فصل 28 · قراءة 13 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
سر الحياة السعيدة
هذه الحياة الروحية الجديدة التي دخلتُها قد أُطلقت عليها أسماء كثيرة مختلفة. فالميثوديون كانوا يسمونها «البركة الثانية» أو «بركة التقديس»، والمشيخيون فضّلوا «الحياة العليا» أو «حياة الإيمان»، أما الأصدقاء فتحدثوا عنها بوصفها «الحياة المستترة مع المسيح في الله». ومهما اختلفت المصطلحات، فإن الحق الكامن وراء كل عبارة من هذه العبارات واحد بعينه، ويمكن اختزاله في أربع كلمات بسيطة: «لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ».
وفي كل حال، كان جوهر الأمر هو التسليم — أن نسلّم أنفسنا للرب لكي يعمل هو في داخلنا، فيصوغ رغباتنا وأعمالنا جميعًا بحسب مشيئته. ومعناه أن نأخذه عند كلمته: أن نثق به لا ليخلّصنا من عقاب الخطية فحسب، بل من سلطان الخطية أيضًا، وأن نصدّق وعده بأن يعطينا نعمة وعونًا في كل وقت من أوقات الحاجة.
أما أنا شخصيًّا فأوثر أن أسمي هذا ببساطة «حياة الإيمان»، لأن هذا أوضح وصف له.
ولكن في الكتاب الذي شرحت فيه هذا الأمر شرحًا وافيًا سميته «سر الحياة السعيدة»، لأنه ظل زمنًا طويلًا سرًّا خافيًا عليّ حقًّا — ولأني أخشى أنه ما يزال سرًّا خافيًا على مئات من أولاد الله الذين يترنحون تحت الأحمال الثقيلة نفسها التي حملتها أنا يومًا. لم يكن سرًّا لأن الله أخفاه، بل لأني لم أكن قد اكتشفته بعد. لقد كان دائمًا سرًّا مكشوفًا — منشورًا بجلاء على صفحات الكتاب المقدس — لو كان عندي من البصيرة الروحية ما أراه به.
«أسرار الآلهة قائمة منذ قديم الزمان، مصونة إلى الأبد، ومعلنة إلى الأبد؛ يُباح بها في كل الآذان، لكنها منشورة بلسان لا يقدر على كشف فحواه إلا الآلهة وحدها».
قد ينظر ثور وفيلسوف إلى الحقل نفسه فيريان شيئين مختلفين كل الاختلاف. وهكذا كنت أنا: قبل هذا الاكتشاف المجيد وبعده كنت أنظر في الكتاب المقدس نفسه، بل أقرأ الآيات نفسها — لكني كنت أراها بعينين مختلفتين تمام الاختلاف. فالكتاب المقدس، شأنه شأن الطبيعة، مفتوح للجميع، لكن ما كل أحد يراه حق الرؤية. لقد ظل قانون الجاذبية عاملًا أمام البشر على مرأى منهم مدى أجيال، لكن نيوتن وحده هو الذي أدركه. وكذلك كان قانون الإيمان مكتوبًا بجلاء في الكتاب المقدس، غير أني عجزت عن تبيّنه. فالقوى التي نسخّرها في الطبيعة لم نخلقها نحن، بل اكتشفناها فقط؛ وقد كانت موجودة قبل اكتشافها وجودها بعده سواء بسواء. وإني لعلى يقين أنه ما من مكتشف علمي شعر بغبطة في كشف أسرار الطبيعة أعظم مما شعرت به أنا حين كشفت «أسرار الله».
وكان فرحي من العظمة بحيث شعرت أني مدفوعة إلى أن أحدّث به كل إنسان — وأن ألحّ عليهم في الإصغاء. في البداية اعترى زوجي شيء من الانزعاج — وكان عاملًا مسيحيًّا غيورًا ناجحًا. فقد خاف أن أكون مبتهجة بضلال ما من شأنه أن يضرني وربما يضر غيري أيضًا.
وكان كثيرًا ما يعود إلى الحجة القائلة إن «الإنسان العتيق» الذي فينا لا يمكن أن يُقهر قهرًا تامًّا في هذه الحياة، وإنه لا بد أن يبقينا في درجة ما من العبودية.
وذات صباح، إذ كنا نتناقش في هذا الأمر، قلت له: «حسنًا، سواء أكان مستحيلًا أم لا، فالكتاب المقدس يقول به قطعًا. فما قولك أنت في هذه الفقرة من رومية 6: ‹عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا ٱلْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ ٱلْخَطِيَّةِ، كَيْ لَا نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ.› فماذا عساها تعني إن لم تكن تعني أن سلطان الخطية مقدر له حقًّا أن يُقهر، حتى لا نعود مستعبَدين لها؟»
فبُهت من النور المفاجئ الذي بدا وامضًا من تلك الكلمات، وقال: «لا توجد في الكتاب المقدس فقرة كهذه».
فأجبته: «بلى، إنها موجودة». وفتحت كتابي المقدس وأريته إياها. وكانت آية يعرفها هو بالطبع منذ سنين، لكنها بدت له في تلك اللحظة بمعنى جديد لافت حتى أحس كأنه لم يرها من قبل قط. وقد حملت معها اقتناعًا عميقًا، ومنذ تلك اللحظة لم يهدأ له بال حتى اكتشف الحق بنفسه.
أما روايته هو عن هذا الاكتشاف، وقد نُشرت سنة 1868، فكانت كما يلي. فبعد أن وصف النقص الذي كان يحس به في حياته المسيحية، مضى يقول: «كنت أعلم أن الكتاب المقدس يبدو واعدًا المسيحي بحياة أفضل من الحياة التي عرفتها، وكان الاقتناع قد نما فيّ على مدى سنين بأن ثمة جانبًا من حق الله لم أكتشفه بعد. وشعرت أن شيئًا جوهريًّا ناقص في طريقة فهمي للكتاب المقدس — شيئًا من شأنه أن يمدّني بروح المحبة تلك التي يعلن الكتاب أنها أعظم من كل علم وكل إيمان. وكثيرًا ما عبّرت عن إحساسي المتزايد بأن حقًّا ما ينتظر أن ينبثق من كلمة الله — شيئًا يملأ قلوبنا محبة تحتمل كل شيء. وكان شعوري من القوة بحيث رتبت اجتماعًا مع عدة إخوة متضلعين في الكتاب المقدس لكي نفحص معًا، بعناية وتفصيل، ذلك الجزء من كلمة الله الذي أخفقنا في فهمه وتعليمه.
ثم جاءت ظروف أخّرت ذلك الاجتماع، لكني في غضون ذلك — ومن قناة غير متوقعة البتة — تلقيت السر الذي علّمني فرح الحرية المسيحية وقوة الخدمة الحقة. كان ذلك السر هو الإيمان. فيا للغرابة: أنا الذي دأبت على تعليم أن الإيمان هو قناة غفران الخطايا، قد فاتني أن أرى أن الإيمان وحده هو أيضًا وسيلة النجاة من سلطان الخطية الداخلي. فليس الخاطئ وحده، بل المسيحي أيضًا، عليه أن ينال كل شيء بالإيمان.
«في ذلك الوقت التقيت بعض المسيحيين الذين بدت حياتهم الداخلية، كما وصفوها، مغايرة كل المغايرة لحياتي. كانوا يعلنون أن التقديس العملي يُنال، شأنه شأن التبرير تمامًا، بالإيمان البسيط؛ وأنه يمكن أن يتحقق في أي لحظة يستطيع فيها إيمان المرء أن يتمسك به تمسكًا كاملًا؛ وأكدوا أنهم هم أنفسهم قد اختبروه. وظل الموضوع يواجهني، ومرة بعد مرة كانت تُعرض عليّ فقرات من الكتاب المقدس — فقرات كنت أعتقد بإخلاص أني خاضع لها خضوعًا تامًّا. غير أني كنت أنظر إلى الأمر كله بقلق عميق، إذ بدا لي أن ما يطلبونه ويدّعون امتلاكه ليس أقل من الكمال في الجسد — وذلك، كما كنت أعلم، مستحيل».
لا أكاد أستطيع وصف عمق التحامل الذي شعرت به ضد هذا التعليم. فقلّما أثارت فكرة في نفسي مثل هذه المقاومة الغريزية، وقضيت ساعات قلقة كثيرة وأنا أهجس بما حسبته العواقب الخطيرة لهذه «الهرطقة» الزاحفة بيننا. وبلغت معارضتي من التصميم أن فقرات الكتاب المقدس المألوفة نفسها — نصوصًا عرفتها سنين — كانت تبدو غريبة تكاد لا تُعرف حين يستشهد بها أحد ليثبت أن التقديس يكون بالإيمان، وأن في الإمكان «السلوك كما يحق للرب في كل رضى».
وذات صباح قُرئت عليّ رومية 6:6، وهي: «عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا ٱلْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ ٱلْخَطِيَّةِ، كَيْ لَا نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ.» وأضاف صديقي: «لا بد أن تعني هذه الكلمات شيئًا — شيئًا يجعل في مقدور المؤمن أن يكف عن أن يكون عبدًا للخطية».
ومن هول وقع الآية عليّ اندفعت أقول بانفعال: «هذه الفقرة ليست في الكتاب المقدس!»— مع أنها كانت في الحقيقة من أكثر الفقرات المألوفة عندي في الكتاب المقدس كله. ولما اضطُررت إلى الاعتراف بأنها موجودة فيه فعلًا، لجأت إلى تفسيرها بأنها مجرد حق قضائي: شيء صحيح «في نظر الله»، لكنه لا يصير حقيقيًّا قط في اختبار المسيحي.
لكن منذ تلك اللحظة بدأت أتساءل عما إذا كان في تعليم هؤلاء القوم شيء من الحق. وشيئًا فشيئًا انجلى لي أني أسأت فهمهم. فهم لم يكونوا يتكلمون عن كمال في الجسد، بل عن موت الجسد — وعن حياة مستترة في المسيح.
حياة ثبات فيه، وسلوك فيه، وعيش بقوته — حياة غلبة وفرح ترضي الله حق الرضى.
«فهذا إذًا كل ما تعنونه؟» سألت مرة، حين أُلحّ عليّ بهذا الحق بقوة غير معهودة. «ليس في هذا شيء جديد. لطالما عرفت ذلك».
«ولكن هل عشته؟» كان الجواب.
«نعم»، أجبت، «لقد عشت هكذا أحيانًا. فكثيرًا ما سلّمت نفسي كلها إلى رعاية الرب وأدركت أني أنا قد متّ، وأنه هو وحده يحيا فيّ».
«لقد عرفت هذا اختبارًا عارضًا»، قال صديقي بلطف. «ولكن هل عرفته قط حياة تُحيا؟ إنك تقول إنك تلجأ أحيانًا إلى الرب — ولكن هل اتخذت فيه سكناك؟»
رأيت في الحال أني لم أفعل. فقد كان إيماني في هذا الأمر متقطعًا. في لحظات الضيق غير العادي، أو كلما شعرت بضعف خاص، كنت أتوجه إلى الرب وحده وكنت أجده دائمًا كافيًا لحاجتي. أما أن هذا الاختبار العارض يمكن أن يصير — وينبغي أن يصير — اختبار حياتي كلها، فأمر لم يخطر لي على بال قط.
«ماذا تظن»، تابع صديقي، «في أناس يثقون بالمسيح على هذا النحو المتقطع لخلاص نفوسهم؟ هبْ أنهم في أسبوع شعروا بالعجز فألقوا بأنفسهم عليه كلية، ثم قضوا الأسبوع التالي يحاولون أن يكسبوا الخلاص بأنفسهم بعض الكسب، مكتفين بأن يسألوه أن يكمّل ما نقص منهم. أفلا تحسب مسلكًا كهذا متناقضًا أحمق؟ أوليس مثله في التناقض — ومثله في إهانة كرامة المسيح — أن تثق به على هذا النحو المتأرجح، مرة نعم ومرة لا، في حياتك اليومية؟ فتسلك تارة بالإيمان، وتتكل تارة على قوتك أنت؟»
لم أستطع إنكار هذا الحق، وبدأت تنفتح أمامي إمكانية حياة الإيمان المتصل — وجمال تلك الحياة.
تلك كانت رواية زوجي عن اكتشافه. ولفرحي العظيم صرنا منذ ذلك الحين متحدين في هذا الأمر اتحادًا تامًّا. لم يكن معنى ذلك أن أحدًا منا اعتقد أننا صرنا بلا خطية، أو أننا لم نعد نسقط البتة. بل كنا قد اكتشفنا سر الغلبة — أننا لم نعد عبيدًا للخطية مضطرين إلى الإذعان لسلطانها، بل صار في وسعنا، إن نحن اخترنا، أن يصدق فينا القول: «يَعْظُمُ ٱنْتِصَارُنَا بِٱلَّذِي أَحَبَّنَا.»
لم يكن معنى هذا أن التجارب انقطعت يومًا. لكننا تعلمنا أن الرب قادر على أن ينقذنا من كل تجربة وراغب في ذلك معًا — إن نحن وثقنا به فحسب. ورأينا أن اعتقادنا القديم — أننا محكوم علينا أن نبقى مدى الحياة «عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ» — مخالف للكتاب المقدس وطعن في كمال خلاص المسيح، فهو إنما مات على وجه التحديد لكي يحررنا من عبودية الخطية. «فَإِنَّ ٱلْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ.»
وتعلمنا فوق ذلك أن الإيمان — الإيمان وحده — هو طريق الغلبة، وأن الجهد ومصارعة النفس لا يجديان شيئًا في هذه المعركة. كان نصيبنا هو التسليم والثقة؛ ونصيب الله كل ما عدا ذلك.
وللمرة الثالثة، كما قلت، بدا كأن حجابًا انكشف عن صفحات الكتاب المقدس، فصرنا نرى في كل مكان «سر الغلبة» يتلألأ بحروف من نور. وتفتحت النصوص القديمة عن ملء جديد. خذ مثلًا: «لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱللهِ يَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ. وَهَذِهِ هِيَ ٱلْغَلَبَةُ ٱلَّتِي تَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. مَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ، إِلَّا ٱلَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱبْنُ ٱللهِ؟» كنا قبلًا نظن أن هذا لا يشير إلا إلى غلبة آتية بعد الموت. أما الآن فرأينا أنه يتكلم عن غلبة حاضرة، بإيمان حاضر، ونحن بعد نعيش في العالم.
أو خذ هذا: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ!» كنا دائمًا نفهمه على أنه يعني إزالة عقوبة الخطية. أما الآن فرأينا أنه يعني إزالة سلطانها — أي أنه لم تعد بنا حاجة إلى أن نخدمها أو نُستعبد لها.
وفي وسعي أن أورد أمثلة لا تحصى على هذا الانكشاف لحجب الكتاب المقدس، ولكن حسبي ما ذكرت. كنا قد ظفرنا باكتشاف يبدّل الحياة، وقد ملأ علينا كل فكر. فكلما لقيت صديقًا كان سؤالي الأول: «كم من الوقت عندك؟ فعندي شيء عجيب أخبرك به». ثم أنسكب في سرد قصتي عن الخلاص العظيم الذي اكتشفته.
وكان الأمر عند أكثر الناس جديدًا مبهجًا كما كان عندي، وكثيرون تلقفوه في الحال حقيقة اختبارية. لكن صديقة واحدة — هي نفسها التي أيقظتني إلى أمور الدين وأنا في السادسة عشرة، وظلت منذ ذلك الحين أقرب مؤتمنة على أسراري الروحية — أصغت ثم قالت: «ولكن يا هانا، ليس في هذا شيء جديد. لطالما عرفته أنا».
«فلماذا إذًا»، صحت بها ساخطة، «لم تخبريني قط؟ لقد عرفت كيف جاهدت كل هذه السنين — أكسب معارك قليلة وأخسر أكثر منها بكثير — وكان عندك طوال الوقت سر الغلبة هذا ولم تخبريني به! كيف طاوعك قلبك على هذه القسوة؟»
«لكني حسبت أن الجميع يعرفونه»، قالت. «إنه ما فتئ الكويكرز يعلّمونه دائمًا. فوعظهم كله تقريبًا يدور حوله».
«حسنًا»، قلت، «إن الجميع لا يعرفونه. فقليلون جدًّا من يعرفونه. إن أكثر المسيحيين يعتقدون أنه لا بد لهم أن يظلوا ‹عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ› كل حياتهم بسبب ضعف الجسد. وأكثرهم يظنون أنهم إن كان لهم يومًا أن يظفروا بالغلبة فعليهم أن يحاربوا لأجلها بأنفسهم، ولا يجوز لهم أن يدعوا الرب إلى نجدتهم إلا إذا بدت الهزيمة وشيكة. إنهم لا يفهمون أن المعركة ينبغي أن تُسلَّم إليه من البداية — كما وقف بنو إسرائيل عند البحر الأحمر ورأوا خلاص الرب».
«وإني»، أضفت بيقين راسخ، «لعازمة على أن أخبر بهذا كل من أستطيع».
وقد فعلت. صغارًا وكبارًا، مسيحيين ناضجين أو مبتدئين — لم يفلت أحد من سماع القصة متى واتتني الجرأة على الكلام. وجميع من سمعوها تقريبًا اعتنقوها وبدأوا يحيون في قوتها.
وكانت من هؤلاء ابنتي الصغيرة، وكانت يومئذ في نحو السابعة أو الثامنة من عمرها. كانت قد أخذت تنمو فيها إرادة عنيدة قوية كدت أعجز عن ضبطها. وكانت هي نفسها تدرك أنها خطأ وتجتهد في قهرها، لكنها بدت كأنها مستحوذ عليها بها. وذات يوم جاءتني حائرة وقالت: «يا أمي، لماذا أنا شقية هكذا؟ أنا أعرف أني بنت مسيحية صغيرة، وكنت أظن أن الأولاد المسيحيين يكونون دائمًا صالحين. ولكن مهما اجتهدت أن أجعل نفسي صالحة، لا أملك إلا أن أكون شقية».
ومن اختباري أنا فهمتها فهمًا تامًّا. قلت لها: «أظن يا حبيبتي أن السبب هو أنك تحاولين أن تجعلي نفسك صالحة. نحن لا نستطيع أبدًا أن نجعل أنفسنا صالحين مهما حاولنا. أبونا السماوي وحده يستطيع ذلك. فكلما شعرت بالتجربة تدفعك إلى الشقاوة، أخبريه بكل شيء، واطلبي منه أن يجعلك صالحة، ثم ثقي به أن يفعل. وهو لا بد آخذ الشقاوة منك».
ففكرت لحظة ثم قالت: «آه، لم أكن أعرف ذلك. كنت أظن أن على الإنسان أن يستعمل إرادته ويفعل ذلك بنفسه».
وانصرفت في هدوء، وظاهر عليها أنها تتأمل هذه الفكرة الجديدة. وعن قريب لاحظت تغيرًا عظيمًا: فقد بدا عنادها وقد زال كله، وصارت وديعة مطيعة كالحمل. ولم أقل شيئًا، رغبة مني في احترام رقة تلك اللحظة. وبعد أيام قليلة سمعتها تلعب بدماها بصوت خافت وتتمتم بغبطة هادئة: «آه، كم أنا مسرورة لأن الآب السماوي يجعلني صالحة هكذا. ما أجمل أن يكون الإنسان صالحًا!»
وما زلت لم أقل شيئًا. ولكن بعد ليال قليلة، وأنا أدثّرها في فراشها، اندفعت تقول: «آه يا أمي، أما أنت مسرورة لأن الآب السماوي يجعلني صالحة هكذا؟ إنه سيجعلني صالحة أكثر من هذا بكثير وكثير، ولكن أما أنت مسرورة لأنه جعلني صالحة بقدر ما أنا الآن؟»
وإذ ضممتها وقبّلتها وأنا أفرح معها، أضافت بجدية: «يا أمي، هل تخبرين كل الناس عن هذا؟»
فقلت إني أحاول ذلك، لكنها ألحّت: «لا يجوز أن تحاولي فقط — بل يجب أن تفعليه حقًّا في كل مرة تعظين فيها. أظن أن كثيرين من الناس مثلما كنت أنا — يريدون أن يكونوا صالحين ولا يعرفون كيف. يجب أن تخبري كل إنسان تقابلينه بلا استثناء».
وقد اعتبرت ذلك دائمًا نوعًا من دعوة إلهية إلى عملي.
والحق أن قلوبنا كانت من الامتلاء بحيث لم نكد نحتاج إلى تشجيع. فكل من عرفناهم سمعوا القصة آخر الأمر، وسرعان ما قامت ضجة عظيمة — لا في وسطنا نحن فقط، بل في الكنيسة الأمريكية كلها بل وفي إنجلترا أيضًا. وانهالت الرسائل من كل صوب تسأل عما عساه يكون هذا «التعليم الجديد الذي يعلّمه آل بيرسال سميث من ميلفيل بنيو جيرسي». ونشأت اجتماعات ومؤتمرات ما زالت مستمرة إلى هذا اليوم، يُعرف كثير منها باسم «اجتماعات تعميق الحياة الروحية».
كان هذا الاكتشاف بداية نهضة عظيمة في الحياة الروحية للكنيسة في كل مكان. وقد بلغت أوجها في اجتماعات سنتي 1873 و1874 في القارة الأوروبية، ثم في أكسفورد وبرايتون، حيث جاء الألوف ليسمعوا الرسالة. وما زالت آثارها محسوسة في حيوات لا تحصى. وحيثما ذهبت يخبرني الناس أن حياتهم كلها تغيرت بما تعلموه هناك.
لم يكن ما اكتشفوه دينًا جديدًا، بل حيوية الدين القديم. فالحقائق التي طالما جاهروا بها صارت حقائق حية. كانوا يدعون المسيح مخلّصهم؛ فتعلموا الآن أنه يخلّص حقًّا، وإذ وثقوا به وجدوه أمينًا.
ولم يكن في التعليم شيء من الروح الطائفية. فلم يُطلب من أحد أن يغير عقيدته أو طائفته.
ففي جميع الكنائس — الميثودية والكويكرية والكاثوليكية وغيرها — كان هناك دائمًا من فهموا حياة الإيمان فهمًا حقيقيًّا وعاشوها. وهي تكمن، في اعتقادي، في صميم كل عقيدة مسيحية. وكل المطلوب هو أن يكف المؤمنون عن مجرد المجاهرة بإيمانهم ويبدأوا يؤمنون به فعلًا — وعندئذ سيجدونه دائمًا حقًّا.
إن حياة الإيمان تلائم كل عقيدة وكل طائفة. والقصة واحدة في كل مكان.