فصل 4 · قراءة 3 د
موسى وكلمة الله
في ما يتعلّق بالصلة القائمة بين الصلاة والكلمة في خلوتنا الخاصة، كثيرًا ما اقتُبس ذلك القول الذي قاله أحد المهتدين من الوثنية: أنا أصلّي، فأتكلّم أنا إلى الله؛ وأنا أقرأ في الكتاب المقدس، فيتكلّم الله هو إليّ. وثمّ آية في تاريخ موسى قد أُبرزت فيها هذه الفكرة عينها إبرازًا جميلًا. فإننا نقرأ في العدد 7:89: «فلما دخل موسى إلى خيمة الاجتماع ليتكلّم معه، كان يسمع الصوت يكلّمه من على الغطاء الذي على تابوت الشهادة من بين الكروبين، فكلّمه». فإنه لما دخل ليصلّي لأجل نفسه أو لأجل شعبه، ولينتظر التعليمات التي تُعطى له، وجد واحدًا هناك في انتظاره هو. فيا له من درس لسهر صباحنا نحن!
إنّ الروح المصلّية هي روح يتكلّم الله إليها. والروح المصلّية ستكون روحًا مصغية، تنتظر لتسمع ما يقوله الله. ففي الاتحاد بالله، يجب أن يكون حضوره هو والنصيب الذي يأخذه هو في الأمر حقيقيًا كنصيبي أنا. ونحن نريد أن نسأل: ما الذي يلزم لكي تصير قراءتنا للكتاب وصلاتنا شركةً حقيقية مع الله على هذا النحو؟
أولًا، احصل على الموضع الصحيح. «فدخل موسى إلى خيمة الاجتماع ليتكلّم مع الله».
فإنه فصل نفسه عن الشعب، ومضى إلى حيث يقدر أن يكون مع الله وحده. مضى إلى الموضع الذي فيه يوجد الله. وقد أخبرنا يسوع أين هو ذلك الموضع. فهو يدعونا أن ندخل إلى مخدعنا، وأن نغلق الباب، وأن نصلّي إلى أبينا الذي يرى في الخفاء.
وأيّ موضع نكون فيه حقًا وحدنا مع الله يمكن أن يكون لنا سرّ حضرته. فإنّ الكلام مع الله يحتاج إلى انفصال عن كل ما عداه. وهو يحتاج إلى قلب مشدود بكلّيته إلى لقاء الله شخصيًا، منتظر ذلك اللقاء كل الانتظار، طالب أن تكون له معه معاملات مباشرة. فالذين يذهبون إلى هناك ليتكلّموا إلى الله سيسمعون صوت ذاك الذي يتكلّم إليهم.
ثم ثانيًا، احصل على الوضع الصحيح. فإنّ موسى سمع صوت واحد يتكلّم من على كرسي الرحمة، ذلك الغطاء الذي على التابوت. فاسجد أنت أمام كرسي الرحمة. فهناك لن يعوقك الشعور بعدم استحقاقك، بل سيكون لك عونًا حقيقيًا على الاتّكال على الله. وهناك يمكن أن يكون لك اليقين الواثق بأنّ نظرتك إلى فوق ستلاقيها عينُه هو، وأنّ صلاتك يمكن أن تُسمع، وأنّ جوابه المملوء محبةً سيُعطى لك. فاسجد أمام كرسي الرحمة، وكن على يقين بأنّ إله المراحم سيراك ويباركك. ثم بعد ذلك، احصل على الاستعداد الصحيح، أي موقف الإصغاء. فإنّ كثيرين يشتغلون بالكثير أو بالقليل الذي عندهم ليقولوه في صلواتهم، حتى إنّ صوت ذاك المتكلّم من على كرسي الرحمة لا يُسمع البتّة، لأنه غير منتظَر ولا مترقَّب.
«يقول الرب. وإلى هذا أنظر: إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي». فلندخل إذًا إلى المخدع، ولنهيّئ أنفسنا للصلاة، بقلب ينتظر باتّضاع ليسمع الله نفسه يتكلّم؛ وحينئذ، في الكلمة التي نقرأها، سنسمع حقًا صوت ذاك الذي يتكلّم إلينا نحن.
وستكون أعظم غبطة في الصلاة أن نكفّ نحن عن الصلاة، لندع الله يتكلّم.
إنّ الصلاة والكلمة مرتبطتان إحداهما بالأخرى ارتباطًا لا انفصام له البتّة: فالقوة في استعمال إحداهما إنما تتوقّف على حضور الأخرى معها. فالكلمة هي التي تعطيني مادةً للصلاة، إذ تخبرني بالمزيد عن الله وتعطيني القوة على الصلاة، أي جرأةَ ذلك اليقين بأني سأكون مسموعًا. والكلمة أيضًا هي التي تأتيني بالجواب على الصلاة، إذ تعلّمني ما الذي سيصنعه الله لأجلي. وهكذا، من الجهة الأخرى، تُعِدّ الصلاةُ القلبَ لقبول الكلمة من الله نفسه، ولتعليم الروح الذي يعطي الفهم الروحي لها، وللإيمان الذي يصير به الإنسان شريكًا في عملها القدير. والسبب في أنّ الأمر هكذا واضح ظاهر. فإنّ للصلاة وللكلمة مركزًا واحدًا مشتركًا بينهما، هو الله. فالصلاة تطلب الله؛ والكلمة تُعلن الله. وفي الصلاة يسأل الإنسانُ الله؛ وفي الكلمة يجيب اللهُ الإنسان.
وفي الصلاة يرتفع الإنسان إلى السماء ليسكن مع الله؛ وفي الكلمة ينزل الله هو ليسكن مع الإنسان. وفي الصلاة يعطي الإنسان نفسه لله؛ وفي الكلمة يعطي الله نفسه هو للإنسان. وفي الصلاة والكلمة معًا يجب أن يكون كل شيء لله وحده. فليكن قلبك كله لله بتمامه. ولتكن غاية شوقك الواحدة هي الصلاة والكلمة. وحينئذ تكون لك شركة مباركة مع الله، وتبادل الفكر والمحبة والحياة: سكنى فينا لله، وسكنى لنا نحن في الله.
اطلبوا الرب فتحيوا.