فصل 3 · قراءة 8 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
طفولتي بين الكويكرز
كان يأتي بعد تأثير والديّ في حياتي الناشئة تأثيرُ الجمعية الدينية التي كنت عضوًا فيها بحق الولادة. ولا أظن أن في وسعي أن أعبّر بالكلمات عن مدى قوة هذا التأثير وشموله لكل شيء. فقد كانت كل كلمة وفكرة وعمل في حياتنا مشبَّعة بروح الكويكرز، ولم نفلت منها لحظة واحدة قط.
ليس لأننا كنا نريد الإفلات منها، فنحن لم نكن نعرف شيئًا غيرها؛ بل، كما ستُظهر قصتي، كانت كل ذرة من وعينا مشرَّبة بها ومأخوذة بها. وإني أشكر الله كل يوم على أنها كانت تأثيرًا بارًّا يسمو بالنفس إلى هذا الحد.
غير أن كويكرية أيامي، على كل ما كان لها من سلطان على حياتنا، لم تكن تبلغ تأثيرها هذا بكثرة التعليم الظاهري. فمن أعمق معتقداتها كان الإيمان بتعليم الروح القدس الداخلي المباشر لكل نفس، وهذا ما جعلها لا تشجع كثرة التعليم بشفاه البشر. فقد قبل الكويكرز على أنه حق حرفي إعلانَ يوحنا الرسول أنه يوجد «ٱلنُّورُ ٱلْحَقِيقِيُّ ٱلَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى ٱلْعَالَمِ»، وكان تعليمهم الأساسي أن هذا «النور»، إن هو تُرُقِّب بأمانة وأُطيع، يهدي كل إنسان إلى جميع الحق. لذلك شعروا أن التدخل بأي تعليم بشري محض إنما هو حشر للنفس بينها وبين مرشدها ومعلمها الإلهي. فعلّمونا أن نصغي إلى صوت الله في نفوسنا وأن نطيعه، وآمنوا أننا إن فعلنا ذلك على قدر أفضل ما نعرف، فإن مرشدنا الإلهي سيعلّمنا كل ما يلزمنا أن نعرفه من العقائد أو التعاليم.
كان في هذا الاعتراف بفردية الإنسان شيء من العظمة. فقد كان يترك كل نفس في استقلال مطلق أمام خالقها، مستعدةً لأن تتلقى التعليم منه هو مباشرة، من غير تدخل من أي كائن بشري، إلا بمقدار ما يكون ذلك الكائن البشري نفسه ملهَمًا منه. ومع أنني في أيام صباي لم أصُغ هذا لنفسي صياغة واعية، فإن الجو الذي خلقه، والكرامة الفردية التي خلعها على كل نفس بشرية — حكيمة كانت أو ساذجة، غنية أو فقيرة، متعلمة أو غير متعلمة، كبيرة أو صغيرة — جعلا كل واحد منا يشعر منذ أبكر أيامه باستقلال داخلي ملكي لا يقدر أحد أن يمسه، ولا حتى والدانا.
وحين كان الكتاب المقدس يُقرأ علينا، وكان ذلك يحدث كثيرًا، وخصوصًا في عصر أيام «اليوم الأول»، لم يكن يُحاوَل من الشرح إلا أقل القليل. وبدلًا من ذلك كانت تُراعى دائمًا عند ختام القراءة لحظات من الصمت العميق، لكي يكشف لنا «النور الداخلي»، إن شاءت الإرادة الإلهية، معنى ما قُرئ. على أني أخشى أنني شخصيًّا كنت بعدُ من الغفلة بحيث لم يكن يُكشف لي إلا القليل. لكن هذا الشعور كان من القوة بين كويكرز أيامي حتى إن التعليم الديني المباشر من شفاه البشر، فيما عدا الوعظ الملهم، كان يبدو لي دائمًا شيئًا من العالم — عالميًّا. وكنت أشعر أنه لا يصلح إلا لـ«أهل العالم» الذين كانوا، بسبب جهلهم بالنور الداخلي، مضطرين بالضرورة إلى التطلع إلى الخارج طلبًا لتعليمهم. والحق أن كل شروح الكتاب المقدس، إلا ما كان منها ملهَمًا إلهامًا مباشرًا، كانت تُحسب أمرًا عالميًّا؛ وكانت صفوف درس الكتاب ومدارس الأحد تُعَدّ أماكن للتسلية العالمية لا ينبغي لأي كويكري صادق أن يرتادها. فتعليمنا كان له أن يأتينا لا من شفاه معلمين من البشر، بل من الصوت الداخلي للمعلم الإلهي نفسه.
ولم يكن الأصدقاء الأولون يؤمنون في هذا إلا بما علّمه القديس أوغسطينوس حين قال: «إن المعلم الداخلي هو الذي يعلّم، والإلهام هو الذي يعلّم؛ فحيث يُفتقد الإلهام والمسحة، عبثًا تُدَقّ الكلمات من الخارج».
لذلك كان وعظهم في معظمه مؤلفًا من الحض على الإصغاء إلى هذا «الصوت الداخلي» وإطاعته متى سُمع؛ ولا أذكر أنني سمعت مرة واحدة، في كل أيام صباي، أي لون آخر من الوعظ. ليس لأنه لم يكن من الممكن أن يوجد إلى جانبه وعظ عقائدي أيضًا لو كانت لي آذان تسمعه؛ لكن الواقع أنه ما من مسألة دينية من أي نوع شغلت ذهني حتى بلغت السادسة عشرة، سوى ذلك الاقتناع الواحد الجارف بأن عليّ، بطريقة أو بأخرى، أن أتدبر أمري لأكون صالحة. كنت أعيش فقط في عالم الطفولة الغريب الغامض ذاك، البعيد كل البعد عن «عالم الكبار» المحيط به، حيث كان كل ما في الخارج لا يبدو إلا مشهدًا عابرًا. أما في عالمي أنا فكان كل شيء واضحًا بسيطًا لا يحتاج إلى أي تساؤل. وكان للكبار من حولي، فيما يبدو، اهتماماتهم المضحكة وهمومهم الحمقاء، لكن هذه كلها لم تكن تعني لي شيئًا في دائرتي المسحورة.
وأحيانًا، حين كان أحد هؤلاء الكبار السخفاء يلمّح إلى أنه سيأتي وقت أكبر فيه أنا أيضًا، كانت غصة تعتريني من هذه الفكرة المرعبة، وكنت أعقد العزم على تأجيل يوم الشر ذاك ما استطعت، برفضي أن يُرفع شعري في عقدة خلف رأسي، أو أن تنزل فساتيني إلى ما تحت ركبتيّ. وكان عندي تصور أن الكبار يريدون أن يعيشوا حياة الأطفال، ويلعبوا ألعاب الأطفال، ويمرحوا مرح الأطفال، مثلنا نحن الأطفال تمامًا، لكن ثمة قانونًا يمنعهم من ذلك. وحين كان الناس يتحدثون في حضرتي عن ضرورة «حمل الصليب» كلما تقدم المرء في السن، كنت أظنهم يعنون أن عليك أن تكف عن تسلق الأشجار ودحرجة الأطواق وخوض السباقات والمشي على رؤوس الأسوار، مع أنك تظل تشتهي هذه الأشياء كما كنت دائمًا؛ وكثيرًا ما امتلأ قلبي الطفولي بشفقة عميقة على المساكين التعساء من الكبار حولي.
كنت كائنًا جامحًا طائشًا، ولم أكن حتى السادسة عشرة إلا طفلة مرحة القلب لا تحمل همًّا، عاقدة العزم على أن أنتزع من الحياة كل ما أستطيع من المرح، خالية من ذلك الوعي الذاتي المرضي الذي كثيرًا ما يكون عذابًا للصغار.
والحق أنني، على قدر ما أذكر، لم أكد أفكر في نفسي، من حيث هي نفسي، على الإطلاق. يقول لي أصدقائي القدامى الآن إنني كنت أُعَدّ فتاة جميلة جدًّا، لكنني لم أعرف ذلك قط. فمسألة مظهري لم تخطر لي على بال. والمسألة الوحيدة التي كانت تعنيني حقًّا هي مرحي؛ أما كيف أبدو، أو ماذا يظن الناس بي، فأمور لم يبدُ أنها تخصني في شيء.
وأذكر بوضوح أول مرة فرضت فيها هذه الأسئلة نفسها عليّ، والطريقة الساخطة التي رفضتها بها. أظن أنني كنت في نحو الحادية عشرة من عمري. كانت أمي قد أرسلتني إلى غرفة الاستقبال لأرى بعض أصدقائها الذين سألوا عني. فتركت دروسي بلا خوف ومضيت نحو غرفة الاستقبال؛ وفجأة، وأنا على وشك الدخول، فوجئت وارتبكت كل الارتباك بنوبة من الخجل. لم يسبق أن انتابني هذا الشعور قط، فوجدته كريهًا إلى أبعد حد. وبينما كنت أدير مقبض الباب قلت لنفسي: «هذا سخف.
لماذا أخاف من أولئك الناس هناك؟ أنا واثقة أنهم لن يطلقوا عليّ النار، ولا أظنهم سيفكرون فيّ أصلًا؛ وحتى لو فعلوا فلن يضيرني ذلك، وأنا ببساطة لن أخاف». وإذ قلت هذا، ألقيت خجلي عمدًا خلف ظهري ودخلت الغرفة غير هيّابة، تاركة إياه كله خارج الباب.
كنت قد اكتشفت، وإن لم أكن أعرف يومئذ ما يكفي لصياغة اكتشافي، أن الخجل ليس إلا تفكيرًا في النفس، وأن نسيان النفس علاج أكيد له؛ ولا أذكر أنني عانيت من الخجل معاناة حقيقية بعد ذلك قط. فإن جاءني يومًا، كنت ألقيه خلفي كما فعلت أول مرة، وأرفض حرفيًّا أن أعيره أي التفات.
وهكذا كانت حياتي، على قدر ما أذكر، حتى السادسة عشرة حين جاءت يقظتي الدينية، حياةَ طفلة خالية من التفكير خلوًّا مطلقًا. فالانكفاء على الذات وفحص النفس أمران لم أعرف عنهما شيئًا، والمسائل الدينية لم تكن تخطر لي حتى في الحلم. وإني لأنظر إلى الوراء متعجبة كيف حُفظ كائن بهذا القدر من قلة التفكير من الخطايا الصارخة كما حُفظت أنا، لكنني أدرك أن عليّ أن أشكر على ذلك جو الكويكرز العظيم المحيط بكل شيء، جو الصلاح والبر الذي عشت فيه، والذي جعل أي انفجار من هذا القبيل شبه مستحيل.
وقد تحدثت عن الكنيسة التي وُلدت فيها بوصفها جمعية دينية. فقد كانت تُسمى دائمًا في أيام صباي «جمعية الأصدقاء الدينية»، ولم يكن يُقال عنها قط، كما يُقال كثيرًا الآن، «كنيسة الكويكرز».
كان للكويكرز الأولين شهادة قوية ضد تسمية أنفسهم كنيسة، لأنهم لم يعتبروا أنفسهم كنيسة بأي معنى حصري أو شمولي لهذه الكلمة. فالكنيسة في نظرهم هي جسد المؤمنين غير المنظور المنتمين إلى كل مذهب وكل أمة، وهم بوصفهم «أصدقاء» لم يكونوا إلا «جمعية» داخل هذه الكنيسة الجامعة العظيمة غير المنظورة.
وقد أخذوا اسمهم من كلمات ربنا في يوحنا 15:14-15: «أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ. لَا أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لِأَنَّ ٱلْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لَكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لِأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي». وكان مطمحهم الواحد في الحياة أن يفعلوا كل ما يوصيهم به الرب، فآمنوا لذلك أنهم قد أُدخلوا في هذه الدائرة المقدسة، دائرة الصداقة الإلهية. ولم يكن في نيتهم أول الأمر تكوين شيعة منفصلة، بل كانت رابطتهم في أذهانهم مجرد جماعة من الأصدقاء (من غير الحرفين الكبيرين اللذين يجعلان منها في الإنجليزية اسمًا علمًا)، يجتمعون معًا ليتشاركوا، كأصدقاء بعضهم مع بعض، الإعلانات الإلهية التي تُعطى لكل واحد منهم، وليشجع بعضهم بعضًا على السعي وراء البر الذي تقتضيه الصداقة الإلهية.
أما أن «جماعة الأصدقاء» هذه قد اتخذت لنفسها شيئًا فشيئًا أداة التعريف والحروف الكبيرة، فصارت «جمعية الأصدقاء الدينية»، وتطورت إلى شيعة منفصلة، فذلك، على ما أظن، هو النتيجة الحتمية لكل الحركات من هذا القبيل. لكنه بدا لي دائمًا سقوطًا عن بساطة الفكرة الأصلية وشمولها للجميع.
أما اسم كويكر (ومعناه: المرتجف) فقد أُطلق عليهم في أيامهم الأولى لأنهم كانوا يُشاهَدون، وهم يعظون في اجتماعاتهم، يرتجفون أو يرتعدون تحت ما كانوا يؤمنون أنه قوة الروح القدس. وأنا نفسي، حتى في الأزمنة الأهدأ أيام كنت طفلة، كثيرًا ما كنت أرى الوعاظ في اجتماعاتنا يرتجفون ويرتعدون من الرأس إلى القدمين، وأعترف أنني كنت أشعر دائمًا أن الرسائل التي تُلقى في هذه الحالة لها إلهامها ومسحتها الخاصان اللذان يفوقان كل ما عداهما بعيدًا. والحق أن الواعظ ما لم يكن فيه من هذا «الارتجاف» على الأقل ما يجعل قلبه يخفق وساقيه ترتجفان، لم يكن كثيرون يحسبون أن له «الدعوة» الحقيقية إلى الخدمة أصلًا؛ فلا عجب إذن أن يكون اسم «كويكر» قد التصق بالجمعية.
لكن الاسم الذي اختاروه هم لأنفسهم كان اسمًا أسعد بكثير، وأدل بكثير على ما كانوه حقًّا. فـ«الارتجاف» لم يكن في النهاية إلا عارضًا من عوارض ديانتهم، أما روح الصداقة فكانت جوهرها ذاته. فلأنهم آمنوا أنهم أصدقاء الله، أدركوا أنه لا بد لهم أن يكونوا، بأصدق معنى، أصدقاء كل الخلائق التي خلقها. وآمنوا أنه حق حرفي أنه صنع من دم واحد كل أمم الناس، وأن الجميع لذلك إخوة لهم. ولم يكن في وسع أحد ألا يستشعر هذا الحس بالصداقة الشاملة في كل عبادة الجمعية وكل عملها؛ أما أنا شخصيًّا فقد انطبع ذلك في حياتي الناشئة انطباعًا عميقًا حتى إن كوني عضوًا في جمعية الأصدقاء يعني لي إلى هذا اليوم أن أكون صديقة الجميع. وكلما كان في أي مكان من العالم ظلم أو معاناة، أشعر غريزيًّا بيقين أن من أوائل من يهبّون للنجدة لجنة من جمعية الأصدقاء.
ولهم في الواقع لجنة دائمة تجتمع بانتظام للنظر في حالات الظلم والعوز، تُدعى باسم ذي دلالة بليغة «اجتماع المعاناة». فالجمعية هي، وقد كانت دائمًا، صديقة كل مظلوم. ولذلك، فمع أن العالم الخارجي يدعوهم عمومًا «الكويكرز»، يسرني أنهم هم أنفسهم قد تمسكوا بثبات باسم «الأصدقاء» الحبيب.