فصل 2 · قراءة 19 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
والداي
وُلدت في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا سنة 1832. وكان والداي من الكويكرز المتشددين، ولم أعرف شيئًا عن أي دين آخر حتى زواجي في التاسعة عشرة. وقد كانت طفولتي وصباي سعيدين سعادة تامة. هكذا أرى الأمر الآن وأنا أنظر إلى الوراء، ويومياتي التي واظبت على تدوينها منذ كنت في السادسة عشرة من عمري تشهد بأنني كنت أراه كذلك يومئذ. ومن أوائل ما دوّنته فيها، سنة 1848، ما يلي: «لقد انقضت ستة عشر عامًا من حياتي، وإذ أنظر إلى الوراء إلى أيام طفولتي المشرقة السعيدة، وإلى مباهج صباي الأهدأ والأعمق جدية، أشعر أن قلبي يكاد ينفجر من الامتنان لخالقي الرؤوف الكريم الذي ملأ كأس فرحي حتى كادت تفيض. حقًا، لقد كانت حياتي مشهدًا ساحرًا واحدًا من نور الشمس والزهور.»
قد تبدو هذه نظرة وردية جدًا إلى حياة المرء، وقد تُعزى إلى حماسة الشباب وسحره. غير أنني إذ أنظر الآن إلى الوراء، وأنا في السبعين من عمري، لا أزال أستطيع أن أقول القول نفسه.
وتحت تاريخ اليوم السابع من الشهر العاشر سنة 1849، حين كنت في السابعة عشرة، كتبت: «لا أستطيع أن أفهم الأمر. لقد كنت أظن أنه ما لم تأتِ التجارب والضيقات لتفطمني عن أفراح هذه الحياة، فلن أطلب أبدًا أفراح السماء الأسمى والأقدس. ولكن بدل الضيقات، تزداد بركاتي كل يوم. كل ما حولي يفضي إلى سعادتي؛ فالعالم جميل جدًا، وأصدقائي أحب الأصدقاء وألطفهم على الإطلاق، ولا تكاد تجيء تجربة أو منغصة تلقي غيمة على طريقي. وهذه السعادة، هذا القدَر من السعادة كما أكاد أسميه، تمتد حتى إلى أصغر الظروف. فكل ما أتركه لله ليقرره لي، يقرره دائمًا كما أريده تمامًا... «وفي قلبي تصفيق متواصل وهتاف أصوات مبتهجة، وكل نفَس أتنفسه يكاد يشعرني بأنه لا بد أن ينتهي بابتسامة سعادة. تقول أمي إنني أضحك أكثر مما ينبغي، ولكن الضحك في داخلي ولا بد أن يخرج، ولا حيلة لي في ذلك.»
وفي السنة نفسها، تحت تاريخ اليوم التاسع والعشرين من الشهر الثاني عشر، كتبت: «يا له من بيت سعيد، سعيد، بيتنا! لم أستطع إلا أن أفكر في ذلك اليوم بينما كانت الدعابات المرحة ونبرات السرور القلبي تتردد حول مائدة أسرتنا. وهذا المساء أيضًا، إذ اجتمعنا معًا في ردهتنا البسيطة المريحة، غمرني الإحساس بذلك بخفقة فرح كاملة. كان أبي جالسًا في أحد طرفي الأريكة، مسندًا رأسه إلى إحدى يديه، واضعًا يده الأخرى على حجر أمي؛ وكانت هي تجلس إلى جواره، ورأسي في حجرها، وأنا أشغل بقية الأريكة، ولا شك عندي أنني كنت أشغلها برشاقة وإتقان. وكانت سالي جالسة على كرسي عند طرف الأريكة مسندة رأسها إلى كتف أبي، وكانت لوب-نو-نوز (أختي ماري) جالسة عند أقدامنا جميعًا، تتكئ مرة على هذا ومرة على ذاك.
«وكنا جميعًا نتحدث بأقصى ما نستطيع، ونشعر أنه لا ينقص سعادتنا لتكتمل إلا أخونا الغائب الحبيب جيم. ربما ابتسم كثيرون لمثل هذه المسرات الهادئة المتواضعة، أما أنا فهي من صنف المسرات التي أستمتع بها من كل قلبي وبكل كياني. فنحن لا يمكن أن نملّها أبدًا، ولا أن نشعر أن بهاءها الأول قد زال، بل كل يوم يمضي يزيدها عمقًا وجدية. ربما كنت ضعيفة حمقاء إذ أجد كل هذا الاستمتاع في أشياء يضحك منها كثيرون على أنها لا تستحق التفكير. أعلم أنني لست إلا طفلة، تسرّها الأشياء الصغيرة جدًا كما تُسرّ الأطفال. ومع ذلك فهي عندي ليست صغيرة. فبضع دعابات لطيفة من أبي، يقولها وأنا أنفض له قبعته أو معطفه في الصباح، تملأ قلبي بنور الشمس نهارًا كاملًا. وأكون سعيدة إن قرأت لأمي بصوت عالٍ كتابًا أحبه، أو حتى إن جلست ساكنة تمامًا أفكر. آه، إنني أحب بيتي أكثر من أي مكان آخر أعرفه! وأتساءل: هل أحبه أكثر مما ينبغي؟ أحيانًا أخشى ذلك، فأنا إن غبت عنه ليلة واحدة أشعر من الحنين إليه بأكثر مما أحب أن يعلم أحد، إلا أولئك الذين أشتاق إليهم. وحتى حين أخرج لمجرد نزهة، كثيرًا ما أكاد أشعر أنني قد أبكي شوقًا إلى العودة إلى البيت. إنه لأمر شديد الحمق، ولكن لا حيلة لي فيه. إنني أموت لو لم يكن لي من أحبه، ولا بيت!
«لولا شيء واحد لكنت سعيدة سعادة كاملة — فلي أب وأم أعزّ وأنبل مما أستطيع التعبير عنه بكثير؛ وأخ وأخوات، وأعمام وعمات، وأبناء عمومة وأصدقاء، كلهم يحبونني، والأفضل من ذلك بكثير أنهم جميعًا لي لأحبهم — ومع هذه البركات التي لا تقدر بثمن، لا يسعني إلا أن أكون سعيدة. شيء واحد، كما قلت، يحول دون ذلك، ولكنه لا يحول دونه إلا قليلًا جدًا. إنه علمي بأنني غير مستعدة للأبدية، وضآلة الأمل عندي في أن أصير كذلك يومًا. وليت ذلك كان يسبب لي قلقًا أكبر، وليتني كنت أشعر بالضرورة الملحّة لأن أعمل. ولكنني لا أستطيع أن أرغم نفسي على الشعور به، فأمضي غير مبالية ولا مكترثة كأنما ليس خلاص نفسي الأبدي موضوعًا على عاتقي. أعلم أن هذا خطر جدًا، ولكنني حقًا لا أستطيع أن أفعل شيئًا لإيقاظ نفسي؛ وهكذا، على الرغم من ذلك، أنا سعيدة — سعيدة في نفسي، سعيدة في بيتي — بيتي العزيز — سعيدة بوالديّ وأخي وأخواتي وأصدقائي؛ سعيدة في هذا العالم الجميل الذي وُضعت فيه — وباختصار، سعيدة في كل مكان وفي كل شيء، حمدًا لله!»
وفي سنة 1850، حين كنت في الثامنة عشرة، تحت تاريخ اليوم الخامس والعشرين من الشهر الرابع سنة 1850، كتبت: «كنت أفكر اليوم في حياتي الحاضرة، فلم أكد أجد كلمات تعبّر عن سعادتها. فالأقارب والأصدقاء والظروف كلها تكاد تكون كاملة. ومن الناحية الخارجية لا يكاد يكون لي ما أتمناه، إلا أن يكون مالًا وفيرًا أتصدق به وأشتري به الزهور.
«إنني متوَّجة بالبركات كل يوم وطوال النهار. آه، لم يكن قط أحد مباركًا مثلي!... فكل شيء جميل جدًا، وكل الناس محبوبون جدًا، وأنا أستطيع أن أستمتع بذلك كله، وأستمتع به فعلًا، إلى أقصى حد. وأحيانًا تنتابني ما أسميه دفقات القلب، حتى لا أكاد أتمالك نفسي. إنني أحبها حبًا جمًا، ومع ذلك فلعل فيها، بعد كل شيء، شيئًا من الحماقة.
فهي تنشأ من أشياء طفيفة جدًا — من نصلة عشب، أو ورقة تتمايل في الريح، أو زهرة هندباء ذهبية مشرقة مبتهجة؛ بل إن برميلًا قديمًا، أو كومة حجارة، أو صرير حذاء، وكثيرًا ما تكون قعقعة عربة، أو صوتًا مألوفًا من هذا القبيل، يمنحني للحظة إحساسًا بأرقّ سعادة وأبهجها. لماذا؟ لا أستطيع أن أقول. ليس الأمر جمال المنظر ولا انسجام الصوت، بل شيء ما، لا أعرف ما هو، يجعل قلبي يتدفق فرحًا ونفسي ذاتها تتسع. أظن أحيانًا أنه لا بد أن يكون تداعي ذكرى، ولكن مع ماذا؟ إنني لا أحب الأحذية التي تصرّ ولا العربات التي تقعقع، ومع ذلك كثيرًا ما أضحك صراحة من لذة داخلية، وأنا أمشي في الشارع، من ذلك الشيء الكامن في ذلك الصرير أو تلك القعقعة. وليس ذلك دائمًا. فقد يصرّ مئة حذاء، وتقعقع مئة عربة، وقد يحيط بي مئة برميل أو كومة حجارة فتؤذي الأذن والعين؛ ولكن بين الحين والحين يجيء ذلك الواحد، وعندئذ تجيء دفقة القلب. اليوم سقطت على جبيني قطرة مطر، فكدت أضحك بصوت عالٍ. ولكن ذلك كان سخيفًا جدًا؛ وأنا على كل حال طفلة حمقاء، وأخشى أنني سأظل كذلك دائمًا... «بالأمس ذهبنا مع أمي إلى الملجأ (وهو دار لصغار الأيتام الملونين). كان كل شيء هناك شائقًا جدًا، ولكن لم يسرّني شيء مثلما سرّني أن ردد الصغار السود: ‹تألقي، تألقي، أيتها المياه النقية، فالأيدي القذرة لا أطيقها›، بالإيماءات والحركات نفسها التي طالما كنت أفعلها أنا في مدرسة الأطفال. لقد منحني ذلك دفقة قلب صادقة حقًا. وكأني كدت أرى نفسي بالفساتين القصيرة والسراويل الداخلية، وبمريلة بيضاء صغيرة، وواحدة من تلك الشباك (التي كنا نحسبها) منقطعة النظير، بعقدة جميلة على الجانب، مما كانت أمي ترى أنه يكاد يكون مبالغًا في زينته، تضم شعري الجامح، وأنا جالسة على أعلى مقاعد المدرسة كلها، أشعر بزهو ملكة، ولا شك أنني كنت أبدو كذلك.»
ومرة أخرى، تحت تاريخ اليوم التاسع من الشهر السابع سنة 1850 (بعد وصف متعة رحلة قصيرة بعيدًا عن البيت): «ومع ذلك كان أمتع الأمور كلها أن عدنا إلى البيت مساء أمس. فالبيت هو البيت، وليس ثمة مكان مثله. كل يوم أستمتع به أكثر فأكثر، وكل يوم أزداد سعادة. مساء أمس شعرت أنني أكاد أكون سعيدة أكثر مما ينبغي. لقد كدت من فرط ابتهاجي أن أنقلب رأسًا على عقب، وقد صرخت فعلًا من الفرح. وكل ذلك بلا سبب معيّن؛ غير أن المؤثرات من حولي كانت جميلة جدًا، وبدا لي عندئذ أنه لمجيد أن يحيا الإنسان — أن يحيا، ويتألم بصبر، ويعمل بجد ونبل، ويثق بابتهاج، سنين وسنين، إلى أن تجيء النهاية المجيدة وتحمل معها جزاء السلام والسعادة الأبدية.»
وفي وقت لاحق من السنة نفسها كتبت تحت تاريخ اليوم السادس عشر من الشهر السابع: «بعد أسبوعين ننطلق في رحلة عبر ولايات نيو إنغلاند وإلى نيوبورت. إنه لأمر رائع، هذا المشروع للذهاب إلى نيوبورت — فهو بالضبط المكان الذي كان قلبي معلقًا بزيارته هذا الصيف، مع أنني لم أكن أتوقع ذلك البتة. ولكن على نحوٍ ما — لا أكاد أدري كيف — كلما تعلق قلبي بشيء، كنت أنال مرادي في كل مرة تقريبًا. ومنذ طفولتي كان الأمر كذلك. لا أكاد أذكر أنني أصبت يومًا بخيبة أمل كبيرة، وأنا واثقة أن كل خطوة من حياتي حتى الآن كانت وسط نور الشمس والزهور. ولكنني لا أعجب من ذلك. فمع والدين بهذا اللطف وهذا الصلاح، ما كان يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. إنهما حقًا لا يستطيعان أن يفعلا أكثر مما يفعلان ليجعلانا سعداء، وهما ينجحان في ذلك نجاحًا بديعًا... وأعتقد أنني لا أعرف أطفالًا تجتمع لهم في بيتهم مسرات بهذا العدد، مع أنني أعرف كثيرين آباؤهم أغنى من أبوينا بكثير.»
كان في وسعي أن أضاعف هذه المقتطفات إلى ما لا نهاية تقريبًا، فيومياتي حتى سن التاسعة عشرة هي، باستثناء صراعاتي الدينية (التي كانت تبدو مأساوية جدًا، ولكنها لم تؤثر كثيرًا في معنوياتي حقًا)، أنشودة سعادة واحدة طويلة مبتهجة. وفي التاسعة عشرة تزوجت، فبدأت لي حياة جديدة كانت لها أفراحها الأنضج؛ ولكن الصبا كان قد انقضى، واستُبدل بقدَر السعادة الصبياني البسيط، أو «قدَر السعادة» كما كنت أسميه، حياة المرأة بمسؤولياتها الرزينة وهمومها الثقيلة وإن كانت بهيجة.
وإذ أنظر الآن إلى الوراء، أستطيع أن أرى أن «قدَر السعادة» هذا كان وليد سببين: صحتي ووالديّ. أما الصحة، فلم أعرف طوال الأعوام الثمانية عشر الأولى من حياتي (إلا مرة واحدة أصبت فيها بنوبة حمى صفراوية) ما معنى مجرد التوعك. لم يصبني صداع قط، ولم أكن أعلم أن لي ظهرًا، ولم أتعب يومًا، وكان هضمي كاملًا، ولم يسبب لي شيء قط فقدان ساعة نوم واحدة. وفوق ذلك، فقد أُنعم عليّ بما يسميه الناس في أيامنا «la joie de vivre» أي بهجة الحياة، وكان مجرد أن أحيا يبدو لي في كثير من الأحيان سعادة تكفيني.
ولكن أعظم فتنة في حياتي كانت أنني ملكت ألطف أب وأم عاشا على الأرض قط. ففي دائرة الكويكرز الضيقة التي وُلدت فيها، لم يكن متاحًا لنا إلا القليل جدًا من فرص التسلية أو الإثارة التي تتاح للشباب في أيامنا هذه، وكل ما استطعنا أن نستخرجه من الحياة من مرح كان من أبسط الأنواع وأبرئها. ولكن مع أب وأم مثل أبوينا لم تكن بنا حاجة إلى مسرات من الخارج. فقد كانا من التعاطف والمحبة، ومن الوقوف في صفنا كليًا في جميع الأحوال، بحيث كنا ننظر إليهما لا على أنهما من «الكبار» المزعجين الناقدين، بل نكاد نراهما طفلين مثلنا، لهما أذواقنا واهتماماتنا نفسها. وكنا نعدّهما رفيقين خيرًا من كل من عرفنا من الرفاق، وما كان في العالم كله من لهو يُعرض علينا يبلغ نصف ما كان يجذبنا إلى حديث هادئ مع أمنا أو لعبة مرح صاخبة مع أبينا المحب للمرح.
وكثيرًا ما كانا يقولان إنهما يريدان لأولادهما طفولة سعيدة «مدسوسة تحت ستراتهم»، لأنهما كانا على يقين من أنها ستجعلنا رجالًا ونساء أفضل، وقد حرصا على أن ننال هذه العطية التي لا تقدر بثمن. وإذ أنظر إلى الوراء، يبدو لي أنه لم تكن هناك غيوم البتة في سماء طفولتي.
قال لي مرة أحد شباب هذه الأيام الغارقين في التسلية، وفي لهجته شيء من الإشفاق: «يبدو لي أنه لم يكن لديكم كثير من وسائل التسلية أيام صباكم.» فكان جوابي الفوري: «لم نكن في حاجة إليها.» ثم أضفت: «كان لنا أبونا وأمنا، وكانا كل ما نحتاج إليه من تسلية. لقد جعلا حياتنا كلها نور شمس.»
ليتني أستطيع أن أنقل إلى الآخرين الصورة الحية التي أحملها عن روعتهما التي لا توصف. كنا نعلم، من أعماق قلوبنا، أنهما في صفنا ضد العالم كله، وأنهما سيكونان نصيرينا في كل وقت حاجة. لم يكن أحد يستطيع أن يظلمنا — لا رفاق اللعب، ولا الأصدقاء، ولا الأعداء، ولا حتى معلمونا (أولئك الظالمون المأجورون للأطفال، كما كنا نحسّ أن المعلمين جميعًا كذلك)، ولا أي إنسان في العالم كله — دون أن يكون عليه حساب يؤديه أمام هذين النصيرين العزيزين في البيت؛ وكان اليقين الراسخ بذلك يحيط بنا بدرع من الحماية لم يكن معه لشيء سلطان أن يكدرنا كثيرًا. وكان قولنا «سنخبر أبانا» أو «سنخبر أمنا» ملاذنا وعزاءنا الذي لا يخيب في كل حزن. والحق أنني كنت من الثقة بنصرتهما بحيث كنت إذا وقع أحد أصدقائي أو رفاقي في المدرسة في ضيق أقول له: «حسنًا، لا عليك، تعالَ معي إلى البيت ولنخبر أبي وأمي؛» موقنة أن ذينك الأب والأم العزيزين يستطيعان أن يقوّما العالم كله لو أتيحت لهما الفرصة فحسب. وحين كان يجيئني الجواب، كما كان يحدث كثيرًا: «أوه، لن يكون في ذلك من فائدة، فأبوك وأمك لا يستطيعان كل شيء»، كنت أقول بإشفاق عميق على جهلهم: «آه، إنكم لا تعرفون أبي وأمي!»
ظلت إحدى أخواتي تذكر إلى يوم وفاتها، بإحساس عميق بالامتنان، خلاصًا أنقذها به أبونا من درس طويل مرهق قبل أن تبلغ السادسة من عمرها. لم تكن رياض الأطفال قد اختُرعت بعد، وكان الأطفال جميعًا يُطالبون بدراسة دروس مجردة على نحو يكاد يُعد في أيامنا هذه لاإنسانيًا. كانت أختي تكدّ في مسألة حسابية بإحساس يائس بالعجز، والدموع تسيل على وجنتيها، حين دخل أبي الغرفة وقال: «مهلًا يا لايني، ما الذي يجري على غير ما يرام؟» فأخبرته بقدر ما استطاعت، وهي تقول إنها لم تستطع قط أن تنسى نبرة الفهم التام والتعاطف الكامل في صوته وهو يقول: «طبعًا، إنها أصعب مما ينبغي على صغيرتي سالي دِمبل؛ ولكن لا عليكِ، ضعيها جانبًا، وأنا أسوي الأمر كله مع معلمتك.» وتقول أختي إن يقينًا قويًا بنصرة أبيها جاءها في تلك اللحظة، حتى إنها مضت في بقية حياتها المدرسية كلها بإحساس مطلق بالحماية جعل من المستحيل على أي «دروس صعبة» أن تكدرها بعد ذلك أبدًا.
ولم يكن الأمر أن أبانا أو أمنا كانا يشجعاننا على التهرب من أي واجب رأيا أننا قادرون على أدائه. ولكنهما كانا من التعاطف معنا، ومن الإحساس بالعدل الحقيقي في معاملتنا، بحيث بدا أنهما قادران دائمًا على التمييز بين الممكن والمستحيل، فيحمياننا من الثاني بينما يحفزان بمرح جهودنا نحو الأول. ولم يكونا يسلّمان جدلًا، كما يفعل كثير من «الكبار»، بأننا ما دمنا أطفالًا فلا بد أن نكون على خطأ؛ بل كانا يحكمان في كل قضية بحسب معطياتها.
وأعتقد أن هذا اليقين بعدلهما كان لنا عزاء ثابتًا أكثر من أي شيء آخر تقريبًا، وأنا على يقين تام أنه أعانني على فهم عدل أبي السماوي الكامل على نحو ما كنت لأبلغه لولاه.
وكما قلت، كانا يحفزاننا دائمًا إلى كل جهد صالح، ولكن ذلك لم يكن قط بالأوامر ولا بالتوبيخ القاسي، بل بالتعاطف والتشجيع دائمًا. لقد أدركا فرديتنا واحترماها، فأعطيانا مبادئ نهتدي بها بدلًا من قواعد كثيرة مرهقة. وألقيا علينا، بقدر الإمكان، مسؤولية سلوكنا نحن أنفسنا. وكان هذا القدر من الحرية الشخصية ضرورة لطبيعتي المحبة للحرية. فتحت أي نظام آخر كنت سأذبل وأذوي؛ أو — وهو ما أظنه أرجح — كنت سأتمرد علنًا. أما والحال كذلك، فمهما كان نفوري من أي مهمة، ومهما بلغ إحباطي أمام أي صعوبة، كان صوت أبي المرح وهو يردد أحد أمثاله العامية: «هيا، هيا يا هان، قفي عند المعلف، كان فيه علف أم لم يكن»، يبدد دائمًا كل ترددي؛ وكانت خيبات العزيمة تذوب كما يذوب الثلج أمام الشمس، في وجه قوله الباعث على الشجاعة: «ما فعله إنسان، يستطيع إنسان أن يفعله»، ثم يضيف بمكر لطيف: «وبالتالي امرأة». ما كان لطفل أن يصمد أمام شجاعة ملهمة كهذه.
وكانت حياة أبي نفسها مثالًا حيًا للشجاعة التي ما فتئ يحاول أن يغرسها فينا. فحين كان صبيًا في السادسة عشرة، خسر أبوه جزءًا كبيرًا من ثروته في بعض معاملات جزر الهند الغربية، فاضطر أبناؤه إلى أن يفعلوا ما في وسعهم لإعالة أنفسهم. واختار أبي البحر، بروحه المغامرة؛ وبدأ من أدنى المواقع، ثم شق طريقه صعودًا بسرعة حتى عُيّن، في سن مبكرة هي الرابعة والعشرون، قبطانًا لإحدى سفن تجارة الهند الشرقية، كانت يومئذ أكبر سفينة في ميناء فيلادلفيا؛ وكانت رحلاته بهذه السفينة ناجحة نجاحًا ملحوظًا. وكان دائمًا يعزو نجاحه إلى عناية أبيه السماوي وهدايته، ذاك الذي اتكل عليه في كل شؤونه، والذي كان يطلب عونه الخاص دائمًا — ويؤمن أنه يناله دائمًا — في كل وقت حاجة.
وفي التاسعة والعشرين من عمره ترك البحر واشتغل بالتجارة في فيلادلفيا، وهنا أيضًا آتت الهمة نفسها والاتكال نفسه على العون الإلهي ثمارهما، فأفلح حتى استطاع أن يجمع كفاية مريحة لسنوات شيخوخته.
أذكر جيدًا، حين كنت طفلة صغيرة، أنني كثيرًا ما كنت أتساءل أي صبي كان أبي، فأقرر، وأنا أرقب لمعات المرح الماكرة في زوايا عينيه الرماديتين الصافيتين وتقاسيم الدعابة حول فمه البشوش، أنه لا بد أن يكون قد كان صبيًا رائعًا حقًا، من الطراز الذي كنت أحب أن يكون لي رفيق لعب مثله. فمع أنه كان قد أخذ يشارف الكهولة ونحن صغار، وجدنا فيه خير رفيق لعب عرفناه نحن الأطفال. وكان بعض أصدقائه القدامى الذين عرفوه صبيًا يحدثوننا أنه كان في آن واحد أكثر الصبيان إثارة للغيظ وأحبهم إلى القلوب في دائرتهم كلها. لم يكن أحد يستطيع أن يظل غاضبًا عليه أكثر من لحظة. فمهما بلغت مقالبه من الإزعاج — وقد كان، كما يقولون، مفعمًا فائضًا بالشقاوة طوال النهار — ما كان غضب يثبت أمام أسفه الصادق المعلن على أي متاعب سببها، ولا أمام التعويض القلبي السخي الذي كان مستعدًا دائمًا أن يقدمه، ولا أمام دفعة المرح البهيجة التي كانت تنفجر منه لحظة قبول اعتذاراته. وكان دائمًا أول من يهبّ للمعونة في كل حالة عوز، وكان الجميع، أصدقاء وخصومًا، يعلمون أنهم يستطيعون الاعتماد عليه في أي خدمة يقدر عليها. وكان كل أصدقائه يحبونه ويعجبون به حتى وهم يوبخونه، وكانوا يجدون أنفسهم عادة يضحكون في اللحظة نفسها التي كانوا يعتزمون فيها أن يكونوا في غاية الصرامة والعبوس.
ومن الطفولة إلى الشيخوخة لازمته هذه القدرة على كسب المحبة والرضا، وتطور مرح صباه إلى تلك البشاشة الودودة التي لقلب مسيحي مهذب، فأضفى ذلك على شخصيته الناضجة فتنة لا اسم لها.
والحق أنني لا أعتقد أنه وُجد قط كائن أشد عدوى بالبهجة من أبينا. لم يكن أحد يملك إلا أن يشعر بمزيد من السعادة لوجوده. فحتى مصافحته كانت رفعة للنفس، وكانت على نحو ما تجعل العالم أكثر إشراقًا مما كان، وتجعلك في مزاج أفضل مع نفسك ومع كل من حولك. وقد أخبرني كثير من أصدقائي أنهم كانوا يفضلون مصافحة منه على هدية ثمينة من رجل آخر، لأن قلبه كان في تلك المصافحة، على نحو ما، يذهب رأسًا إلى قلوبهم بقوة تُبهج وتُعين. وأذكر جيدًا كيف كانت سماء طفولتي إذا أظلمت كلها بضيقة طفولية ثقيلة، تكفي كلمة مرحة بصوته القلبي: «حسنًا يا برودي»، أو دعابة عابرة صغيرة يقولها مع لمعة ماكرة محبة في عينيه الرماديتين، لتصفو سمائي في لحظة وتعود الحياة كلها نور شمس. وحتى حين كبرت لم تنقص قدرته على بث البهجة، وكان من عادتي، كلما وجدت نفسي في الأعماق، أن أضع نفسي في طريقه على نحو ما، موقنة أن مجرد لمحة خاطفة إلى وجهه القوي المرح ستنتشلني منها. بل أذكر أنه في غيابه كان منظر معطفه القديم العزيز ولمسه يضفيان على كل شيء إشراقًا على نحو ما، ويرسلانني وقد تشجعت لأكون أشجع وأقوى. لقد بدا أن غايته ورسالته أن يجعل الحياة أسعد لكل من اتصل به، وقلّ أن نجح أحد في ذلك مثل نجاحه. وقد قال لي أحدهم، بعد وفاته بسنين كثيرة، إن «جون م. ويتال كان أحب رجل إلى القلوب في فيلادلفيا»، وأنا واثقة أن هذا كان صحيحًا في أوساط معينة.
وكانت أمنا محبوبة مثله تمامًا. كانت أمًا رائعة، لعلها لم تكن مفعمة بالمرح مثل أبينا، ولكنها كانت مستعدة دائمًا لمناصرة قضية أولادها في كل مكان وكل حين، وكانت لنا صخرة ملجأ لا تخيب في كل شدة. كانت الرقة والصلاح والطهارة والصدق تكاد تفيض من حضرتها الكريمة؛ وكانت لكل من اتصل بها إلهامًا إلى كل ما هو نبيل وصالح.
يتحدث الناس في هذه الأيام عن جو يحيط بكل واحد منا، شيء يشبه الهالة النورانية التي تُرسم دائمًا حول رؤوس القديسين. يقولون إنه يبدو محيطًا بالجسم كله، وإنه يؤثر خيرًا أو شرًا في كل من يقترب منه. وهو يسمى «الأورا»، وهو ثمرة خُلق كل امرئ وشخصيته الدفينة. وبعض هذه الهالات، كما يقال لنا، مظلم كئيب يبث تأثيرًا محبطًا بل شريرًا، وبعضها وردي أو ذهبي أو لؤلؤي أو سماوي الزرقة مفعم بالنور، وتأثيرها مبهج رافع للنفس؛ وكل ذلك ربما من غير أن تقال كلمة واحدة في الحالين. فإن صحّت هذه النظرية، فأنا على يقين أن أبي وأمي كانا يملكان «هالتين» مفعمتين بنور شمس السماء ذاتها، وأن أولادهما عاشوا، من غير أن يعرفوا السبب، في بهجة دائمة.
ويبدو لي أمرًا لا يقبل الجدل أن طفولة عيشت على هذا النحو لا يمكن إلا أن يكون لها أثر هائل في التاريخ اللاحق لأي نفس، وأنا أعزو اكتشافي الأخير المشبِع لأبي السماوي في جانب كبير منه إلى ما عرفته من صلاح والديّ الأرضيين. لم يكونا يتكلمان كثيرًا عن الدين، لأن خوف الكويكرز من التدخل بين النفس وصانعها كان قد أنشأ فيهما عادة تحفظ لم يكن من السهل اختراقها، ولكنهما أظهرا بجلاء أن حياتهما كانت تُعاش في رحاب إيمان عميق بإله حاضر على الدوام.
ولم يكن يسعنا إلا أن نرى أنه كان عندهما حقيقة تفوق كل الحقائق. أما التعليم الديني فلم ننل منه إلا قليلًا؛ وأما القدوة الدينية والتأثير الديني فقد كان لنا منهما معين لا ينضب.
لا بالكلام، بل بالحياة اليومية، كانت تُطبع الانطباعات في قلوبنا الطفولية.
على أنني أذكر مرة واحدة تكلم فيها أبي من فيض قلبه، فكان لما قاله أثر عميق دائم فيّ. كنت طفلة شديدة الخيال، ولذلك كنت شديدة الخوف من الظلام، الذي كنت أملؤه بكل صنوف الوحوش المرعبة، الكامنة تحت الأسرّة أو خلف الأبواب، المتأهبة للانقضاض عليّ والتهامي في أي لحظة. وبطبيعة الحال، وبكتمان الطفولة العميق، لم أذكر ذلك لأحد قط، ولكن أبي اكتشف أخيرًا على نحو ما أنني أخاف الظلام، فبدلًا من أن يسخر من مخاوفي أو يوبخني، كما كنت أشعر في قلبي الصغير المسكين الأحمق أنني أستحق لإثارتي كل هذه الجلبة، أخذني بمحبة وأجلسني على ركبته، وأحاط بي بذراعه القوية العزيزة، وقال بنبرة أعمق اقتناع: «كيف يا هان، أما علمتِ أنه ليس هناك أبدًا ما يخيف؟ أما علمتِ أن أباكِ السماوي معكِ دائمًا، وأنه بالطبع سيعتني بكِ دائمًا؟» وإذ كنت لا أزال أرتجف وأنتفض، أضاف، وكأنه مندهش أن يكون في العالم من لا يعرف هذا: «كنت أحسب طبعًا أنكِ تعرفين هذا يا صغيرتي.»
لن أنسى أبدًا الانطباع العميق الذي تركه هذا في نفسي، ولا الراحة الفورية الدائمة من الخوف التي منحني إياها؛ وقد ظللت دائمًا موقنة أن هذا التقرير الواحد لحقيقة كانت عند أبي أعظم حقائق حياته كلها، كان له، أكثر من أي شيء آخر، الفضل في ذلك الإحساس المشبِع بحضور الله الذي صار نصيبي منذ زمن طويل. لم يكن ما قرره أبي في تلك المناسبة المشهودة عقيدة دينية، بل كان حقيقة بسيطة لا تقبل الجدل، دهش هو من أنني لا أعرفها؛ ولكونه تقريرًا لحقيقة، كان أشد تعزية بما لا يقاس من أي قدر من الوعظ أو الجدال.
كان الله معي، وكان ذلك كافيًا؛ فهو، ما دام معي، سيعتني بي بطبيعة الحال.
وأذكر أنه حين أنزلني أبي عن حجره وقال لي بمرح أن أمضي وألا أخاف بعد الآن، مشيت مبتعدة في شيء من الأبهة، شاعرة كأنني على نحو ما في مأمن داخل حصن غير منظور، أستطيع منه أن أهزأ بكل وحوش الظلام الكامنة، وأن أسمع حفيفها الغاضب من غير أن أتزعزع.
وأغلب الظن أن ندرة أي تعليم ديني مباشر من والدينا جعلت المرات القليلة التي تكلما فيها أشد وقعًا؛ ولكن مهما يكن من أمر، أستطيع أن أقول بحق إن قناعات تلك المناسبة، وإن حُجبت أحيانًا إلى حين، ظلت معي دائمًا في الأعماق، وإن كلمات أبي يومئذ قد جاءتني بالعون آلاف المرات في حياتي منذ ذلك الحين.