نكران الله لذاته ·اجتماعات مخيمات القداسة

فصل 30 · قراءة 9 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

اجتماعات مخيمات القداسة

كما يمكن أن يُتصور، كنا نغتنم بلهفة كل فرصة لنتعلم المزيد عن الحقائق التي اكتشفناها. ومع أن الأصدقاء كانوا يعلّمونها حقًا، فإننا وجدنا النور الأوضح عند الميثوديين. كان الميثوديون يتكلمون بيقين عظيم: فقد علّموا أن الحياة المسيحية تتضمن اختبارين متمايزين — الأول هو التبرير، والثاني هو التقديس. وكانوا يحضّون المؤمنين على ألا يقنعوا بالتبرير (أي الغفران)، بل أن يجدّوا في السعي إلى التقديس، أو «البركة الثانية» كما كانوا يسمونها. ولست الآن أعبّر عن الحق بهذه الصيغة عينها، غير أن ذلك كان في حينه عظيم النفع.

لم يعتنق الميثوديون جميعًا هذا التعليم؛ فقد عدّه كثيرون منهم مغاليًا أكثر مما ينبغي. أما الذين اعتنقوه فكانوا يُعرفون باسم «ميثوديي القداسة»، ومنهم نلنا أعظم عون. كانوا يعقدون «اجتماعات قداسة» خاصة مكرسة لهذا الموضوع، وكنا نُسرّ بحضورها كلما أمكن. وأكثر ما كنا نعتز به «اجتماعات مخيمات القداسة» التي كانت تُعقد في الصيف في غابات منعزلة أو على شاطئ البحر. كانت هذه المحافل — «اجتماعات تعزيز القداسة» — في حقيقتها مؤتمرات كبيرة في الهواء الطلق، تجتذب مسيحيين من طوائف شتى من أنحاء البلاد، عازمين جميعًا على طلب شركة أعمق مع الله. وإذ كنا نسكن في خيام تحت الأشجار، كنا نقضي أسبوعًا أو أكثر في انتظار الله، متشاركين معًا في أعماق أمور الملكوت.

ليس في الكلمات ما يستطيع أن يصف ما كان في تلك الاجتماعات من قوة خارقة ومهابة، ومع ذلك من فرح غامر. كنا معزولين عن أشغالنا وهمومنا اليومية، وليس علينا من شيء سوى أن نسلّم أنفسنا للمؤثرات الروحية المحيطة بنا، ونفتح قلوبنا لما كنا نؤمن أنه تعليم الروح القدس. إن جماعة كتلك من المسيحيين الغيورين، العازمين جميعًا على الاقتراب من الله، كانت تخلق جوًّا من الوهج الروحي لا يُنسى. كانت شهادات الفرح تتردد في كل اجتماع، وترانيم التسبيح تتجاوب في أرجاء الغابة، وكانت الوجوه المشرقة التي نلقاها تجعلنا كأننا واقفون على عتبة السماء نفسها. ولا يسعني إلا أن أُشفق على أي مسيحي لم يعرف قط مواسم كهذه من البهجة الخالصة. فالدين لطالما كان في نظري رومانسية روحية عظيمة، وقد كانت تلك الاجتماعات ذروتها، وأنا أعدّها من أكثر اختبارات حياتي أخذًا باللب. وحتى الآن، فإن مرأى كرسي مخيم أو خيمة تحت الأشجار يعيد إليّ شيئًا من تلك السعادة الفائقة التي ملأت كل ساعة من ساعات تلك المحافل المباركة.

وفي إحدى المرات جاء صديق لنا — لم يكن يدري شيئًا عن الغاية الحقيقية من الاجتماعات — ليرى كيف تكون. وإذ وصل في الصباح الباكر، صادف عابدين راجعين من الصلاة.

وقد أدهشته سيماء وجوههم المشرقة، فسألنا: «ما بال هؤلاء الناس جميعًا تشرق وجوههم هكذا؟ إن كل من رأيته هنا تقريبًا وجهه مشرق؛ لكنني قابلت قلة لم تكن وجوههم مشرقة، وأريد أن أعرف الفرق». فشرحنا له أن الوجوه المشرقة تعكس قلوبًا مستريحة في الرب، أما الذين ليس فيهم ذلك الإشراق فلم يكونوا قد اكتشفوا بعد السر المبارك. فأصغى باهتمام، ثم أعلن: «لقد عزمت على أن أنال أنا أيضًا وجهًا مشرقًا، وسأبقى هنا حتى أناله». وبالفعل، ما هي إلا أيام حتى أشرق وجهه ببهجة خلاص الله.

لن أنسى أبدًا أول اجتماع مخيم حضرته، ولا أول اجتماع صلاة شهدته هناك. كان اجتماعًا في خيمة في الصباح الباكر. وإذ لم أكن أعرف سوى اجتماعات الميثوديين الصغيرة في ميلفيل، لم يكن لدي أدنى تصور عن الجو العاطفي الذي دخلت إليه. وأدركت، بعد فوات الأوان، أنني نسيت منديلي — لكنني إذ لم أذرف دموعًا في اجتماع من قبل، لم أُلقِ لذلك بالًا. غير أن ينابيع كياني تفجرت في ذلك الاجتماع، وانهمرت من عيني سيول من الدموع العذبة. ومن شدة الارتباك رفعت ثوبي وجففتها بالتنورة الداخلية البيضاء. ومنذ ذلك الحين وأنا أحمل إلى كل اجتماع منديلين على الأقل، وإن كان الانفعال لم يغمرني بعدها قط كما غمرني يومئذ.

كان ذلك الصباح أول ذوقي لمباهج الانفعال الروحي الآسرة، وقد نشوت بها. وإذ خرجت من الخيمة، رأت دموعي أختٌ ميثودية من «أخوات القداسة»، فطوّقتني بذراعها، وأطلعتني على اختبارها هي في التقديس، وأخذت ترشدني. وتحت رعايتها سرعان ما تعلمت كيف أنال الفائدة الكاملة من الاجتماعات. كان يقال الكثير عن «بركة التقديس»، وكنا نُحَثّ في كل اجتماع على التقدم إلى «المذبح» — وهو مقعد بسيط مفروز لذلك — لطلبها. لم أفهم تمامًا ما كانت هذه «البركة»، لكنها بدت شيئًا ملموسًا يولد من التكريس الكامل والإيمان البسيط، ويملأ الناس فرحًا غامرًا. وسرعان ما جعلتني أختُ القداسة أتقدم أنا نفسي إلى المذبح، عازمة على أن أنال كل ما عند الله ليعطيه. وكانت الشهادات المثيرة التي أسمعها تُلهب حماستي باستمرار، فاغتنمت كل فرصة لطلب البركة. وقد استمتعت بذلك أيما استمتاع، لأنه بدا يأتي بي إلى حافة إمكانيات روحية مجهولة تكاد تتفتح في أي لحظة.

وفيما عدا تلك اللحظات التي وقفت فيها، إن جاز التعبير، على العتبة، لم تأتني قط «بركة» خاصة من تقدمي إلى المذبح. فأنا لست انفعالية بطبعي، والمشاعر الجارفة التي وصفها آخرون بأنها جوهر البركة لم تكن قط من نصيبي. أما الذي نلته فهو الحق العظيم الذي كان يُعلَّم في تلك الاجتماعات — وهو أن الرب يسوع المسيح مخلّص لا من ذنب الخطية فحسب، بل من سلطانها أيضًا. وقد صار هذا الحق حقيقيًا وفعالًا عندي أكثر فأكثر. وأما أي بركة سوى الحق نفسه فلم أختبر منها شيئًا. ومع الوقت صرت أرى أن معرفة الحق كانت كل البركة التي أحتاج إليها. وبدا لي أن كثيرًا مما كان يسمى «البركة» ليس سوى الاستجابة الانفعالية لطبائع انفعالية عند اكتشافها حقًا رائعًا. أما عندي فقد جاء الحق مع اقتناع عقلي وبهجة؛ وعند غيري مع اقتناع عاطفي وبهجة. لكن الحق في الحالتين كان واحدًا، والحق — لا الانفعال — هو الذي حرر النفس.

أما زوجي، وكان ذا طبيعة أكثر انفعالًا، فقد نال البركة فعلًا في أحد اجتماعات المخيمات هذه على الطريقة الميثودية الأصيلة. عاد إلى البيت متهللًا، مفعمًا بتوهج إلهي مسّ كل من قابله. لم يكن يستطيع أن يتحدث عن الاجتماع دون أن يحركنا إلى الدموع، وكان واضحًا أنه اجتاز اختبارًا روحيًا خارقًا. أخبرنا عن اجتماع خاص كُرّس للصلاة من أجل معمودية الروح. وبعده انفرد وحده في الغابة ليواصل الصلاة. وفجأة اهتز من رأسه إلى قدميه بما بدا كأنه رعشة مغناطيسية من النعيم السماوي. وتدفقت فيه سيول من المجد، جسدًا ونفسًا، مع يقين داخلي بأن هذه هي حقًا معمودية الروح القدس التي طال اشتياقه إليها. وبدا العالم كله وقد تجلى: كل ورقة وكل عشبة تتلألأ بألوان بديعة، والسماء تنفتح أمامه مِلكًا حاضرًا له، وكل من رآه بدا جميلًا في عينيه، إذ كان يخيل إليه أنه يبصر الروح الإلهي في داخلهم. ودامت هذه النشوة أسابيع، وكانت بداية حياة من القوة والبركة الروحية غير العادية.

أعترف بأنني غرت لأني لم أنل بركة مماثلة، إذ شعرت أنني في حاجة إليها بقدر حاجته هو. فجددت جهودي للحصول عليها، ولكن عبثًا. لم أعبر قط من عالم الاقتناع إلى عالم الانفعال. فقد ظلت اختباراتي عقلية لا عاطفية. وفي النهاية اقتنعت بأن الفرق لم يكن في محاباةٍ عند الله، بل في اختلاف طبائع المتلقين. فالطبائع الانفعالية تتلقى الحق مع سيول من البهجة؛ أما أنا فتلقيته بهدوء، مع فرح عقلي. كان الحق هو نفسه، وإنما اختلفت طريقة التلقي.

ومع مرور الوقت لاحظت أن الاختبارات العاطفية كثيرًا ما تكون أقل رسوخًا ودوامًا من الاختبارات العقلية. فالعواطف بطبيعتها تتقلب، أما القناعات الحقيقية فتثبت. فمتى اقتنع المرء بأن اثنين واثنين يساويان أربعة، فلا اعتلال صحة ولا سوء طقس يستطيع أن يزعزع هذا الاقتناع. أما المشاعر فهي تحت رحمة مؤثرات لا تحصى. لذلك تعلمت ألا أطلب المشاعر بل القناعات. ولدهشتي وسروري، جلبت لي القناعات فرحًا أثبت وأدوم مما بدا أن كثيرين من أصدقائي العاطفيين يعرفونه. ففي أوقات الشدة كانت عواطفهم تخبو أو تتلاشى، وكانوا يجاهدون لكي لا يستسلموا لليأس. وكان بعضهم شاكرين أخيرًا أن عادوا إلى أرض الاقتناع الثابتة، التي كانت تبدو لهم في أيام انفعالهم جدباء.

وقد استغرق تعلمي هذا الدرس سنوات. وفي غضون ذلك كان فرح السر المجيد الذي اكتشفناه وقوته يزدادان اتصالًا بواقع الحياة يومًا بعد يوم. وتعلمت نفسي أن تستريح بثقة مطلقة في قدرة الرب الحافظة المخلصة. لم تنقطع التجارب، ولا بلغنا «الكمال بلا خطية». كانت التجارب تثور، والإخفاقات تقع. لكننا كنا قد اكتشفنا منفذًا للنجاة — هو طريق الإيمان. تعلمنا أن المسيح منقذ لا من عقاب الخطية الآتي فحسب، بل من سلطانها الحاضر أيضًا. وأدركنا أنه لم يعد يلزمنا أن نكون عبيدًا للخطية. وبقدر ما كنا نتمسك بهذا الإنقاذ بالإيمان، كنا ننجو. لم نكن قد وضعنا القداسة في جيوبنا مِلكًا دائمًا، لكننا اكتشفنا طريق القداسة وتعلمنا سر السلوك فيها. فمتى سلكنا فيها كان لنا النصر؛ ومتى حدنا عنها لقينا الفشل. وبعد سنين من التيه في البرية، دخلنا أرض الموعد ووجدنا صدق ما قاله الله لإسرائيل قديمًا: «كُلَّ مَوْضِعٍ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ لَكُمْ أَعْطَيْتُهُ». كانت الأرض كلها لنا؛ ولم يكن علينا إلا أن نصعد ونمتلكها.

اكتشفنا أن كلمات الكتاب المقدس حقيقة واقعة: «وَٱللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ ٱكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ.» وقد أثبتنا بالاختبار أن الله قادر حقًا — إن نحن شئنا فحسب. فقد أُعلن لنا المسيح لا مخلّصًا لنا في المستقبل فحسب، بل مخلّصًا حاضرًا كاملًا، قادرًا أن يحفظنا من العثور وأن ينقذنا من جميع أعدائنا.

كان هذا عندي بداية رومانسية تتضاءل أمامها كل رومانسية سواها. كان الأمر أشبه باستكشاف ديار السماء نفسها. وكان كل يوم يأتي بإعلان جديد. تعجز الكلمات عن الوصف. وكثيرًا ما سميتها «حياة الطير»، لأني شعرت أني طائر أُطلق حرًا، يحلّق صاعدًا في زرقة سماء لا يُسبر لها غور.

كنت فيما مضى طائرًا حبيس قفص، قانعًا لأني لم أكن أعرف شيئًا عن الحرية التي وراءه. أما الآن فقد زالت الحواجز كلها، وصارت نفسي حرة في أن تدرك مع جميع القديسين عرضَ محبة المسيح وطولها وعمقها وعلوها، تلك المحبة الفائقة المعرفة. وما كان يبدو من قبل بعيد الغور، انفتح الآن هوة من البهجة.

وجدت أن الله نفسه كافٍ. حتى وعوده تتضاءل أمام عزاء حضوره. فماذا يضيرني إن لم أجد وعدًا يلائم حالتي؟ لقد وجدت الواعد نفسه، وهو أعظم من كل وعوده بما لا يقاس. حين كنت طفلة، كان مجرد حضور أبي أو أمي في وقت الضيق يجلب راحة فورية. لم يكونا في حاجة إلى شرح أو وعد؛ كان حضورهما وحده ضمانًا كافيًا. فكم بالأحرى يصدق هذا على أبينا السماوي، الذي اسمه ذاته المحبة. حضوره هو كل ما نحتاج إليه. فمرة بعد مرة في الكتاب المقدس يسكّن مخاوف شعبه بالكلمات البسيطة: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ». ومعنى ذلك أن كل حكمته ومحبته وقدرته مسخرة لأجلنا.

تعلمت أن شخصية الله هي موضع راحتنا. قد نسيء فهم طرقه أو وعوده، أما صلاحه فلا سبيل إلى الخطأ فيه. فإن كان صالحًا محبًا حكيمًا عادلًا، قادرًا على كل شيء وحاضرًا في كل مكان، فلا بد أن كل شيء مرتب لنا على أحسن وجه. قد تخدع الظواهر، أما الحقيقة الأعمق فهي مأمونة. وكما قال جورج ماكدونالد، نحن في حاجة إلى «عيون تبصر ما تحت السطوح». ومتى اكتشفنا نكران الله التام لذاته، انفتحت تلك العيون، وانحلت ألغاز معاملاته كلها إلى الأبد.

لا عجب أن المرنم ابتهج مرة بعد مرة بصلاح الله: «اِحْمَدُوا ٱلرَّبَّ لِأَنَّهُ صَالِحٌ». «توكلوا على الرب لأنه صالح». «ذُوقُوا وَٱنْظُرُوا مَا أَطْيَبَ ٱلرَّبَّ!» وإذ كانت إسرائيل محاطة بأمم آلهتها قاسية أنانية لا تبالي، كان انتصارها أن تعلن بلا خوف أن إلهها صالح. وأشعر أنه ليس انتصارًا أقل اليوم، في عالم يسيء فهمه ويفتري عليه، أن يستطيع المرء أن يقول باقتناع مطلق: «هلموا، ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب!»

المحتويات

نكران الله لذاته Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 9 دقيقة متبقية في الفصل