فصل 6 · قراءة 5 د
موسى، رجل الله
«وهذه هي البركة التي بارك بها موسى، رجل الله، بني إسرائيل قبل موته» التثنية 33:1. رجل الله! كم يعني هذا الاسم! إنه إنسان آتٍ من عند الله، مختار منه ومرسَل من لدنه. إنسان يسلك مع الله، ويحيا هو في شركته، ويحمل معه علامة حضرته. إنسان يحيا لله ولمشيئته؛ إنسان يتخلّل مجدُ الله كيانه كله ويحكمه؛ إنسان يقود الناس، من غير قصد منه وبلا انقطاع، إلى التفكير في الله. إنسان قد أخذ الله في قلبه وفي حياته ذلك الموضع الذي يحقّ له بوصفه الكل في الكل، وليس له هو إلا رغبة واحدة، وهي أن يكون لله ذلك الموضع عينه في العالم كله.
ورجال الله هؤلاء هم ما يحتاج إليه العالم؛ وهم عينهم ما يطلبه الله، لكي يملأهم هو من نفسه، ثم يرسلهم إلى العالم ليعينوا غيرهم على معرفته. وقد كان موسى متميّزًا حتى إنّ الناس تكلّموا عنه بالطبع هكذا: موسى، رجل الله! ومثل هذا الإنسان ينبغي لكل خادم من خدّام الله أن يقصد أن يكونه: شاهدًا حيًّا وبرهانًا حيًّا على ما هو الله له في السماء، وما هو له على الأرض، وما يطالب أن يكونه للجميع.
وقد تكلّمنا في فصل سابق عن الاتحاد بالله بوصفه ما خُلق الإنسان لأجله، وبوصفه امتياز الحياة اليومية، وبوصفه ما ينبغي أن يكون همّنا الأول في سهر الصباح. وكان ما قيل هناك يشير في الأكثر إلى حاجتنا الشخصية، وإلى قوّة الحياة التقيّة السعيدة في التأثير في الآخرين. أما هذا الاسم، موسى رجل الله، والفكر في إنسان مرتبط بالله ارتباطًا وثيقًا ظاهرًا حتى إنّ الناس أعطوه هذا بالغريزة صفةً رئيسية له — رجل الله — فإنه يمضي بنا إلى أبعد من ذلك.
فإنه يخرج بنا إلى الحياة العامة، ويوحي إلينا بفكرة ذلك الأثر الذي نتركه في الناس، وبتلك القوة التي تكون لنا في حمل علامة حضرة الله القدوس معنا، حتى إذا رآنا الناس أو فكّروا فينا، تبادر هذا الاسم إلى أذهانهم في الحال: رجل الله! فهؤلاء هم الرجال الذين يحتاج إليهم العالم ويحتاج إليهم الله على السواء. ولماذا كان ذلك؟ لأنّ العالم قد سقط بالخطية بعيدًا عن الله. ولأنّ العالم قد افتُدي في المسيح لله. ولأنّ الله ليس له طريق آخر يُري به الناس ما ينبغي أن يكونوا عليه، ويوقظهم ويدعوهم ويعينهم، إلا برجال الله الذين تعمل فيهم حياته وروحه وقوّته.
إنّ الإنسان إنما خُلق لله، لكي يحيا الله فيه ويسكن ويعمل ويُظهر مجده فيه ومن خلاله. فكان الله أن يكون له هو الكل في الكل. وكان لسكنى الله فيه أن تكون أمرًا طبيعيًا لذيذًا بقدر ما هي أمر حقيقي عجيب لا يُدركه العقل. ولما تمّ فداء المسيح بنزول الله، أي الروح القدس، إلى قلوب الناس، رُدّت إليهم هذه السكنى، واسترجع الله امتلاك بيته الذي له.
وههنا، حيث يبذل الإنسان نفسه بكلّيتها لحضور الروح القدس، لا بوصفه قوة تعمل فيه فحسب، بل بوصفه الله نفسه ساكنًا فيه (يوحنا 14:16، 14:20، 14:23؛ 1 يوحنا 4)، هناك يمكن له أن يصير، بأعمق ما تحمله الكلمة من معنى، رجلَ الله! ويخبرنا بولس أنه إنما بقوة الكتاب المقدس يكون «إنسان الله كاملًا».
«كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون إنسان الله كاملًا، متأهّبًا لكل عمل صالح». وهذا يأتي بنا إلى سهر الصباح بوصفه الوقت الرئيسي لدرس الكتاب المقدس درسًا شخصيًا. فإننا إذ نُذعن بالقلب وبالحياة للكلمة، ليبحث الله بتعليمها وتوبيخها وتقويمها وتأديبها حياتنا كلها ويصوغها كما يشاء، إنما نأتي بذلك تحت عمل الله المباشر، وندخل في اتحاد تامّ كامل به، فيكون رجل الله كاملًا، متأهّبًا لكل عمل صالح.
آه، ليت لنا نعمةً لنكون حقًا رجال الله! إنسانًا يعرف هذه الأمور الثلاثة ويبرهن عليها: أنّ الله هو الكل؛ وأنّ الله يطالب بالكل؛ وأنّ الله يعمل الكل. إنسانًا قد رأى ذلك الموضع الذي لله في كونه وفي الناس — إنه الكل في الكل! إنسانًا قد فهم أنّ الله يطلب الكل ولا بدّ له أن يأخذه، ولا يحيا هو إلا ليعطي الله حقّه الذي له ومجده! إنسانًا قد اكتشف ذلك السرّ العظيم، أنّ الله يعمل الكل، فيسعى، كما سعى ابن الله، أن يحيا في ذلك الاتّكال المبارك الذي لا ينقطع، أنّ الآب الذي فيه هو الذي يتكلّم بالكلمات ويعمل الأعمال.
أيها الأخ! اطلب أنت أن تكون رجل الله! ودع الله في سهر الصباح يكون لك هو الكل. ودعه في أثناء النهار كله يكون لك هو الكل. ولتكن حياتك كلها مكرَّسة لأمر واحد: أن تأتي بالناس إلى الله، وأن تأتي بالله إلى الناس، حتى يكون لله في كنيسته وفي العالم ذلك الموضع الذي يليق به.
«إن كنت أنا رجل الله، فلتنزل نار من السماء». هكذا أجاب إيليا لما دعاه رئيس الخمسين أن ينزل إليه. فالإله الحقيقي هو الإله الذي يجيب بنار، ورجل الله الحقيقي هو ذاك الذي يعرف كيف يُنزل النار، لأنّ له قوة مع إله السماء. وسواء أكانت تلك النار نار القضاء أم نار الروح القدس، فإنّ عمل رجل الله إنما هو أن يُنزل النار إلى الأرض. وما يحتاج إليه العالم هو رجل الله الذي يعرف قوة الله، ويعرف قوّته هو التي مع الله.
فآمن أنه إنما في عادة الصلاة السرّية في الحياة اليومية نتعلّم أن نعرف إلهنا، وأن نعرف ناره، وأن نعرف قوّتنا نحن معه. آه، ليتنا نعرف ما معنى أن يكون الإنسان رجل الله، وما الذي يتضمّنه ذلك ويستلزمه!
وفي إيليا، كما في موسى، نرى كيف أنّ هذا إنما يعني الانفصال عن كل مصلحة أخرى، والاتّحاد التامّ بكرامة الله، فلا يكون الإنسان بعدُ رجل العالم، بل رجل الله. وثمّ شعور خفيّ بأنّ هذا كله يجلب من الجهد والتضحية والصعوبة والخطر أكثر مما نحن مستعدّون له. وهذا إنما يصحّ ما دمنا لم نرَ بعدُ كم هو مطلق ذلك الذي يطالب الله به، وكم هو مبارك بما لا يُنطق به أن نُذعن له، وكم هو أكيد أنّ الله نفسه سيعمله فينا.
فارجع الآن وانظر إلى موسى، رجل الصلاة، وإلى موسى رجل العالم، وانظر كيف نبت من هذين معًا: موسى، رجل الله. وانظر الأمر عينه في حياة إيليا: ذلك التوافق بين سماعنا نحن لكلمة الله وسماعه هو لكلمتنا، والطريق الذي به يصير ممكنًا بقوة الله أن يكون الإنسان رجل الله وأن يحيا تلك الحياة. ثم ادرس بعد ذلك التطبيق.