فصل 18 · قراءة 4 د
القابليّة للتعلُّم
«احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي، لأني وديعٌ ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم» — متى 11:29.
إنّ أول فضيلةٍ في التلميذ هي الانقياد والرضا بأن يُعلَّم. فماذا يتضمّن هذا؟ إنه يتضمّن وعيًا بجهله هو، واستعدادًا لأن يتخلّى عن طريقته الخاصّة في التفكير أو في العمل، ولأن ينظر إلى الأشياء من موقف المعلّم، وثقةً ساكنةً بأنّ المعلّم يعرف، وأنه سيُريه هو أيضًا كيف يتعلّم فيعرف. فالروح الوديعة المتواضعة تصغي بانتباهٍ لتعرف ما هي مشيئة المعلّم، ثم تسرع في الحال إلى إتمامها. فإن كانت هذه هي الروح في التلميذ، فلا بدّ أن يكون الذنب ذنب المعلّم إن لم يتعلّم التلميذ.
فكيف يكون، والمسيح هو معلّمنا، أن يكون النموّ الحقيقيّ في المعرفة الروحية قليلًا هكذا مع كل هذا الإخفاق؟ وأن يكون هذا القدر الكبير من سماع الكتاب المقدس وقراءته، وهذا القدر الكبير من الاعتراف بالإيمان به بوصفه قانون حياتنا الوحيد، ثم يكون هذا النقص كله في ظهور روحه وقوّته؟ وأن يوجد كثيرًا هذا القدر من الاجتهاد الأمين الحارّ في المخدع وفي حلقة الكتاب المقدس، ثم لا يوجد إلا القليل من الفرح والقوّة اللذين تقدر كلمة الله أن تعطيهما؟
إنّ هذا السؤال في غاية الأهميّة القصوى. فلا بدّ أن يكون هناك سببٌ ما يجعل تلاميذ يسوع كثيرين جدًّا يظنّون في أنفسهم أنهم يشتهون بأمانةٍ أن يعرفوا مشيئته وأن يعملوها، ومع ذلك — بشهادتهم هم أنفسهم وبشهادة الذين حولهم — لا يتمسّكون بكلمة الحياة نورًا لهم في هذا العالم. ولو أمكن أن يوجد الجواب عن هذا السؤال، لأمكن أن تتغيّر حياتهم كلها.
ونصّنا يوحي بالجواب: «احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي، لأني وديعٌ ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم». فكثيرون هم الذين أخذوا المسيح مخلّصًا لهم، ولكن لم يأخذوه معلّمًا. وقد جعلوا ثقتهم كلها فيه بوصفه الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن الخراف؛ ولكنهم لا يعرفون إلا قليلًا جدًّا حقيقةَ رعايته اليومية لقطيعه، ودعوته كل واحدٍ منه باسمه، ولا يعرفون ما معنى أن يسمعوا هكذا صوته وأن يتبعوه هو وحده دون سواه. وهم لا يعرفون إلا قليلًا ما معنى أن يتبعوا الخروف؛ وأن ينالوا منه هو، قبل كل شيءٍ آخر، طبيعة الخروف، وأن يطلبوا مثله أن يكونوا ودعاء متواضعي القلب. وإنما بذلك المنهج الذي قضوه ثلاث سنين كاملة في مدرسته تأهّل تلاميذ المسيح لمعموديّة الروح القدس، ولتتميم كل تلك المواعيد العجيبة التي كان قد أعطاهم إيّاها.
وإنما تحت التعليم الشخصيّ لربّنا يسوع، وبذلك الانقياد الذي للقلب الوديع المتواضع، الذي ينتظر ذلك التعليم كل يومٍ ويقبله ثم يتبعه، نقدر نحن أن نجد حقًّا راحةً لنفوسنا. فحينئذٍ يفسح كلُّ تعبٍ وكلُّ ثقلٍ من الإجهاد والإخفاق وخيبة الرجاء المجالَ لذلك السلام الإلهيّ الذي يعلم أنّ المسيح نفسه هو الذي يعتني بكل شيءٍ ويتولّاه.
إنّ ذلك الأخذ لنير المسيح، وذلك التعلُّم منه وداعته وتواضع قلبه، ومع ذلك تلك القابليّة للتعلُّم التي تأبى أن تعرف شيئًا أو تعمل شيئًا بحكمتها هي، ينبغي أن تكون روح حياتنا كلها، كل يومٍ والنهار كله. ولكن في ساعة الصباح بنوعٍ خاصّ يجب أن يُتعهَّد هذا كله بالتنمية، وأن يُطلَب الخلاص من الذات ومن كل طاقتها وقوّتها. فهناك، ونحن مشغولون بكلمات الله وكلمات المسيح وكلمات الروح القدس، نحتاج كل يومٍ إلى أن ندرك أنّ هذه لا تنفعنا إلا بمقدار ما تقود إلى التعليم الشخصيّ للمسيح، وبمقدار ما يفتحها هو لنا.
وهناك نحتاج كل يومٍ أن نختبر أنّ تعليمه لا يمكن أن يُقبَل إلا حين يقترب هو نفسه ويتولّى أمرنا — الربّ يسوع الحيّ الذي «فيه يحلّ كل ملء اللاهوت»، والذي فيه جُمعت حياتنا كلها وخلاصنا كله. وهناك يجب علينا أن نطلب طلبًا محدَّدًا، وأن نتعهّد بالتنمية، تلك القابليّة للتعلُّم التي تحمل نيره هو وتتعلّم منه هو. ومرّةً أخرى نقول: القابليّة للتعلُّم هي كل شيء. فإن صحّ في الروح القدس الساكن فينا، روح المسيح يسوع، أنه «يعلّمكم كل شيء»، وإن كانت حياته وعمله كله فينا تعليمًا إلهيًّا، فقد صحّ كذلك أنّ حياتنا كلها يجب أن تكون قابليّةً إلهيّةً للتعلُّم. فهكذا وحده يمكن أن يكون اتّحادنا اليوميّ بكلمة الله، وأن تكون حياتنا اليومية، على ما يقدر ربّنا يسوع أن يجعلهما عليه.
وكثيرًا ما يكون نقضُ ما تعلّمناه أهمَّ أجزاء التعلُّم: فالانطباعات الخاطئة والأحكام المسبقة والمسلَّمات عقباتٌ لا تُذلَّل في طريق التعلُّم. وما لم تُزَل هذه، فالمعلّم يتعب باطلًا.
فالمعرفة التي يوصلها إليه لا تمسّ إلا السطح وحده: أما في العمق تحت السطح فالتلميذ مقودٌ بذاك الذي قد صار له طبيعةً ثانية. وأول عملٍ للمعلّم أن يكتشف هذه العوائق، وأن يجعل التلميذ يراها هو ثم يزيلها.
ولا يمكن أن يكون هناك تعلُّمٌ حقيقيّ مثمرٌ من المسيح حيث لا نكون مستعدّين لأن ننقض ما تعلّمناه. فبالوراثة، وبالتربية، وبالتقليد، صارت لنا أفكارنا عن الدين وعن كلمة الله، وهي كثيرًا ما تكون أعظم عائقٍ بمقدار يقيننا بأنها هي الحقّ بعينه. والتعلُّم من المسيح يحتاج إلى استعدادٍ لأن نُخضع كل حقٍّ نتمسّك به لفحصه هو، للنقد وللتصحيح. إنّ الاتّضاع هو الفضيلة الأصلية في الحياة المسيحية. والناموس مطلقٌ في ملكوت الله: «من يضع نفسه يرتفع». وخيبة رجائنا ونحن نجاهد في طلب درجاتٍ أعلى من النعمة والإيمان والمعرفة الروحية ومحبة النفوس والقوّة على البركة، إنما هي راجعة كلها إلى هذا. فنحن لم نقبل اتّضاع المسيح بوصفه بداية خلاصه وكماله. وقوله «أما المتواضعون فيعطيهم نعمة» له تطبيقٌ أوسع كثيرًا وأعمق ممّا نظنّ.
والانقياد إنما هو صورةٌ من صور الاتّضاع. ففي سهر الصباح نضع نحن أنفسنا متعلّمين في مدرسة المسيح؛ فليكن الانقياد، وليكن الاتّضاع، هو العلامة المميّزة التي يُعرف بها المتعلّم؛ وإن شعرنا كم هو قليلٌ جدًّا ما لنا منه، فلنصغِ إلى ذلك الصوت القائل: «احملوا نيري عليكم»، وإلى كل ما يتضمّنه هذا: «وتعلّموا منّي، لأني وديعٌ ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم».