فصل 5 · قراءة 8 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
حق الكويكرز وخدمتهم
كان «الأصدقاء» على يقين تام بأن مذهبهم هو الإيمان الحق المعلَن في الكتاب المقدس والذي بشّر به الرسل، حتى إنهم، في أيامي، كانوا إذا تكلموا عنه سمَّوه دائمًا «الحق» بحرف «T» استهلالي كبير في الإنجليزية، وتكلموا عن العمل الديني للجمعية بوصفه «خدمة الحق».
وأذكر أن خيول أبي وعرباته كانت تُدعى «خيول الحق وعرباته»، لأنها كانت مطلوبة على الدوام لنقل الوعاظ من اجتماع إلى آخر، أو لقضاء حوائج الشيوخ والنظّار. وبإيمان الطفولة الذي لا يعرف التشكيك صدّقت هذا كله، ونشأت وفي ذهني فكرة واضحة أننا نحن «الأصدقاء» نملك عمليًّا احتكار «الحق»، مع تشديد قوي على أداة التعريف، تشديد يميزه تمييزًا تامًّا عن مجرد التمسك بحق واحد بين حقوق كثيرة. فقد كان حقنا هو الحق كله ولا شيء غير الحق، ولا سبيل إلى تحسينه. تلك كانت فكرتي في أيام صباي.
على أنه لا يمكن إنكار أن «الأصدقاء» كانوا يملكون قدرًا كبيرًا من الحق (بغير أداة تعريف). فكل نظرة في الأمور الإلهية اكتشفتها منذ ذلك الحين تقريبًا، وكل إصلاح دعوت إليه بعد ذلك، أدرك الآن أن بذورهما كانت كامنة في آراء الجمعية؛ ومرارًا وتكرارًا، كلما أشرق عليّ اكتشاف جديد أو اقتناع جديد، وجدتني أقول: «عجبًا، هذا هو ما كان يعنيه الأصدقاء الأولون، وإن كنت لم أفهمه من قبل قط».
وكثير من مبادئهم الأدبية والدينية العظيمة تبنّاه سائر المسيحيين شيئًا فشيئًا وأخذوا يعلّمونه — أعني التفسير الروحي للكتاب المقدس بدل التفسير الحرفي؛ وأن السبت جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت؛ وإخضاع الرمز للحقيقة الروحية المرموز إليها؛ وقلة شأن العقائد والصيغ اللاهوتية، أو الطقوس والشعائر، نسبيًّا؛ ومقت العبودية؛ والأهمية الحيوية للامتناع عن المسكرات؛ ووصول النفس إلى الله مباشرة بغير وسيط بشري.
غير أن هذه الأمور، يوم أعلنها الكويكرز أول مرة، بدت كلامًا صعبًا لا يقدر أن يحتمله إلا القليلون. وحتى نحن الذين نشأنا عليها من مهودنا احتجنا إلى سنين كثيرة من النمو الروحي والاستنارة قبل أن نستطيع فهمها فهمًا كاملًا.
وكان من الحقائق التي أدركوها سابقين زمانهم بكثير ما يتعلق بالمساواة بين الرجال والنساء في نظر الله. فقد أعطوا «الصديقات» عندهم مكانًا مساويًا لمكان «الأصدقاء الرجال» في عمل الخدمة وفي إدارة الجمعية.
فكانت هناك واعظات وشيخات وناظرات، يجلسن في وقار مساوٍ لوقار الواعظين والشيوخ والنظّار من الرجال، على المقاعد المرتفعة في صفوف مهيبة تواجه جمهور الاجتماع — الرجال على أحد جانبي الممر الأوسط، والنساء على الجانب الآخر. وكان الوعاظ (أو الخدام كما كنا نسميهم) يجلسون في صدر هذه الصفوف المهيبة، الأكبر سنًّا والأرجح وزنًا في أعلاها، ثم تتدرج نزولًا إلى المبتدئين الأحدث عهدًا الذين لم يجرِ «الاعتراف» بمواهبهم إلا مؤخرًا.
وكان نظام الخدمة عند الأصدقاء مختلفًا كل الاختلاف عن نظامها في أي كنيسة أخرى.
كانوا يؤمنون إيمانًا عميقًا بأن الله وحده هو الذي يجعل الإنسان خادمًا، وأنه لا وعظ صحيح إلا الوعظ الموحى به منه مباشرة وفي حينه. وكانوا يقبلون، بوصفه العدّة الحقيقية الوحيدة لعمل الخدمة، ذلك الإعلان الوارد في متى 10:18-20، ويؤمنون بأن وعوده ستتم حرفيًّا لكل نفس أمينة، رجلًا كانت أو امرأة، شابة أو شيخة، متعلمة أو غير متعلمة: «وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلَاةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلْأُمَمِ. فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلَا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ، لِأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ، لِأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ.»
كان هذا الوعد يتضمن في نظرهم «الدعوة» الكويكرية و«الرسامة» الكويكرية؛ فأما «الدرس لأجل الخدمة» في الكليات أو من الكتب، أو الرسامة بوضع أيدٍ بشرية، فكان يبدو لهم رفضًا للدعوة الإلهية والرسامة الإلهية الوحيدتين، ومفضيًا إلى ما كانوا يسمونه «خدمة من صنع الإنسان». ففي رأيهم أن الله وحده يستطيع أن يقيم الخدام، وأن القدرة على الوعظ «موهبة» مباشرة لا يمنحها إلا هو وحده.
وكل ما كان يمكن عمله هو أن يراقب شيوخ الاجتماع ونظّاره نموّ هذه الموهبة؛ فإذا بدا لهم أن الكلام يحمل علامات لا تُخطئ على «مسحة» إلهية، اجتمعوا وقرروا هل يدوّنون في سجلات اجتماعهم أنهم «يعترفون» بفلان من الناس خادمًا أم لا. ولم يكن عمل «التدوين» أو «الاعتراف» هذا يجعل المتكلمين خدامًا؛ إنما كان مجرد إقرار واعتراف بأن الله قد جعلهم كذلك من قبل.
فإذا تم ذلك دُعوا «خدامًا معترفًا بهم»، وكنا نحن الصغار نشعر بأنهم قد أُدخلوا في مصافّ رتب السماء نفسها.
وفضلًا عن ذلك، فبما أن الله هو الذي جعلهم خدامًا، وجب أن يكون أجرهم أو مكافأتهم منه وحده. فلم تُدفع لهم قط مخصصات ولا رواتب، بل كانت خدمتهم، الموهوبة لهم مجانًا من فوق، تُبذل مجانًا لإخوتهم الأعضاء، بلا فضة وبلا ثمن.
ومن ثم كان جميع خدام الكويكرز يواظبون على أشغالهم المعتادة وهم «يمارسون مواهبهم»، عائشين من دخلهم الخاص، أو مزاولين حرفهم وتجاراتهم المعتادة. وكثيرًا ما كان هذا لا يترك لهم إلا قليلًا من الوقت للدرس أو الاستعداد؛ ولكن لما كان الدرس والاستعداد غير مسموح بهما أصلًا، لم يكن في ذلك أي عائق.
ولم يكن الأمر مقصورًا على ألا يكون هناك إعداد خاص للخدمة، بل لم يكن يُرى من الصواب الاستعداد لأي خدمة معينة أو اجتماع معين. فقد كان المفروض في «الأصدقاء» أن يذهبوا إلى اجتماعاتهم وأذهانهم صفحة بيضاء، مستعدة لتلقي أي رسالة يشاء الروح القدس أن يلقيها إليها. ولم يكن أحد منهم يستطيع أن يعرف مقدمًا هل يأتيه الإلهام أو لا يأتيه؛ وكان الوعد صريحًا بأنه إن جاء، فسيُعطَون في تلك الساعة ما يتكلمون به.
لذلك كان كل استعداد للوعظ يُعدّ خيانة للروح القدس، وكان يسمى «نشاط المخلوق»، بمعنى أن المخلوق في الإنسان، لا روح الله، هو الذي تولى زمام الأمر. وما كان أحد يشعر قط بأن في مثل هذا الوعظ تلك «مسحة الروح» التي كانت محكّ الكويكرز لكل خدمة.
وقد وجدت في كتاب قديم من مختارات من كتابات إسحاق بنينغتون الكلام التالي عن الخدام، وهو يعبّر بوضوح عن نظرة الكويكرز.
«ليس الوعظ بأمور صحيحة هو ما يجعل الإنسان خادمًا حقيقيًّا، بل تلقّيه خدمته من الرب. فالإنجيل إنجيل الرب، وهو الذي يجب أن يُبشَّر به، ويجب أن يُبشَّر به في قوته؛ والخدام الذين يبشرون به يجب أن يُلبَسوا قوته وأن يكونوا مرسلين منه. … فمن أراد أن يكون خادمًا حقيقيًّا فعليه أن يتلقى موهبته وخدمته وممارسة كلتيهما من الرب، وعليه أن يحرص في خدمته على أن يبقى في القوة. … وعليه أن ينتظر في شتى ممارساته حتى يُلبَس مادةً وقوةً من الأعالي، قبل أن يفتح فمه بشهادة للرب».
ومع هذه النظرة إلى الوعظ، يسهل أن نفهم أن «الظهور في الخدمة»، بحسب تعبيرهم الطريف، كان يُحَسّ لدى الجميع أنه ليس خطوة مهيبة جدًّا فحسب، بل خطوة رهيبة حقًّا. وفي أيام صباي كان يشار إليه دائمًا بعبارة «حمل الصليب»، وكان يُعدّ أقصى تضحية يمكن أن تقدمها نفس. وقد كان من الصعب عليّ دائمًا أن أفهم هذا الشعور، إذ كان الوعظ في اختباري الشخصي متعة أكثر منه تضحية. ولكن لعل ذلك لأنني أدخلت في خدمتي شيئًا غير قليل مما كان الأصدقاء الأولون يسمونه «المخلوق»، ولم أنسب إلى أقوالي مثل ذلك الأصل الرفيع.
ورسالة قديمة من رسائل أمي عن «الظهور في الخدمة» الذي أقدم عليه أخوها، خالي جون تاتوم، تصوّر حالة الشعور التي وصفتها. فهي تكتب إلى أبيها وأمها عن زيارة لعمّها فتقول: «هل سمعتما بالتضحية التي قدّمها أخونا العزيز جون مؤخرًا، إذ أذعن لما أعتقد أنه شعور بالواجب طال إحساسه به، فاستسلم للظهور في الشهادة العلنية والتضرع في اجتماعاتهم؟ لقد حدث ذلك بعد أن كنا هناك، ولكننا كلينا تأثرنا تأثرًا خاصًّا بما بدا في سيرته اليومية وحديثه من علامات المجاهدة والتكرس المتواضع. وأرجو أن نكون جميعًا راغبين في أن نمدّه بقوة أرقّ تعاطفنا، وأن نصلي لكي يُقاد ويُهدى ويُحفظ في الطريق القويم. إنه، على ما أعتقد، كثيرًا ما يشعر بوحدة شديدة. لقد قال لي: ‹آه يا أختي العزيزة، لقد مرّ بي وقت رهيب في الآونة الأخيرة، اضطررت فيه إلى أن ألتمس الحقول والغابات وحدي، وأصلي بإلحاح شديد طلبًا للقوة والحفظ›».
ولا يسعني إلا أن أظن أن نظرة خاطئة إلى الخدمة المسيحية هي التي جعلت الأصدقاء يجتازون مثل هذه الصراعات حول ما يُحتضن في أيامنا هذه بوصفه امتيازًا مجيدًا. غير أن مذهب الكويكرز كله في أيامي كان مصطبغًا إلى حد ما بهذه الروح النسكية روح التضحية، وكانت هذه هي الطريقة المألوفة تمامًا في النظر إلى الأمر حتى إن كل منضم جديد إلى الخدمة كان يقع فيها من غير أن يشعر.
وأن بعضهم كان يلمح من حين إلى آخر لمحة من امتياز الخدمة، فذلك ما يدل عليه حادث جرى مع خالي جون هذا نفسه بعد ذلك بسنوات. فقد كان يتحدث مع أخي عن «زيارة دينية» قام بها حديثًا لبعض الاجتماعات المجاورة، ولما افترقا قال بنبرة مهيبة حزينة: «فترى إذًا يا جيمس العزيز أيّ صليب ثقيل قد وُضع عليّ». فأبدى أخي تعاطفه وافترقا، وذهب كل منهما في طريقه.
ولكن ما هي إلا لحظة أو لحظتان حتى عاد خالي مسرعًا، ولمس ذراع أخي قائلًا: «أخشى يا جيمس العزيز أن أكون قد تركت انطباعًا كاذبًا بما قلته عن كون خدمتي صليبًا. إن الحق يلزمني أن أعترف لك بأنها ليست صليبًا البتة، بل امتياز مبارك بهيج جدًّا. أخشى أننا نحن الوعاظ نتكلم عن الصليب في الوعظ كما نتكلم من قبيل العادة أكثر مما هو عن حقيقة واقعة».
على أن كل شيء كان يتضافر لجعل خدمة الكويكرز أمرًا في غاية الغموض والمهابة في أعيننا نحن الصغار. فقد كان في فكرة الإلهام المباشر الفوري لوعّاظنا شيء آسر لا يوصف. وكنا نشعر كأننا نعيش على حافة العالم الروحي نفسها، حيث يمكن في أي لحظة أن يُرفع الحجاب فنتلقى إعلانًا صوفيًّا من الجانب الآخر؛ وإن الشوق المتلهف، الممزوج بالرهبة المهيبة، الذي كنا به نراقب هذه الإعلانات وننتظرها، لا يستطيع أن يدركه — وأنا واثقة من ذلك — الجيل الحاضر من الشباب، حتى ولو كانوا هم أنفسهم من الكويكرز.
وكانت هالة من المهابة والغموض تحيط عندنا بكل «صديق خادم»، رجلًا كان أو امرأة، غنيًّا أو فقيرًا، حكيمًا أو ساذجًا؛ وذلك بمعزل تام عن شخصية الخادم نفسه. لم يكن مردّ ذلك إلا إلى إيماننا بأن الخدام هم النواطق الذين اختارهم الله لإعلان فكره، وأن كل كلمة قد يقولونها موحى بها مباشرة، وتكاد تكون معصومة عصمة الكتاب المقدس نفسه. وعليه، كان ما قد «يُقاد» أي واحد منهم إلى أن يقوله لأحدنا أمرًا من أخطر الأمور شأنًا وأعمقها تصديقًا. ولهذا كان من أعظم مثيرات حياتي في صباي احتمال أن أكون في أي لحظة موضوع وعظ شخصي أو نبوءة شخصية من «صديق خادم» ما.