فصل 15 · قراءة 9 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
بحثي
كانت يقظتي قد جاءت هذه المرة بجدّ. كنت يومئذ في نحو السادسة عشرة والنصف من عمري، ومنذ ذلك الحين فصاعدًا صارت نفسي تتعطش إلى أن أجعل نفسي أهلًا للمصير المجيد الذي شعرت أني لمحت منه لمحة. وأعمق من هذا كله كان الشوق إلى التعرف بالله الذي خلق تلك العجائب التي تفوق الخيال والتي كنت أقرأ عنها. ولا أذكر أني شعرت بضيق خاص من أجل خطاياي؛ فالذي كان قد أسرني هو عظمة الله. وشعرت أن أعظم شيء في الحياة هو أن أصل إلى معرفته. وهكذا، في تلك الساعة وذلك المكان، بدأ بحثي. ولكن وا أسفاه — كم كان بحثًا أعمى جاهلًا في أوله.
لم يكن لي من كاتمة سر سوى صديقتي آنا. فما كنت لأقول لوالديّ شيئًا في هذا الموضوع ولو ملكت الدنيا كلها؛ إذ إن عادات التحفظ الكويكرية عندهما في كل ما يمس أمور الدين جعلت ذلك يبدو مستحيلًا. أما صديقتي، فبعد يوم اليقظة ذاك سكبت أمامها قلبي في رسالة طويلة مفعمة بالتطلعات والأشواق. وفي يومياتي نسخة من ردها، مع هذه التعليقات: «كتبت إليّ آنا رقعة صغيرة ردًّا على رسالتي، وما تلقيت قط رسالة هزّتني في أعماقي كتلك! لقد توسلت إليّ أن أسلّم كل شيء لمخلّصي، وأن أصلي طالبة القوة، وأن أجدّ في السعي وراء القداسة مهما كلفني ذلك. ‹آه يا هانا الغالية›، قالت، ‹فلنحاول. لنسعَ إلى أن نرتحل معًا نحو ملكوته المجيد! ولنجاهد في طلب نصيب من روحه.›
«آه لو استطعت أن أتبع نصيحتها! جلست هنا وحدي في غرفة مكتبي وحاولت أن أشعر كأني أستطيع أن أسلّم كل شيء، فلم أستطع. بل لم أستطع حتى أن أشعر بالتوبة عن خطاياي الكثيرة الكثيرة التي ارتكبتها، والأسوأ من ذلك كله أني لم أستطع أن أشعر أني أحب الله حقًّا. إنه لأمر مريع.
ماذا أفعل؟ لا بد أن أتوب؛ لا بد أن أحب أبي السماوي، وإلا هلكت هلاكًا أبديًّا.
لكني لا أستطيع ذلك من تلقاء نفسي. الله وحده يقدر أن يعينني، وأنا لا أعرف كيف أصلي. آه، ماذا أفعل؟ وإلى أين أذهب؟ لقد قيل: ‹اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا›. لكني لا أستطيع أن أصير بارّة حقًّا حتى أتوب، وأنا لا أستطيع أن أتوب.»
ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، صارت يومياتي الدينية سجلًّا طويلًا واحدًا من المصارعات والآلام، لا يكاد يخترقه شعاع نور. وقد بذلت صديقتي وسعها لتعينني، لكنها كانت مثلي تظن أن السبيل الوحيد إلى وجود الله هو البحث عنه في الداخل. فقد علّمنا تعليمنا الكويكري أن نلتفت دائمًا إلى «النور الداخلي» طلبًا للتعليم والإرشاد، وكنا نعتقد أننا لا نستطيع أن نتعرف بالله حقًّا إلا حين يعلن ذاته هناك. وفي كراسة كويكرية قديمة بين أوراقي عنوانها «ماذا نفعل لكي نخلص؟» فقرة تعرض بوضوح ذلك الضرب من التعليم الذي نشأنا عليه، ونصها: «لا أستطيع أن أرشد الباحث عن الحق، الذي يسأل في كآبة ماذا يفعل لكي يخلص، إلى خدمة أي إنسان؛ بل بالأحرى أوصيه بالتعليم المباشر الذي للكلمة القريبة في القلب، أي روح الله. فهذا هو المعلم الوحيد المعصوم من الخطأ، والقاعدة الأولى الوافية للإيمان والممارسة، وهو يقود الذين يصغون إلى ما يمليه في سبل السلامة والحق المطمئنة. ‹لا حاجة بكم›، قال الرسول للكنيسة قديمًا، ‹إلى أن يعلمكم أحد، إلا كما تعلمكم هذه المسحة، وهي حق وليست كذبًا.›»
وكانت النتيجة الطبيعية لهذا التعليم أن تتجه عقولنا إلى الداخل، إلى مشاعرنا وانفعالاتنا، وأن نحكم على علاقتنا بالله حكمًا كاملًا بما نجده في أنفسنا.
كان ما قاله الله في الكتاب المقدس يبدو لنا أقل سلطانًا بكثير مما قد يقوله لنا في قلوبنا. ولا أذكر أني لجأت قط، ولو للحظة واحدة، إلى الأسفار المقدسة طلبًا للتعليم. فقد كان «الصوت الداخلي» هو المزمع أن يكون معلمنا الوحيد — وكان الصوت الداخلي عندي في ذلك الوقت لا يعني سوى مشاعري وانفعالاتي. ولما لم يكن هناك على الإطلاق ما هو أقل موثوقية وأعصى على الضبط من مشاعر الإنسان الداخلية، فلا عجب أني غرقت في صراع يائس.
وعبثًا حاولت أن أستثير في نفسي ما ظننته مشاعر مقبولة عند الله. ولم يخطر ببالي قط أي تصور للخلاص بطريقة أخرى. كنت أتحدث عن «مخلّصي»، كما كنت أسميه، لكني لم أتخيل لحظة أنه يستطيع — أو يشاء — أن يخلّصني ما لم أجعل نفسي مستحقة للخلاص. ولما كان هذا الاستحقاق يتألف في معظمه، كما اعتقدت، من انفعالات تقوية داخلية، لم أفكر إلا في محاولة إرغام هذه الانفعالات على الوجود بطريقة ما. وكل من جرّب هذا يومًا يعرف أي عمل مضنٍ يائس هو. وسجلات يوميات حياتي الدينية من سن السادسة عشرة فصاعدًا صورة محزنة لطرائق التدين الزائفة التي كانت كل ما أعرف. وإذ أقرؤها الآن لا أملك إلا أن أرثي لتلك النفس المتلهفة الجائعة التي كانت تمد يدها عبثًا وراء النور فلا تجد إلا البلبلة والظلام.
على أن شيئًا واحدًا يعزيني في هذا الاسترجاع: وهو أن هذه الصراعات الدينية لا يبدو، على قدر ما أذكر، أن شيئًا منها عتّم سماء سعادتي الظاهرة. فقد كانت أوقات عنايتي بحياتي الدينية في اجتماعاتنا الكويكرية، أو حين أكون وحدي في غرفة مكتبي عند الغسق، أو في الليل بعد أن يأوي الجميع إلى فراشهم — وفي تلك الأوقات كُتبت كل السجلات المأساوية في يومياتي. أما في النهار فكنت عمومًا أسعد وأشغل بالاهتمامات الخارجية من أن يقلقني ما جرى في ساعاتي الدينية. وأشعر أن هذا كان سببًا عظيمًا للشكر؛ إذ لو امتدت الصراعات التي كابدتها في اجتماعاتنا الصامتة أو في ساعات تأملي إلى النهار أيضًا، فلا أحب أن أتخيل ماذا كانت تكون العواقب.
وأعتقد أن يومياتي كانت صمام الأمان عندي؛ فإني أذكر جيدًا أني بعد أن أكتب فيها أشد المدونات مأساوية ويأسًا، كنت أشعر على نحو ما بأن تمريناتي الدينية قد انتهت، فأمضي إلى فراشي سعيدة تمامًا، وأنام نوم الأبرار دون لحظة أرق من قلق أو هم، وأستيقظ في الصباح التالي ممتلئة بأفراح يوم جديد، وقد نسيت كل البؤس الذي سجلته بذلك اليأس كله في الليلة السابقة. وأذكر أن هذا الانتقال اليسير كان يدهشني أحيانًا، وأجد في يومياتي من هذه الفترة ما يلي: «لا أستطيع أن أفهم مشاعري. جوع وعطش إلى البر كهذا، ومع ذلك، فيما عدا لحظات قليلة من الخلوة (حين أكتب في يومياتي)، خفة ومرح ولا مبالاة كهذه. يكاد الضحك يبدو خطأ، ومع ذلك أستسلم له باستمرار… لست أدري كيف يمكن أن ينظر الله إليّ ولو بشفقة؛ فأنا في غاية الشر. كم من مرة دخلت في عهد أن أخدمه خدمة كلية كاملة بحرارة الروح؛ ولكن حين يخبو أثر ساعات خلوتي وتهاجمني تجارب العالم، كنت أستسلم وأنسى دعوتي السامية المقدسة خوفًا من ضحكة العالم المرهوبة وحبًّا للخطية. آه لو استطعت غير ذلك! إن رحمة الله ستنفد يومًا ما — وأين أكون أنا حينئذ؟ لا أجرؤ على التفكير.»
وأستطيع الآن أن أرى، كما قلت، أن نجاتي من ضرب من التدين مريض زائف كل الزيف إنما كانت في أن مزاجي السعيد المرح بطبعه ظل ينتشلني على الدوام من أشراكه — وإن كان هذا قد بدا لي شريرًا في حينه. وستكشف مقتطفات أخرى قليلة من يومياتي كم كانت كل أفكاري عن الدين مريضة زائفة في تلك الفترة.
اليوميات: «آه، إنه لفكر محزن أن يكون خلاص نفسي متوقفًا عليّ أنا، ومع ذلك لا أستطيع أن أفعل شيئًا البتة! أينما التفتّ يبدو كل شيء مظلمًا كئيبًا. آه، لا بد أن أجدد جهودي… آه لو استطعت أن أتوب! لكني لا أستطيع. أعلم أن هذا خطأ؛ وأنا أرهب غضب الله؛ لكني لا أستطيع أن أشعر بما أعرف أنه التوبة الحقيقية. آه لو استطعت! أكاد أتمنى لو كنت غير مبالية كما كنت من قبل — لو استطعت أن أنسى كل ما شعرت به — لأنه يبدو مستحيلًا أن أصير مسيحية يومًا… «بعد ظهر هذا اليوم في الاجتماع، أُنعم عليّ بأن أشعر، أكثر ربما من أي وقت مضى، بروح التضرع. وكانت مجاهدتي عظيمة حتى إني لم أكد أستطيع الجلوس ساكنة. كان رأسي يخفق بألم، وشعر قلبي كأنه سينكسر من شدة الكرب. آه، ما أفظع أن أشعر أن ليس لي قوة من نفسي حتى على أن أفكر فكرًا واحدًا مقدسًا، ومع ذلك لا بد لي من نيل خلاص نفسي! لا أستطيع أن أتوب؛ ولا أستطيع أن أحب مخلّصي؛ ولا أظن أني سأستطيع يومًا. ماذا — ماذا أفعل؟»
وبعد ثلاثة أشهر من يقظتي كتبت: اليوميات: «لقد مضى أكثر من ثلاثة أشهر منذ بدأت بجدّ أطلب خلاص نفسي، وما تقدمت خطوة واحدة. ولو كنت رأيت حينذاك كل ما كان أمامي لاستسلمت يائسة. كنت سأظن أن من المستحيل أن أنتظر وأصلي وأجاهد ثلاثة أشهر — ثم لا أكسب شيئًا. والآن أتطلع إلى أشهر أخرى كثيرة كثيرة من الصلاة والجهاد والانتظار، مع خوف — يكاد يكون يقينًا — من أن كل ذلك أيضًا سيذهب سدى.
«لو كان الأمر مجرد عمل خارجي، منفصل كل الانفصال عن التغيير الداخلي اللازم — شيء يُعمل، لا شيء يُصلّى من أجله فحسب — قطع يد أو رجل، أو تقشف أفرضه على نفسي — لربما صرت حينئذ مسيحية، فمثل هذه الأشياء أستطيع أن أفعلها. أما التغيير الداخلي فلا أستطيع إحداثه، ومع ذلك فأنا مسؤولة إن لم يحدث. مسؤولة عن ترك ما لا أستطيع فعله! إنه لفكر مريع.
«أشعر كأني جالسة، مريضة منهكة، عند سفح قمة جبل شاهق لا سبيل إليه، وعليّ أن أبلغ ذروته — وحدي، وفي ظلمة الليل. آه، أيها الآب السماوي، أفلا تمكّنني من أن أكون أمينة، وأن أجدّ في السعي، وأن أصبر إلى المنتهى؟… «إني من الجهل وقلة الخبرة بحيث أكاد أخاف أن أفعل أي شيء. أشياء كثيرة كثيرة أتوق إلى السؤال عنها، ولكن من أسأل؟ لا أستطيع أن أكلم والديّ حتى أعلم يقينًا أني مقبولة؛ فأنا أحبهما حبًّا أعز من أن أسبب لهما لوعة رؤيتي أستسلم لليأس. وصديقتي العزيزة آنا تقول إنها ليست مسيحية، وإنها لا تجرؤ أن تنصحني أو تعزيني. وليس هناك أحد. وحدي يجب أن أحمل كل أثقالي! وحدي يجب أن أبحث عن مدخل الطريق الضيق المستقيم! وحدي يجب أن أتمم خلاص نفسي. وأنا من نفسي لا أستطيع شيئًا. آه، ماذا أفعل؟»
وكمثال على ضرب التعليم الذي كنت أتلقاه في ذلك الوقت، فإن المدونة التالية ذات قيمة: اليوميات: «ذهبت إلى اجتماع شارع تويلفث هذا الصباح، حيث أُنعم عليّ بلحظات قليلة من الصلاة الحقيقية. لكن إحباطي كان عظيمًا جدًّا حتى إني لم أكد أتمالك نفسي عن الصراخ طلبًا للعون؛ وفي يأسي توسلت إلى أبي الذي في السماء أن يضع، إن حسُن ذلك لديه، كلمات تشجيع قليلة في فم أحد خدامه.
«لقد استُجيبت صلاتي. فما هي إلا لحظات حتى قام صموئيل بتل وتكلم على نحو ينطبق عليّ انطباقًا عجيبًا، داعيًا البائسين والمساكين — وإن بدوا الآن في أعماق الضيق، سالكين في الظلمة ولا نور لهم، عطاشًا لا يجدون ماء — إلى أن يضعوا اتكالهم على الرب يسوع وينتظروا وقته بصبر؛ فيمتلئوا من نور روحه القدوس، وتجري منهم ينابيع ماء حي بسخاء.»
أما ما معنى أن يضع الإنسان اتكاله على يسوع، فلم يكن عندي عنه أدنى تصور، ولا أذكر أني أعرته لحظة تفكير. أما انتظار وقت الله بصبر فقد بدا شيئًا أستطيع فهمه، فعدت من الاجتماع في ذلك اليوم إلى البيت بإحساس منهك بانتظار لا نهاية له حتى يشرق نور الروح القدس في قلبي ويهبني الفرح والسلام المشتاق إليهما.
وهكذا مضى يوم بعد يوم في مراقبة يائسة لمشاعري وانفعالاتي التي لم أستطع قط أن أرفعها إلى درجة الحرارة المطلوبة؛ ولم يزدد قلقي وظلمة روحي إلا يأسًا على يأس.
ويكفي مقتطف أخير من يومياتي: اليوميات: «اليوم الأول من الشهر الثالث سنة 1849. حزينة جدًّا. الخوف من أن يكون هذا الشوق إلى الخلاص كله وهمًا يلازمني دائمًا، وكل شيء محجوب بالكآبة حجابًا تامًّا حتى إني لا أكاد أستطيع أن أخطو خطوة واحدة. ويبدو لي أني لا أستطيع احتمال هذه الحال طويلًا بعد. ولكن، آه يا أبي! لتكن مشيئتك لا مشيئتي.»