فصل 5 · قراءة 4 د
موسى، رجل الصلاة
كان قبل موسى تدبير الآباء، بما فيه من حياة العائلة، ومن السلطان الذي كان للآباء والذي كان يميّزه؛ أما موسى فهو أول إنسان أُقيم ليكون معلّمًا للناس وقائدًا لهم. وفيه نجد أمثلة عجيبة على موضع الشفاعة وقوّتها في خادم الله.
صلوات موسى: منذ دعوته الأولى في مصر أخذ موسى يصلّي. فقد سأل الله ماذا يقول للشعب (الخروج 3:11-13). وأخبره بكل ضعفاته وتوسّل إليه أن يُعفى من رسالته (4:1-13). ولما عيّره الشعب بأنّ أثقالهم قد زادت، مضى وأخبر الله بذلك (عدد 22)، وأعلن له كل مخاوفه (6:12). وكان هذا هو تدريبه الأول. ومن هذا وُلدت قوّته في الصلاة، حين كان فرعون يسأله مرة بعد مرة أن يتضرّع إلى الرب لأجله، فيأتي الخلاص عند طلب موسى (8:8، 9، 12، 28، 29، 30، 31؛ 9:28-29، 9:33؛ 10:17-18). فادرس هذه الفصول حتى تقع عليك كل الوقع صورةُ ما كانت الصلاة عليه من كونها عاملًا حقيقيًا في عمل موسى وفي فداء الله.
وعند البحر الأحمر صرخ موسى إلى الله مع الشعب، فجاء الجواب (14:15).
ولما عطش الشعب في البرية، ولما هاجمهم عماليق، كانت الصلاة أيضًا هي التي أتت بالخلاص (17: 4، 11).
وفي سيناء، لما صنع إسرائيل العجل الذهبي، كانت الصلاة هي التي ردّت للحال ذلك الهلاك الذي كان مهدَّدًا به (32:11، 32:14). وكانت الصلاة المتجدّدة هي التي نالت لهم الردّ إلى حالهم الأولى (32:31). وكانت صلاة أخرى هي التي ضمنت أن يسير حضور الله معهم (33:17)، ثم كانت الصلاة مرة أخرى هي التي أتت بإعلان مجد الله (33:19). ولما أُعطي ذلك، كانت صلاة جديدة هي التي نالت تجديد العهد (34:9-10). وفي سفر التثنية عندنا خلاصة عجيبة لهذا كله (9:18-20، 19:26)؛ فنرى بأيّة شدّة كان يصلّي، وكيف أنه في إحدى المرات سقط على وجهه أمام الرب أربعين نهارًا وأربعين ليلة (9:25، 10:10).
وفي سفر العدد نقرأ عن صلاة موسى وهي تُطفئ نار الرب (11:2)، وتنال إعطاء اللحم (10:2، 11)؛ وعن صلاة تشفي مريم (12:13)؛ وعن تلك التي خلّصت الأمة حين أبَوا أن يصعدوا إلى الأرض (14:17-20). والصلاة هي التي أنزلت القضاء على قورح (16:15)، ولما كان الله مزمعًا أن يُفني الجماعة كلها، كانت الصلاة هي التي عملت الكفّارة (عدد 46). والصلاة هي التي أخرجت الماء من الصخرة (20:6)، وجوابًا للصلاة أُعطيت الحيّة النحاسية (21:7). وبالصلاة أُعلنت مشيئة الله في أمر عسير (27:5)، وأُعطي يشوع خلفًا لموسى (عدد 16).
فادرس هذا كله حتى يمتلئ قلبك كله بالفكر في النصيب الذي يجب أن تأخذه الصلاة، والذي يمكن أن تأخذه، في حياة إنسان يريد أن يكون خادمًا لله لأجل إخوته من البشر.
وكلما درسنا، توحّدت الأجزاء وصارت كلًّا حيًّا، وصار موسى لنا مثالًا حيًّا لحياة الصلاة عندنا. وسنتعلّم ما الذي يلزم لكي يكون الإنسان شفيعًا. والدروس التي ستأتينا ستكون من هذا القبيل: إني أرى أنّ موسى كان إنسانًا مبذولًا لله، غيورًا، بل غيورًا جدًا لله ولكرامته ولمشيئته.
وكان أيضًا إنسانًا مبذولًا لشعبه بذلًا مطلقًا، مستعدًّا أن يضحّي بنفسه هو إن كانوا هم يخلصون.
وكان إنسانًا واعيًا لدعوة إلهية أن يقوم مقام الوسيط، وأن يكون الرباط والقناة التي بها ينتقل الكلام والبركة بين إلهٍ في السماء وناسٍ على الأرض. حياةٌ مملوءة كل الامتلاء بهذا الوعي بالوساطة، حتى إنه ما من شيء أبسط ولا أطبع من أن يتوقّع أنّ الله سيسمع.
وإني أرى ههنا اللهَ، جوابًا لصلوات إنسان واحد، يخلّص ويبارك أولئك الذين ائتمنه عليهم، ويصنع ما لم يكن ليصنعه بغير تلك الصلاة. وإني أرى كيف أنّ حكومة الله كلها قد أدخلت الصلاة في خطّتها بوصفها جزءًا من أجزائها المكوّنة لها.
وإني أرى كيف أنّ السماء مملوءة بالحياة والقوة والبركة التي تحتاج إليها الأرض، وكيف أنّ صلاة الأرض هي القوة التي تُنزل تلك البركة.
وإني أرى قبل كل شيء كيف أنّ الصلاة هي مقياس الحياة الروحية، وكيف أنّ قوّتها تتوقّف على علاقتي أنا بالله، وعلى وعيي بأني ممثّل له. فهو يأتمنني على عمله، وكلما كان تكرّسي لمصالحه أبسط وأتمّ، صار اليقين بأنه يسمعني أطبع وأوثق.
ففكّر في الموضع الذي كان لله في حياة موسى: الإله الذي أرسله، والإله الذي كان مكرَّسًا له بكلّيته، والإله الذي وعد أن يكون معه، والذي كان يشاء أن يعينه ويعينه دائمًا حين كان يصلّي وكما كان يصلّي.
والآن إلى التطبيق العملي: كيف نتعلّم نحن أن نصلّي مثل موسى؟ إننا لا نقدر أن نضمن هذه النعمة بعمل من أعمال الإرادة. فيجب أن يكون درسنا الأول هو الشعور بالعجز. وحينئذ تعمل النعمة ذلك فينا، ببطء ولكن بيقين، إن نحن أسلمنا أنفسنا لتدريبها. ولكن، مع أنّ التدريب سيكون تدريجيًا، فثمّ أمر واحد يمكن أن يُعمل في الحال: إذ نقدر للحال أن نعزم على أن نبذل أنفسنا لهذه الحياة وأن نأخذ الموقف الصحيح. فافعل هذا الآن، واتّخذ القرار أن تحيا بكلّيتك لتكون قناةً تجري بها بركة الله من خلالك إلى العالم. اخطُ هذه الخطوة.
وإن لزم الأمر، فخذ عشر دقائق للتفكير المتأنّي. واقبل التعيين الإلهي، وخذ لك موضوعًا من مواضيع الشفاعة. وخذ وقتًا، وليكن أسبوعًا، وأمسك إمساكًا وثيقًا بتلك الحقائق الأوّلية التي يعلّمنا إياها مثال موسى. وكما يلحّ معلّم الموسيقى على تمرين السلالم — فما من شيء يبلغ الكمال إلا بالتمرين — هكذا هيّئ نفسك لتتعلّم تعلّمًا تامًّا تلك الدروس الأولى اللازمة، ولتطبّقها.