فصل 12 · قراءة 7 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
شهادات الأصدقاء ضد القصص الخيالية والموسيقى والفن
وثمة نقطة أخرى أثارها هذا السؤال الثالث نفسه سبّبت لنا قدرًا غير قليل من العناء: وهي مسألة ما إذا كان الأصدقاء يحرصون على تربية أولادهم على «المواظبة على قراءة الأسفار المقدسة، وردعهم عن قراءة الكتب المهلكة». فقد كان أصدقاء تلك الأيام يعدّون كل قصة خيالية من أي نوع كانت قصةً «مهلكة». وكانت أمنا في هذه النقطة شديدة الصرامة، فلم يكن يُسمح لنا بقراءة شيء حتى من أبرأ قصص مدارس الأحد وأشدها انتقاءً بعناية. أما الروايات فكانت الكلمة نفسها تُعدّ شريرة، وإلى يومنا هذا لا أستعمل هذه الكلمة من دون إحساس عابر غريزي بالخروج على الناموس، كأنني أفعل عن عمد شيئًا خاطئًا.
ولما كبرنا أخذ الخط يُرخى بطبيعة الحال شيئًا فشيئًا، وحين بلغنا من العمر ما يسمح لنا بأن نأخذ بأيدينا شيئًا أكثر من تدبير حياتنا، كنا أحيانًا نختلس لذة يشوبها الوجل من كتاب قصص نستعيره من إحدى رفيقات المدرسة. ومن أشد ذكرياتي حيوية ذكرى مناسبة من هذا القبيل، زادها حيوية أنها كانت المرة الأولى التي تجرأت فيها على أن أتناول من الثمرة المحرمة جهارًا وبجسارة.
كان ذلك بعد ظهر أحد أيام «اليوم الأول»، في وقت لم يكن يبدو فيه أن شيئًا ذا بال يجري. وكنت قد استعرت كتابًا من إحدى زميلات مدرستي، وقد قالت لي إنه كتاب «بديع»، فأخذت الكتاب — ومعه طبق من التفاح وكعك الزنجبيل — وتمددت على سريري فوق الغطاء لأقرأ وآكل على مهل.
أما القصة التي قرأتها في ذلك اليوم، في تلك الظروف المبهجة، فقد بدا أنها بلغت بي أقرب ما اختبرته في حياتي من النعيم الكامل، وما زال ذلك اليوم باقيًا في ذاكرتي يومًا من أسعد أيام حياتي. كان الكتاب هو «ابنة الإيرل» لغريس أغيلار. وفي ذهني الفتي، ذهن فتاة كويكرية أمريكية، كان الإيرل شيئًا أشبه برئيس ملائكة منه برجل عادي، وكان أن تكون الفتاة ابنة إيرل أمرًا يكاد يوازي أن تكون ابنة للسماء. وإلى هذا اليوم — على الرغم من كل ما جلبته لي الحياة من تبدد الأوهام في شأن الإيرلات وبناتهم — يعود إليّ للحظة، كلما ذُكر أمامي الإيرلات أو الكونتيسات، ذلك الإحساس القديم بالعظمة الذي ملأ نفسي رهبة في ذلك العصر البعيد من «اليوم الأول».
ولكن مع أنني كنت أستمتع بهذه القصة وغيرها من القصص استمتاعًا شديدًا، فإن ذلك كان دائمًا مصحوبًا بضمير غير مستريح، وقد لزمتني خمسون سنة حتى أتخلص من الشعور بأن قراءة أي شيء خيالي خطيئة.
ويومياتي مليئة بما قاسيته من صراعات بسبب هذا الأمر، وحين أعيد قراءتها الآن لا أملك إلا أن أشعر بشفقة عميقة على تلك النفس الفتية الجائعة الجاهلة التي كان يعذبها ذلك النزوع الدائم إلى تحويل تسلية بريئة كل البراءة إلى جرم أخلاقي.
أما الذي جاءني بالخلاص أخيرًا فكان إدراكًا مفاجئًا أن ربنا نفسه كان يستعمل الأمثال على الدوام — وما الأمثال إلا قصص — ليوضح بها تعليمه ويرسّخه. فالقصص الخيالية إذن ليست في ذاتها، كما كنت أظن دائمًا، مرادفًا للخطيئة، بل قيمتها الأخلاقية متوقفة كل التوقف على نوعها، وكثيرًا ما يتبين أن القصص عون لا يقدَّر بثمن على الفضيلة.
غير أنني عرفت كثيرين من الأصدقاء ظلت وساوس الضمير في هذا الموضوع تعذبهم حتى شيخوخة متقدمة.
وكانت الموسيقى أمرًا آخر كانت لأصدقاء أيامي شهادة قوية جدًا ضده. وقد وجدت في أحد كتب النظام الصادرة في فيلادلفيا سنة 1873 الفقرة التالية في شأنها، وهي تعبّر عن نظرة الكويكرز تعبيرًا واضحًا: «إننا نحذّر جميع أعضائنا تحذيرًا متجددًا من الاستغراق في الموسيقى، أو اقتناء آلات موسيقية في بيوتهم، اعتقادًا منا بأن هذه الممارسة تنزع إلى ترويج ذهن خفيف باطل، وإلى إفساد الأهلية للجدية المتفكرة التي تليق بكائن مسؤول مسرع إلى حسابه الأخير… إن روح النظام ولغته يحظران على الأصدقاء استعمال الموسيقى من غير أي استثناء لمصلحة ما يسمى منها مقدسًا… وإن الأعضاء الذين يستغرقون في استعمال الموسيقى، أو تكون في بيوتهم آلات موسيقية، يُدخلون أنفسهم في نطاق انطباق هذا البند الثاني من النظام… وإن لم يُستردّوا بمزيد من الجهد، بحيث يدينون سوء سلوكهم بما يرضي الاجتماع، فينبغي للاجتماع أن يمضي إلى الشهادة بانقطاع وحدتنا معهم.»
وقد كان النظام يُراعى في هذا الباب مراعاة صارمة حتى إنني لا أذكر، في أيام صباي، فردًا واحدًا في دائرتنا المنتقاة كان يملك أي نوع من الآلات الموسيقية، وفي مقدمتها البيانو الذي كان يُعدّ غاية البهرجة ومنتهاها. وكنت كلما وجدت نفسي في غرفة فيها بيانو أحسست كأنني أطأ تخوم الجحيم نفسها.
وسنين كثيرة بعد أن صرت امرأة، ما كنت أسمع الموسيقى في أي مكان إلا وخالجني إحساس خفي، نصفه لذة، بأنني أذوق الثمرة المحرمة. حتى الغناء أو الصفير كان يُستقبل بعبوس. وأذكر مرة، حين كانت جماعة من الأصدقاء الشبان يقضون معًا عطلة صيف في نيوبورت، أن صديقًا شيخًا عزيزًا دعانا إلى غرفته وقال لنا في وقار إنه اغتم غمًّا شديدًا إذ سمع بعضنا يصفّر في الحديقة في اليوم السابق، وإنه يرجو ألا نعود أبدًا إلى مثل هذا التعدي على شهادات الأصدقاء.
وأما أن النظام في هذه المسألة لم يكن حبرًا على ورق، فيثبته أنني، حين كبرت وأخذت هذه الشهادة تفقد سلطانها على الأعضاء الأقل «همًّا»، عرفت حالات عدة جرى فيها التبرؤ من أصدقاء — كانوا في ما عدا ذلك مثالًا يُحتذى — لمجرد أن في بيوتهم بيانو.
وحتى في سنة 1865، حين أهدينا ابننا فرانك أرغنًا منزليًا صغيرًا (إذ لم نجرؤ على أن نهديه بيانو، لشعورنا بأن الأرغن على نحو ما «أبسط»)، اضطررنا إلى إخفائه في إحدى الغرف العليا من البيت مراعاة لمشاعر أقاربنا الكويكرز.
ولن أنسى أبدًا دهشتي حين أدركت أول مرة أن الآلات الموسيقية ليست مباحة في الكتاب المقدس فحسب، بل إننا مأمورون فعلًا باستعمالها. ففي أحد الأيام، وأنا أقرأ المزامير، لم أكد أصدق عينيّ حين بلغت المزمور 150: «هَلِّلُويَا. سَبِّحُوهُ بِصَوْتِ ٱلصُّورِ. سَبِّحُوهُ بِرَبَابٍ وَعُودٍ. سَبِّحُوهُ بِدُفٍّ وَرَقْصٍ. سَبِّحُوهُ بِأَوْتَارٍ وَمِزْمَارٍ.» ولم أسمع قط صديقًا يشرح كيف سوّغوا لأنفسهم تجاهل هذا الأمر.
وكانت «البساطة» في أيامي تستبعد الصور أيضًا في كل مكان إلا في الكتب. فما كان كويكري محترم يعلّق الصور على الجدران، ولا كانوا يجدون في أنفسهم حرية لالتقاط صورة لهم. وحتى صور الداغيروتيب، حين ظهرت أول ما ظهرت، عدّها جميع الأصدقاء «القويمين» حقًا صورًا «مبهرجة». وأحسب أن الفكرة كانت أن اقتناء المرء صورته قد يشجع على الغرور. ولسبب ما غامض، كان يُنظر إلى الصور والتماثيل على أنها خطرة روحيًا — تجارب تجر إلى عبادة الأوثان. وقد نشأت وأنا أومن إيمانًا راسخًا بأن من الشر زيارة معرض للفنون أو النظر إلى تمثال.
وإني لأذكر بوضوح كيف انفلتّ، وأنا في نحو السابعة عشرة، من كل تقاليد نشأتي، ودخلت — وقلبي يخفق كأنني مقدمة على مغامرة آثمة محفوفة بالخطر — أكاديمية الفنون الجميلة في فيلادلفيا. كانت هناك مجموعة رخامية منحوتة تمثل هيرو ولياندر، ولم يكن لياندر موفور الكساء. وما زلت أرى نفسي واقفة أمامها، وقلبي في حلقي، أقول في داخلي: «أظن أنني سأذهب إلى الجحيم رأسًا جزاء هذا، لكنني لا أملك لنفسي دفعًا. إن كان لا بد لي من الذهاب فليكن — ولكنني سأنظر إلى هذا التمثال.» ولا تستطيع الكلمات أن تعبّر عن مقدار ما أحسست به من أنني خاطئة جريئة. وأذكر دهشتي بجلاء حين وجدت نفسي بعد ذلك واقفة سالمة في شارع برود، لم يمسسني أذى، ومن غير أن تنزل بي الدينونة السريعة من خالق أُهين.
وما زلت أرى تلك المجموعة الرخامية ماثلة أمامي بجلاء، بجلاء أشد كثيرًا من أي منحوتة رأيتها منذ ذلك الحين.
ومع أنني أشك في أنها كانت لتُعدّ اليوم فنًا عظيمًا، فقد ظلت حية في ذاكرتي بوصفها ذروة الفن كله، لأنها كانت علامة انعتاقي إلى عالم مجهول عندي كل الجهل. لم يصبني شيء مروّع، وأخذت أكتسب شيئًا فشيئًا جرأة على المزيد، إلى أن تعلمت أن موهبة الفن عطية إلهية حقًا شأنها شأن موهبة الرياضيات، ومن ثم لا يمكن أن يكون في تنميتها خطأ. وشيئًا فشيئًا تعلم الأصدقاء أيضًا هذا؛ فقد تلاشت الوساوس القديمة ضد الفن والموسيقى تلاشيًا يكاد يكون تامًا.
وكانت هناك شهادة أخرى تندرج في شبابي تحت «بساطة اللباس»، هي الشهادة ضد اللحى.
فحين تبلورت عادات الأصدقاء أول الأمر، كانت الوجوه الحليقة هي الزي السائد في كل مكان. وبناء على ذلك، وجريًا على مبدأ عدم اتباع أزياء العالم المتقلبة، لما شاعت اللحى تمسك الكويكرز بالوجه الحليق. وكلما ازدادت موضة اللحى إلحاحًا ازدادت مقاومة الكويكرز صلابة، حتى صارت هذه المقاومة — شيئًا فشيئًا، ومن غير أي سبب حقيقي سمعت به قط — «شهادة دينية». وحين وُلدت كانت من أشد الشهادات صرامة.
وإني لأذكر بجلاء أول مرة رأيت فيها «واعظًا» ملتحيًا. كان صديقًا زائرًا قادمًا من إنكلترا، حيث كانوا أقل تشددًا. ومع عظيم توقيري للأصدقاء الإنكليز، بدت لي لحيته علامة للشرير واضحة كل الوضوح، حتى حسبت الإصغاء إلى وعظه أمرًا يكاد يكون خطيئة. وفي عدة اجتماعات «متشددة» رُفض السماح له بالصعود إلى المنصة بسبب لحيته، وأذكر جيدًا الهم الجسيم الذي أبداه شيوخ فيلادلفيا إزاء هذا الدليل المحزن على «الزحف المتدرج لروح عالمية في اجتماع لندن السنوي».
وهذه الشهادة ضد اللحى يشارك فيها، في ما أعتقد — وإن يكن لأسباب مختلفة على الأرجح — الكهنة الكاثوليك الرومان ورجال الدين ذوو النزعة الكنسية العالية في كنيسة إنكلترا. لكن الأصدقاء هجروها منذ زمن طويل، مع كثير غيرها من الشهادات المتشددة التي عرفتها في طفولتي. وهم ما زالوا يمارسون الاعتدال في اللباس والكلام، وفي تأثيث بيوتهم وتنظيم حياتهم؛ لكنهم تخلوا في معظمهم عن كل فكرة تقول إن قصّة خاصة من الثياب أو كبت المواهب الطبيعية في الأدب أو الفن أو الموسيقى أمر لازم لنيل الحظوة الإلهية.
ومع ذلك لا يملك المرء إلا أن يُعجب بذلك التمسك الصلب بما كانوا يؤمنون إيمانًا صادقًا بأنه واجب ديني — وإن بدا لنا الآن أنهم كانوا فيه مخطئين — وهو التمسك الذي تميز به أولئك القديسون الشيوخ الأعزاء.