نكران الله لذاته ·الحقبة الأولى في حياتي الدينية (اليقظة)

فصل 14 · قراءة 6 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

الحقبة الأولى في حياتي الدينية (اليقظة)

في قصة حياتي الدينية تبرز أمامي أربع حقب واضحة. وقد بزغ فجر الأولى منها، كما سبق أن ذكرت، حين كنت في السادسة عشرة. فقد بدأت أشعر، على نحو خافت غامض، بأشواق مبهمة إلى شيء يشبع طبيعتي الداخلية. وفي يومياتي من خريف سنة 1848 أجد تسجيلًا لهذه الأشواق — امتدادًا أعمى نحو شيء يملأ ما كنت أسميه، بلغة الشباب المأساوية، «الفراغ الموجع في قلبي».

وفي غمرة هذا كله وقعت وقوعًا تامًّا في حب إحدى المعلمات الشابات في المدرسة التي كنت أرتادها، وقد غيّر تأثيرها حياتي. وسجلت في يومياتي كل خطوة من خطوات تعارفنا — توقي إلى أن أكلمها وأن أستجدي محبتها، وترددي خوفًا من أن أزعجها. وقد كتبت ما يلي: «سنة 1848. في السادسة عشرة من عمري. هذا وقت مهم بالنسبة إليّ. فالآن وقت تكوين شخصيتي. إنني أشعر بما لم أشعر به من قبل قط. فواجبات الحياة العظيمة المهيبة قد مثلت أمامي للمرة الأولى. لم أولد لأكون خاملة؛ لأنني أحس في داخلي بشيء يقول لي: إن للحياة معاني أشد إلهامًا من أخيلة صباك؛ ففيها آمال في علو السماء، وفيها كدّ، وفيها حق.

وفيها مظالم يمكن أن تُرفع، وأعمال نبيلة يمكن أن تُنجز.

فمعاركها العظيمة لم تُخض بعد، وانتصاراتها العظيمة لم تُحرز بعد.

شيء يشير إلى الأمام — إلى الأمام البعيد — نحو المستقبل، إلى ما وراء هذه الحياة، إلى عالم أكثر إشراقًا وسعادة، ويحدثني عن الجزاء المجيد الذي ينتظر الذين يتممون واجباتهم.

لم يمض على شعوري هذا وقت طويل. فمنذ ثلاثة أشهر كنت طفلة لاهية سعيدة. وما زلت طفلة، ولكنني طفلة جادة متأملة — لم أعد لاهية ولا لامبالية. وكيف لي أن أكون كذلك، وهناك كل هذا القدر — هذا القدر الكثير جدًّا — مما ينبغي التفكير فيه، وكل هذا القدر مما ينبغي عمله؟ فما الذي أحدث هذا التغيير؟

كان في قلبي فراغ موجع. كنت أحس بالحاجة إلى شيء ما — شيء لا أعرف ما هو — شيء يتعذر تحديده كان يجعلني أجلس ساهمة ساعات طوالًا أحدق في السماء، أرقب النجوم الشاحبة أو القمر، حتى يبدو كياني نفسه وقد امتزج بكيانها. وكنت أكاد أنسى أنني على الأرض بينما تهيم أفكاري في تلك الأقاليم التي لا دروب فيها والتي تتربع تلك الأجرام عليها، وأجاهد عبثًا لأنفذ إلى أسرار وجودها.

ظننت أن الدراسة ستملأ ذلك الفراغ، لكنني كنت مخطئة. وفي هذه الحال من النفس، في أوائل الشهر التاسع، غادرنا بيتنا الريفي الصغير الحبيب وعدنا إلى المدينة. ولو أنني قابلت في ذلك الوقت شخصًا أستطيع أن أحبه وكانت مبادئه فاسدة، فإنني أرتجف حين أفكر فيما كان يمكن أن يحدث، لأنني سريعة التأثر بمن أحبهم.

لكن أبي السماوي شاء أن يمد إليّ شيئًا من الرحمة. فأرسل في طريقي من وجدت فيها صديقة حقيقية. كانت فتاة شابة استخدمتها الآنسة ماريانا معلمةً للإنشاء، اسمها آنا س—. وكنت مهيأة لأن أحبها حتى قبل أن أراها، لأن شخصًا عزيزًا عليّ كان قد حدثني عن جمال شمائلها. وطوال أسبوعين بعد مجيئها الأول إلى المدرسة لا أظنني كلمتها إلا مرة واحدة؛ وذلك حين رأيتها تبحث عن كتاب فناولتها كتابًا وسألتها إن كان هو الكتاب المطلوب.

ظننت أننا لن نتعارف أبدًا. كنت أجلس أرقبها وأتمنى لو أجرؤ على أن أكلمها وأقبّلها، وهذا التوق نفسه جعلني خجولة خجلًا مؤلمًا. وكنت أراها تطوّق الفتيات الأخريات بذراعيها، فأشيح بوجهي حزينة إذ أفكر في أنها لا تصنع بي مثل ذلك. وأخيرًا، في يوم من الأيام — وكم أذكره جيدًا — كنت واقفة عند مكتبي حين أقبلت وكلمتني عن أ. س. ف. فما أعظم ما شعرت به من سعادة! وكم توقت إلى أن أطوّق عنقها بذراعيّ وأتوسل إليها أن تدعني أحبها! كان قلبي في اضطراب، غير أنني أجبتها بهدوء ومن غير انفعال، وسرعان ما تركتني. لكن الجليد كان قد كُسر. فصرنا نتكلم مرات أكثر، وذات صباح قبّلتني. لقد انطبعت تلك القبلة في قلبي. وشعرت أنها تحبني، وجلب لي هذا الخاطر السعادة.

منذ تلك اللحظة وأنا أحبها — بل أكاد أؤلهها. وقد امتلأ الفراغ الموجع في قلبي الآن بعض الامتلاء، لأنني أصغيت إلى أفكارها، ورأيت نبل أفعالها، وتعلمت أن «الحياة حقيقية، والحياة جادّة»، وأنها لا تُقضى في أحلام باطلة ولا تُبدد في ملاهٍ تافهة. لقد علمتني — لا بكلام صريح، بل في هدوء من خلال تأثيرها — أن لي رسالة أؤديها على الأرض، وأن عليّ أن أشرع في أدائها من فوري. فمن الآن فصاعدًا يجب أن أجاهد بجد لأصير نقية وقديسة ونبيلة القلب، حتى أكون عظيمة في العالم وأؤدي دوري بأمانة في معركة الحياة الكبرى. لقد أيقظني تأثيرها من حلم طفولتي. وفي شهر واحد قصير صرت امرأة. آه، كم كانت صداقتها بركة لي! وإني لأرجو — أرجو بجد — ألا أسيء استعمال هذا الامتياز.»

وبعد يوم أو يومين كتبت: «كل يوم أشعر بالامتنان لأبي السماوي لأنه أنعم عليّ بصديقة مثل آنا.

إن هذه فترة مهمة جدًّا من حياتي. وإني لأرتجف حين أفكر في المسؤولية الرهيبة الملقاة عليّ. فشخصيتي في طور التكوين، ولديّ القدرة على أن أصير ما أختار. آه، ليتني أختار أن أكون امرأة صالحة نبيلة! واليوم، إذ كنت أسير في الشارع وأفكر في ما قد يكون عليه مصيري المقبل، كاد ذلك يجعلني أنكمش. فقد يكون مقدّرًا لي عمل عظيم. إنني أحس في داخلي بشيء يقول لي إنني قادرة على إنجازه. وعلى أي حال، فسوف أفعل خيرًا كثيرًا أو شرًّا كثيرًا. وسأختار الأول.

آه يا أبي الذي في السماوات، أفلا تعينني على التقدم في طريق قهر الذات، الذي لا بد أن يكون معركتي الكبرى الأولى؟ ويا له من انتصار مجيد إن أنا نجحت!»

وبحسب يومياتي، بدا أن كل يوم صار يوقظ طبيعتي الروحية أكثر فأكثر، حتى بلغ الأمر أخيرًا ما يشبه الذروة. ففي الثامن والعشرين من الشهر الحادي عشر سنة 1848 كتبت: «يوم حافل! أعني حافلًا في حياتي الروحية. فقد شعرت اليوم وفكرت بما يكفي سنة كاملة. قرأت لنا صديقتي آنا في الصف كتابًا يسمى ‹عوالم أخرى›، وكذلك ‹الوجود الآتي› من كتاب ‹تلميذ المدرسة› لأبوت. وكان ذلك كله ممتعًا أشد الإمتاع، وكان له فيّ أثر يكاد يكون قاهرًا.

وبينما كنت أصغي إلى أخبار تلك العوالم الجبارة المنثورة في كل مكان حولنا — وبعضها من البعد بحيث إن أشعة النور التي تدخل عيوننا قد فارقت تلك النجوم قبل ستة آلاف سنة! — وبينما كنت أتأمل في أن هذه العوالم كلها تتحرك بانتظام، لا يعكر بعضها على بعض أبدًا، بل تخضع جميعها لخالق واحد قدير، كانت عظمة الفكرة طاغية عليّ. ولدقائق معدودة شعرت كأن مجرد سعادة الولادة في كون بهذا الاتساع الذي لا حد له، وبهذه الفخامة، وبهذا المجد، تكاد تكون أعظم من أن تُحتمل.

وإذ سمعت عن وجودنا الآتي، وعن السعادة المجيدة التي تفوق التصور المدخرة لنا، وعن النعيم الكامل المحفوظ للصالحين والقديسين، شكرت خالقي في داخلي لأنه جعلني بين كائنات توقعاتها بهذا القدر من البركة. ولكن جاءت بعد ذلك الفكرة الرهيبة الطاغية بأن أبدية النعيم الذي لا ينتهي هذه ليست إلا للصالحين — وجاء إدراكي أنه لا نصيب لي فيها ما لم يتغير قلبي. آه، لا أستطيع أن أصف شقاء تلك اللحظة! لقد كاد يفوق احتمالي. وهذه الأفكار ما زالت تلازمني. فلماذا يا ترى؟»

أما الانطباع الذي تركته في نفسي هذه اللمحة إلى عظمة الكون فلم يفارقني إلى هذا اليوم. ففي أعماق كل تساؤلاتي عن الله كان هناك دائمًا اقتناع بقدرته التي لا حد لها — قدرة لا يستطيع شيء قط أن يقف في وجهها. ولكنني ظللت زمنًا طويلًا، كما سيتبين، أفكر في هذه القدرة على أنها قدرة أنانية، لا تعمل في صفي بل ضدي. وكان سؤالي الوحيد سنوات كثيرة هو كيف أستميل إلى صفي ذلك الإله الذي يملك مثل هذه القدرة.

المحتويات

نكران الله لذاته Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 6 دقيقة متبقية في الفصل