نكران الله لذاته ·مشيئة الله المحبوبة

فصل 31 · قراءة 7 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

مشيئة الله المحبوبة

لما انفتحت عيناي حديثًا على صلاح الله المطلق ونكرانه الكامل لذاته، تغيّر موقفي كله من مشيئته. كنت في الماضي أنظر إلى مشيئة الله على أنها شيء منتصب ضدي؛ أما الآن فقد اكتشفت أنها كلها في صالحي. كنت أخافها كشيء قاسٍ؛ فصرت أراها شيئًا يُعانق بفرح. وكنت أحسب مشيئته يومًا سلاح صرامته الرهيب، ينزل عليّ ليعاقبني؛ أما الآن فرأيتها أداة محبته الحانية، التي لا تُدخل إلى حياتي إلا ألطف الأشياء وأفضلها.

أدركت أن مشيئة المحبة الكاملة المنكرة لذاتها لا يمكن إلا أن تكون صالحة، وأنه ما دام الله يملك كل المعرفة وكل الحكمة، فلا بد أن تكون مشيئته — بحكم طبيعتها ذاتها — أفضل ما يمكن أن يقدمه الكون. وما من غبطة أعظم يمكن أن تنال أحدًا منا من أن تتم تلك المشيئة الجميلة المنكرة لذاتها تمامًا فينا ولأجلنا معًا.

كان الاختباء في مشيئة الله يبدو لي أحيانًا كاللجوء إلى حصن منيع من المحبة والحماية لا يبلغني فيه أذى؛ وكان في أحيان أخرى أشبه بالارتماء في أوثر فراش من الريش، حيث أستريح في سلام كامل. ولن أستطيع قط أن أعبّر بالكلمات عن كل ما بدأت أراه من جمال مشيئة الله وحنانها وسخائها وصلاحها اللامحدود. لقد نعمت بحلاوتها حق النعيم.

لم يكن معنى ذلك أن الحياة ستخلو من التجارب؛ فقد ترى المشيئة الحكيمة المحبة في التجارب عطايا محبة ضرورية. ولا كان من اللازم أن أميز اليد الإلهية في كل ضيقة. فحسّي السليم قال لي إنه إن كان الله حاضرًا في كل مكان، فلا بد أنه حاضر في تجاربي أيضًا — وما دام هناك، فلا بد أنه هناك لكي يعين ويبارك.

لسنا من الحكمة بحيث نحكم هل اختباراتنا أفراح حقًا أم أحزان، لكن الرب يعلم. ولأنه يحبنا محبة لا حد لها منكرة لذاتها، فإنه لا يمكن أن يخفق — لا يمكن حرفيًا أن يخفق — في أن يجعل حتى الأمور التي تبدو صعبة أو قاسية أو شريرة تعمل معًا لأعظم خير لنا. وأقول «لا يمكن أن يخفق» لأنه مما لا يُتصور أن يفعل إله كهذا غير ذلك.

ولا يهم من الذي يبدأ التجربة — أكان ذلك خبث البشر، أم الشر الروحي، أم حماقتنا نحن. فإن سمح الله بأن تبلغنا، فهو بذلك السماح عينه يجعل التجربة تجربته هو، محولًا إياها إلى مركبة محبة تحمل نفوسنا إلى بركات ما كنا نستطيع بلوغها بطريق آخر. فليس عند المسيحي الساكن في حصن مشيئة الله «أسباب ثانية»؛ إذ لا يمكن أن يدخل ذلك الحصن شيء ما لم يفتح له حارسه الإلهي الباب.

ومتى فتحه، كان معنى ذلك أنه قد تبنى ذلك الأمر لأجل خيرنا الأبدي.

لقد بيع يوسف إلى مصر بشرّ إخوته، ومع ذلك جعل الله قسوتهم المركبة عينها التي حملته إلى الظفر. فلنا أن نكون من هذا الأمر أشد يقينًا من يقيننا بأن الشمس ستشرق غدًا: إن مشيئة الله هي أجمل ما في الكون لنا — لا لأنها تبدو دائمًا الأفضل، بل لأنها لا يمكن أن تكون إلا الأفضل، إذ هي مشيئة المحبة اللامحدودة.

ووجدتني أرنم على الدوام ترنيمة فابر الجميلة: «إني أسجد لك أيتها المشيئة العذبة، مشيئة الله، وأعظّم كل طرقك؛ وكل يوم أعيشه يخيل إليّ أني أزداد لك حبًا أكثر فأكثر».

وقد سرّني منها بيت سرورًا خاصًا لأني كثيرًا ما وجدته صادقًا في الاختبار: «لست أعرف ما هو الشك، فقلبي مبتهج على الدوام؛ وأنا لا أجازف بشيء، لأنه مهما حدث، فمشيئتك هي التي تتم دائمًا».

أما أول مرة أدركت فيها هذا إدراكًا عمليًا عميقًا فكانت بعد ثلاثة أيام من ولادة طفلتي الحبيبة — الطفلة التي كنت قد اشتقت إليها شوقًا لا يوصف، والتي بدت لي أنفس كنز عُهد به يومًا إلى رعاية بشرية.

كانت ممرضتي قد مرضت فجأة واضطرت إلى الانصراف، فاضطررنا إلى إحضار امرأة غريبة ارتبت في مظهرها وبدا لي جهلها واضحًا. ولم تكن الممرضات المدربات شائعات في ذلك الوقت، وشعرت أن هذه المرأة غير مؤهلة على الإطلاق. وكنت لا أكاد أطيق أن تلمس طفلتي الغالية، ومع ذلك لم يكن مسموحًا لي أن أعتني بطفلتي بنفسي.

كان الفصل شتاء، وكانت نار حطب متقدة ساطعة في موقد غرفتي. وفي أول أمسية للممرضة، بعد أن هيأتني في فراشي، جلست قريبًا من النار وطفلتي في حجرها. وسرعان ما استغرقت في نوم عميق وأخذت تشخر بصوت مرتفع، واستيقظت أنا لأرى رضيعتي مستلقية على ركبتيها المائلتين على مقربة خطرة من اللهب، بينما رأس الممرضة يتدلى فوقها تدليًا مهددًا بالخطر.

وكان صوتي ضعيفًا فلم أستطع إيقاظها. وكنت أتوقع في كل لحظة أن أرى صغيرتي تتدحرج إلى النار. ولم أستطع أن أجعل أحدًا يسمعني، وكان النهوض من الفراش وعبور الأرضية الباردة قد يلحقان بصحتي ضررًا جسيمًا. غير أن قلقي أنهضني، وكنت أجاهد لأقف حين ومضت في ذهني فجأة هذه الكلمات: «أنا لا أجازف بشيء، لأنه مهما حدث، فمشيئتك هي التي تتم دائمًا».

ومع تلك الكلمات جاءني يقين عميق بأن طفلتي في أمان تام في رعاية الله، وحلّ عليّ سلام عميق. فارتد رأسي إلى وسادتي، وارتدت نفسي إلى حلاوة مشيئة الله. ورأيت أن رضيعتي محمولة بين ذراعي المحبة القادرة على كل شيء. ونمت من غير أثر للخوف، واستيقظت لأجدها توضع إلى جانبي لإرضاعها.

وكان أمرًا يفوق كل وصف جمالًا أن أختبر إعلانًا عمليًا كهذا عن جمال مشيئة الله وغبطتها.

ومنذ تلك اليقظة الأولى نلت بصائر كثيرة مشابهة، وصرت أعلم — بما لا يقبل أدنى ظل من الشك — أن مشيئة الله هي أشهى حقيقة في الكون وأبهجها. وليس ذلك لأن الحياة تجري دائمًا على حسب ما أفضّل، ولا لتقوى خاصة فيّ، بل ببساطة لأن الحس السليم الصريح يقول لي إن مشيئة المحبة الكاملة المنكرة لذاتها لا يمكن إلا أن تكون مبهجة. فالسماء إنما هي سماء لأن مشيئة الله تتم فيها على الكمال؛ ولو تمت مشيئته هنا على الكمال لصارت الأرض حتمًا شبيهة بالسماء.

طوال سنين كنت أسمع المسيحيين يصفون تكريس الذات لمشيئة الله على أنه إنجاز روحي من العلو بحيث لا يطمع في بلوغه إلا نفر قليل من النفوس البالغة التقوى. ولكن حين اكتشفت نكران الله اللامحدود لذاته، أدركت أن التكريس ليس إنجازًا يُحرز على الإطلاق — بل هو امتياز لا يقدَّر بثمن. وإني لمقتنعة بأن الناس لو فهموا حقًا جمال مشيئته، لما سارع إلى اختيارها بفرح الأتقياء وحدهم، بل كل نفس في الوجود، لكل لحظة من لحظات حياتها.

ليست هذه درجة أعلى من التقوى؛ إنما هي ببساطة درجة أعلى من الحس السليم. فلو ضللت في برية لا طريق فيها، عاجزة عن رؤية أي مخرج، وعرض عليّ دليل خبير أن يقودني إلى بر الأمان، فهل يكون وضع نفسي بين يديه وقولي له: «لتكن مشيئتك» أمرًا شاقًا أو تضحية؟ وإن لم يكن كذلك، فكيف يكون تسليم نفسي لمرشدي السماوي وقولي له: «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ» أمرًا ثقيلًا؟ لا يمكن ذلك — إنه مستحيل. إن التسليم لله، أو التكريس كما يسميه كثيرون، هو أعظم امتياز يُمنح لنفس في هذه الحياة. وقول «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ» هو من أبهج العبارات التي يؤذن لإنسان أن ينطق بها.

قال أحد الكتّاب القدامى إن مشيئة الله ليست حملًا يُحمل كما يتوهم كثيرون، بل وسادة يُستراح عليها. وقد وجدت هذا صحيحًا صحة عميقة. كانت نفسي تغوص في مشيئته بحلاوة لا توصف من الرضا المطمئن. وفي أحيان أخرى كان قول «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ» يبدو لي صرخة ظفر رائعة — كأني أرفع راية منتصرة أمام الكون كله وأتحداه أن يقف في وجهي. وبلغ من قوة هذا الشعور أني وجدتني أردد ليل نهار، كما قد يرنم جندي ظافر بعد المعركة: «مشيئتك العجيبة العظيمة يا إلهي، ها أنا بالظفر أجعلها الآن مشيئتي؛ وستهتف المحبة بنعم فرحة لكل وصية عزيزة من وصاياك».

لكني لن أستطيع قط أن أحكي كل ما اكتشفته نفسي حين اكتشفت صلاح الله ونكرانه لذاته. فأن نقول إنه كافٍ، فذلك جواب تام لا يتزعزع عن كل شك وسؤال يمكن أن يثورا يومًا. قد لا تؤكد لي مشاعري دائمًا أن الصلوات تُستجاب أو أن المواعيد تتحقق — ولكن ماذا في ذلك؟ فوراء كل صلاة وكل موعد يقف الله نفسه — الله المحض، إن جاز لي التعبير — وما دام موجودًا أصلًا، فلا بد أن يكون كافيًا.

طوال سنين كنت أرنم الكلمات المألوفة: «أنت يا مسيح كل ما أريد؛ وفيك أجد أكثر من الكل».

لكني لم أكن قد فهمت حتى ذلك الحين ما تعنيه حقًا. كانت تبدو جميلة، ولكن كعاطفة شعرية لا غير. أما الآن فرأيت أنها تقرر حقيقة واقعة. فقد بدأت أكتشف أنه هو حقًا كل ما أحتاج إليه — وأن المدخر لي فيه يفوق إلى غير حد كل ما أستطيع أن أطلب أو أفتكر.

وبمعنى من المعاني انتهى بحثي عن الله عند هذا الحد، لأني وجدت أنه كافٍ. وقد اكتشفت عنه منذ ذلك الحين حقائق أخرى كثيرة جميلة ثمينة، لكني في تلك اللحظة كنت قد بلغت إليه هو نفسه — الله الحقيقي الكائن وراء كل المظاهر — فدخل قلبي إلى راحته. ورأيت أن لا شيء آخر يهم في النهاية: لا قوانين الإيمان، ولا الطقوس، ولا التعاليم، ولا العقائد.

المحتويات

نكران الله لذاته Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل