فصل 17 · قراءة 4 د
التعلُّم من المسيح
«احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي، لأني وديعٌ ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم» (متى 11:29).
إنّ كل درسٍ للكتاب المقدس هو تعلُّم. وكل درسٍ للكتاب المقدس، لكي يكون مثمرًا، ينبغي أن يكون تعلُّمًا من المسيح. فالكتاب المقدس هو كتاب المدرسة، والمسيح هو المعلّم. وهو الذي يفتح الذهن، ويفتح القلب، ويفتح الختوم. (لوقا 24:45، أعمال 16:14، رؤيا 5:9.)
إنّ المسيح هو الكلمة الحيّة الأزليّة، والكلمات المكتوبة هي التعبير البشريّ عنها. فحضور المسيح وتعليمه هما سرّ كل درسٍ حقيقيّ للكتاب المقدس. والكلمة المكتوبة لا قوّة لها إلا بمقدار ما تعيننا على بلوغ الكلمة الحيّة. وما خطر ببال أحدٍ قطّ أن يتّهم ربّنا بأنه لم يكرم العهد القديم. فقد برهن في حياته هو أنه أحبّه بوصفه خارجًا من فم الله. وكان أبدًا يشير به إلى اليهود بوصفه إعلان الله والشهادة له هو نفسه. ولكن ما أعجبَ ما نراه مع التلاميذ: كم مرّةً تكلّم عن تعليمه هو بوصفه أشدّ ما يحتاجون إليه وما عليهم أن يطيعوه.
ولم نجده يشرح لهم الكتب المقدسة إلا بعد قيامته من الأموات، حين كان الاتّحاد به هو قد تمّ لهم، وحين كانوا قد نالوا من قبلُ أوّل نسمات الروح.
كان لليهود تفسيرهم الذي صنعوه هم بأنفسهم للكلمة، فجعلوا منه أعظم حاجزٍ يقوم بينهم وبين ذاك الذي كانت الكلمة نفسها تتكلّم عنه. وكثيرًا ما يكون الأمر على هذه الصورة عند المسيحيّين أيضًا؛ فإنّ إدراكنا البشريّ للكتاب المقدس، وإن تحصّن ما تحصّن بسلطان الكنيسة أو بسلطان دائرتنا الخاصّة، يصير أعظم عائقٍ يقوم في طريق تعاليم المسيح. فالمسيح، الكلمة الحيّة، يطلب أولًا أن يجد مكانه هو في قلبنا وفي حياتنا، وأن يكون معلّمنا الوحيد دون سواه؛ وهكذا وحده نتعلّم منه أن نكرم الكتاب المقدس وأن نفهمه. «تعلّموا منّي، لأني وديعٌ ومتواضع القلب». وههنا يفتح لنا ربّنا أعمق سرٍّ في حياته الباطنة كلها. فذاك الذي أنزله إلينا معه من السماء؛ وذاك الذي يؤهّله أن يكون معلّمًا ومخلّصًا لنا؛ وذاك الذي أعطانا إيّاه، والذي يريدنا نحن أن نتعلّمه منه — إنما تجده كله في هذه الكلمات: «أنا وديعٌ ومتواضع القلب». وهذه هي الفضيلة الواحدة التي تجعله حمل الله، وفادينا المتألّم، ومعلّمنا وقائدنا السماويّ. وهي الاستعداد الواحد الذي يطلبه منّا ونحن آتون إليه لنتعلّم منه؛ ومن هذا وحده يجيء كل ما عداه.
ولدرسنا للكتاب المقدس، ولحياتنا المسيحية كلها، لك ههنا ذلك الشرط الواحد الذي به يكون التعلُّم الحقيقي من المسيح. فهو، المعلّم الوديع المتواضع القلب، يريد أن يجعلك ما هو عليه، لأنّ ذاك هو الخلاص بعينه.
فعليك، بوصفك متعلّمًا، أن تأتي وتدرس وتؤمن به هو، الوديع المتواضع، وأن تطلب أن تتعلّم منه كيف تكون أنت أيضًا وديعًا متواضعًا. ولماذا كان هذا هو الشيء الأول الذي عليه كل المدار؟
لأنه هو الكامن في أصل تلك العلاقة الحقيقية التي بين المخلوق وبين الله. فالله وحده له الحياة، وله الصلاح، وله السعادة.
وهو، بوصفه إله المحبة، يُسرّ أن يعطي وأن يعمل كل شيءٍ فينا.
وقد صار المسيح ابن الإنسان ليُري الإنسان في أيّ اتّكالٍ مباركٍ لا ينقطع على الله ينبغي له أن يحيا: وهذا هو معنى كونه متواضع القلب. وبهذه الروح عينها تغطّي الملائكة وجوهها وتطرح أكاليلها أمام الله. فالله هو كل شيءٍ عندها، وهي تُسرّ أن تأخذ منه الكل وأن تعطيه الكل. وهذا هو أصل الحياة المسيحية الحقيقية: أن تكون لا شيء أمام الله وأمام الناس؛ أن تنتظر الله وحده؛ أن تُسرّ بالمسيح الوديع المتواضع، وأن تقتدي به، وأن تتعلّم منه. وهذا هو بعينه مفتاح معرفة الكتاب المقدس. فبهذه الصفة وحدها تقدر أن تتعلّم منه. وما أقلّ ما كان للاتّضاع، أي للقلب الوديع المتواضع، في الكنيسة المسيحية من ذلك المكان الذي له في حياة المسيح نفسه وفي تعاليم كلمة الله.
وإني لمقتنعٌ اقتناعًا عميقًا أنّ هذا النقص بعينه كامنٌ في أصل جزءٍ عظيمٍ جدًّا من ذلك الضعف وعدم الإثمار الذي نسمع عنه في كل مكان. فما من سبيلٍ البتّة إلى أن يعلّمنا المسيح بروحه ما قد أعدّه الله من أجلنا، وإلى أن يعمل الله فينا، إلا أن نكون نحن ودعاء متواضعي القلوب. فليبتدئ كلٌّ منّا بنفسه هو، وليعدَّ هذا هو الشرط الأول للتلمذة، والدرس الأول الذي سيعلّمنا إيّاه المعلّم بلا شكّ. ولنجعل درسنا للكتاب المقدس كله تعلُّمًا من المسيح، وثقةً به هو، الوديع اللطيف الرحيم، وانتظارًا له ليعمل فينا روحه هو وشبهه هو.
وفي حينه المعيّن ستصير سهر الصباح عندنا مسرحًا لشركةٍ يوميةٍ معه ولبركةٍ يومية.
إني أعلم أيّ صعوباتٍ عليّ أن أصارعها وأنا أترافع هكذا في أن يُجعل القلب الوديع المتواضع أول ما يُنظَر إليه في درس الكتاب المقدس. فمن العسير أن نجعل الناس يدركون أنّ الاستعداد والخُلق، في الاتّحاد مع الله، هما كل شيء. وأعسر منه أن نُريهم أنّ القلب الوديع المتواضع هو، من بين كل استعدادٍ مسيحيّ وكل خُلقٍ مسيحيّ، البذرة والأصل بعينهما. ومن العسير أن نقنعهم بأنّ نفع درس الكتاب المقدس بدونه قليلٌ جدًّا. والأعسر من هذا كله أن نقودهم إلى أن يفهموا ويؤمنوا أنّ القلب الوديع المتواضع أمرٌ يمكن نيله، لأنه عين ما يعرض المسيح أن يعطيه، إذ يعلّمنا كيف نجده وننال منه في نفسه هو.
ومع هذه الصعوبات كلها، فإني مع ذلك أحثّ كل دارسي الكتاب المقدس أن يتساءلوا في أنفسهم، بتفكّرٍ وصلاة، أليس أوّل سؤالٍ ينبغي أن يُحسم أمره في المخدع هو هذا: هل قلبي في الحال التي يريده معلّمي أن يكون عليها؟ وإن لم يكن كذلك، أفليس أوّل عملٍ لي أن أبذل نفسي له ليعمله هو فيّ؟