فصل 26 · قراءة 15 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
المنفذ
بلغ هذا القلق وهذه التساؤلات ذروتها سنة 1865. فبسبب ظروف عائلية اضطررنا إلى مغادرة بيتنا البهيج في جيرمانتاون — ومعه كل دائرة اهتماماتنا الواسعة — والانتقال إلى قرية نائية في نيو جيرسي، حيث انقطعنا انقطاعًا يكاد يكون تامًّا عن كل صحبة نأنس بها. كان الانتقال من الناحية المالية مكسبًا، أما من كل ناحية أخرى فقد كان تجربة قاسية للغاية، ولا سيما لي أنا. وأعترف أن روحي تمردت على هذا التغيير تمردًا مريرًا.
ولم يخطر لي قط أن في هذا المكان بعينه، الذي بدا موحشًا معزولًا إلى ذلك الحد، سيبزغ نور جديد مجيد، يفتتح الحقبة الرابعة في حياتي الروحية، وهي حقبة تتويجها.
وقد جرى الأمر على هذا النحو. فكما قلت، كنت شديدة التمرد على هذا الانتقال. غير أنه كان عندي من البصيرة الروحية ما يكفي لأعرف أن هذا التمرد خطأ. فما دام الانتقال ترتيبًا واضحًا من تدبير العناية الإلهية لا يد لي فيه، كان الجواب الصائب الوحيد هو أن أقبله بابتهاج وأن أقول من صميم قلبي: «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». ولكن مع أنني كنت أوبخ نفسي بلا انقطاع، لم أستطع أن أحمل نفسي على قبول مشيئة الله — والحق أنني لم أكن أريد أن أقبلها. وشعرت أن من القسوة أن أُرغَم على ترك بيتي السعيد في جيرمانتاون ودائرة نفعي لأعيش في مكان موحش قصي مثل ميلفيل. وبدا لي أنه ما كان ينبغي لله أن يسمح بذلك، وأن من حقي كل الحق أن أتذمر وأتضجر.
ونتيجة لذلك سقطت في حالة نفسية بالغة الضيق. فحتى عقائدي الواضحة لم تعد قادرة على إعانتي، وبدأت أخشى أن أفقد ما بقي لي من حياة روحية.
وأمام حاجة بهذا القدر من الواقعية، لم يكن يعزيني أن أعلم أنني مغفور لي. كنت أريد أكثر من المغفرة — كنت أريد النجاة. ولكنني لم أكن أدري كيف السبيل إليها.
ولأن وعّاظ الإرساليات كانوا يزوروننا كثيرًا، عرضت حالتي على عدد منهم وطلبت المعونة، ولكن أحدًا لم يستطع أن يقول لي شيئًا ينفع. وأخيرًا جاء لبضعة أيام معلّم ديني ناجح جدًّا، فسكبت أمامه متاعبي كاملة، متوسلة إليه أن يدلني على طريق ما إلى النجاة. فتأمل حالتي بجدية، ثم قال أخيرًا إنه يعتقد أن ما أحتاج إليه هو أن أنخرط في عمل مسيحي ما. فلو خرجت في صباح الغد لزيارة الفقراء في جوارنا لأرى كيف يمكنني مساعدتهم، فإن حياتي الروحية — في ظنه — ستتجدد ويستقيم كل شيء.
وهكذا جربت في اليوم التالي العلاج الذي اقترحه. ولكنني سرعان ما اكتشفت عبثه. ففي أول بيت دخلته تقريبًا وجدت امرأة تصارع عين الصعوبة الروحية التي أصارعها، وكانت في أمسّ الحاجة إلى المعونة — ولم يكن عندي ما أعطيه. شعرت كمن يحاول أن يطعم الجياع من وعاء فارغ. كانت مهمة سخيفة مستحيلة. فعدت إلى البيت أشد يأسًا من ذي قبل، مقتنعة بأنني قبل أن أعين أحدًا غيري لا بد أن أجد النجاة لنفسي أولًا.
وكانت في القرية خياطة تأتي كثيرًا لتخيط لي، ولقلة الصحبة عندي في القرية كنت أجلس أحيانًا أتحدث معها ونحن نعمل. وقد بدت لي ذات نزعة روحية غير مألوفة، وشُغفت بما كانت ترويه من اختباراتها. واكتشفت أنها تؤمن بغلبة فعلية على التجربة — وأنه ليس من الضروري، كما كنت أظن، أن يمضي الإنسان حياته وهو يخطئ ويتوب ثم يخطئ ويتوب، بل يمكن للمسيحي أن ينال النجاة حقًّا. وأخبرتني أن عند الميثوديين عقيدة تسمى «القداسة»، واختبارًا مصاحبًا لها يسمى «التقديس» أو «البركة الثانية»، يُدخِل الناس إلى موضع الغلبة. وقد اهتممت اهتمامًا شديدًا بكل ما قالته، وبدأت أرجو أن يكون هنا ربما حل صراعاتي.
وأخبرتني أيضًا أن اجتماعًا صغيرًا يُعقد في القرية مساء كل سبت تُعلَّم فيه هذه العقيدة ويتبادل فيه الحاضرون اختباراتهم. وألحّت عليّ أن أحضره. ففكرت أنني قد أذهب يومًا ما، ولكنني تركت أمورًا أخرى تشغلني عنه. كنت مقتنعة أن عمال المصانع الفقراء غير المتعلمين لا يمكن بحال أن يكون عندهم ما يعلمونني إياه. فقد درست الكتاب المقدس وعلمته كثيرًا، وكان لي رأي عال في مبلغي الديني. وشعرت أنني إن ذهبت إلى الاجتماع فالأرجح أن يكون عندي ما أعلمهم إياه أكثر بكثير مما عندهم ليعلموني.
ولكن أخيرًا، في إحدى الأمسيات، قررت أن أمنّ عليهم بحضوري — وأعترف أنني كنت أشعر فعلًا أنها منّة عظيمة. فذهبت إلى الاجتماع ممتلئة بأهميتي وترفعي، متوقعة أن أذهلهم بمعرفتي الكتابية.
وحين دخلت كانت تتكلم امرأة من عاملات المصنع، تلف رأسها بشال — والأرجح أنها لم تكن تملك بونيه. وسمعتها تقول: «كان أفقي كله فيما مضى مملوءًا بهذه الأنا الكبيرة الضخمة التي لي، ولكن حين لمحت لمحة من المسيح مخلصًا كاملًا لي، تضاءلت تلك الأنا الكبيرة الضخمة حتى صارت لا شيء».
كانت تلك الكلمات إعلانًا لي. فقد أدركت أنني لا أعرف شيئًا البتة من مثل هذا الاختبار. كانت «الأنا» التي لي كبيرة جدًّا وشديدة التوكيد لذاتها، ولم أكن أتصور كيف يمكن أن «تتضاءل حتى تصير لا شيء». ولكن اقتناعًا عميقًا غمرني بأن هذه لا بد أن تكون المسيحية الحقيقية — وربما كانت عين ما كنت أتوق إليه.
وغني عن القول أنني لم أحاول أي تعليم في تلك الليلة. بل جلست تلميذة عند أقدام هؤلاء المسيحيين المتواضعين، الذين لم يكونوا يعرفون من علم الكتب إلا قليلًا، ولكن الروح القدس كان بوضوح يعلّم نفوسهم أعماقًا من الحق الروحي لم أمسسها قط. وبدأت أواظب على حضور الاجتماع متعلمة، وأغتنم كل فرصة أمكنني للحديث مع الذين يفهمون طريق الحياة هذه. فوجدت أن جوهرها هو بعينه ما عناه بولس حين كتب: «لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ» — أي أن الغلبة التي أنشدها إنما تأتي بأن أكف عن أن أحيا حياتي بنفسي، وأن أدع قدرة الله «تعمل فيّ أن أريد وأن أعمل من أجل مسرته».
وفي يومياتي، بتاريخ 18 أكتوبر 1866، كتبت: «لقد ظل الرب يعلمني في الآونة الأخيرة بطرق كثيرة ضعفي التام أمام التجربة. لقد نموت كثيرًا في المعرفة، ولكن لا في النعمة، وأجد أنه ليس لي على الخطية سلطان حقيقي أكثر مما كان لي حين اهتديت أول مرة. غير أن هذا لم يدفعني إلى الشك في أنني ابنة لله — مبرَّرة، مغفورة الخطايا، لي الحياة الأبدية، ووارثة لميراث سماوي.
ولكن حتى مع هذا اليقين لا أستطيع أن أكون سعيدة ما دام قلبي يدينني. إنني أتوق إلى قداسة أوفر، وسلطان على الخطية أعظم، وشركة مع الله لا تنقطع. ولكنني لا أعرف كيف أبلغ ذلك. فالعزائم لا تجدي؛ وجهودي باطلة. وصلواتي بلا استجابة. ألف مرة كنت على وشك أن أستسلم لليأس وأن أستنتج أنه ليست مشيئة الله لي أن أنال الغلبة على الخطية أبدًا. ومع ذلك فالكتاب المقدس يعرض صورة مختلفة كل الاختلاف — ‹بلا لوم، وبسطاء، بلا عيب›؛ ومع كل تجربة ‹منفذ›؛ ‹مطهرين›؛ ‹مشابهين صورة المسيح›؛ ‹قديسين كما هو قدوس›».
ثم كتبت: «إنني أجد أن هناك مسيحيين يقولون إننا بقبول المسيح بالإيمان من أجل تقديسنا، تمامًا كما قبلناه بالإيمان من أجل تبريرنا، يتم كل هذا العمل الذي أتوق إليه — أي يُكتشف أسلوب إتمامه. وهم يقولون إن الكتاب المقدس يعلّم أن الرب يقدر أن ينجي من سلطان الخطية كما ينجي من جرمها، وإن النفس تتعلم أن تثق به ليفعل ذلك، فتكف عن الاتكال على عزائمها أو جهودها في سبيل القداسة، وتعهد بعمل حفظها من الشر كله إلى الرب وحده».
وأخيرًا: «إنني أبدأ أرى بوضوح أكبر أن الرب أهل لأن يوثق به ثقة غير محدودة ولا مقيدة؛ ولعل هذا هو أول بزوغ للنور الذي كنت أنشده. إنها عقيدة ميثودية، وطالما اعتدت أن أسمع الميثوديين يُنتقدون بسببها، ولكنها تبدو الشيء الوحيد الذي يفي بحاجتي، وأشعر أنني مضطرة إلى تجربتها».
وفي 11 فبراير 1867 سجلت جهودي الأولى في إدراك هذا الإيمان الظافر، فكتبت: «إن وضع نفسي الحاضر هو الاتكال على الرب. وقد اكتشفت أن هذا حقيقة عملية — إنه ينجي فعلًا. فحين تأتي التجربة، إن التفتّ إليه في الحال بالصلاة: ‹يا رب، خلصني. أنا لا أستطيع أن أخلص نفسي من هذه الخطية، أما أنت فتقدر وستفعل›، فإنه لا يخيب أبدًا.
فإما أن يغير مشاعري تغييرًا كاملًا وإما أن ينسيني الأمر كله — فتكون الغلبة، أو بالأحرى غلبته هو، كاملة. هذا سر من أسرار الحياة المسيحية لم أعرفه من قبل.
ولكن لماذا لم أعرفه؟ لماذا كان طريقي متعثرًا بائسًا هكذا وقد كان في وسعي أن أعيش في الغلبة؟ إنني مثال صارخ على ما هو متأصل في قلب الإنسان من ناموسية وعدم إيمان. فمع أنني كنت أتكل على الرب كل الاتكال في تبريري، كنت أتكل على نفسي دائمًا في تقديسي.
لقد اعتمدت على جهودي وعزائمي وسهري وحماستي وكدّي لتحقيق العيشة المقدسة. وكانت هذه ناموسية — ناموسية حقًّا كما لو كنت قد اتكلت على هذه الأشياء لتخليص نفسي في البداية. فقد كنت ‹أبطل› نعمة الله في التقديس إبطالًا تامًّا كما كان الذين حكمت عليهم بأنهم ناموسيون يبطلونها في التبرير. كنت أرى بسهولة كيف أنهم يلغون موت المسيح بجهودهم الناموسية، ولكنني كنت عمياء عن أنني أفعل الشيء نفسه. كان سعيهم وسعيي يختلفان في الغاية، ولكن في الحالتين كليهما كانت الذات هي العاملة لا المسيح. لأنه ‹إِنْ كَانَ بِٱلنَّامُوسِ بِرٌّ، فَٱلْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلَا سَبَبٍ!›
ولكن ما أشد اختلاف كل شيء الآن! فأنا الآن أعهد بحياتي اليومية إليه كما أعهد إليه بمصيري الأبدي. أثق به في هذه ثقة مجردة تمامًا كثقتي به في تلك. وأنا عاجزة في كلتيهما على السواء.
لا أستطيع أن أفعل شيئًا — ولا حتى أنا، ‹الإنسان الجديد› — وإن لم يفعل الرب كل شيء، فلن يُفعل شيء.
ويا له من حق مجيد — إنه يفعله فعلًا! فحين أثق به يهبني النجاة من سلطان الخطية كما من جرمها. أستطيع أن أضع كل شيء في عهدته — متاعبي، وتجاربي، ونموي، وخدمتي، وحياتي اليومية لحظة فلحظة. آه، ما في هذه العيشة من راحة وطمأنينة!
وهذه هي ‹بركة القداسة› عند الميثوديين. يعبرون عنها بعبارات لا أقرها كلها، ويحيط بها ما يبدو لي مزيجًا من الخطأ — ولكنهم مع ذلك يختبرونها اختبارًا أصيلًا ويتمتعون بها. وإنني لممتنة حقًّا لشهادتهم لواقعيتها. وأرى الآن أن نيل الاختبار — وإن اختلط بالخطأ — خير كثيرًا من أن يعيش المرء بدونه وهو صحيح العقيدة، كما كنت أنا من قبل».
إن يومياتي من تلك الفترة مليئة بالاكتشافات المذهلة التي كنت أكتشفها، ولكن هذه المقتطفات تكفي. فمن ذلك الحين انفتحت أمامي إمكانيات الإيمان على نحو لم أحلم به قط. رأيت أن الإيمان هو حقًّا الغلبة التي تغلب العالم، وعجبت من عماي إذ لم أفهم ذلك قط من قبل.
ومرة أخرى شعرت كأن حجابًا قد نُزع عن الكتاب المقدس، فصار لي كتابًا جديدًا: «الحق الذي كان لي بالأمس هو اليوم حق أكبر؛ فقد غدا وجهه أكثر بهاء إلهيًّا، وملكه أتم سلطانًا.
فالحق لا بد أن ينمو كلما تعاقبت الدهور، ويلوح الله في النفس أعظم فأعظم».
وفي أحد الأيام كنت في اجتماع قرأ فيه المتكلم يوحنا 15، فصدمتني الكلمات «بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا» بقوة تخطف الأنفاس. لقد قرأت هذه الكلمات واستشهدت بها مئات المرات — بل وعظت عنها. ولكنها الآن توهجت بمعنى حتى لكأنها أضيفت إلى الكتاب المقدس حديثًا. فها هو الرب يقول صراحة: «بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا»، وأنا مع ذلك كنت طوال الوقت أظن أنني أستطيع — بل يجب — أن أفعل الكثير.
وأي معنى كنت قد أعطيته من قبل لكلمة «شَيْئًا»؟ حاولت أن أتذكر، فلم أجد غير فراغ. لم أكن حقًّا قد انتبهت إليها قط.
وفي يوم آخر قرأت المقطع الوارد في متى 6 حيث يقول لنا يسوع: «لَا تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ»، لأن أبانا السماوي يعتني بنا — مستشهدًا بطيور السماء وزنابق الحقل، ومذكرًا إيانا بأننا أفضل منها بكثير. قرأت المقطع مرارًا وتكرارًا في ذهول تام. أيمكن أن يكون هذا صحيحًا؟ أوَكان هذا حقًّا في الكتاب المقدس كل هذه السنين؟ فإن كان كذلك، فكيف لم أره قط؟ ومع ذلك فأنا لم أكن قد رأيته فحسب — بل حفظته عن ظهر قلب ورددته كثيرًا. ولكن بالمعنى الوحيد الذي له قيمة، لم أكن قد رأيته قط من قبل.
أما الآن فقد رأيت — وعند تلك الرؤية تبددت همومي وقلقي ومخاوفي وهواجسي كما يتبدد الضباب أمام الشمس.
وحدث الأمر نفسه مع كل النصوص المألوفة — فقد أضيئت بمعنى جديد كل الجدة. صارت كل صفحة تنادي، كأنما ببوق، بحقيقة حياة مسيحية ظافرة تُحيا بالإيمان بيسوع المسيح. واشتعلت نفسي كلها بهذا الاكتشاف. ولم أعد أستطيع أن أفكر أو أتكلم في شيء سواه تقريبًا. فقد وجدت في خلاص المسيح شيئًا لم أتخيله قط — شيئًا يثبت أنه مخلص أكمل بكثير مما تصورت يومًا.
رأيت أنه ليس مخلصي للمستقبل فحسب، بل مخلصي الكامل الكفاية للحاضر أيضًا.
هو قائدي ليحارب معاركي فلا أحتاج أن أحاربها بنفسي. وحامل أثقالي فأستطيع أن أدحرج أحمالي عن كتفيّ الضعيفتين. وحصني من أعدائي. وترسي، ومرشدي، ومعزيّ، وراعيّ. لم أعد في حاجة إلى أن أحمي نفسي أو أدافع عنها أو أحارب لأجلها. فكل شيء صار في يدي ذاك القادر أن يخلص — وماذا كان يسعني إلا أن أثق به؟
لا تستطيع كلمات أن تعبر عما وجدته مذخورًا في الرب من ملء وكفاية. ولم أستطع أن أحتفظ بمثل هذا الخبر المجيد لنفسي. فكان كل من يقترب مني لا بد أن يسمع قصتي.
وكانت من أوائل الذين أخبرتهم ابنة عمي التي ذكرتها من قبل — تلك التي حيّرها يومًا تعليمي أنه وإن كانت خطايانا قد غُفرت، فلا بد أن نظل مدى الحياة عبيدًا لسلطان الخطية. فاغتنمت أول فرصة لأدعوها إلى زيارتنا، وما إن وصلت حتى هتفت: «أوه يا كاري، عندي شيء عجيب أخبرك به. يجب ألا نضيع دقيقة واحدة!»
وما إن خلونا حتى سكبت أمامها اكتشافي — أن في المسيح ليس غفران الخطية فحسب بل النجاة من سلطانها أيضًا، وأننا لم نعد مضطرين إلى العيش عبيدًا للخطية، بل في وسعنا أن يعظم انتصارنا به.
فأصغت باهتمام مندهش حائر، ووجهها يزداد ذهولًا مع كل جملة. وأخيرًا انفجرت قائلة: «ولكن يا هانا، ماذا تعنين؟ لطالما قلت لي إنك وإن كنت ابنة لله، فليس لك أن تتوقعي النجاة من الخطية أو من القلق — لأن آدم القديم أقوى من اللازم والطبيعة الجديدة أضعف من اللازم. وحين اهتديت أنا كنت أتوقع تمام التوقع أن أنجو من الخطية والاضطراب، ولكن حين سألتك عن ذلك قلت إن هذا مستحيل في هذه الحياة. وقد صدقتك!
وها أنت الآن تقولين العكس. إن الأمر محيّر للغاية — لا أدري ماذا أظن!»
وافقتها على أنه محيّر، ولكن الذي مكّنني من تعليم مثل هذا الرأي المشوه إنما كان الجهل لا سوء القصد. والآن وقد اكتشفت في الإنجيل ما هو خير من ذلك بكثير، فكل ما علينا أن نفعله هو أن نهجر الخطأ القديم ونعتنق الحق الجديد الذي أُري لنا.
أما ابنة عمي — التي كانت طوال الوقت تشعر بالفطرة أن الرأي القديم لا يمكن بحال أن يمثل أفضل ما عند المسيح — فقد اعتنقت التعليم الجديد بلهفة، وعاشته بأمانة تفوق أمانتي بكثير.
ولقد أدهشني الأثر العملي لاكتشافي. فقد سلمت روحي المتمردة كلها للرب، وقلت له إنني لا أستطيع قهرها ولكنني أومن أنه هو يقدر أن يقهرها عني. ثم تنحيت جانبًا، إذا صح التعبير، وتركت المعركة له. فيا لفرحي الذي لا يوصف: لقد نزع كل تمردي، ووضع مكانه قبولًا مطمئنًّا لمشيئته، حتى إن الحياة التي كانت تبدو كريهة إلى ذلك الحد صارت تبدو سارّة — بل مرغوبًا فيها. وصرت أستطيع أن أقول «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ» بامتنان صادق.
لقد أثبت اكتشافي أنه نجاح عملي، وكنت مغتبطة. جربته بطرق لا تحصى — ولم يخفق ولا مرة واحدة. ولا تزال حادثة واحدة بالذات حية في ذاكرتي.
فقد جاء وقت عوملت فيه معاملة شعرت أنها ظالمة كل الظلم — لا مبرر لها حينذاك، ولا مبرر لها الآن حين أعود بنظري إليها. شعرت بمرارة الغبن، وراودتني تجربة قوية أن أنسحب إلى تجهّم طويل يغلي في الصدر، تاركة صمتي وبرودي يعبران عن السخط الذي كنت أحس به إحساسًا حادًّا.
ولكن في اللحظة التي جاءت فيها التجربة رأيت في الحال المنفذ. فأسرعت لأخلو بنفسي، أكاد أركض إلى غرفة نومي، لأنني كنت من الامتلاء بالاستفزاز بحيث لم أستطع حتى المشي بهدوء. وأغلقت الأبواب خلفي بعنف، توقًا إلى خلوة أحسم فيها المعركة.
وحين خلوت إلى نفسي جثوت على ركبتيّ وصليت: «يا رب، إنني مستفزة. وأنا أريد أن أكون مستفزة. والحق أنني أظن أن عندي سببًا وجيهًا لذلك.
ولكنني أعلم أنه لا ينبغي لي أن أستسلم لهذا، وأنا أريد الغلبة. إنني أسلم هذا الأمر كله إليك. لا أستطيع أن أخوض هذه المعركة — فحاربها أنت عني. يسوع يخلصني الآن».
قلت تلك الكلمات وقلبي ما يزال يشعر بالتمرد الكامل. ومن الخارج ربما بدا الأمر كأنني أعلن كذبًا. فلم أكن أشعر أنني خلصت من غضبي، ولم يكن يبدو مرجحًا البتة أن يحدث ذلك. ولكنني تمسكت بالحق بالإيمان، مصرّة — حتى في وسط العاصفة — على أن الرب يقدر أن يخلصني الآن، وأنه يخلصني فعلًا.
ثم حدث الأمر.
ففي لحظة حلّ عليّ هدوء مشرق كصباح صيفي. وتلاشى كل استيائي.
وذاب غضبي. وشعرت بخفة قلب وفرح كطائر في ضوء الشمس، مبتهجة بالموقف نفسه الذي كان قبل لحظات يثير حنقي. لقد أمسك إيماني بحقيقة إلهية: إن الله قادر أن ينجي، وهو ينجي فعلًا النفس التي تتكل عليه.
وأدركت أي حق عجيب هو أنني لست في حاجة إلى أن أحارب معاركي بنفسي على الإطلاق. فالرب يحارب عني، وما عليّ إلا أن أصمت مطمئنة. ومنذ ذلك اليوم خاض رئيس خلاصي مئات من مثل هذه المعارك عني — وربحها. والسر الذي تعلمته حينذاك، سر وضع المعركة كلها في يديه والتنحي جانبًا لأدعه يحارب، لم يخفق ولا مرة واحدة كلما مارسته. وقد أثبت المرة تلو المرة أنه برهان حي على كلمات المسيح: «ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ ٱلْعَالَمَ».
هو الذي غلب العالم — لا نحن — وهو سيغلبه دائمًا، إن نحن فقط سلمنا الأمر في يديه.
ولم أُخيَّب ولا مرة واحدة حين فعلت ذلك. إنه لحق مجيد — وإن بدا أن قلة قليلة تدركه — أنه يقدر أن يخلص إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم. لقد كان قادرًا حين كُتبت الرسالة إلى العبرانيين، وهو قادر الآن بالقدر نفسه، لأنه ليس ميتًا — بل ما يزال حيًّا يشفع فينا.
لقد اكتشفت أن الإيمان هو الناموس الحاكم للكون. قال الله فكان؛ ونحن أيضًا حين نتكل عليه نستطيع أن نقول فيكون. وأشرق نور جديد باهر على الكلمات الواردة في 1 يوحنا 5:14-15: «وَهَذِهِ هِيَ ٱلثِّقَةُ ٱلَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا. وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا ٱلطَّلَبَاتِ ٱلَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ».
كنت أحسب دائمًا أن مثل هذه الكلمات ليست سوى مُثل جميلة — أحلام مشرقة عن الحياة المسيحية لا يتوقع إنسان عاقل أن يختبرها على الأرض. أما الآن فقد رأيت أنها ليست أحلامًا البتة، بل تقريرات صريحة لناموس إلهي: ناموس الإيمان، وهو حقيقي يُعتمد عليه كناموس الجاذبية، إن فهمه المرء.
إن المسيح يقول لنا مرة بعد مرة إنه يكون لنا بحسب إيماننا، ويعلن بلا قيد أن كل شيء مستطاع للمؤمن. وكنت أفترض أن هذا من المبالغة الشعرية. أما الآن ففهمت: إنما كان يصف نواميس الملكوت الروحي — نواميس يستطيع أي إنسان أن يختبرها ويثبت صحتها. فالإيمان يصلنا بقدرة الله القادرة على كل شيء، ويجعل في إمكان ضعفنا أن يستمد من قوته بحرية. وبدت إمكانياته بلا نهاية.
«الإيمان، الإيمان الجبار، يرى الوعد ولا ينظر إلى شيء سواه؛ يضحك من المستحيلات، ويهتف: ‹سيتم ذلك›».
وددت لو أستطيع القول إنني منذ تلك اللحظة فصاعدًا عشت على الدوام في قوة هذا الناموس الإلهي. لم يكن الأمر كذلك. ولكنني أستطيع أن أقول هذا: في كل مرة اخترت فيها عن قصد أن أمسك بقوة الله بالإيمان، كانت قوته تُكمَل في ضعفي، وكنت أنال الغلبة. ومرة بعد مرة استطعت أن أردد كلمات الرسول الظافرة: «فِي هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ ٱنْتِصَارُنَا بِٱلَّذِي أَحَبَّنَا».