فصل 4 · قراءة 9 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
مذهب الكويكرز
قبل أن أدخل في موضوع تأثير مذهب الكويكرز في حياتي الباكرة، أريد أن يكون مفهومًا كل الفهم أنني لا أحاول بأي معنى من المعاني أن أقدم صورة صادقة لمذهب الكويكرز كما فهمه شيوخنا وعاشوه، بل فقط كما أثّر في فتاة غضة متوقدة الحماسة، كان في طبيعتها جانب ديني لا لبس فيه، لكنها كانت من الامتلاء بالحياة والمرح بحيث لا تهتم اهتمامًا جديًا بأي مسائل مجردة خارج واجباتها اليومية ولهوها.
لا أستطيع أن أرد أفكاري تلك إلى أي تعليم محدد، ولم أكن في ذلك الوقت أصوغها صياغة واضحة، لكن الانطباعات التي احتفظت بها من تلك الأيام يبدو لي الآن أنها نشأت من الجو العام الذي كان يحيط بي. ولعل أقاربي وأصدقائي الكبار لم يخطر لهم قط أنهم يخلقون مثل هذا الجو، ولو كانوا أحياء اليوم لدهشوا كثيرًا من بعض تفسيراتي. لكن تبقى الحقيقة أن مذهب الكويكرز كما عرفته في صباي قد ترك فيّ الانطباعات القوية التي أدوّنها هنا، وأريد أن أنقلها بأمانة ما استطعت، بوصفها جزءًا من تاريخي الشخصي، لا بوصفها البتة عرضًا معتمدًا لآراء الكويكرز.
وحين نتتبع خط أسلافنا إلى الوراء، نجد أنهم جاؤوا من إنكلترا خلال القرن السابع عشر، في صحبة جمع كبير من الكويكرز الذين لم يجدوا في وطنهم روح الحرية الدينية التي كانت بندًا أساسيًا في إيمانهم، فالتمسوا ملجأ في العالم الغربي الجديد، آملين أن يؤسسوا هناك دولة يتمتع فيها أبناؤهم بحرية عبادة الله وفق ما تمليه عليهم ضمائرهم، تلك الحرية التي حُرموها هم في العالم القديم.
وكان هؤلاء الكويكرز قد استقروا في معظمهم في المستعمرات التي أسسها وليم بن في فيلادلفيا وما حولها، على ضفتي نهر ديلاوير، وصاروا، حين وُلدت، جماعة من أكثر الجماعات نفوذًا واحترامًا.
غير أن كثيرًا من نضارتهم الأولى وحرارتهم كان قد زال، والذي بقي كان دينًا رزينًا هادئًا جدًا، لا يسمح إلا بالقليل من التعبير، وكان باطنيًا محضًا إلى حد يبدو لي الآن أنه جاوز الحكمة. وقد بقي من الأيام الأولى إيمان راسخ بما كان يُتحدث عنه دائمًا باسم «إرشاد الروح القدس المحسوس»، والمقصود به صوت الله المميز الواعي في القلب؛ وولاء أمين لما كان يسمى «شهادات الأصدقاء»، وهذه الشهادات كانت التعبير الظاهر عن قناعات الحق التي اعتقدوا أنها أُعلنت إعلانًا مباشرًا بواسطة «النور الداخلي» لجورج فوكس، مؤسس الجمعية، ولأتباعه الأولين.
وكان كثير من هذه القناعات مخالفًا للأفكار المألوفة عند الناس من حولنا، فجعلت مراعاتُها كويكرز أيامي قومًا شديدي الغرابة. لكننا تعلمنا أن من الشرف العظيم أن نكون لله «شعبًا خاصًّا»، وكنت أنا، على الأقل، أومن كل الإيمان بأننا نحن الكويكرز هم المقصودون حيث يقول سفر التثنية: «قَدِ ٱخْتَارَكَ ٱلرَّبُّ لِكَيْ تَكُونَ لَهُ شَعْبًا خَاصًّا فَوْقَ جَمِيعِ ٱلشُّعُوبِ ٱلَّذِينَ عَلَى وَجْهِ ٱلْأَرْضِ.»
وأمام شرف كهذا، بدت الأمور التي كنا فيها «خاصين»، والتي أعترف بأنها كثيرًا ما سببت لنا حرجًا كبيرًا بل ضيقًا، كأنها ضرب من «الدمغة» الدالة على حظوة إلهية خاصة؛ وبدل أن يخجل كويكرز أيامي من غرائبهم، كانوا في سرهم فخورين بها وبما كانت تسببه لهم من تفرد. وقد تشرّبنا نحن أولاد الكويكرز شيئًا من هذا الشعور، فكنا حين نسير في الشوارع بزينا الكويكري العتيق، ويصيح خلفنا صبية الأزقة، كما كانوا كثيرًا ما يفعلون: «كويكر، كويكر، بطاطا مهروسة»، نحس بشعور من التفوق يسندنا وينزع بعض اللسعة من الإهانة المقصودة، ويمكّننا من أن نرد عليهم بازدراء رفيع، وكأن الغلبة لنا في الأمر: «دتشي، دتشي، ماش-باي-تاتشي!» فإن كنا نحن كويكرز، فلعلهم كانوا هم من نسل الألمان الأوائل، أو «الهولنديين المرتهَنين» كما كانوا يُسمَّون، الذين كانوا خدمًا للمستعمرين الأولين؛ وعلى كل حال، كنا مصممين على أن يعرفوا أن هذا ظننا فيهم.
وأذكر أننا بعدما اكتشفنا، أنا وأخواتي، هذا الرد الفعال، صرنا قادرات على إسكات معظم مضطهدينا. لكنه كان شاقًا أحيانًا علينا نحن أولاد الكويكرز أن نُلزَم بتحمل نصيبنا من الاضطهاد «لأجل الضمير»، إذ كانت الضمائر ضمائر شيوخنا لا ضمائرنا نحن؛ وإلى جانب فخرنا بأننا شعب الله الخاص، كثيرًا ما كان يخالجنا أيضًا شعور بالنبذ أرى الآن، إذ أنظر إلى الوراء، أنه ما كان ينبغي أن يُطلب منا احتماله.
ومع ذلك لا أشك في أن هذا أكسب طباعنا نوعًا من الاستقلال الصلب كانت له قيمة حقيقية لنا في حياتنا اللاحقة. وأنا، على الأقل، ظللت دائمًا شاكرة على الخلاص من خوف الإنسان. أما عدم الاكتراث بالنقد، فذاك ما أنا مقتنعة بأن تلك الاضطهادات الباكرة «لأجل الضمير» قد غرسته في روحي.
لم يكن هناك، كما قلت، إلا القليل جدًا من التعليم الديني المباشر يُقدَّم لصغار الكويكرز في زماني.
كنا نُوعَظ أحيانًا في اجتماعاتنا، حين كان أحد الأصدقاء في الشرفة يحض «الشبيبة الأعزاء» على الأمانة لمرشدهم الإلهي، لكن لم تكن تُلقَّن لنا أي عقائد أو تعاليم قط. وما لم يكن المرء قد أوقظ روحيًا على نحو خاص، فإن المسائل التي تشغل أذهان الشباب في هذه الأيام لم تكن تخطر ولو في الحلم لشباب دائرتي، على قدر علمي في الأقل. ولا يكاد يُتصور في هذه الأزمنة الحديثة مخلوق أشد جهلًا مني بكل ما يسمى بالحق الديني حتى بلغت السادسة عشرة، حين جاءت يقظتي. كانت المسألة الدينية كلها عندي ببساطة: هل أنا صالحة بما يكفي للذهاب إلى السماء، أم شقية شقاوة تستحق جهنم؟ أما أن تكون هناك «خطة للخلاص»، أو شيء من قبيل «التبرير بالإيمان»، فلم يُسمع به بيننا قط.
كانت النقطة الحيوية الوحيدة في أفكارنا عن الدين هي هل نترقب ذلك «الإرشاد المحسوس» من الروح القدس ونطيعه أم لا، وهو ما كنا نُوجَّه إليه على الدوام؛ وكان التعليم المحدد الوحيد الذي تلقيناه في ما يخص حياتنا الدينية محصورًا في «شهادات الأصدقاء»، وفي «الأسئلة» التي كانت تُقرأ ويُجاب عنها كل شهر في «الاجتماعات الشهرية للأعمال» التي كانت كل جماعة من جماعات الكويكرز تعقدها بانتظام.
لم تكن لنا مدارس أحد ولا صفوف لدرس الكتاب المقدس؛ بل الواقع، كما قلت، أن هذه كانت تُعد ضربًا من «نشاط المخلوق» لا يُغتفر إلا لـ«أهل العالم» (وكنا نعني بهم كل من ليس كويكريًا)، لأنهم كانوا، في اعتقادنا، جاهلين بتعاليم الروح القدس الأسمى بكثير التي كانت ميراثنا الخاص. ولم تكن جمعيتنا تعلمنا كذلك أي صلوات منتظمة، لأن الأصدقاء آمنوا بأنهم لا يستطيعون أن يصلوا صلاة مقبولة إلا متى حركهم الروح إلى الصلاة. وحين كنا أطفالًا صغارًا، كان والدانا قد علمانا صلاة طفولية، كنا نرددها كل ليلة بعدما نُدثر في أسرتنا، قبل قبلات الوداع الأخيرة.
لكن مع تقدمنا في السن، واعتراف والدينا شيئًا فشيئًا باستقلالنا الفردي، أُغفلت هذه الصلوات الطفولية الليلية، وأخذ الجو الكويكري في ما يخص الصلاة يغلب تدريجيًا؛ حتى صرت أنا، في الأقل، أشعر مع الوقت كأن محاولتي أن أصلي تكاد تكون خطأ، بسبب استخفافي المرح وعدم اكتراثي.
وما كان يعلّمه هذا الكويكري عن الصلاة يمكن أن يُستخلص من المقتطف التالي من كتابات إسحاق بنينغتون. يقول: «الصلاة عطية. لا يستطيع الإنسان أن يصلي متى شاء؛ بل عليه أن يسهر وينتظر متى شاء الآب أن يوقد فيه أنفاسًا حية نحوه.»
ونتيجة لذلك، لم نكن نعرف أي صلوات رسمية، ولم نُعلَّم حتى الصلاة الربانية. وإلى أن صرت امرأة لم أكن في الحقيقة أحفظها عن ظهر قلب، بل إلى هذا اليوم كثيرًا ما أحتار لحظة حين أحاول أن أرددها. والحق أنني إذ كنت طفلة تكوّن عندي انطباع، لا أدري كيف، بأن الصلاة الربانية «مبهرجة» (gay)، وأن الناس «المبهرجين» وحدهم يُنتظر منهم استعمالها. وكنا نعني بكلمة «مبهرج» كل ما ليس كويكريًا. فالكويكرز «بسطاء»، أما سائر العالم كله، بل حتى الكنيسة، فكانوا «مبهرجين».
بل كان يبدو لي أن الركوع في الصلاة أمر «مبهرج» بلا مواربة. فنحن الأصدقاء كنا نقف دائمًا حين تُرفع الصلاة في اجتماعاتنا، وإن صلينا عند إيوائنا إلى النوم ليلًا فإنما بعد أن ندخل في أسرتنا. وحين كانت إحدى بنات حلقتنا الصغيرة تجرؤ أحيانًا على الركوع بجانب سريرها لصلواتها المسائية، كنا نشعر دائمًا أن ذلك استسلام مؤسف لروح دنيوية، وأمر يُناح عليه بوصفه ارتدادًا عن الإيمان الحق.
والواقع أن جميع خدمات الكنائس والمصليات كانت تبدو لنا شديدة البهرجة والدنيوية، وكان الاشتراك فيها يكاد يبلغ عندنا مبلغ ارتكاب الخطية؛ وحتى تزوجت لم أكن قد دخلت قط مكانًا للعبادة غير بيوت اجتماعات الأصدقاء. ولو فعلت لحسبت ذلك «سقوطًا من النعمة» صريحًا.
لا أستطيع أن أذكر أننا عُلمنا شيئًا من هذه الأمور تعليمًا صريحًا، ولا أن أحدًا قال لي يومًا بهذه الكلمات إن الكويكرز هم «الشعب الخاص» الذي يتكلم عنه الكتاب المقدس بوصفه عزيزًا عند الله عزّة مخصوصة. لكن ذلك الضرب من الوعظ الذي كنا نستمع إليه، ولا نفهمه بالطبع إلا نصف فهم، عن امتيازات غرائبنا وبركاتها، ترك في جهالتي الغضة انطباعًا بأننا، بسبب «غرائبنا»، موضع حظوة إلهية خاصة على نحو من الأنحاء. وأذكر جيدًا أنه كان عندي شعور واضح بأننا نحن الإسرائيليون الحقيقيون الذين تكلم عنهم الكتاب، وأن كل من ليسوا كويكرز ينتمون إلى «الأمم الذين في الخارج». ولأقول الحق كله: كانت عندي وأنا طفلة فكرة مشوشة في ذهني بأن لنا نحن الكويكرز إلهًا مختلفًا أسمى بكثير من إله غيرنا، وأن الإله الذي كان يعبده سائر المسيحيين إنما هو واحد من «آلهة الأمم» التي أدانها الكتاب.
وسيتبين أنني لم أكن فريدة في هذه المشاعر من المقتطفات التالية المأخوذة من مذكرات نُشرت حديثًا لصديق أمريكي هو اليوم من رجال التربية المقتدرين.
يقول: «إنني على يقين من أنه ما من إسرائيلي في أيام ازدهار إسرائيل كان أرسخ اقتناعًا مني بأنه ينتمي إلى شعب خاص اختاره الرب لنفسه. كان عندي انفصال مطلق بين ‹نحن› وأي أحد سوانا. هذه الفريسية لم يعلّمني إياها أحد، ولا شجعني عليها أحد مباشرة، لكنها كانت فيّ مع ذلك. ولو كان لي في الدنيا شيء أفتخر به، فهو أنني كويكري. كان لمن حولي من الأشياء الملموسة أكثر مما كان لي بكثير. كانت حياتهم أيسر، ولم يكونوا يكابدون في سبيل الحصول على ما يريدون ما كنا نكابده نحن. لكنهم لم يكونوا ‹مختارين›، ونحن كنا! وإلى أبعد ما أستطيع الرجوع في ذاكرتي، أجد هذا الإحساس بالتفوق — كأنه حق بكورية في النعمة والحظوة الإلهيتين. وأظنه جاءني في بعضه من الانطباعات التي أخذتها عن ‹الأصدقاء المتجولين› الذين كان لزياراتهم تأثير فيّ لا يوصف. سيبدو هذا بالطبع رأيًا شديد الضيق، وكذلك كان، لكن تأثيره فيّ كان مهمًا بلا ريب. فقد أضفى على حياتي الصغيرة شيئًا من الكرامة أن أشعر أنني أنتمي إلى شعب الله الخاص؛ وأننا نحن، من بين العالم كله، قد اصطُفينا لنكون له، وأن عجائبه صُنعت لأجلنا، وأننا موضع محبته ورعايته الخاصتين.
«كان كل من في البيت، وكثير من زائرينا كذلك، يؤمنون إيمانًا مطلقًا بالإرشاد الإلهي المباشر. والذين كانوا يخرجون من اجتماعنا للقيام بخدمة دينية بعيدة — وكم من هذه الزيارات جرى القيام بها — كانوا يبدون دائمًا كأنهم اختيروا لهذه المهمات الجليلة اختيارًا مباشرًا كما اختير أنبياء القديم. وإلى أبعد ما تصل ذاكرتي، أرى الأصدقاء جالسين يتحدثون مع جدتي عن ‹همّ› ما كان ‹ثقيلًا عليهم›، وكان الأمر كله يبدو من الأهمية كما لو أن ملكًا أرضيًا استدعاهم لتدبير شؤون إمبراطورية. وكانت حالات الاصطفاء الإلهي هذه، والانطباع الدائم بأن الله يستخدم هؤلاء الأشخاص الذين أعرفهم ليكونوا رسله، هي في بعضها ما جعلني على هذا اليقين من أننا شعبه المختار. وعلى كل حال، نشأت وهذه الفكرة راسخة في ذهني رسوخًا لا يتزعزع.»
وأعتقد أن كل «صديق» شاب في الدائرة التي كنت أنتمي إليها كان سيُقر بهذه المشاعر نفسها. كنا «شعب الله المختار»، وكنا بهذه الصفة ننتمي إلى أرستقراطية دينية حقيقية كأصدق ما تكون أي أرستقراطية أرضية؛ ولا أظن أن إيرلًا أو دوقًا افتخر يومًا بمنزلته الأرستقراطية الأرضية أكثر مما كنا نفتخر نحن بمنزلتنا السماوية.