فصل 25 · قراءة 9 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
الحقبة الرابعة في حياتي الدينية (حياة الإيمان)
في سنة 1865 بزغت على نفسي الحقبة الرابعة من رحلتي الروحية، وهي أكثر حقبها أسرًا للقلب على الإطلاق. كنت قد صرت مسيحية منذ تسع سنوات — سنوات حافلة بالبهجة والفتنة — غير أن ما جاءني الآن فاق كل ما سبقه حتى بدا كأن عالمًا جديدًا ساحرًا كل الجدة قد انفتح أمامي.
في تلك السنوات الأولى كان إيماني مشبعًا لي كل الإشباع في كل ما يتعلق بالله.
فكل اكتشاف اكتشفته عن صفاته وطرقه لم يجلب لي إلا الفرح. أما حين كان الأمر يتعلق بنصيبي أنا من الحياة المسيحية، فقد كان الرضا أبعد ما يكون عن الكمال. كنت سعيدة، نعم، لكنني لم أكن الإنسانة التي كنت أتوق أن أكونها.
كنت قد وجدت دينًا يعد بخلاص كامل في المستقبل، لكنه لم يكن يبدو أنه يقدم خلاصًا الآن. وكنت قد وجدت إلهًا منكرًا لذاته وعادلًا أستطيع أن أعبده دون خوف من خيبة الأمل — لكنني كنت أخيب أمل نفسي على الدوام. كنت أعلم أنني لست ما ينبغي أن أكونه. وكانت حياتي تبدو لي مليئة بالفشل — ليس خطية ظاهرة بقدر ما هي خطايا باطنة: البرودة، والموات الروحي، وقلة المحبة المسيحية، وأصول المرارة، وكل تلك العيوب الخفية التي كثيرًا ما يحزن عليها أولاد الله. فحينما كنت أريد أن أفعل الحسنى، كان الشر حاضرًا عندي. والصالح الذي كنت أريده لم أكن أفعله، والشر الذي كنت أمقته كنت لا أزال أفعله. كنت أجد نفسي في خطية وتوبة على الدوام، أعقد العزائم وأنقضها، وأبغض الخطأ ثم أستسلم له، وأتوق إلى الغلبة لكنني كنت أفشل أكثر مما أغلب.
غير أن الكتاب المقدس كان يبدو أنه يعلّم أن المسيح جاء ليمنح أتباعه غلبة حقيقية حاضرة. وكان يوحي بأن المسيحيين مدعوون إلى التحرر من الهموم القلقة والمخاوف، وإلى التمتع منذ الآن بسلام يفوق كل عقل. لكن ما كنت أعرفه من ذلك كان قليلًا إلى حد مؤلم. كان قلبي مطمئنًا من جهة مستقبلي، أما حاضري فكانت تمزقه ألف من هموم كل يوم وقلقه. وثمر الروح نفسه — الذي كنت أومن أنني قد نلته — هو المحبة والفرح والسلام وطول الأناة واللطف والوداعة والصلاح؛ ومع ذلك كانت هذه بعينها هي الصفات التي كنت أشعر أنني أشد ما أكون افتقارًا إليها.
لم يكن هذا ما توقعته حين صرت مسيحية أول الأمر. فأنا التي نشأت بين الكويكرز — الذين كانت حياتهم تشع سلامًا — وتعلمت منذ الطفولة أن الصلاح أمر لا غنى عنه، كنت أفترض أن صيرورة المرء مسيحيًا تعني بالضرورة أن يصير مسالمًا صالحًا. كنت أتوقع الغلبة على الخطية وعلى القلق كما أتوقع شروق الشمس سواء بسواء. لكنني في أعماق نفسي الخفية كان علي أن أعترف بأنني خائبة الأمل.
في البداية كان فرح خلاصي الجديد قد جرف كل شيء آخر جانبًا. وظننت أن التجربة والخوف والخطية قد زالت إلى الأبد. لكن حين خبا الوهج الأول، عادت التجارب القديمة بسلطانها القديم. وصار من السهل كما كان دائمًا أن أقلق وأهتم وأنوء بالأثقال وأتبرم وأجفو وأنتقد وأتشدد — أن أفعل وأكون كل ما كنت أومن أن الدين سينقذني منه. لم يزعزع شيء من هذا قط يقيني بأنني ابنة لله ووارثة للسماء، لكنه كثيرًا ما جعلني أشعر بخزي بائس. وأن أكون ابنة لله ثم أعجز عن أن أحيا كما يليق بابنة لله، جعلني أتساءل هل فاتني شيء في الحياة المسيحية — شيء كان يمكن أن يأتيني بالغلبة.
وإذ عقدت العزم على اكتشاف ذلك العنصر المفقود، سألت عددًا من المسيحيين الأقدم مني عهدًا. لكنهم أجابوني جميعًا الجواب نفسه: لا، لم يفتك شيء. فحياة الخطية والتوبة هي كل ما يمكن أن نتوقعه في هذا العالم، بسبب ضعف الجسد. وشرحوا لي أن آدم العتيق الموروث بالولادة، وآدم الجديد المنال عند الاهتداء، في حرب دائمة أحدهما مع الآخر — تارة يغلب هذا وتارة ذاك — وأننا لن نجد النجاة الحقيقية من الطبيعة العتيقة إلا في الموت.
لم يكن شيء يصف حالتي وصفًا أفضل من شكوى بولس نفسها في رومية 7:14-23. لقد بدت كأنها كتبت من أجلي. ومرة بعد مرة صرخت معه: «وَيْحِي أَنَا ٱلْإِنْسَانُ ٱلشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا ٱلْمَوْتِ؟». لكنني لم أستطع أن أفهم لماذا طرح بولس هذا السؤال أصلًا إن لم يكن في هذه الحياة نجاة، كما كان يقول الجميع. فلا شك أنه كان يعلم أن الطبيعة العتيقة مقضي لها بالبقاء حتى الموت. غير أنه لم يكتف بطرح السؤال — بل أجاب عنه جواب الظافر: «أَشْكُرُ ٱللهَ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ رَبِّنَا!».
فماذا عساه كان يعني؟ لقد دخلت إلى الخلاص بيسوع المسيح، ومع ذلك لم أكن أعرف شيئًا من ذلك الإنقاذ الظافر. كنت لا أزال مقيدة بـ«جسد الموت» الذي في داخلي.
لماذا؟ وأين تكمن الصعوبة؟
وقد ازدادت هذه الأسئلة إلحاحًا بعد اكتشافي محبة الله غير المحدودة. فقد بدا من قلة الكرم — بل يكاد يكون من نكران الجميل — أن نقابل نكرانه لذاته الذي لا حد له بمثل هذا الافتقار إلى الثمر الروحي. وما دام قد أظهر نفسه عظيم القدرة على الخلاص في المستقبل، فكيف يكون عاجزًا في الحاضر؟
وكانت حياة الكويكرز من حولي توحي هي الأخرى بأنه لا بد من وجود نجاة، فقد كانوا يؤكدون أنهم اختبروها — وإن كانوا لا يستطيعون قط أن يشرحوا بوضوح ما هي ولا كيف تعمل.
وثمة مؤثر آخر قوى هذا الاقتناع. فقد كان عندي كتاب لا يعلّم فقط أن أولاد الله مأمورون بأن يحملوا ثمر الروح، بل يعلّم أنهم قادرون على ذلك — ويقدم فوق ذلك إشارات إلى الطريق الصوفي المؤدي إليه. كان ذلك الكتاب هو «التقدم الروحي»، وهو مجموعة مختارات من فينيلون ومدام غيون. وكان عزيزًا علي بوجه خاص لأنه كان هدية من أبي الذي كنت أعشقه، وكان موضوعًا دائمًا على مكتبي إلى جانب كتابي المقدس.
كان أبي قد اكتشفه ولما يتجاوز الثامنة عشرة. فبينما كان يمشي في فيلادلفيا في طريقه ليركب سفينة في رحلة طويلة إلى الصين، مر ببسطة كتب مستعملة. ومع أنه لم يكن قد بدأ الحياة الروحية إلا منذ عهد قريب، اجتذبه العنوان «التقدم الروحي».
وإذ لم يكن يعرف شيئًا عن محتواه، اشتراه بدافع اللحظة — مقودًا دون وعي منه، ولا شك، من الرب الذي كان قد بدأ يتكل عليه. وقد كتب في «ذكرياته»: «لقد ثبت أن هذا الكتاب كان لي أعظم عزاء. كنت أحمله في جيبي وأقرأ فيه في أوقات الفراغ، لمنفعتي الأبدية كما أرجو. ولا يسعني إلا أن أشكر العناية الإلهية الرحيمة التي وضعت هذا الكتاب المبارك بين يدي».
وكان أبي يقدر ذلك الكتاب تقديرًا عاليًا حتى إنه ما إن كان يبلغ كل واحد منا نحن الأولاد سنًا مناسبة حتى يعطيه نسخته الخاصة ويطلب إليه أن يدرسه بعناية. ولأننا كنا نحبه حبًا جمًا، كنا نريد دائمًا أن نرضيه، وفي سنوات بحثي الأول الجائع اليائس عن الله صار الكتاب رفيقي الدائم.
لكن لما كان الكتاب قد كتب لإرشاد النفوس السائرة فعلًا في طريق الحياة الروحية أكثر مما كتب لمساعدة الطالبين على دخول تلك الحياة أصلًا، لم يكن لي فيه عون محدد كبير في سنوات البحث الأولى العمياء تلك. وحين صرت في سنة 1858 أعتقد أنني اكتشفت «خطة الخلاص» — المقررة، كما تصورت، في مجالس السماء، والمعلنة في حياة المسيح وموته، والمصوغة صياغة محكمة على يد الرسول بولس — ملأت هوامش نسختي بما حسبته انتقادات قاطعة تثبت فساد تعليم الكتاب.
ومع ذلك، ومن دون أن أدرك، تركت تعاليمه في نفسي أثرًا عميقًا. فحتى وأنا أنتقده كنت أشعر في أعماقي بجوع كامن إلى الجانب الصوفي من الدين الذي كان الكتاب يعبر عنه.
وطوال السنوات التالية ظللت أجاذب جيئة وذهابًا بين مطالب تعليم إخوة بليموث من جهة ومطالب التصوف من جهة أخرى.
فكان الجانب العملي المنظم من طبيعتي يميل نحو الإخوة؛ أما نشأتي بين الكويكرز وتأثير كتابي العزيز فكانا يشدانني نحو الجانب الصوفي.
فتارة كانت العقائد تبدو في أهمية قصوى وحياة المرء الفعلية تكاد لا تساوي شيئًا؛ وتارة أخرى كانت العقائد تبدو بلا قيمة ما لم تثمر حياة بارة. أحيانًا كان بولس هو صاحب الكلمة العليا في تفكيري — معلمًا الخلاص بالإيمان — وأحيانًا يعقوب، مصرًا على أن الإيمان بدون أعمال ميت. كان أصدقائي من إخوة بليموث يرفعون شأن بولس والتبرير بالإيمان؛ وكان أصدقائي الكويكرز والقديسون الكاثوليك في كتابي يرفعون شأن يعقوب والتبرير بالأعمال. وكان الجانب العملي مني يميل إلى الأول، والجانب الصوفي يميل إلى الثاني. وكانت النتيجة قلقًا متواصلًا في النفس، جعلني كثيرًا ما أتساءل، وقد انضاف إليه كربي من إخفاقاتي الروحية المتوالية، هل يمكن حقًا أن يكون ما تعلمته عن خلاص المسيح هو القصة كلها.
وإذ لم يكن عندي علاج أفضل، رحت ألجأ أكثر فأكثر إلى «التعليم الصحيح» لتهدئة اضطرابي. وتحت تأثير إخوة بليموث كانت هذه العقائد قد صارت محددة تحديدًا بالغ الوضوح، كل عقيدة موسومة بعنوانها بدقة ومخزونة في خانة من خانات ذهني. ولم يكن يمكن أن يوجد ما هو أشد نظامًا — على الأقل فيما يخص العقائد. وكنت قد صرت معلمة ناجحة جدًا لهذه العقائد، وكنت أنظر من عل بعين الإشفاق إلى كل من لم يكن في مثل وضوحي وحسمي.
وكثيرًا ما تمنيت لو أستطيع أن أجلس جميع المعلمين الدينيين الذين أعرفهم في صف من كراسي الأطفال العالية أمامي، لأشرح لهم العقائد التي كانوا يبدون في حيرة شديدة منها — وخصوصًا التبرير بالإيمان والمركز القضائي للمؤمن. وكنت أعلن على الدوام أنه يكفي أن يفهم المرء هاتين النقطتين ويؤمن بهما إيمانًا تامًا، فيصير كل شيء على ما يرام ولا يعود لغيرهما كبير شأن.
وأذكر أنني قلت شيئًا من هذا القبيل لابنة عم جاءتني مكروبة بسبب تقصيراتها في الحياة المسيحية. قالت: «لكن يا هانا، بحسب ما تقولين، إن جميع خطايانا — الماضية والحاضرة والمستقبلة — مغفورة إن نحن آمنا وحسب. فلا يعود يهم كثيرًا ما نفعله».
«نعم»، أجبت في جهلي، «وهذا هو بالضبط وجه الجمال فيه! فنحن نلبس رداء بر المسيح، وهذا الرداء يستر كل ما تحته من دناءة. وحين ينظر الله إلينا لا يرى إثمنا نحن بل بر المسيح، وهو يقبلنا من أجل ذلك».
ومرة أخرى قال لي واعظ من الكويكرز كان قد سمعني أعرض هذه الأفكار الفجة: «يبدو لي يا هانا سميث أنك تتكلمين كأن في وسعك أن تدخلي محلًا للثياب الجاهزة، فتشتري ثياب الخلاص، وتلبسيها في الحال، وتخرجي مكتسية بالبر كل الاكتساء ومستعدة للسماء».
«نعم!»، أجبت. «هكذا هو الأمر بالضبط — إلا أنني لست مضطرة إلى شراء الثياب؛ فالمسيح يعطيني إياها! شكرًا لك على هذا التصوير الجميل؛ سأستخدمه حتمًا في وعظي».
لا أشك في أنني فسرت تعليم إخوة بليموث تفسيرًا حرفيًا خارجيًا يفوق كثيرًا كل ما قصدوا إليه. لكنني كنت أحب أن يكون كل شيء محددًا بوضوح مطلق، وبدا لي هذا هو النتيجة المنطقية لآرائهم. والغريب أنني لم أر ما في الأمر من تناقض: أن نؤمن بإله بار يقال إنه يغطي إثمنا برداء بره هو، ثم يوهم نفسه بأننا أهل للسماء — وهو يعلم يقينًا أن «ثيابنا القذرة» لا تزال هناك تحت الرداء.
وكلما لمح أصدقائي الكويكرز إلى هذا التناقض، أسكت انزعاجي بأن أقول لنفسي إنهم، وإن كانوا أناسًا أعزاء صالحين، ليسوا عقائديين البتة ولا يعرفون إلا القليل جدًا عن «خطة الخلاص» و«التبرير بالإيمان» و«المركز القضائي للمؤمن». ولذلك لم تكن اعتراضاتهم تستحق الاعتبار.
غير أنني بعد الاكتشاف الذي اكتشفته لسعة محبة الله، كما وصفت في فصولي السابقة، بدأت أشعر بانزعاج متزايد. فقد بدا من نكران الجميل الفادح، ردًا على محبة لا حد لها كهذه، أن نفشل نحن — المتلقين لها — هذا الفشل الذريع في أن نحيا الحياة التي قصدها الله لنا بجلاء. وكلما أمعنت التفكير بدا لي أشد تناقضًا أن الخلاص، الذي سيكون في نهايته على هذا القدر من العظمة والكمال، يفشل الآن فشلًا بينًا، في هذه الحياة الحاضرة، في أن يهب الغلبة على الخطية وعلى القلق التي يعد بها الإنجيل بكل وضوح ثمرة مباشرة له.
كنت أسأل نفسي المرة بعد المرة: لماذا لم يدبر لنا الله، الذي دبر لنا في المستقبل خلاصًا مجيدًا كهذا، خلاصًا أفضل أيضًا في الحاضر؟