فصل 24 · قراءة 7 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
أثر آرائي في عملي العام
كما كان متوقعًا في تلك الأيام، قوبلت آرائي في رد كل الأشياء — وهي آراء أعلنتها بغير كثير تريث — باستنكار شديد من إخوة بليموث ومن كثيرين غيرهم من أصدقائي القويمي العقيدة. وكان علي أن أحتمل قدرًا لا بأس به مما يمكن أن يسمى اضطهادًا، وإن كنت في الحقيقة أجد فيه شيئًا من الرضا، لأني شعرت أنه لأمر عظيم أن أعرف عن الله أكثر بكثير مما يعرفه الذين عارضوني.
وكثيرًا ما شبهت مشاعري بمشاعر رحالة متمدن يحاول أن يشرح عجائب عالمه لأهل بلد قصي «متوحش» — أناس لا يستطيعون فهم ما يصفه ولا تصديقه. فإحساسه بعلمه الأرفع يجعل استنكارهم ومعارضتهم مجرد سبب لأن يشفق على جهلهم ويحتمله بصبر. وعلى هذا المبدأ نفسه كنت أكاد أستمتع بأن أعد هرطوقية، ولم أرغب قط في تزكية أحد لي. فأن يزكيني أحد كان معناه عندي أن أقيد؛ وقد آثرت أن أبقى حرة طليقة، لا يعوق شيء حريتي العقلية والروحية المطلقة.
في ذلك الوقت لم يكن الاكتشاف الذي توصلت إليه معروفًا على نطاق واسع كما هو الآن، وكان يبدو مرجحًا أن تمسكي بما عده كثيرون هرطقة خطيرة قد يعوق عملي المسيحي. ولعله فعل ذلك في بعض الأوساط. ولكن لما كانت دعوات الكلام التي تصلني تفوق دائمًا ما يمكنني قبوله بكثير، فإني لم أعان قط أي ضيق حقيقي. وقد حاولت أن أكون من اللياقة بحيث لا أضع على الآخرين — ولا سيما الذين استبشعوا آرائي — عبء تزكيتي. غير أن الإعلان الذي تلقيته كان أمجد من أن أكتمه كلما انفتح أمامي باب. ولأني رفضت أن أبحر تحت رايات زائفة، وأصررت على أن يعرف كل مكان أتكلم فيه مقدمًا أي «هرطوقية» أنا على وجه التحديد، فقد تمتعت عمومًا بكل الحرية التي أردتها.
والواقع أن هذه الآراء بعينها — وجهري بها في ظروف عصيبة نوعًا ما — هي التي فتحت الطريق لبعض من أهم أعمالنا وأكثرها ثمرًا. وقد حدث ذلك على النحو الآتي.
في سنة 1873 جاء زوجي إلى إنجلترا ليعقد اجتماعات في سبيل الحياة الأعلى، أو ما أوثر أنا أن أسميه حياة الإيمان. ولحقت به بعد قليل، وعند وصولي إلى لندن دعيت لمقابلة جمع من كبريات السيدات الإنجيليات، كان عليهن أن يقررن هل يكون من المأمون لهن أن يؤيدنني ويمنحن العمل تأثيرهن.
وقد وصفت الليدي ماونت تمبل، إحدى الحاضرات، ذلك اللقاء فيما بعد في سيرة اللورد ماونت تمبل التي كتبتها: «أظن أنه في سنة 1873 جاء المستر بيرسال سميث إلى إنجلترا من أمريكا، وتبعته بعد بضعة أشهر زوجته العزيزة الجميلة. وقد كان وقتًا جديرًا بأن يذكر طويلًا. جاءا، إن صح القول، ممتلئين بخمر الروح الجديدة، متلهفين إلى مساعدة الآخرين على التقدم في الحياة الإلهية. ودعانا صديق إلى الغداء لنلقاهما. ولن أنسى أبدًا أول مرة رأيت فيها هانا سميث. كنا نسميها ‹ملاك الكنائس›، وكانت تبدو كذلك حقًّا، بشعرها الذهبي ووجهها الصافي البديع القسمات، في ثوب لها فيه طرازها الخاص، ولكنه في بساطة ثياب الأصدقاء الذين نشأت بينهم.
«أما الذي جذبني إليها خاصة في ذلك اليوم فهو هذا. لا بد أن أعترف بأني لم أكن سوى باحثة عن الحق. كانت هانا جالسة في حلقة صغيرة من أصدقاء أفاضل قويمي العقيدة، اجتمعوا ليسمعوا ما عندها من خيرات تشاركهم إياها، وكانت في الواقع قيد المحاكمة. كانت قد رأت موكب جنازة في الشارع، فلما ذكرت ذلك اتخذنا جميعًا سيماء الحزن المألوفة.
‹آه›، قالت، ‹حين أرى جنازة أقدم الشكر دائمًا من أجل أخ أو أخت نجيا من تجارب هذه الحالة الفانية وآلامها›. فقلت في نفسي: ما أعجب هذا! ولم أتمالك نفسي أن سألت: ‹أهذا ممكن؟ أتشعرين بهذا نحو كل أحد؟› لقد كنت حقًّا «enfant terrible» أي طفلة مشاكسة.
«صمتت لحظة وأجالت نظرها فيمن حولها. كانت بين إنجيليين، في زمن كان الرجاء الشامل يعد فيه هرطقة، وكان هذا امتحانها. وقد قالت فيما بعد إنها جازت صراعًا داخليًا قصيرًا. لكن الحق غلب، فقالت بنظرتها المشرقة الجريئة: ‹نعم — نحو كل أحد. لأني أثق في محبة الله›. فأسلمت قلبي في الحال لهذه الثقة وهذه المحبة وهذه الصراحة».
إني أذكر تلك المناسبة تمام الذكر، وأذكر الأفكار التي كانت تجول في خاطري. كنت أعلم أني موضع اختبار، وخامرني الظن أن جوابي قد يصدم الحاضرين جميعًا. لكني شعرت أن الولاء لله يقتضيني أن أقول ما يكرمه، وأن أترك العواقب في يديه.
وما إن فرغت من الكلام حتى نهضت الليدي ماونت تمبل — وكانت يومئذ السيدة كاوبر تمبل — من مقعدها، وجاءت إلي رأسًا، ومع أني كنت غريبة عنها قبلتني قبلة حارة حانية.
وقالت في الحال: «لا بد أن تجيئي وتعقدي بعض الاجتماعات في برودلاندز». ولست أدري ما الذي شعر به الآخرون، ولكن لم تقل كلمة استنكار واحدة، وقد صار أولئك فيما بعد من أعز أصدقائي.
وكانت النتيجة أن برودلاندز — البيت الريفي للورد ماونت تمبل والليدي ماونت تمبل في هامبشير — فتحت لنا في غضون أسابيع قليلة لعقد مؤتمرنا الأول. لقد كان وقت بركة غير عادية، وصار مدخلًا إلى كل المؤتمرات اللاحقة وإلى كل عملنا التالي في إنجلترا وما وراءها.
ولما تقرر عقد مؤتمر في برايتون سنة 1874، اعترى القلق بعض أعضاء اللجنة المنظمة بشأن «هرطقاتي»، خوفًا من أن تعوق العمل. فأقنعوا زوجي — الذي كان قد وصل إلى إنجلترا قبلي — بأن يكتب إلي في أمريكا ويخبرني أني ما لم أعد بالسكوت عن آرائي فسيعارضون مشاركتي في الاجتماعات معارضة شديدة. وفي الآونة الأخيرة، بينما كنت أقلب رزمة قديمة من الرسائل، وجدت ردي، وهو يكشف على وجه الدقة عن شعوري في ذلك الحين: «فيلادلفيا، 6 أبريل 1874.
لقد وصلت رسائلك من لندن. لا تظن أني سأنزعج إن لم يسمح لي بالكلام في الاجتماعات، فليس شيء أوفق لي من ذلك. فأنا لست متلهفة على الوعظ أدنى تلهف. بل إني أعد مجرد استعدادي له معروفًا مني، وأعد إصغاء الآخرين إلي معروفًا منهم بالقدر نفسه. ولو أن لجنتكم قالت: ‹لا نريد أن نسمعك تتكلمين في برايتون›، لشكرتها من كل قلبي. ولا حاجة بأحد إلى أي تحرج في هذا الأمر. ولكن يجب أن يفهم فهمًا تامًّا أني لن أقدم تنازلات لأي إنسان، وأني أومن برد كل الأشياء إيمانًا أرسخ من أي وقت مضى. ولا أظن أني كنت أستطيع بدونه أن أحتمل البؤس الذي أراه في هذا العالم المسكين الحزين المنكوب بالخطية. إن عملنا في سبيل الامتناع عن المسكرات يجعلنا وجهًا لوجه أمام آلام عاجزة كان قلبي سينفطر لها لولا علمي بأن الله يحب جميع خلائقه وأن عنده لكل أحد شيئًا من النعمة مدخرًا».
ولما كنت لا أقبل المساومة — ولما كان وجودي في الاجتماعات ما يزال يعد أمرًا مهمًّا — أسقطت اللجنة المسألة وقررت أن تأخذني كما أنا، بهرطقاتي وكل شيء.
ولما كتب إلي زوجي يخبرني بذلك، أجبت: «فيلادلفيا.
يسرني جدًّا أنك نجوت من ورطتك بشأن زوجتك الواعظة الهرطوقية بهذا القدر اليسير من العناء. ولكن أن يتجرأ ب—، بآرائه المتزعزعة، على أن يحرمني كنسيًّا! إني لا أظن ذلك أمانة. لن أبحر تحت رايات زائفة، وقناعتي برد كل الأشياء تزداد رسوخًا يومًا بعد يوم. فإن تركوني وشأني في إنجلترا فالأرجح أني لن أقول عنها إلا قليلًا؛ أما إن كان من جهتي أدنى تلميح إلى مساومة أو كتمان فسأندلع اندلاع حريق كامل. فأنا لا أطيق شيئًا من هذا القبيل. فتذكروا هذا رجاءً، يا أسياد الخليقة.
ولكني، بكل جدية، لا أشعر بانجذاب إلى الوعظ برد كل الأشياء أو تعليمه هناك، وإذا لم يثر الأصدقاء الأعزاء المذعورون القويمو العقيدة ضجة حوله، فليس من المرجح أن أفعل. إن قلقهم بشأني لا يضايقني في أدنى شيء. بل أعتقد أني أستمتع حقًّا بأن أكون هدفًا لما يسمى «odium theologicum» أي البغضاء اللاهوتية.
وأظن أن في تكويني شيئًا من طبع فرس الحرب».
ولست أستطيع أن أقول هل كانت مخاوف اللجنة في محلها أم لا؛ كل ما أعلمه أني لم أشعر ولا مرة واحدة، طوال عملي كله في إنجلترا، أن آرائي في رد كل الأشياء أعاقت قبول رسالتي أو أغلقت في وجهي بابًا واحدًا. بل أعتقد أنها فتحت أبوابًا كانت ستظل مغلقة لولاها. والحقيقة الأعمق أن إيماني الراسخ بعدل الله ومحبته غير المحدودين على الإطلاق هو الذي مكنني من أن أتكلم بإيمان أشجع بكثير مما كان في وسعي بدونه. وإني لموقنة أني لولا هذه القناعة لحرمت نصف قوتي.
ومهما يكن رأي الآخرين، فإن الثورة التي أحدثها هذا الاكتشاف في اختباري أنا كانت هائلة — تفوق كل وصف. وصارت الرومانسية الروحية لحياتي أشد أسرًا للقلب من أي وقت مضى.
وكان كل يوم يأتيني ببصيرة أعمق وأكثر إشراقًا في صلاح الله ونكرانه لذاته اللذين لا يتصورهما عقل. وشعرت أخيرًا أني بدأت أدخل في معنى صلاة الرسول لأجل أهل أفسس: أن ندرك مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو، ونعرف — ولو معرفة خافتة — المحبة الفائقة المعرفة.
إن محبة كهذه تفوق المعرفة حقًّا؛ إذ لا يمكن أن تنبع إلا من قلب إله منكر لذاته كل الإنكار. وقد وقفت في رهبة أمام عرضها وطولها وعمقها وعلوها، وظللت أتعجب — بلا انتهاء — كيف أمكنني يومًا أن أتصور محبة إلهية لها حدود.
ولمدة طويلة كان الفرح بهذا كله من العجب بحيث ظننت أنه لم يبق شيء آخر يكتشف عن الله — وأني قد بلغت الإعلان الأخير.
ولكن كان ينتظرني كشف آخر، وكانت الحقبة الرابعة من حياة نفسي — وهي أشد فصولها فتنة حتى الآن — على وشك أن تبدأ.