نكران الله لذاته ·تحرّجات الكويكرز

فصل 13 · قراءة 5 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

تحرّجات الكويكرز

بدت «التحرّجات» الشخصية المتولدة من شهادات الكويكرز بلا نهاية، إذ كان كل فرد يفسرها بحسب إحساسه الخاص بالواجب. وكثيرًا ما ضاعف أصحاب الضمائر الشديدة الحساسية القيود حتى صارت الحياة نفسها عذابًا. وقد اعترفت لي صديقة مثقلة بضمير من هذا النوع، في مرحلة متأخرة من حياتها، بأن صباحاتها أيام كانت شابة كانت تكاد لا تُحتمل؛ فما كانت تكاد تلبس ثيابها من غير أن تحاصرها الشكوك حول كل قطعة من ملابسها. وأحيانًا لم يكن أمامها لإسكات الصوت الداخلي الذي يطالبها بتضحيات جديدة من سبيل سوى أن تحشو أذنيها بالقطن وتردد الشعر بأسرع ما يمكن، لتغرق بذلك تلك التحذيرات التي لا تكل.

وثمة يوميات قديمة دوّنتها جدتي الكبرى بين سنتي 1760 و1762 تقدم لمحة حية عن تحرجات أيامها. فقد كتبت بقناعة وقورة أن الضحك جنون، وأن المرح باطل، وأنها تتوق إلى أن تثبت في الجد حتى لا تبتسم بعد ذلك أبدًا. وفي موضع آخر رثت للأزياء الزاحفة بين الأصدقاء — الشبان يربطون شعورهم بالشرائط، والفتيات يزيّنّ أعناقهن بعصائب سوداء. كانت هذه في عينيها مشاهد محزنة، ودليلًا على أن الشيوخ قصّروا في واجبهم. وندبت الانغماس في التبغ والشاي والكاليكو، معلنة أنها جميعًا مفسدة بالدرجة نفسها، «سيئة سوء الزنوج» كما كتبت، جامعة العادات الدنيوية كلها في رجاسة واحدة. وتكشف كلماتها كيف كان كل جيل يجد نقاط ضمير جديدة، ولكن دائمًا بروح إنكار الذات نفسها.

وفي زمن أقرب إلى زمني، رفضت جدة أخرى أن تضع أسنانًا اصطناعية. فمع أنها كانت بلا أسنان وتجد مشقة في الأكل، شعرت في روحها بـ«مانع» (stop)، معتقدة أن تلك الأسنان زي باطل. فوُضعت جانبًا في درج إلى جوار أفخر شالاتها الحريرية، ولم تُلبس قط. وكنا نحن الأطفال نعجب بقداستها، حتى ونحن نراها تعاني مع الطعام. وإحدى صديقاتنا الواعظات، بعد أن فرشت سجادة جديدة، خشيت أن تكون قد استسلمت للكبرياء. ولكي تذلل نفسها أمرت بأن تُفرغ عليها عربات يدوية محملة بحجارة خشنة، فجردتها من نضارتها. وسمعنا نحن الأطفال الحكاية برهبة، وبدا لنا وعظها بعد ذلك كصوت ملاك.

وبعد سنوات واجهت محنتي الخاصة بسبب سجادة بروكسل جديدة منقوشة بأزهار رقيقة. فقد رتب زوجي أن يجتمع في تلك الغرفة بعينها كل يوم أحد عمال خشنون لحضور درس الكتاب المقدس. وكنت أمتعض من وطء أحذيتهم الثقيلة لسجادتي العزيزة، مع علمي أن ذلك الشعور لا يليق بي.

وبينما كنت أصلي في هذا الأمر، خطرت لي آية: «وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ». فتمسكت بها سلاحًا من أسلحة الروح، ومنذ تلك اللحظة صرت أرحب بأولئك الرجال على سجادتي. والعجيب أنها بدت كأنها لا تبلى، وبقيت إلى أن سئمت منظرها. ولا يسعني إلا أن أظن أن طريقتي كانت أفضل من الحجارة الخشنة التي لجأت إليها صديقتي العجوز العزيزة.

وبعد أن اكتشفت طريق الإيمان، قدمت لي صديقة طالما عانت من «تحرّجات» الكويكرز صورة بليغة لطرائق مختلفة في عيش الحياة المسيحية. قالت: «لقد لاحظت ثلاث طرق للوصول إلى الجانب الآخر من جبل روحي. فبعضهم يحفرون نفقًا عبر الجبل بعرق جبينهم — وهذه طريقة الكويكرز، وقد كانت طريقتي زمنًا طويلًا. وآخرون يهيمون حول سفح الجبل، متعرجين هنا وهناك، ولكنهم لأنهم يبقون وجوههم متجهة نحو الهدف يقتربون منه شيئًا فشيئًا. وتلك كانت طريقتي حين تعبت من حفر الأنفاق. أما الآن فأنت تقولين لي إن هناك طريقًا ثالثة — طريق الإيمان. تقولين إن بعض المسيحيين تعلموا أن يخفقوا بأجنحة الإيمان فيطيروا فوق الجبل رأسًا. ولا بد أن أعترف بأن الذين يسلكون طريقك يبدو أنهم يبلغون الجانب الآخر أسرع وأيسر كثيرًا من حافري الأنفاق أو الهائمين. وقد قررت أن أهجر حفر الأنفاق والتعرج، وأن أخفق أنا أيضًا بجناحي».

غير أن القديسين الأعزاء في طفولتي وشبابي لم يكونوا يعرفون كيف يطيرون. فقد قضوا حياتهم في أغلبها في حفر الأنفاق الدؤوب المضني. على أن أمانتهم وتضحيتهم بأنفسهم، وإن أخطأتا الوجهة أحيانًا، بدتا لي حينذاك — وما زالتا تبدوان لي الآن — جديرتين بكل إكرام. أما الانطباع الواحد الطاغي الذي انطبع في قلبي الصغير فكان ببساطة هذا: يجب أن أكون صالحة بأي حال من الأحوال. ومهما يكن ما نقص من تعليم الكويكرز، فلم ينقصه التشديد على الصلاح. فقد كانت ضرورة أن يكون المرء صالحًا صلاحًا تامًّا أمينًا أصيلًا في الهواء نفسه الذي كنا نتنفسه.

وكنت أحيانًا أتبرم بهذا الجو. فقد كانت طبيعتي المغامرة تتوق إلى فرصة لأكون شقية وأتحدى التوقعات، لكن حدود حياتي لم تكن تسمح إلا بأبرأ ضروب الشقاوة. وإذ أنظر إلى الوراء، لا يسعني إلا أن أعجب بذلك الدرع العجيب من الصلاح الذي أحاط بي، فحماني من تجارب كان يمكن لولاه أن تغري روحي الحرة.

فإن كانت قد وُلدت نفس حرة قط، فهي نفسي. وقد كانت صرخة قلبي دائمًا من أجل الحرية.

أما القواعد والأعراف التي تستعبد أو تقيد فقد كانت مقتي مدى الحياة. ولو أن والديّ وضعا قواعد كثيرة لتمردت. لكن جو الصلاح الشامل الذي عاشا فيه قيدني بقوة خفية غير واعية حتى إني لم أكد أدري أنني أُقاد. وكنت أشعر في غبطة كأنني أنال مرادي في كل حين تقريبًا.

لا يستطيع أحد لم يعش في ذلك الوسط أن يتصور ضيق نطاق الحياة التي عرفتها حتى الثامنة عشرة من عمري. فلم ألتق قط بأحد مما كان يسمى «العالم المبهرج». لم يكن رفقائي سوى الأصدقاء الرصينين في دائرتنا، وأولادهم المصونين بعناية. وكانت الروايات محظورة، ولم تكن لي فرصة لأعرف معنى الحياة خارج حظيرة الكويكرز التي كنا فيها. أما خطايا العالم فلم يكن عندي عنها أدنى فكرة. وحتى في المدرسة، إن أُلمح إلى شيء منها، كنت من البراءة بحيث لا أفهم. ولا أظن أنه يمكن اليوم لفتاة في الثامنة عشرة أن تعيش في عالم من الجهل غير واقعي كهذا، أو أن تدخل مسؤوليات الحياة وهي على هذا القدر من انعدام الاستعداد.

كانت حياتي الداخلية حتى السادسة عشرة بسيطة. كنت أصدق القليل الذي يقال لي، ولا أشغل نفسي البتة بأسرار الكون. ولم تكن أفكاري الدينية سوى مخاوف عارضة من نار جهنم، تشتعل في أوقات الأوبئة أو الأخطار. وكيف جاءني هذا الخوف لا أذكر، فالكويكرز قلما تكلموا عن السماء أو الجحيم؛ إذ كان همهم حياة الله في النفس الآن، تاركين المستقبل للعناية الإلهية. ومع ذلك كان يستولي علي أحيانًا رعب مفاجئ، فأعقد عزائم كبيرة على أن «أكون صالحة»، وأحاول لبضع ساعات إصلاح عيوبي — ثم أرتد إلى عاداتي القديمة. ومع هذا فإن جو الصلاح المحيط بي كان يجعل مجرد التفكير في الإثم عسيرًا، فضلًا عن ارتكابه. وعلى الجملة، كنت صالحة بقدر ما يمكن أن يكون مخلوق مفعم بالحيوية والعافية صالحًا. لكنني حتى السادسة عشرة لم أكن سوى حيوان صالح؛ فطبيعتي الروحية لم تكن قد استيقظت بعد، ولم أكن قد أدركت نفسي إدراكًا واعيًا قط.

كان التغيير قريبًا، وإن كنت لا أعلم به. كانت نفسي تتحرك من سباتها، تجاهد كفراشة في شرنقتها لتتحرر من القيود التي تشدها. وكان بحثي الطويل عن الله على وشك أن يبدأ.

المحتويات

نكران الله لذاته Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 5 دقيقة متبقية في الفصل