نكران الله لذاته ·الشيخوخة والموت

فصل 32 · قراءة 6 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

الشيخوخة والموت

والآن وقد بلغت السبعين من عمري، وحياتي تمضي مسرعة نحو ختامها، أستطيع أن أقول بلا تردد إن اكتشاف نكران الله لذاته قد بدّل شعوري تجاه الشيخوخة والموت كليهما. فأن أعرف — معرفة تامة راسخة — أن الله كائن، وأن الله كافٍ، يجعل الشيخوخة فرحًا في الحاضر، والموت أملًا شهيًّا للمستقبل.

فبدونه لا يمكن للشيخوخة — بقواها المتضائلة وعللها المتكررة — إلا أن تكون كئيبة مضنية. أما مع الله، إلهنا الجميل المنكر لذاته، وهو من وراء الأمر كله، فتصير الشيخوخة مستراحًا وديعًا. إن بلوغ السبعين يأذن لي أن أتنحى عن ضغوط الحياة، وأن أضع عني عبء إدارة شؤون العالم، وأنا أقبل هذا الإعفاء بكل سرور.

لقد أدّيت نصيبي في حمل مسؤوليات جيلي، والآن وقد أوشك ذلك الجيل أن ينقضي، يسرّني أن ثقل عالم اليوم لا يقع عليّ أنا، بل على أكتاف أصغر سنًّا وأشد قوة — أكتاف الذين دعاهم الله إلى عملهم المعيّن لهم. وإني لأضحك في نفسي ضحكة ارتياح حقيقي عند هذه الفكرة، بل إنني أستمتع بعلل الشيخوخة كلما وافت؛ فكل واحدة منها تعفيني من مهمة أو واجب، وتتيح لي فراغًا هادئًا أرقب فيه المصارعين الأحدث سنًّا في حلبة العالم. وقد لا أرى دائمًا، بحكم عينيّ العجوزين، أنهم يصارعون على أفضل وجه، لكنني أُعجب بالنظام الإلهي الذي يوكل إلى كل جيل عمله الخاص ليؤديه على طريقته الخاصة. وسواء بدا لنا ذلك حكمة أو حماقة، فعلى الجيل الراحل أن يفسح المكان للجيل الصاعد، وأن يمتنع عن التدخل.

لنا نحن الشيوخ أن نقدم النصيحة ونشارك الآخرين ثمار خبرتنا، ولكن علينا أن نظل راضين تمام الرضا حين تُهمَل نصيحتنا. ولو فعلنا هذا — فعلناه حقًّا — فإني على يقين من أن الشباب كانوا سيطلبون مشورتنا بسرور أكثر كثيرًا مما يفعلون. لكنهم يترددون لأنهم يخشون أن يكون طلب النصيحة مُلزمًا لهم باتباعها، وأننا سنشعر بالجرح إن هم لم يفعلوا. فالحرية الحقيقية في طلب المشورة لا تقوم إلا إلى جانب الحرية الحقيقية في عدم الأخذ بها.

لست أتكلم عن الأطفال، بل عن راشدين في جيلين مختلفين. وعلى العموم، حين يصرّ الأكبر سنًّا على وجوب اتباع نصيحتهم، فإنهم يضعون أنفسهم في الموضع المؤسف لمن يعرقل تقدم العالم. ففي كل ميدان تقريبًا اليوم تستخدم الأعمال عمالًا أصغر سنًّا فأصغر، لأن المسنّين يميلون إلى الاستقرار في أخاديد مألوفة ويقاومون من يحثهم على الخروج منها. ومن اللافت في هذا الصدد أن بني إسرائيل كانوا، بأمر إلهي، يعتزلون الخدمة العامة في سن الخمسين — سواء في خيمة الاجتماع أو في الجيش. «وَمِنِ ٱبْنِ خَمْسِينَ سَنَةً يَرْجِعُونَ مِنْ جُنْدِ ٱلْخِدْمَةِ وَلَا يَخْدِمُونَ بَعْدُ.» فإن كانوا هم قد تنحوا في الخمسين، فلا ريب أنني حرة في السبعين أن أنسحب من عمل العالم، وأن أنعم بذلك الشعور الهانئ بالإعفاء من المسؤولية الذي هو من حق الشيخوخة.

كثيرًا ما نسمع عن الواجب الذي يدين به الشباب للشيوخ. لكنني أعتقد أن الأهم من ذلك بكثير أن نتأمل نحن في الواجب الذي يدين به الشيوخ للشباب. لست أعني أن الشباب لا يدينون لنا بشيء؛ ولكنني في السبعين أرى بوضوح أن العبء الأكبر يقع على جانبنا نحن. فنحن الذين جئنا بالجيل الأصغر إلى هذا العالم من غير أن نستشيره، ولذلك نحن ملزمون بأن نبذل أنفسنا لأجل خيره — كما بذل الله الذي خلقنا نفسه لأجل خيرنا في ذبيحة المسيح. ولا أرى كيف كان يمكن لله أن يفعل أقل من ذلك، ولا أرى كيف يسوغ لنا نحن أن نفعل أقل منه.

وإذ اكتشفنا نكران الله لذاته — كما ينبغي أن يكون قد اكتشفه كل من بلغ السبعين — فإن موقفنا من الآخرين ينبغي أن يعكس، على قدر طاقتنا، نكران الذات نفسه. ولا شك أن هذا ما عناه يسوع حين حضّنا على أن نحب أعداءنا، ونبارك لاعنينا، ونحسن إلى مبغضينا، لكي نكون «أبناء أبينا الذي في السماوات»، وهو الذي يفعل هذه الأمور بعينها. ثم يختم يسوع بقوله: «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.» فكمالنا هو كمال المحبة المنكرة لذاتها. وكلما تقدمت بنا السن كان أحرى بنا أن نفهم هذا فهمًا أعمق وأن نحياه.

كل شيء آمن ما دامت المحبة المنكرة لذاتها هي التي تقوده وتتحكم فيه. ولهذا يستريح قلبي العجوز في هدوء، وأستطيع أن أضع سلاحي بثقة فرحة. فما دام الله في سمائه، فلا بد في النهاية أن يكون كل شيء في عالمه على ما يرام، مهما توحي به الظواهر. وأستطيع أن أنتظر بسلام فهم ما يبدو الآن غامضًا إلى أن يجيء يوم الإعلان المجيد ذاك الذي يدنو مع كل ساعة تمضي.

من أكثر اكتشافاتي تعزية لي أن الله قادر على تدبير كونه بنفسه، حتى من غير مساعدتي. فكلما نظرت إلى الشمس أو القمر أو النجوم — «عمل أصابعه» — شعرت بارتياح عميق إذ أعلم أنها مسؤوليته هو لا مسؤوليتي أنا. ولهذا أستطيع أن أموت مسرورة وأترك الكون كله في رعايته، دون أدنى خوف من أن تتداعى الأمور حين أرحل. فالله هو مدبّر بيت خليقته. وكما أن من الحماقة أن أشغل نفسي بتدبير بيوت جيراني في طريق غروسفينور، فمن الحماقة الأكبر أن أقلق على تدبير الله لبيته. ولذلك أتطلع إلى الموت بذهن مطمئن. ففكرة مغادرة هذه الحياة والدخول إلى الحياة الأعظم والأرحب هناك هي فرح خالص.

إن الأمر أشبه بالوقوف على عتبة بلاد جديدة مليئة بعجائب مجهولة — ومعرفتي أنه ما من شيء ولا أحد يستطيع أن يمنعني من الذهاب إلى هناك تملأ قلبي بهجة خفية لا تنقطع.

كثيرًا ما أقول لنفسي بنبرة ظافرة، حين تفسد خطة أرضية سارّة: «حسنًا، ثمة أمر واحد لن أخيب فيه أبدًا — وهو الموت. فما من أحد، ولا حتى عدو، يستطيع أن يسلبني إياه». وكلما رأيت جنازة ضحكت في داخلي لتجدد إدراكي أن مثل هذا المستقبل السعيد ينتظر كل واحد منا. وأكاد لا أجرؤ بعد الآن على كتابة رسائل التعزية، لأنها تكاد تتحول كلها إلى رسائل تهنئة بنجاة نفس أخرى نجاة مباركة من هذا السجن الأرضي.

وفي الجمعيات التي أنتمي إليها، لا يجرؤ رفاقي قط على أن يطلبوا مني أن أتولى خدمة تأبين، مخافة أن أستسلم لإغراء تقديم الشكر على انطلاق الشخص الراحل. وحتى حين يموت من أحبه حبًّا عزيزًا، أستطيع أن أفرح؛ إذ يبدو لي أنها ليست إلا أنانية أن أدع خسارتي أنا تحجب ربحهم الذي لا يقاس.

إنني أحب أنشودة الموت التي لا نظير لها لوالت ويتمان، وأتوق دائمًا إلى إرسالها إلى كل صديق يحتضر: «فرحًا، يا رفيق السفينة، فرحًا… لقد انطوت حياتنا، وها هي حياتنا تبدأ…» فهذه الحياة الزائلة، بكل شؤونها — التي كانت يومًا بالغة الأهمية — تتضاءل حتى التفاهة متى وُضعت إلى جانب الحياة الآتية. ويسرني أنني أوشكت أن أفرغ منها. لقد زال جذبها إياي. وأنا التي كانت تشتهي يومًا كل مكان جديد وكل خبرة جديدة، لم أعد أبالي بها الآن. وأشعر شعورًا عميقًا مشبعًا بأنني فرغت من هذه الأرض. فكل الأماكن عندي سواء، وكل خبرة تبدو باهتة بالقياس إلى ما ينتظرني.

أما ماذا ستكون تلك الحياة، فلا أستطيع أن أتخيلها إلا تخيلًا غامضًا. إنني أشعر كأنني فراشة تتهيأ للانسلال من شرنقتها، تتوق إلى الحياة في الخارج وليست لديها خبرة تخبرها كيف ستكون تلك الحياة. ومع ذلك فإني أومن من كل قلبي بكلمات الرسول: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ ٱللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ». فأي مستقبل أمجد من هذا يمكن أن تشتهيه النفس؟

أذكر الفرح الذي شعرت به يومًا عند التفكير في استكشاف العجائب المجهولة في منتزه يلوستون وجبال هودو في وايومنغ — فرحًا زاده اشتعالًا أنها كانت مجهولة وبدت حافلة بالإمكانات. لكن ذلك الفرح لا يُذكر بجانب ما أشعر به الآن وأنا أتطلع إلى ما أعده الله مما لم يخطر حتى على خيالي.

أما الأمر الواحد الذي أعلمه يقينًا فهو هذا: أن صلاة يسوع ستتم — «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي». وذلك المجد ليس نورًا يخطف الأبصار ولا ذهبًا يبهر العيون، بل هو مجد المحبة المنكرة لذاتها، وهو أعظم مجد على الإطلاق. لقد حظيت هنا بلمحات خافتة منه، وحتى تلك اللمحات خلبت قلبي.

أما هناك فسأراه كما هو، في كامل بهاء نكران للذات لا حدّ له لم يتصوره عقل بشري قط — وإنني أنتظر تلك اللحظة بفرح.

النهاية

نكران الله لذاته Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 6 دقيقة متبقية في الفصل