوجدت البلاد في حال من الخشونة الشديدة، لكنها عاشت هناك ما يكفي لترى الناحية كلها وقد تحولت، بفضل سعيها هي إلى حد بعيد، إلى جماعة بالغة الازدهار كانت هي لها على مدى سنين كثيرة بركة لا توصف. وسميت البلدة التي نشأت قرب بيتها هادونفيلد باسمها، وظل لأبينا سنين طويلة بيت ريفي غير بعيد عنها، حيث دخلنا نحن في ثمار أتعاب عمّتنا الكبرى.
ويقول مؤرخ أمريكي في سرد قصتها: «من بين المظاهر الفريدة الكثيرة للإيمان القوي والغيرة الدينية المقترنة باستيطان هذه البلاد، قلّما نجد ما هو أجدر بالملاحظة من انفصال هذه الفتاة ذات الثمانية عشر عامًا طوعًا عن بيت ثري وعن كل روابط الطفولة، لتمضي إلى بلاد بعيدة غير مستقرة إتمامًا لما اعتبرته واجبًا دينيًّا؛ وإن في إيمان الوالدين المتواضع الباذل نفسه، إذ سلّما ولدهما الحبيب بمثل هذا الحنوّ الموقّر لبواعث ضميرها هي، شيئًا من الجمال السامي، إذا نحن نظرنا إليه في نوره النقي الخاص».
هذا الاستقلال المطلق في كل ما يُشعَر أنه واجب بدا لي دائمًا واحدًا من أعظم امتيازاتنا نحن الكويكرز. فقد ترك كل فرد حرًّا في خدمة الله على النحو الذي يبدو له صوابًا، من غير تدخل مَن حوله، ذلك التدخل الذي كثيرًا ما يكون حسن النية لكنه معيق. وكان يكفي أن يقول المرء ببساطة: «أشعر أن من الصواب أن أفعل كذا وكذا»، حتى تسكت كل الاعتراضات لا محالة.
ولم يكن هذا شأن الأمور الروحية وحدها، بل شأن الأمور الأرضية أيضًا، وقد أعطى كل فرد ذلك الموقع من الاستقلال الذي بدا لي دائمًا واحدة من أشد حاجات الإنسان حيوية. وإني لأعُدّ الإحساس بالملكية الشخصية الذي ولّده هذا كله واحدة من أثمن العطايا جميعًا التي جلبها لي ميراثي من الكويكرز.
أذكر أنني حين تنبهت أول مرة إلى مظالم وضع المرأة في العالم الخارجي، كان في وسعي أن أهنئ نفسي على الدوام بأن الحال أفضل بكثير بين «الأصدقاء»؛ وبأن أكثر «الأصدقاء الرجال» استبدادًا ما كان ليجرؤ قط، حتى لو أراد، على الانتقاص من حرية نسائه، ما دام في وسعهن أن يقلن إنهن «شعرن بهمّ» تجاه أي مسلك من المسالك.
وكان التدخل بين أي نفس ومرشدها الإلهي، ما لم يكن بإلزام إلهي، يُعَدّ عند الأصدقاء واحدًا من أفدح المظالم التي يمكن أن يوقعها إنسان بإنسان؛ وفي كل خبرتي بمذهب الكويكرز في أيام صباي لا أذكر أن ذلك حدث قط، إلا من قِبَل الشيوخ والنظّار. وكان «الهمّ» عند الكويكرز مكسوًّا في نظري بسلطان يفوق سلطان الكتاب المقدس نفسه، لأن الكتاب المقدس كان صوت الله منذ زمن بعيد، أما «الهمّ» فكان صوته في اللحظة الحاضرة، ولذلك كان شأنه في الحاضر أعظم بكثير.
لا أظن أن أحدًا علّمني هذا صراحة قط، لكن الجو الذي أحاط بي كله، والوعظ الذي كنت أسمعه، كانا ولا شك كفيلين بإعلاء «الصوت الداخلي» وإبلاغاته فوق كل الأصوات الأخرى، وبجعلنا نشعر بأنه ما دام الله يكلمنا نحن مباشرة، فلا حاجة بنا إلى البحث فيما قد يقوله لأحد خارج حظيرتنا المقدسة.
قد يُظن بطبيعة الحال أن هذه الحرية في الإرشاد الفردي كانت كفيلة بأن تفضي إلى شطحات، وفي الأيام الأولى للجمعية حدث هذا أحيانًا. لكن الأصدقاء في زماني كانوا يصونون أعضاءهم من هذا الخطر باشتراط أن تُعرض كل «الهموم» أو «القيادات» الخارجة عن المألوف بأي وجه على الشيوخ والنظّار، ليحكموا فيها في وقت مهيب من الانتظار أمام الله طلبًا لتعليمه. وكان الأصدقاء جميعًا على اقتناع بأن صوت الروح القدس الجماعي في الاجتماع أعظم سلطانًا من صوت خاص يسمعه فرد، حتى إن القرارات التي يُتوصل إليها في مثل هذه الأحوال كانت تُقبل دائمًا قبولًا نهائيًّا، وكان ضمير الفرد الذي نُحّيت «قيادته» جانبًا يشعر أنه قد تحرر من العبء. لقد كان ضمانًا رائعًا، وطوال سني ارتباطي الوثيق بالجمعية لم أعرف قط حالة واحدة من الشطط الخطير.
وفيما عدا هذا التعليم عن الإرشاد المحسوس للروح القدس، لم نكن نُعلَّم شيئًا محددًا أو ملموسًا يُذكر. وعلى قدر ما أذكر، لم يُقَل لنا قط إن علينا أن «نهتدي» أو «نولد ثانية»، وكان انطباعي الخاص أن هذه أمور قد تكون ضرورية لـ«أهل العالم»، لكنها غير ضرورية البتة لنا نحن الأعضاء بحق الولادة في جمعية الأصدقاء، الذين وُلدنا أصلًا في ملكوت الله، ولم نكن نحتاج إلا إلى أن نُحَثّ على أن نسلك بما يليق بدعوتنا العليا.
وأعتقد أن ذلك كان راجعًا إلى مبدأ من المبادئ الأساسية في مذهب الكويكرز، وهو الإيمان بأبوّة الله للجميع، والإقرار بحقيقة أن المسيح قد وصل نفسه بالبشرية، وضم العالم كله في أخوّته الإلهية، بحيث صارت كل نفس تولد ملكًا له، ولها أن تطلب البنوة للآب الواحد نفسه. «أَبِي وَأَبِيكُمْ»، هكذا يقول؛ وقد قبل الأصدقاء الأولون هذا على أنه حق، ولذلك كانوا يعدّون من التضليل أن نُحَثّ على أن نصير ما نحن إياه أصلًا.
كان يُوعَظ لنا دائمًا على أننا «حملان القطيع»، وأننا لا نحتاج إلا إلى طاعة صوت الراعي الصالح الذي نحن له أصلًا. لم يكن الأصدقاء يُغلقون الباب دون أولادهم، بل كانوا، بحنان محب، يُغلقونه عليهم داخل الحظيرة السماوية؛ وكان تعليمهم كله في هذا الاتجاه.
ولمدة قصيرة، في أيامي مع إخوة بليموث، نظرت إلى هذا على أنه هرطقة مروعة؛ لكنني تعلمت فيما بعد الحقيقة المباركة التي أعلنها بولس للوثنيين عبدة الأصنام في أثينا، وهي أننا جميعًا، حتى الوثنيين منا، «ذُرِّيَّةُ ٱللهِ». وأدركت أنه ما دام هو خالقنا فهو بالطبع أبونا، ونحن بالطبع أيضًا أولاده. وتعلمت أن أشكر وأبارك الكويكرز القدامى الأجلاء الذين اهتدوا إلى هذا الاكتشاف، إذ جعل تعليمهم من اليسير عليّ أن أطرح جانبًا الأفكار المحدِّدة المضيِّقة التي كنت قد تبنيتها في البداية، وأعانني على إدراك الحقيقة المجيدة أننا جميعًا في الله «نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ»، وأنه لذلك لا يستطيع أحد أن يُغلق الباب دون آخر.