فصل 19 · قراءة 5 د
الحياة والنور
«في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس». يوحنا 1: 1، 4.
«ثم كلّمهم يسوع أيضًا قائلًا: أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة». يوحنا 8: 12.
لأنّ المسيح كان هو الله، كان في استطاعته أن يكون كلمة الله. ولأنّ حياة الله كانت فيه هو نفسه، كان في استطاعته أن يكون المعلن لتلك الحياة والكاشف عنها. وهكذا، بما أنه هو الكلمة الحيّ، فهو أيضًا الكلمة الواهب للحياة. أمّا الكلمة المكتوبة فإنها قد تُبطَل ويذهب أثرها كلّه فلا يبقى لها فعل، وذلك حيث يُتَّكل على الحكمة البشريّة وحدها في إدراكها وفهمها. وهي لا تصير لنا كلمة حياة إلّا متى قُبلت بوصفها البذرة التي تكمن فيها حياة الكلمة الحيّ مستترةً، لكي يُحييها الروح القدس ويبعثها. وينبغي أن يكون اتّحادنا بكلمة الله المكتوبة موحًى به على الدوام ومضبوطًا بالإيمان بالكلمة الأزليّ، ذاك الذي كان هو الله.
وهذه الحقيقة عينها هي التي تبرز في العبارة التي تأتي بعدها: إنّ الحياة هي النور. فنحن حين نرى النور ساطعًا، نعلم أنّ ثمّة نارًا متّقدة في صورةٍ من الصور. وهكذا الأمر أيضًا في العالم الروحيّ.
لا بدّ من حياة حيث يمكن أن يكون نور. قد يكون هناك نور منعكس عن جسمٍ ميت أو مظلم. وقد يكون هناك نور مستعار بلا حياة. أمّا النور الحقيقيّ فلا تُظهره إلّا الحياة الحقيقيّة. ومن يتبع المسيح يكون له نور الحياة.
وهذان القولان، وهما في حقيقة واحدة عظيمة، يؤكّدان تأكيدًا لافتًا للنظر ما كنّا قد تعلّمناه عن روح الله. فكما أنه هو يعرف أمور الله لأنه هو حياة الله، كذلك المسيح هو الكلمة لأنه هو الله وله حياة الله؛ وهكذا لا يشرق نور الله ولا يضيء إلّا حيث تكون حياة الله حاضرة. وهذه الأفكار الثلاث جميعًا تعود بنا مرّة أخرى إلى درسنا للكتاب المقدس، ومعها ذلك الدرس الواحد المبارك، الذي تشتدّ إليه الحاجة أشدّ الاشتداد: وهو أنّ دراستنا للكتاب المقدس لا تقدر أن تباركنا بركةً حقيقيّة إلّا متى حملت إلينا الكلمةُ المكتوبة حياةَ الكلمة الأزليّ، ومتى كان نورها في داخل القلب هو إشراق حياةٍ عاملةٍ هناك، ومتى جعلها الروح القدس — وهو الذي يعرف أمور الله لأنه هو حياة الله — حياةً وحقًّا في داخلنا.
وهكذا نعود مرّة أخرى إلى ذلك الدرس العظيم الواحد الذي يسعى الروح إلى ترسيخه فينا في ما يخصّ كلمة الله — وهو أنه لا تكون هناك معرفة حقيقيّة بالكتاب المقدس البتّة إلّا متى قُبل من حياة الله إلى داخل حياتنا نحن.
إنها بذرة تحمل في داخلها الحياة الإلهيّة عينها: فحيثما تُقبل في التربة الجيّدة، تربةِ قلبٍ جائعٍ إلى تلك الحياة، فإنها تنبت وتطلع وتأتي بثمر، كسائر البذور كلّها، «كجنسها».
وهي تستولد في حياتنا حياة الله عينها التي منها خرجت، وتستولد فيها شبه الآب والابن ومزاجهما عينه، وذلك بالروح القدس. ونحن إنما نريد أن نحوّل هذا كلّه إلى فائدة عمليّة، وأن نطبّقه رأسًا وبلا واسطة على قراءتنا الخاصّة للكتاب المقدس.
أنت تريد أن تعرف كيف تبدأ. والقواعد في ذلك بسيطة جدًّا.
القاعدة الأولى: «كُفّوا واعلموا أني أنا الله». خُذ لنفسك وقتًا لتسكن وتهدأ وتدرك الله. «اسكت قدّام السيد الرب». «اسكتوا يا كلّ البشر قدّام الرب». «أمّا الرب ففي هيكل قدسه. فاسكتي قدّامه يا كلّ الأرض». اسجد له وانتظره وتوقّعه لكي يتكلّم هو إليك. والقاعدة التي تليها: اذكر دائمًا أنّ الكلمة إنما تخرج من الحياة، من قلب الله نفسه، حاملةً معها حياته هو لتمنحها لحياتك أنت. فهي ليست شيئًا دون حياة الله: وليس شيء دون قدرة الله يقدر أن يجعلها حيّةً فيك. والقاعدة التي تليها: آمن بالمسيح، الكلمة الحيّ. «فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس». «من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة». فاتبع يسوع في المحبّة وفي الشوق المتلهّف إليه، وفي الطاعة وفي الخدمة، وعندئذ تعمل حياته هو فيك، وتصير الحياة نور نفسك.
ثم بعد ذلك اطلب من الآب الروح القدس، الذي هو وحده يعرف أمور الله، أن يجعل الكلمة في قلبك حيّةً فعّالة. جُع إلى مشيئة الله كما تجوع إلى طعامك اليوميّ؛ واعطش إلى ينبوع الروح الحيّ المتفجّر في داخلك؛ واقبل الكلمة في إرادتك، وفي حياتك، وفي فرحك — فالحياة التي تحملها إليك هي التي تعطي النور الذي به تشرق. أمّا السبب في أني ألححتُ مرارًا كثيرة على الحقيقة المطروحة في الفصول القليلة الماضية، فهو سبب بسيط جدًّا.
فقد علّمني اختباري أنا كم يطول الزمن قبل أن ندرك إدراكًا واضحًا جليًّا أنّ كلمة الله يجب أن تُقبل في الحياة لا في الذهن وحده، وكم يطول الزمن مرّة أخرى، حتى بعد أن ندرك ذلك، قبل أن نصدّقه كلّ التصديق ونخرجه إلى حيّز العمل. «كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليّ ثقيلة، وأمّا لكم فهي مؤمِّنة».
ادرس هذا الدرس حتى تعرفه حقّ المعرفة. إنّ الكلمة تخرج من حياة الله، وتحمل تلك الحياة في ذاتها، وتسعى أن تدخل إلى حياتي وتملأها من حياة الله. وهذه الحياة هي نور الناس، وهي التي تعطي «إنارة معرفة مجد الله». وقد تجد أنّ هذا الدرس يستغرق من الوقت أكثر ممّا تظنّ، وأنه يعوقك في دروسك الكتابيّة أكثر ممّا يعينك عليها، وأنه يزداد صعوبة كلّما طالت دراستك له. فلا تخف ولا يفرغ صبرك؛ بل كن على يقين أنك إن تعلّمته على وجهه الصحيح، فستبارك الله من أجل أنه قد صار لك مفتاحًا لم يكن في يدك قطّ من قبل، مفتاحًا لكنز الكلمة المخفيّ، يعطيك حكمةً حقّة «في السريرة».
ولذلك أعود فأكرّر مرّة أخرى تلك الكلمات البسيطة، المباركة الصادقة التي لا يفرغ معينها. فكما أنّ الروح الساكن في الله هو وحده يعرف أمور الله، كذلك الروح الساكن فيّ أنا هو وحده الذي يقدر أن يجعلني أعرف أمور الله بأن يمنحها لحياتي.
وكما أنّ المسيح كان هو الكلمة لأنه كان هو الله وله حياة الله، كذلك لا تقدر الكلمة المكتوبة أن تباركني أنا إلّا متى حمل إليّ الكلمة الحيّ، بواسطتها هي، حياة الله. وكما أنّ الحياة كانت في المسيح، وكما أنّ الحياة هي نور الناس، كذلك لا يكون لي نور معرفة الله إلّا متى كانت لي حياة المسيح نفسها بواسطة الكلمة.