نكران الله لذاته ·البساطة في الكلام

فصل 11 · قراءة 6 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

البساطة في الكلام

كانت «البساطة في الكلام» المشار إليها في السؤال الثالث تعني في المقام الأول مخاطبة الشخص الواحد بصيغة المفرد «أنتَ» (thee وthou) بدلًا من صيغة الجمع (you) المتعارف عليها. وكانت هذه الشهادة، إلى جانب شهادة اللباس البسيط، من أبرز العلامات التي ميزتنا شعبًا خاصًّا. فأن تقول (you) لشخص واحد — سواء أكان من الأصدقاء أم من الغرباء — كان يُعدّ منتهى التشبه بالعالم وعدم الصدق. ولم أجرؤ قط، حتى تزوجت، على مخالفة هذه القاعدة ولو مرة واحدة.

وبطبيعة الحال جعل ذلك اختلاطنا بالعالم الخارجي أمرًا عسيرًا بعض الشيء، إذ كانت طريقتنا الغريبة في الكلام تثير لا محالة نظرات الفضول أو الضحك المكتوم.

أما جذور هذه الشهادة فكانت في الصدق المطلق الذي تحلى به الأصدقاء الأوائل؛ فقد رأوا أن من الكذب استعمال ضمير الجمع في مخاطبة فرد واحد. ثم إن العادة كانت جارية في أيامهم على مخاطبة الرفيع بصيغة (you)، مع الاحتفاظ بـ(thee) و(thou) لمن هم أدنى منزلة. لكن الأصدقاء، الذين آمنوا بأن الناس جميعًا متساوون أمام الله — وآمنوا بذلك إيمانًا عمليًّا حقًّا — لم يطيقوا مثل هذه التفرقة، فخاطبوا الجميع على نحو واحد.

كان أولئك الأصدقاء الأوائل ديمقراطيين في كل ذرة من كيانهم، لا عن نظرية سياسية، بل عن اقتناعهم الراسخ بأن الله صنع من دم واحد كل أمم الأرض، وأن الجميع أبناؤه على قدم المساواة. وكان ذلك أساسًا نبيلًا يقيمون عليه بناءهم الأخلاقي، وهو يعين على تفسير كثير من الممارسات التي قد تبدو لولاه غريبة بل حمقاء.

يروي توماس إلوود في سيرته الذاتية ما شعر بأنه مدعو إلى التخلي عنه من أمور شتى بعد اقتناعه بمبادئ الكويكرز. فعن الكلام البسيط كتب أن استعمال (you) في مخاطبة شخص واحد «صيغة كلام فاسدة غير سليمة»، تبنّاها الناس في «أزمنة متأخرة فاسدة» وسيلةً للتملق لغرور أهل العالم. ولما كان الله قد خاطب البشر دائمًا بـ(thou)، وخاطب البشر اللهَ دائمًا بـ(thou)، رأى إلوود أن اتباع هذا المثال واجب أخلاقي. وتحت إشراق ما سماه «شعاعًا نقيًّا من النور الإلهي» شعر بأنه مطالب بهجر كثير من أمثال هذه «العادات الشريرة» التي نبتت في ليل الظلام الروحي الطويل.

وكانت هذه الشهادة من الإلحاح في طفولتي حتى إن قول (you) لشخص واحد كان سيبدو تشبهًا بالعالم صادمًا، يكاد يكون «مبهرجًا» (gay) كلبس الحرير أو القرمز. وحتى بعد أن كبرت وازددت اختلاطًا بالعالم، ولقيت مسيحيين صالحين غيورين يستعملون الكلمة المحظورة دون أدنى حرج، ظل تطويع شفتيّ الكويكريتين للنطق بها يكلفني جهدًا عظيمًا. ثم تلاشت الصعوبة شيئًا فشيئًا. والآن، بعد أكثر من سبعين سنة، صارت (thee) و(thou) عندي ببساطة لغة المودة الحميمة، تنسابان من فمي عفوًا كلما وجد أحدهم طريقه حقًّا إلى قلبي. وكثيرًا ما أحكم على مشاعري نحو شخص بهذا الاختبار: فإذا سمعت نفسي أقول له (thee) علمت أني بدأت أحبه. وكثير من أصدقائي — وبعضهم لا صلة له البتة بالكويكرز — أخذوا عني هذه العادة، فصاروا يستعملون تينك الكلمتين العزيزتين القديمتين في عشرتنا الخاصة. وكانت صديقتي الحبيبة فرانسيس ويلارد واحدة من هؤلاء؛ فقد ظللنا سنين كثيرة نتخاطب بـ(thee) و(thou).

أما الكاتب الذي اقتبستُ منه آنفًا، في كتابه «ديانة صبي» (A Boy's Religion)، فيصف ما كان يشعر به وهو طفل حيال الكلام البسيط.

«كنت أقول ‹thee› و‹thy› للناس جميعًا»، كتب يقول، «وكنت أعدّ قول ‹you› أو ‹yours› لأي إنسان كالنطق بكلام التجديف سواء بسواء. وكنت أظن أن الأصدقاء وحدهم يدخلون السماء، فحسبت أن استعمال ‹thee› و‹thy› من أهم شروط القبول هناك. لم يقل لي أحد قط شيئًا كهذا، ولو أني سألت لصُحِّح لي ظني — لكن ذلك ظل سنين طويلة اعتقادي الراسخ».

ثم يمضي فيصف إشفاقه على جيرانه الذين لن «يُسمح لهم بالدخول» قط — كما كان يتصور — وتعجبه: لِمَ لا ينضمون ببساطة إلى الاجتماع فيتعلمون الكلام كما ينبغي؟ بل إنه علّم صديقًا صغيرًا «أمميًّا» الكلامَ البسيط، فظل الصبي يستعمله معه بأمانة إلى أن «اشتد عليه الثقل» — كما عبّر — من ضغط العالم الخارجي، وذلك نحو الثانية عشرة من عمره.

وكانت هناك شهادة أخرى متصلة بالبساطة في الكلام، هي تحريم مناداة أي إنسان بلقب (Mr.) أو (Mrs.) أو (Miss)؛ إذ كان يُعتقد أن هذه الألقاب تخالف روح كلمات المسيح: «وَلَا تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لِأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ ٱلْمَسِيحُ». فما كان صديق صادق ليمنح لقبًا لرجل غني ويحجبه عن رجل فقير؛ ولذلك كانت الأسماء الأولى تُستعمل للجميع — توماس، صموئيل، أبيغيل، إليزابيث، وهلم جرًّا. (لم يكن عندنا في تلك الأيام من يُدعى ريجينالد أو برتراند أو إيثيل أو إيفلين!)

وحيث اقتضت السنُّ مزيدًا من الاحترام، كان يُنتظر من الصغار أن يستعملوا الاسم الكامل — توماس ويستار، أبيغيل إيفانز، صموئيل بتل، إليزابيث بيتفيلد. وقد أوقعتنا هذه الممارسة في مصاعب لا تنتهي عند التعامل مع «أهل العالم»، وجرّت علينا كثيرًا من المآزق المحرجة.

وكان أبونا العزيز شديد التدقيق في هذا الأمر، فما كان يُقنَع قط — مهما بلغ الحرج — باستعمال اللقبين «المبهرجين» (Mr.) و(Mrs.). وإني لأذكر جيدًا ما كان يبعثه فينا، بعدما كبرنا، من تسلية ونحن نراقب حيله البارعة في الإفلات من المأزق كلما جهل الاسم الأول لأحدهم. فقد اخترع بديلًا من (Mr.) و(Mrs.) كلمةً من عنده هي «كوميشيلاموس» (Cummishilamus)، فكان يقول مثلًا: «كوميشيلاموس كولمان قال…» أو «كوميشيلاموس كولمان فعل…». أما إذا كان عليه أن يكتب عنوانًا على رسالة، فلم يكن يستطيع بالطبع أن يكتب كلمة كهذه، فيلتفت عندئذ إلى واحدة منا، وفي عينيه العزيزتين بريق مرح، ويقول: «تعالي يا هان، أنتِ لا تجدين في ذلك حرجًا — لكِ أن تكتبي (Mr.) أو (Mrs.) على هذه الرسالة».

كذلك كانت البساطة في الكلام تحرّم علينا أن نحيي أصدقاءنا بقول «صباح الخير» (good morning) أو «مساء الخير» (good evening)، أو أن نقول «وداعًا» (good-bye) عند فراقهم. فقد كان يُعتقد أن (good-bye) تحريف لعبارة «ليكن الله معك» (God be with you)، ولما كان الله معك دائمًا، بدا التلفظ بهذه الأمنية ضربًا من عدم الإيمان. أما قول «صباح الخير» أو «مساء الخير» — وهو تمنٍّ بأن يكون صباحك أو مساؤك خيرًا — فكان ينطوي على الشك في حقيقة يعرفها كل صديق، هي أن صباحاتك وأمسياتك لا بد، في ترتيب العناية الإلهية، أن تكون خيرًا دائمًا.

وقد نشأت وفي نفسي شعور واضح بأن هذه العبارات مبهرجة عالمية جدًّا، وأن الطريق الصواب — أو «البسيط» كما كنا نقول — هو أن نحيي الأصدقاء بقول «كيف أنتَ؟» (How art thou?) أو «كيف حالكَ؟» (How does thee do?)، وأن نفارقهم بكلمة واحدة بسيطة: «الوداع» (Farewell).

أما لماذا عُدّت كلمة (Farewell) أصدق من (good-bye)، حتى لو كانت (good-bye) تعني حقًّا «ليكن الله معك»، فذلك ما لم أستطع فهمه قط.

وفي اتساق تام مع مثال الكويكرز الأعلى في المساواة المطلقة بين البشر جميعًا في نظر الله، كانت البساطة في الكلام تحرّم علينا أيضًا إطلاق لقب «قديس» (Saint) على أي مسيحي راحل.

فلم يكن يُسمح لنا باستعماله قط، ولا حتى سابقةً قبل الاسم. فلم نكن نقول مثلًا عن الأناجيل «الإنجيل بحسب القديس متى» أو «القديس مرقس»، بل دائمًا «الإنجيل بحسب متى» أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.

ورأيت منذ عهد قريب، في يوميات قديمة من القرن السابع عشر، خبرًا عن صديقة شديدة يقظة الضمير شعرت بـ«مانع» (stop) داخلي حتى من استعمال لفظة «قديس» سابقةً في أسماء الأماكن. وقد لقيت مرة عناء شديدًا في الاهتداء إلى شارع سانت ماري آكس (St. Mary Axe)؛ لأنها أسقطت لفظة «سانت» وسألت فقط عن «شارع ماري آكس»، فلم يفهم عنها أحد.

وشهادةً ضد عبادة الأوثان، كان محظورًا علينا كذلك أن نسمي شهور السنة أو أيام الأسبوع بأسمائها «الوثنية»؛ فعُلّمنا أن نتمسك بـ«بساطة الحق» مستعملين الأعداد: «الشهر الأول» و«الشهر الثاني»، أو «اليوم الأول» و«اليوم الثاني»، وهلم جرًّا. وكانت هذه العادة عامة في وسطي إلى حد أنه لم يخطر ببالي قط أن أستعمل الأسماء الوثنية.

وأذكر أني صُدمت صدمة شديدة حين جئت إلى إنجلترا سنة 1873 فاكتشفت أن الأصدقاء الإنجليز قد هجروا هذه الممارسة وعادوا إلى الأسماء «الوثنية» القديمة. وظللت حينًا لا أكاد أقنع نفسي بأنهم أصدقاء حقًّا. وحتى الآن، حين أؤرخ رسائلي بتلك الأسماء، ما زلت أشعر كأني أقوم بنزهة صغيرة محظورة في «العالم المبهرج».

المحتويات

نكران الله لذاته Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 6 دقيقة متبقية في الفصل