نكران الله لذاته ·الفرص عند الكويكرز

فصل 6 · قراءة 16 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

الفرص عند الكويكرز

كان الأصدقاء في أيامي قد اعتادوا على ما كان يسمى «الفرص». وما كانت تعنيه هذه الكلمة في حقيقة الأمر، كما أظن الآن، هو أنهم كانوا يجدون فرصة «لإراحة أذهانهم» من «رسالة» ما كانت تثقل عليهم. أما في تلك الأيام فلم يخطر ببالي قط مثل هذا التفسير العادي للكلمة. فقد كانت «الفرصة» تبدو لي وظيفة غامضة كل الغموض، معينة تعيينًا إلهيًا، أشبه بمجلس في ديار السماء نفسها؛ وكان الشوق الأوحد لحياتي الغضة، وخوفها الأوحد معًا، أن تكون لأحد الوعاظ «فرصة» معي.

في مثل هذه المناسبات كان يُفترض أن الواعظ ممكَّن تمكينًا إلهيًا من النفاذ إلى أخفى أفكارك، ومن أن يكشف بيد لا تعرف الرحمة الخطايا السرية التي كنت تعلل نفسك بأن أحدًا لا يعرفها سواك. وكان يُفترض أيضًا أنهم موهوبون قدرة على قراءة المستقبل، وأنه يمكن أن يُنتظر منهم التنبؤ بأي بركات عظيمة أو مصائب فادحة مدَّخرة لك. لذلك كانت الإثارة شديدة حين يأتي «صديق متجول» إلى البيت ويطلب «فرصة».

أيهما كانت له الغلبة، الخوف أم الرجاء، إزاء ما قد يُكشف من أمور، فذلك ما يصعب القول فيه؛ ولكن مهما كانت مشاعرنا، لم يكن يجرؤ أحد من أهل البيت على التغيب، ولا أصغر الخدم. بل إنه حين كانت الظروف تجعل من المستحسن أحيانًا أن يبقى أحدهم بعيدًا، كثيرًا ما بدا أن الواعظ يستشعر ذلك، فيسأل بوقار هل من أحد آخر لم يحضر، ويرفض المضي في «الفرصة» حتى يُستدعى الغائب.

في هذه «الفرص» كان يُنتظر من الواعظ أن «يخاطب حالة» أشخاص بأعينهم من الحاضرين، وكانت الإثارة الكبرى في ما إذا كانت حالة المرء نفسه ستُخاطب.

لا تستطيع الكلمات أن تصف بأي رجاء متلهف وأي خوف كنت أنتظر دائمًا لأرى هل سيخاطب الواعظ حالتي؛ ولكن لم يحدث ولا مرة واحدة في ما أذكر أن أُسبغ عليَّ هذا الحظ الأسمى. لم يتنازل واعظ قط ليلتفت إليَّ التفاتًا خاصًا، ولا بدا أن أحدًا منهم شاعر بوجود نفس متلهفة جائعة تتحسس طريقها عمياء وراء النور، كان بضع كلمات «من الله مباشرة» ستأتيها نعمة لا توصف.

والحق أنني كنت أتوقع دائمًا أن تصدر في شأني نبوءة عجيبة — أنني سأصير واعظة عظيمة، وأنني سأعمل لله عملًا عظيمًا. ومع أنني كنت أرهب ما قد يُكشف من حالتي غير البارة، فقد كنت أشعر أن مجد النبوءات المرجوة سيعوض عن ذلك وزيادة. وأذكر جيدًا كيف كنت أحوم حول أي «أصدقاء متجولين» يأتون إلى البيت، على رجاء أن يحل عليهم الإلهام الإلهي في لحظة غير متوقعة، فتُسلَّم إليَّ «الرسالة» التي كنت أتوق إليها.

إذ لا بد أن يُفهم أن هذه «الفرص» لم تكن تُرتب ترتيبًا بأي حال من الأحوال. كانت تُستهل دائمًا بسكون مهيب يقع فجأة على الجماعة، وكان هذا السكون قد يأتي في أي لحظة، ولو كانت أشد اللحظات إحراجًا. ولكن أينما كان، ومهما كان الجاري، كان على كل شيء أن يفسح له الطريق.

عرفت «فرصًا» جاءت في منتصف سهرة اجتماعية، أو حتى في وسط الطعام، أو حين كان الواعظ يودع أهل البيت، أو في أثناء نزهة مع أحدهم، أو عند الذهاب إلى الفراش في غرفة واحدة مع صديقة. كثيرًا ما جاءت في أشد الأوقات إحراجًا، ولكن لم يكن يُسمح لشيء بأن يعوقها.

أذكر مرة أنني شاركت في إحداها حين كنت أرافق عمة لي واعظة في زيارة لبيت أحد الأصدقاء في برلنغتون بولاية نيوجيرسي. كنا قد حزمنا صناديقنا، وكانت مكدسة على العربة عند الباب، جاهزة لتحملنا إلى القطار، وإذا بنا، ونحن وقوف نودع مضيفينا، يقع صمت، وتحل على عمتي «فرصة». وبينما وقفت أنا ممسكة شالها، في حمى من نفاد الصبر شوقًا إلى الانطلاق، كان عليها أن تتوقف وتسلم رسالتها غير عابئة بكل اعتبارات الوقت والقطارات. كنت قد صرت امرأة في ذلك الحين، وكنت قد فقدت شيئًا من إيماني بالأصل الإلهي لهذه «الفرص»، وأذكر أنني لم أتمالك نفسي عن معاتبتها قليلًا، حين انطلقنا أخيرًا إلى قطارنا، على اللحظة غير المناسبة التي اختارتها. ولكن جوابها أسكتني حين قالت بإيمان لا يعرف الخبث: «ولكن يا عزيزتي، لم يكن في وسعي أن أعصي مرشدي، وها أنتِ ترين أنه قد أوصلنا إلى القطار في الوقت المناسب رغم كل شيء».

لا يستطيع أحد أن يفهم عمق الأثر الذي تركته هذه «الفرص» في حياة الكويكرز أيام طفولتي إلا من خبرها بنفسه. وحتى يومنا هذا، حين يقع فجأة على جماعة صمت للحظة، كما يحدث أحيانًا، يكون أول ما ينتابني من رعب غريزي أن تكون «فرصة»، وأن يكون على أحدهم أن يعظ.

أما الأثر المهيب لهذه «الفرص»، والثقة المطلقة التي كانت توضع في الرسائل المسلَّمة على هذا النحو، فليس ما يوضحهما خير من حادثة جرت في أثناء زيارة بعض «الأصدقاء الإنجليز» لاجتماعاتنا في فيلادلفيا، حين كنت في نحو السابعة عشرة. وينبغي أن أقول هنا إنه كان من عادة «الأصدقاء» أن تكون للوعاظ في أماكن مختلفة ما كانوا يسمونه «همومًا دينية» بأن يزوروا اجتماعات وأحياء أخرى، في ما كانوا يعبرون عنه بعبارتهم الطريفة «خدمة الحق».

كانت هذه الزيارات دائمًا مناسبات ذات أهمية كبيرة لنا نحن الصغار، حتى لو لم يكن الواعظ قادمًا من مسافة بعيدة. أما حين كانوا يأتون من إنجلترا، التي كانت لنا أرضًا مجهولة من العظمة والغموض، فلم تكن رهبتنا وتوقيرنا يعرفان حدودًا. كان «الأصدقاء الإنجليز» يبدون لنا أشبه بزوار من عالم ملائكي، وكان أن يلتفت إليك أحدهم أو يكلمك يجعل المحظوظين الذين نالوا ذلك يشعرون كأن السماء نفسها قد نزلت إليهم.

كان الأصدقاء الإنجليز الذين أتحدث عنهم قد استُضيفوا، في أثناء إقامتهم في فيلادلفيا، عند مارمادوك كوب وسارة كوب، اللذين كانا يسكنان في شارع فيلبرت مقابل بيتنا. وكانت ابنتهما مادجي صديقة حميمة لي، وذات صباح جاءتني في حالة عظيمة من الانفعال بسبب «فرصة» عجيبة قالت إنها كانت لأحد «الأصدقاء الإنجليز» في المساء السابق مع شاب نعرفه كلتانا.

قالت إن بعض الأصدقاء مروا لزيارة الأصدقاء الإنجليز، وإنه في أثناء السهرة حلت عليهم «فرصة»، وأخذ أحد الأصدقاء المتجولين يعظ. وبعد موعظة قصيرة خصَّ هذا الشاب بالكلام وخاطبه على نحو عجيب جدًا، قائلًا له إنه قد نال دعوة مباشرة من الله للدخول في الخدمة، ومتنبئًا بأنه سيصير واعظًا عظيمًا، وبأنه سيزور بلادًا نائية في «خدمة الحق».

ما زلت أذكر بجلاء حتى يومنا هذا عمق الأثر الذي تركته هذه الحادثة في نفسي.

كان الواعظ الذي سلَّم الرسالة إلى هذا الشاب هو نفسه من كنت قد علقت عليه كل آمالي في رسالة مباشرة فخاب أملي؛ وها هو الآن قد تنبأ لشاب، لم يكن في رأيي أجدر مني، بالأشياء نفسها التي كنت أريد دائمًا أن يتنبأ لي بها واعظ ما. وأعترف أنني شعرت بلوعات غيرة عميقة لأن «الحظوة الإلهية» تجاوزتني وأُسبغت على من لم يكن يبدو لي حقًا أولى بها مني. غير أن ذلك كله كان جزءًا من الرومانسية العظيمة لحياتنا، وكان الاحتمال قائمًا دائمًا أن تُسبغ عليَّ بعدُ في «فرصة» مباركة ما، فرحت أيامًا وأنا ممتلئة بهذا الموضوع.

بعد يوم أو يومين من وقوع ذلك، كنت في نزهة بالعربة مع صديقة عزيزة جدًا، هي التي كانت، كما سيظهر في موضع آخر من قصتي، الوسيلة إلى يقظتي في السادسة عشرة. كنت آنذاك في نحو السابعة عشرة، وكانت صديقتي تكبرني بتسع سنوات أو عشر. وكانت لي بها صداقة كلها إعجاب وتعلق، وكنت أسكب دائمًا في أذنيها المتعاطفتين كل ما يهمني. ولما كنت في ذلك اليوم ممتلئة بالموضوع، قصصت عليها بالطبع القصة كلها بتفاصيلها، مضفية عليها كل الأهمية التي اتخذتها في عينيَّ. وبدت صديقتي شديدة الاهتمام، وسألت أسئلة كثيرة جدًا عن تفاصيل «الرسالة» وكيف أثرت في الشاب. وبعد أسابيع غير كثيرة أخبرتني أنها خُطبت لهذا الشاب نفسه، واعترفت أنها تأثرت في قرارها تأثرًا كبيرًا بما كنت قد حكيته لها، إذ كانت واثقة أن النبوءة التي قيلت في تلك «الفرصة» ستتم، وشعرت أنه امتياز عظيم أن ترتبط بمن سيكون مستقبله حافلًا كل هذا الحفول بالعمل في «خدمة الحق».

لقد ظللت أتابع مسيرة ذلك الشاب دائمًا بأعمق الاهتمام، لأنني لم أستطع آنذاك إلا أن أشعر بأنه نال رسالة كان من حقي أن تأتيني أنا؛ ولا بد أن أعترف بأن النبوءات التي أثارت غيرتي كل تلك الإثارة لم تتم قط في حالته. والآن وقد صرنا كلانا شيخين، لا أملك إلا أن أرى أن حياتي قد جاءت أقرب كثيرًا إلى إتمامها من حياته. لقد كان رجلًا في غاية الاستقامة، حي الضمير، متدينًا حقًا على نحو هادئ، ولكنه لم يصر واعظًا قط، ولا قام بأي عمل مسيحي علني. أما أنا، فمن دون أي «رسالة» أو أي «دعوة» مما كنت أتوق إليه دائمًا ويُفترض أنه ضروري، صرت واعظة بالفعل، وحاولت أن أنادي في بلاد كثيرة بـ«بشارة إنجيل الرب يسوع المسيح».

في هذه الحالة إذن بدا أن «الرسالة» أخفقت في أن تجد لها مدخلًا. ولكن في مناسبات كثيرة جدًا تمت رسائل مشابهة إتمامًا عجيبًا، وكانت أخبار هذه الحالات تُروى لنا على الدوام تقويةً لإيماننا، حتى لا عجب أننا نشأنا على اعتقاد راسخ بعصمتها من الخطأ.

عرفت مرات كثيرة واعظًا من الكويكرز يكشف في «اجتماع» أو «فرصة» لشخص من الحاضرين أمرًا لا يعلمه إلا ذلك الشخص وحده، أو يتنبأ بشيء في مستقبل فرد أو جماعة لم يكن عليه أي دليل حاضر، ثم يتحقق تمامًا كما أُعلن أنه سيكون.

عرفت امرأة من الأصدقاء بدا أنها أوتيت هذه الموهبة إلى درجة عجيبة. أذكر أنها توقفت مرة في منتصف عظة كانت تلقيها في اجتماع في أحد أيام الأسبوع أمام جمع من الغرباء التامين، وقالت: «لقد دخل هذه القاعة شاب في جيبه أوراق هو على وشك أن يرتكب بها خطية عظيمة. فإن جاء لمقابلتي بعد ظهر هذا اليوم في — (وذكرت البيت الذي كانت نازلة فيه)، فعندي رسالة من الرب أعطيه إياها تريه مخرجًا من ضيقه». ثم استأنفت عظتها من حيث توقفت، ولم تقل شيئًا آخر عن الأمر.

كان يهمني جدًا أن أتتبع هذا الأمر، فوجدت أن شابًا غريبًا جاء فعلًا لزيارة الواعظة بعد ظهر ذلك اليوم، واعترف بأن في جيبه شيكًا مزورًا كان في طريقه لصرفه، حين دفعه تأثير ما، لم يدر ما هو، إلى أن يدخل بيت الاجتماع وهو مار به. لم يُسأل عن اسمه ولم يذكره، ولكن الرسالة التي من الرب سُلمت، ومزق الشاب الشيك المزور في حضرة الواعظة، ووعد بأن يحيا حياة جديدة. وبعد ذلك بسنوات التقته الواعظة فوجدت أن هذا الوعد قد أُوفي به.

وفي مناسبة أخرى، حين كانت هذه الواعظة نفسها نازلة في الريف في بيت ابن عم لي، نزلت إلى الإفطار ذات صباح وقالت إن الرب أعلن لها في الليل أن عليها أن تحمل رسالة إلى رجل يسكن على بعد أميال. لم يُعطَ لها اسم، ولا أي إشارة إلى مكان الرجل الذي عليها أن تراه، ولكنها قالت لابن عمي إنه إن أخذها في عربته فهي واثقة أن الرب سيريهما في أي اتجاه يمضيان.

فانطلقا إذن، وأخذت الواعظة تشير إلى الطرق التي عليهما أن يسلكاها طريقًا بعد طريق، وأخيرًا، حين صارا على نحو ستة أميال من البيت، وفي ناحية من الريف لا يعرف عنها شيئًا لا الواعظة ولا ابن عمي، أشارت إلى بيت لاح لهما من بعيد وقالت: «ذلك هو البيت، وحين نصل إليه سأجد الرجل في الحديقة، وأنتَ يمكنك أن تنتظرني عند البوابة».

فتوقفا عند هذا البيت، وبينما انتظر ابن عمي، مضت الواعظة توًا عبر الأرض المحيطة إلى الحديقة وسلمت رسالتها إلى الرجل الذي وجدته هناك. قالت له إنه يفكر في عمل خاطئ جدًا سيجلب عليه وعلى أسرته بلاء عظيمًا، ولكن الرب راغب في إنقاذه، وقد أرسلها لتفتح عينيه على خطية ما عزم على فعله وخطره.

تأثر الرجل تأثرًا عميقًا، وبعد شيء من التردد اعترف بأن كل ما قالته حق، وبأن ذلك اليوم بعينه كان هو الموعد الذي كان مقررًا أن تُنفذ فيه خطته، ولكنه الآن لا يجرؤ على المضي فيها. فتخلى عنها من فوره، وقال إنه، بعد علامة ظاهرة كهذه على اهتمام الله به، سيضع الأمر كله في رعايته، وسيثق به ليدبره.

وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن ذلك قد تم فعلًا، وأن كل شيء انتهى إلى ما هو أفضل كثيرًا مما كان يمكن أن يتوقع. ولو اتسع المجال لرويت مئات من الحوادث المشابهة، ولكن هذه تكفي. على أنه من السهل أن يُفهم أنه، أمام وقائع كهذه، لا عجب أننا كنا ممتلئين إيمانًا.

إلى أن تزوجت، كان الخادم عندي شخصًا مرفوعًا كل الرفعة عن صفوف الرجال والنساء العاديين، كائنًا يكاد يكون من عالم آخر، ليس فيه شيء من ضعفات البشر الشائعة، مفروزًا لعمل إلهي، وموهوبًا صفات تكاد تكون إلهية. حين كنت طفلة، كنت أجلس أراقبهم في «الاجتماع» وهم جالسون في صفوف طويلة على المقاعد العالية المواجهة للحاضرين، الرجال في جانب والنساء في الجانب الآخر، متوقعة في كل دقيقة أن تنكشف لي الهالة التي كنت موقنة أنها لا بد أن تكون محيطة برؤوسهم، وإن كانت غير منظورة لي. وأحيانًا، حين كنت أتعب من الانتظار، كنت أضيّق عينيَّ حتى أصنع شبه دائرة مضيئة حول كل شيء أنظر إليه، ثم أحاول أن أقنع نفسي بأن هذه هي الهالة غير المنظورة التي كنت أتوق كل التوق إلى رؤيتها.

ولما كبرت فارقتني هذه الأوهام بالطبع، ولكن ظل «أصدقاء المنصة» سنوات كثيرة يحيط بهم غموض ورهبة يبعثان على البهجة؛ وظل مجيء «خادم متجول» يملؤني توقعات متلهفة لذيذة. وكان هذا حالي خصوصًا بعد يقظتي في السادسة عشرة. وقد كتبت في يومياتي، في إشارة إلى الخادم نفسه الذي أعطى تلك الرسالة العجيبة للشاب، ما يلي: «اليوم التاسع والعشرون من الشهر الحادي عشر، 1848. سمعت اليوم أبهج خبر سمعته منذ زمن طويل. الصديقان الإنجليزيان، العزيزان بنيامين سيبوم وروبرت ليندسي، يُنتظر وصولهما إلى المدينة بحلول اليوم الأول القادم. آه! ألن يكون ذلك مفرحًا! مفرحًا! سيكونان في اجتماعنا المسائي في اليوم الأول.

مرحى! آه! إنني من الفرح بحيث أكاد لا أتمالك نفسي. إنني اليوم مختلفة جدًا عما كنت عليه حين كانا هنا آخر مرة.

*أعمق من السطح المموه بالذهب قد نفذت رؤياي اليقظى، وأبعد من الحاضر الضيق كانت أسفاري.

لقد سمعت، وسط رؤى الحياة الفارغة، وقع خطى الزمن المهيب، والأصوات الخافتة الغامضة الآتية من عالم آخر.

كل سر الوجود قد ضغط على روحي؛ أفكار، كحمامة الطوفان الهائمة، لا تجد لها مقرًا».* وكنت أتوقع تمامًا أن يعرف هذان الصديقان الملهمان بالإعلان الداخلي كل ما كنت أجتازه، ورجوت بالطبع أن تكون عندهما لي رسالة إلهية، من الله مباشرة. وجاء اليوم الأول المشتاق إليه، وذهبت إلى الاجتماع مع أخي، ممتلئة ترقبات مخيفة لكنها لذيذة. ولكن واحسرتاه! كما كان شأني دائمًا، كان مكتوبًا عليَّ أن يخيب أملي. ومع ذلك، فقد كان من الممكن أن تأتي في مرة أخرى، فعشت على الرجاء.

كان هذا الترقب الدائم لكلمة مباشرة من الله هو ما صنع رومانسية حياتي الغضة، وكان، وأنا واثقة من ذلك، أحد أسرار القبضة العظيمة التي كانت لمذهب الكويكرز على شباب أيامي.

ولكن، في ما عدا هذا الوعظ الإلهامي، لم نكن نتلقى من جمعيتنا إلا قليلًا جدًا من التعليم الديني المحدد أيًا كان نوعه. لم تكن عندنا، كما قلت، مدارس أحد ولا صفوف لدرس الكتاب المقدس، وكانت العقائد والتعاليم، عندي على الأقل، مجهولة تمام الجهل. لم يكن عندنا كتاب تعليم مسيحي، بل لم نكن نُعلَّم حتى الوصايا العشر، إذ كان الشعور أنها تخص التدبير اليهودي القديم الذي زال في المسيح.

لا أظن أن أحدًا قال لي ذلك قط، ولكن كان عندي وأنا طفلة شعور واضح بأن الوصايا العشر، شأنها شأن الصلاة الربانية، إنما هي لاستعمالات «مبهرجة» (gay) و«عالمية». كنت أشعر على نحو ما أنها تخص العالم الخارجي وحده (أي كل من ليسوا أصدقاء)، الذين ربما احتاجوا إلى وصايا خارجية تحفظهم صالحين، أما نحن الأصدقاء فعلينا أن نكون صالحين بدوافع أعمق. ذلك أن الأمر لم يكن أن التهذيب الأخلاقي الذي في «الوصايا العشر» لم يعد ملزمًا، بل أن الأصدقاء كانوا يؤمنون بأنه معلَّم على نحو أوفى كثيرًا في الوصايا الجديدة التي لتدبير المسيح، والتي كان مقررًا أن تُكتب لا على ألواح حجرية، ولا حتى على صفحات كتاب، بل على ألواح قلوبنا الروحية.

كانوا يؤمنون بأننا، لكوننا في المسيح، ينبغي أن يحكمنا ناموس من الداخل لا ناموس من الخارج؛ وكان حقًا حرفيًا عندهم أن الذين ينقادون بالروح «ليس عليهم ناموس». وكانوا يعلّمون أن ثمر الروح الساكن فينا لا بد أن يكون تكميل الناموس، وأنه لذلك لا حاجة إلى أي ناموس خارجي؛ وأنه كما أن الأمين في قلبه لا يحتاج إلى ناموس يمنعه عن الخيانة، كذلك إن كان الإنسان مسيحيًا حقًا فلن يحتاج إلى ناموس يجعله يسلك كما ينبغي أن يسلك المسيحي. إنه سيفعل ذلك بدافع حياته الداخلية.

كان الأصدقاء الأولون يؤمنون إيمانًا تامًا بأن الله إذا امتلك القلب فسيعمل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل مسرته، وبأن الناموس الخارجي لذلك يكون فضلة لا حاجة إليها. ولهذا كنا نُوجَّه إلى أن نسلّم أنفسنا لهذا العمل الإلهي الداخلي، وأن نصغي إلى صوت الروح القدس في قلوبنا؛ وكنا نُعلَّم أن هذا الصوت متى سُمع وجبت طاعته طاعة كاملة أمينة.

كان علينا أن نتوقع سماع هذا «الصوت الداخلي» في أي وقت وفي كل وقت، وفي كل الأمور؛ ولكننا كنا نُشجَّع على ترقبه خصوصًا في «اجتماعات العبادة» عندنا، حين تكون الجماعة كلها جالسة في صمت «أمام الرب».

كانت اجتماعات الكويكرز تُعقد دائمًا على هذا الأساس من الانتظار الصامت، حتى تكون للروح القدس في الصمت فرصة أن يكلم كل نفس على حدة مباشرة. كان الأصدقاء يقرون بحضور المسيح الحي غير المنظور في اجتماعاتهم، ولم يكن أحد يُفرز لـ«إدارة خدمتهم» أو ليكون وسيطًا بين نفوسهم ومعلمهم غير المنظور. لم يكن يجوز لأحد أن يكسر الصمت، ولا حتى «خادم معترف به»، إلا تحت إحساس بإرشاد الروح المباشر الفوري؛ ولكن تحت ذلك الإرشاد كان يجوز لأي أحد، حتى أفقر غسالة أو أصغر طفل، أن يسلّم «الرسالة».

كان هذا يضفي على اجتماعاتنا أهمية غامضة بل رومانسية، إذ لم نكن نعلم قط ما قد يحدث، ولا من الذي — ربما حتى نحن أنفسنا — قد «يُقاد» إلى المشاركة.

على أنني لا أستطيع القول إن شيئًا خاصًا جاءني قط في أي اجتماع. بين الحين والحين كانت تُلقى عظة تبدو ربما منطبقة على حالتي، ولكن ليس بقوة لافتة تكفي لتؤثر فيَّ حقًا؛ وبين الحين والحين كان يحدث، بتأثير غامض ما، أن «يترقق» قلبي، كما كان يُقال، فأشعر لفترة قصيرة كأن الله يهتم بي رغم كل شيء وسيعينني. ولكن على وجه العموم كانت «اجتماعاتي» تنقضي في معظمها في بناء قصور في الهواء، وهو شغل كنت أشعر أنه خطأ كبير، ولكنه كان يفتنني فتنة لا تُقاوم.

والعجيب أن أحلام اليقظة هذه لم تتخذ قط شكل قصص الحب، كما تفعل قصور الشباب الهوائية في الغالب، وأظن ذلك لأنه لم يكن قد سُمح لي قط بقراءة الروايات، ولم أسمع شيئًا قط عن الوقوع في الحب. ولكنني كنت أجعل من نفسي دائمًا شيئًا بديعًا فخمًا جدًا، موضع إعجاب كل الناظرين. فتارة كنت سأصير واعظة تفوق بلاغتها بلاغة كل الوعاظ منذ بدء العالم؛ وتارة كنت سأصير مخترعة لآلات أعجب من كل ما اختُرع من قبل؛ ولكن في الأغلب كنت سأصير أبدع مغنية عرفها العالم.

و«الاجتماعات» التي تبرز في ذاكرتي أوضح من أي اجتماعات أخرى هي اجتماعات شتاء بعينه في سنتي الرابعة عشرة، حين وهبت نفسي موهبة في الغناء لم يحلم بها أحد، تكهرب الجميع وتلقي العالم عند قدمي. ولماذا وقع اختياري على الغناء لأحلام يقظتي، فذلك ما لا أستطيع تصوره، إذ كان من مظاهر العالمية المحرمة عند الكويكرز، وكان شيئًا لا أكاد أسمعه قط، لا في العلن ولا في الخفاء. وكنت أنا نفسي عديمة أي موهبة موسيقية إلى حد أنني طوال حياتي كلها لم أستطع أن أغني نغمة واحدة، ولا حتى أن أميز لحنًا من لحن. ولكن هكذا كان الأمر، وهناك كنت أجلس على المقعد بجوار أمي، طوال اجتماعات طويلة كثيرة، كويكرية صغيرة رزينة في الظاهر، ولكنني في الباطن مغنية أولى عظيمة من طراز بريما دونا (prima donna) (وإن لم أكن أسمي نفسي بذلك)، وقلبي الصغير الأحمق كله ينتفخ ويكاد ينفجر بمجد انتصاراتي على المسرح — الذي لم يكن، مع ذلك، مكانًا رأيته في حياتي ولو مرة!

ولكن ضميري أحيانًا لم يكن يسمح لي بالاستغراق في أحلام يقظتي، وحينئذ كانت «اجتماعاتي» تمتلئ بصراعات عقيمة ضد الأفكار الشاردة، أو بجهود باطلة لمقاومة رغبة في النوم لا تُضبط، لأن «النوم في الاجتماع» كان شعورنا جميعًا أنه يكاد يكون ذروة العار.

أما هل كانت تلك الاجتماعات الطويلة المهيبة، بامتداداتها العظيمة من الصمت، وبعظاتها — حين كانت هناك عظات — التي لم تكن تخاطبني مخاطبة مباشرة إلا قليلًا، جزءًا قيّمًا من تربيتي الدينية أم لا، فذلك ما لا أجدني مستعدة للفصل فيه. ولكن شيئًا واحدًا مؤكد: سواء من الوعظ في اجتماعاتنا، أم من حديث شيوخنا، أم من الجو المحيط بنا، فقد ارتسمت في نفسي انطباعات قوية معينة تبرز بجلاء في ذاكرتي.

المحتويات

نكران الله لذاته Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 16 دقيقة متبقية في الفصل