فصل 7 · قراءة 14 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
الرب صالح
«ذُوقُوا وَٱنْظُرُوا مَا أَطْيَبَ ٱلرَّبَّ! طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ» (مزمور 34:8).
هل سألتَ نفسك يومًا ما الذي تظنّه حقًّا عن الله في أعماق قلبك — أتحسبه إلهًا صالحًا أم إلهًا غير صالح؟ أتوقّع أن يصدمك السؤال، وأن تفزع من مجرّد التلميح بأنك قد تظنّ، بأيّ حال من الأحوال، أن الله ليس صالحًا. ولكن قبل أن تفرغ من هذا الفصل، أظنّ أن بعضكم سيُضطرّ إلى الاعتراف بأنه — ربما دون وعي، ولكن على نحوٍ حقيقيّ — قد نسب إليه، بشكوكه وتذمّراته، صفاتٍ كان يفزع لو نُسبت إليه هو نفسه.
لن أنسى أبدًا الساعة التي اكتشفت فيها للمرّة الأولى أن الله صالح حقًّا. كنت، بالطبع، أعرف دائمًا أن الكتاب المقدس يقول إنه صالح، ولكنني ظننت أن المقصود أنه صالح بمعنًى دينيّ فحسب؛ ولم يخطر لي قطّ أن المقصود أنه صالح فعليًّا وعمليًّا، بالصلاح عينه الذي أوصانا نحن أن نتحلّى به. وكانت عبارة «صلاح الله» تبدو لي مجرّد قولٍ سماويّ لا يُنتظَر مني أن أفهمه. ثم صادفتُ ذات يوم في قراءتي للكتاب المقدس هذه الكلمات: «ذُوقُوا وَٱنْظُرُوا مَا أَطْيَبَ ٱلرَّبَّ»، وفجأةً صار لها معنى.
الرب صالح، هكذا كرّرت في نفسي. وما معنى أن يكون المرء صالحًا؟ ليس إلا هذا: أن يحيا بحسب أفضل وأسمى ما يعرف. فالصلاح نقيض الشرّ تمامًا. أن تكون شرّيرًا هو أن تعرف الصواب فلا تفعله، أما أن تكون صالحًا فهو أن تفعل أفضل ما تعرف. ورأيت أن الله، إذ يعرف كل شيء، لا بدّ أن يعرف ما هو الأفضل والأسمى على الإطلاق، وأن صلاحه بالتالي فوق كل تساؤل. ولا أستطيع أبدًا أن أعبّر عمّا عناه هذا لي. لقد رأيت صلاح الله الحقيقيّ الفعليّ رؤيةً أدركت معها أنه لا يمكن أن يسير شيء على غير ما ينبغي تحت رعايته، وبدا لي أنه ما من أحدٍ يستطيع أن يقلق بعد ذلك أبدًا.
ومرّة بعد مرّة، حين كانت الظواهر كلها ضدّه، وحين كنت أُجرَّب بأن أتساءل: أتُراه قسا عليّ، أو أهملني، أو لم يُبالِ بي؟ — كنت أُوقَف في مكاني عند هذه الكلمات: «ٱلرَّبُّ صَالِحٌ»؛ فأرى أنه من غير المعقول البتّة أن إلهًا صالحًا يفعل تلك الأمور الرديئة التي تخيّلتها.
لعلّك تنكمش رعبًا من القول بأنك قد تنسب إلى الله ما هو رديء، في أيّ ظرف من الظروف، حتى في أعماق قلبك الخفيّة. ومع ذلك لا تتردّد في أن تتّهمه بأمورٍ لو فعلها أحد أصدقائك لعددتها منتهى الدناءة والقسوة. فمثلًا: يقع المؤمنون في ضيق؛ ويُظلم كل شيء أمامهم، ولا يحسّون بحضور الرب. فيبدأون يتساءلون: أتُراه تركهم؟ بل يتّهمونه أحيانًا باللامبالاة والإهمال. ولا يدركون قطّ أن هذه الاتهامات هي عينها القول بأن الرب لا يفي بوعوده، ولا يعاملهم باللطف والأمانة اللذين يتوقّعونهما من كل صديق بشريّ. فلو أن صديقًا بشريًّا تخلّى عنّا لأننا في ضيق، لحسبناه أبعد ما يكون عن الصلاح. فكيف إذًا نجرؤ ولو للحظة واحدة أن نتّهم ربّنا بمثل هذه الأفعال؟ كلا، أيها الصديق العزيز؛ إن كان الرب صالحًا — لا تقيًّا فحسب، بل صالحًا حقًّا — فذلك لأنه دائمًا، وفي كل ظرف، يحيا بحسب أسمى مثالٍ للصلاح الذي علّمنا هو نفسه إيّاه. فالصلاح فيه لا بدّ أن يعني، تمامًا كما يعني فينا، أن يحيا بحسب أفضل وأسمى ما يعرف.
وعمليًّا، يعني هذا أنه لن يُهمل شيئًا ممّا يتوجّب عليه نحونا، وأنه سيعاملنا دائمًا بأفضل ما يمكن. وقد يبدو هذا كلامًا مكرورًا، فتهتف: «ولماذا يُقال لنا هذا، وهو ما نؤمن به جميعًا؟» ولكن، أحقًّا تؤمن به؟ لو كنت تؤمن به، أكان يمكن أن تظنّه يومًا مهملًا، أو غير مبالٍ، أو قاسيًا، أو منشغلًا بذاته، أو غير مكترث؟
ولا تتّخذ مظهر البارّ فتقول: «كلا، أنا لا أتّهمه قطّ بشيء من هذا. ما كنت لأجرؤ». أحقًّا لا تفعل؟ أما لُمتَه قطّ على أمورٍ تخجل أنت أن تفعلها؟ كيف كان حالك حين جاءت تلك الخيبة الموجعة الأخيرة؟ ألم تشعر كأن الرب قسا عليك إذ سمح بأن يصيبك ذلك، وأنت تجتهد في خدمته كل هذا الاجتهاد؟ ألا تنظر أحيانًا إلى مشيئته كأنها مشيئة متسلّطة قاهرة، لا بدّ من الخضوع لها بالطبع، ولكن يستحيل أن تُحَبّ؟ أما بدا لك يومًا أن قولك: «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ» أمرٌ عسير؟ ولكن هل كان يبدو عسيرًا لو كنت تؤمن حقًّا أن الرب صالح، وأنه يفعل دائمًا ما هو صالح؟
وقد اهتمّ الرب يسوع أشدّ الاهتمام أن يخبرنا أنه الراعي الصالح، لأنه علم كم مرّة ستكون الظواهر ضدّه، وكم سنُجرَّب بالتشكيك في صلاحه. «أَنَا هُوَ ٱلرَّاعِي ٱلصَّالِحُ»، يقول في المعنى، «لا الراعي الرديء. إن الرعاة الأردياء يُهملون خرافهم ويتركونها، أما أنا فراعٍ صالح، لا أُهمل خرافي ولا أتركها أبدًا. أَنَا أَبْذِلُ نَفْسِي عَنِ ٱلْخِرَافِ». فمثاله للصلاح في الراعي أن يحمي الراعي الخراف الموكَلة إليه، ولو كلّفه ذلك حياته؛ وقد عاش هو بحسب مثاله. أفلا نرى الآن أننا إن آمنّا حقًّا أنه صالح — لا بمعنًى دينيّ غامض، بل بهذا المعنى البشريّ البديهيّ — نُنقَل في الحال إلى موضع سلامٍ وتعزيةٍ عظيمين؟ فإن كنتُ خروفًا، وكان الرب راعيًا صالحًا بالمعنى العاديّ البديهيّ للصلاح، فما أعظم أماني! وما أوثق يقيني بأفضل رعاية من كل وجه! وما أسلمني للزمان وللأبد!
ولنكن صادقين مع أنفسنا. أما اتّهمنا الرب قطّ في أعماق قلوبنا بالصفات التي قال لنا في سفر حزقيال إنها علامات الراعي الرديء؟ أما ظننّا أنه يهتمّ براحته أو بمجده أكثر ممّا يهتمّ براحتنا ومجدنا؟ أما تذمّرنا لأنه لم يقوِّنا حين ضعفنا، ولم يجبر قلوبنا المنكسرة، ولم يطلبنا حين ضللنا؟
بل أما نظرنا إلى حالنا المريضة العاجزة الضالّة على أنها سبب يجعله لا يريد أن تكون له بنا علاقة بعد؟ وبمَ يختلف هذا عن أن نقول صراحةً وبلا مواربة: إن الرب راعٍ رديء، لا يقوم بواجباته نحو خرافه؟ لعلّك تنكمش رعبًا من هذه الترجمة الصريحة لتذمّرك وشكواك في داخلك، ولكن ماذا عساها تعني — أسألك بكل أمانة — سوى ذلك؟ إنه لأمر بالغ الأهمية أن نُخرج بين الحين والحين أفكارنا ومشاعرنا الخفيّة عن الرب إلى نور الروح القدس الكامل، لنرى ما هو موقفنا منه حقًّا. فما أسهل — وما أفتك — أن نعتاد الأفكار الخاطئة عن الله، تلك الأفكار التي تفصلنا عنه شيئًا فشيئًا بهوّةٍ واسعة من الشكّ وعدم الإيمان.
إن الأفكار الخاطئة عن الله تنخر أسس حياتنا الروحية وتُحزن قلبه المحبّ أكثر من أي شيء آخر، بل أكثر من الخطية نفسها. ونحن نفهم هذا من أنفسنا. فما من شيء يُحزننا كأن يُسيء أصدقاؤنا الحكم علينا وفهمنا، وينسبوا إلينا دوافع نأنف منها. وما من شيء، في اعتقادي، يُحزن الرب مثل هذا. بل إن هذا في حقيقته عبادة أوثان. فما هي عبادة الأوثان إلا صنع إلهٍ باطل وعبادته؟ وماذا نفعل نحن غير هذا عينه، حين نسمح لأنفسنا أن نُسيء الحكم عليه، وأن ننسب إليه أفعالًا ومشاعر قاسية لا يُوثَق بها؟
ويسمّي الكتاب المقدس هذا وقوعًا في الله. «فَوَقَعُوا فِي ٱللهِ. قَالُوا: ‹هَلْ يَقْدِرُ ٱللهُ أَنْ يُرَتِّبَ مَائِدَةً فِي ٱلْبَرِّيَّةِ؟›» وقد بدا هذا سؤالًا بريئًا جدًّا. ولكن الله كان قد وعد أن يسدّ كل احتياجاتهم في البرية؛ وطرح هذا السؤال كان ينطوي على عدم ثقة خفيّة في قدرته أن يفعل ما وعد به؛ فكان إذًا، على الرغم من مظهره البريء، «وقوعًا في» الله حقًّا. فما كان لإلهٍ صالح أن يقود شعبه إلى البرية ثم يعجز عن أن «يُرَتِّبَ مَائِدَةً» لهم؛ والتساؤل عمّا إذا كان قادرًا على ذلك تلميحٌ بأنه ليس صالحًا.
وبالمثل نُجرَّب أحيانًا تجربةً شديدة أن نسأل سؤالًا مشابهًا. فكثيرًا ما تبدو الظروف وكأنها تجعل من المستحيل على الله أن يسدّ احتياجاتنا، حتى نجد أنفسنا نُجرَّب مرّة بعد مرّة أن «نقع فيه» بالسؤال: أيقدر؟ ومع أنه صنعها مرارًا من قبل، نعجز فيما يبدو عن تصديق أنه يقدر أن يصنعها ثانية، فنحن في قلوبنا «نحدّه»، لأننا لا نصدّق كلمته ولا نتّكل على صلاحه.
ولو كان إيماننا كما ينبغي أن يكون، لما استطاعت أيّ ظروف، مهما كانت معاكسة، أن تجعلنا «نحدّ» قدرة الله على سدّ احتياجاتنا. فالإله القادر أن يصنع الظروف قادر بلا شكّ أن يتحكّم في الظروف، وقادر — حتى في البرية — أن «يُرَتِّبَ مَائِدَةً» لكل المتّكلين عليه.
وفي الكتاب المقدس أسئلة كثيرة مشابهة، كلّ واحد منها يُلقي بالشكّ على صلاح الله، وكلّ واحد منها — وأخشى أن يكون الأمر كذلك — صورة طبق الأصل عن أسئلة يسألها أولاد الله اليوم.
«أَفِي وَسَطِنَا ٱلرَّبُّ أَمْ لَا؟»
«هَلْ نَسِيَ ٱللهُ رَأْفَةً؟»
«هَلِ ٱنْتَهَتْ إِلَى ٱلْأَبَدِ رَحْمَتُهُ؟»
«هَلْ قَفَصَ بِرِجْزِهِ مَرَاحِمَهُ؟»
«هل خابت مواعيد الله إلى الأبد؟»
«لِمَاذَا رَفَضْتَنَا يَا ٱللهُ إِلَى ٱلْأَبَدِ؟»
«لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هَكَذَا؟»
فلنتأمّل هذه الأسئلة قليلًا، ولننظر هل نجد لها نظائر في تساؤلاتنا الخفيّة.
«أَفِي وَسَطِنَا ٱلرَّبُّ أَمْ لَا؟»
لقد أعلن لنا بعبارات لا لبس فيها، كما أعلن لبني إسرائيل، أنه معنا كلّ حين، وأنه لن يتركنا أبدًا؛ ومع ذلك، حين يأتي الضيق، نبدأ كما بدأوا هم نشكّ في كلمته ونتساءل: أهو حاضر حقًّا؟ وقد دعا موسى هذا، حين فعله الإسرائيليون، «تجربةً للرب»، وهو يستحقّ الإدانة عينها حين نفعله نحن. فما من أحد يسأل هذا السؤال إلا وهو يُلقي شكًّا على صدق الرب وأمانته؛ وطرحه — لو كنّا نعلم — إهانة له وافتراء على شخصه. وأعلم، وا أسفاه، أنه سؤال شائع حتى بين أولاد الله أنفسهم، وأعلم أيضًا أن كثيرين منهم يظنّون أن سؤاله وحده هو التواضع الحقيقيّ، وأن التيقّن من حضوره معهم — وهم يشعرون بأنهم خلائق غير مستحقّة إلى هذا الحدّ — قمّة التطاول.
ولكن، ماذا عن كلمته هو في هذا الأمر؟ لقد أعلن لنا بكل وسيلة ممكنة أنه معنا، وأنه لن يُهملنا ولن يتركنا؛ أفنجرؤ أن «نَجْعَلَهُ كَاذِبًا» بتشكيكنا في صدق كلمته؟ إن الإله الصالح لا يقدر أن يكذب، وعلينا أن نكفّ إلى الأبد عن سؤالٍ كهذا. فالرب معنا حقًّا كما نحن مع أنفسنا، وما علينا إلا أن نصدّق أنه معنا، مهما بدا خلاف ذلك.
«هَلْ نَسِيَ ٱللهُ رَأْفَةً؟»
إن طرح هذا السؤال «وقوعٌ فيه» بمثل ما يكون سؤال أمٍّ صالحة إن كانت قد نسيت ولدها. ومع ذلك يقول الرب نفسه: «هَلْ تَنْسَى ٱلْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا؟ حَتَّى هَؤُلَاءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لَا أَنْسَاكِ». ونحن اللواتي نحن أمهات نعرف تمامًا كم نحزن ونشعر بالإهانة لو لمّح أحد إلى إمكان نسياننا أولادنا؛ ونحن الأمهات على الأقلّ، إن لم يفهم أحد سوانا، ينبغي أن نفهم كم يُحزن مثل هذا التساؤل قلب الرب.
«هَلِ ٱنْتَهَتْ إِلَى ٱلْأَبَدِ رَحْمَتُهُ؟» «هَلْ قَفَصَ بِرِجْزِهِ مَرَاحِمَهُ؟»
إن توجيه هذين السؤالين إلى إلهٍ صالح إهانة له. فمن المستحيل أن تُغلَق مراحمه دوننا، أو أن تنتهي رحمته إلى الأبد، كما يستحيل أن تنتهي مراحم الأمّ. يقول المرنّم: «ٱلرَّبُّ صَالِحٌ لِلْكُلِّ، وَمَرَاحِمُهُ عَلَى كُلِّ أَعْمَالِهِ». وهذا لا بدّ أن يكون كذلك بحسب طبيعة الأمور نفسها، لأنه إله صالح، ولا يقدر أن يفعل غير ذلك.
«هل خابت مواعيد الله إلى الأبد؟»
تأتي في حياة كلّ مؤمن أوقات نُجرَّب فيها أن نسأل هذا السؤال. يبدو كلّ شيء سائرًا إلى الخطأ، وتبدو كلّ مواعيد الله وقد سقطت. ولكننا إن تذكّرنا أن الرب صالح، رأينا أنه يكفّ عن أن يكون صالحًا لو أمكن أن يحدث ذلك. فالإنسان الذي ينكث وعوده يُعَدّ إنسانًا دنيئًا لا يُوثَق به؛ والإله الذي يقدر أن ينكث وعوده — لو أمكن تخيّل ذلك — يكون دنيئًا لا يُوثَق به أيضًا. وطرح سؤال كهذا يُلقي وصمةً على صلاحه، يحقّ أن تُوصف بأنها «وقوع في الله». ومهما بدت الأمور، فلنتيقّن من هذا: أنه لأن الله صالح، لم يسقط قطّ وعد من وعوده، ولا يمكن أن يسقط.
قد تزول السماء والأرض، أما كلمته فلا تزول أبدًا.
«لِمَاذَا رَفَضْتَنَا يَا ٱللهُ إِلَى ٱلْأَبَدِ؟»
يستحيل على إلهٍ صالح أن يرفضنا، كما يستحيل على أمٍّ صالحة أن ترفض ولدها. قد نكون في ضيق وظلمة، وقد نشعر كأننا مرفوضون متروكون، ولكن مشاعرنا لا شأن لها بالحقائق، والحقيقة هي أن الله صالح، وأنه لا يقدر أن يفعل ذلك. فالراعي الصالح لا يرفض الخروف الضالّ ولا يكفّ عن الاهتمام به، بل يخرج يطلبه، ويطلبه حتى يجده. والارتياب فيه بأنه رفضنا إلى الأبد جرحٌ لمحبته الأمينة وإحزانٌ لها، كما يُجرَح قلب الأمّ الصالحة لو ظُنّ أنها قادرة على رفض ولدها، مهما بلغ شرود ذلك الولد. والأمر مستحيل في الحالتين، ولكنه في حالة الله أشدّ استحالة منه حتى في حالة أفضل أمٍّ عاشت على الأرض.
«لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هَكَذَا؟»
هذا سؤال كثيرًا ما نميل إلى طرحه. وأظنّ أنه ما منّا أحد تقريبًا إلا وقد جُرِّب في وقت أو آخر أن «يُجَاوِبَ ٱللهَ» في شأن تركيبه الشخصيّ. فنحن لا نحبّ أمزجتنا الخاصة ولا صفاتنا المميّزة، ونشتهي أن نكون مثل غيرنا ممّن نظنّ أنهم نالوا مواهب أعظم في المظهر أو في الموهبة. ونحن غير راضين عن تركيبنا، الداخليّ والخارجيّ معًا، ونوقن أن كلّ إخفاقاتنا سببها أمزجتنا التعِسة؛ فنميل إلى لوم خالقنا لأنه «صَنَعَنَا هَكَذَا».
وأذكر بوضوح وقتًا في حياتي جُرِّبت فيه أن أتمرّد أشدّ التمرّد على تركيبي أنا. كنت إنسانة صريحة اللسان، مفعمة بالنشاط، أجتهد أن أكون مؤمنة صالحة، ولكن ليس عليّ سيماء تقوى خاصة. وكانت لي أخت بلغ من قداسة مظهرها وتقوى هيئتها أنها بدت تجسيدًا للتقوى؛ فأيقنت أنني أستطيع أن أكون مؤمنة أفضل بكثير لو نلت فقط مظهرها القدّيسيّ وهيئتها. ولكن كلّ جهادي لنيلهما ذهب باطلًا.
كان مزاجي الطبيعيّ أنشط وأصرح من أن يحتمل أيّ مظهر من مظاهر القداسة، وكم مرّة قلت في قلبي معاتِبةً الله: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هَكَذَا؟» ثم صادفتُ يومًا في كتاب تصوّفيّ قديم جملةً بدا أنها فتحت عينيّ، وهي: «اقنع بأن تكون ما جعلك إلهك تكون»؛ فلمع في ذهني أنها حقيقة فعلًا أن الله هو الذي صنعني، وأنه لا بدّ يعرف أيّ خليقة يريدني أن أكون؛ وأنه إن كان قد جعلني شجيرة بطاطا، فعليّ أن أقنع بأن أُثمر بطاطا، ولا أشتهي أن أكون شجيرة ورد فأُثمر ورودًا؛ وإن كان قد صاغني للأعمال الوضيعة، فعليّ أن أقنع بأن يقوم غيري بالعمل الأعظم. فنحن «عَمَلُ ٱللهِ»، والله صالح، فلا بدّ أن يكون عمله صالحًا أيضًا؛ ولنا أن نثق واثقين أنه قبل أن يفرغ منّا سيصنع منّا شيئًا يكون لمجده، مهما شعرنا الآن بأننا أبعد ما نكون عن ذلك.
ويبدو أن المرنّم كان يتلذّذ بترديد هذه اللازمة المباركة مرّة بعد مرّة: «ٱلرَّبُّ صَالِحٌ». وحريّ بك أن تأخذ فهارس الكتاب المقدس وترى كم مرّة قالها. وقد حثّ الجميع أن ينضمّوا إليه في قولها؛ وكان صراخه الحارّ: «لِيَقُلْ مَفْدِيُّو ٱلرَّبِّ». وعلينا أن نضمّ أصواتنا إلى صوته: الرب صالح — الرب صالح. ولكن يجب ألّا نقولها بشفاهنا فقط، ثم نُكذّب كلامنا بأعمالنا. علينا أن «نقولها» بكياننا كلّه، بالفكر والقول والعمل، حتى يرى الناس أننا نعنيها حقًّا، ويقتنعوا بأنها حقيقة هائلة.
وكثير من الأمور في تدابير الله الإلهية لا تبدو صلاحًا في عين الحواسّ، وقد نتعجّب ونحن نقرأ المزامير كيف استطاع المرنّم أن يقول، بعد بعض ما يرويه: «لِأَنَّ إِلَى ٱلْأَبَدِ رَحْمَتَهُ». ولكن الإيمان يجلس أمام أسرار كهذه ويقول: «الرب صالح، فكلّ ما يصنعه لا بدّ أن يكون صالحًا، مهما بدا؛ وأنا أستطيع أن أنتظر تفسيراته».
وكثيرًا ما أعانني هنا مثالٌ من تدبير البيت. فإن كانت لي صديقة أعرف أنها مدبّرة بيتٍ صالحة، لا أنزعج إن بدت الأمور في بيتها زمن التنظيف الشامل مقلوبة رأسًا على عقب: السجّاد مرفوع، والأثاث مغطّى بالأغطية، بل ربما جعل الدهان والتزيين بعض الغرف غير صالحة للسكنى. فأقول في نفسي: «صديقتي مدبّرة بيتٍ صالحة، ومع أن الأمور تبدو الآن غير مريحة، فليس هذا الاضطراب كلّه إلا لأنها تقصد في النهاية أن تجعل البيت أكثر راحة ممّا كان من قبل».
وهذا العالم هو بيت الله الذي يدبّره؛ ومع أن الأمور تبدو الآن مضطربة اضطرابًا موجعًا، فإننا إذ نعلم أنه صالح، ولا بدّ بالتالي أن يكون مدبّر بيتٍ صالحًا، نستطيع أن نتيقّن تمام اليقين أن كلّ هذا الاضطراب الحاضر إنما هو ليأتي في النهاية بحالٍ أفضل بكثير ممّا كان يمكن أن يكون بدونه. وأجرؤ أن أقول إننا شعرنا جميعًا أحيانًا كأننا كنّا نستطيع أن ندبّر بيت الله خيرًا ممّا يدبّره هو نفسه، ولكننا حين ندرك أن الله صالح لا نعود نشعر بذلك. وإنه ليعزّيني تعزية عظيمة، حين يبدو لي العالم سائرًا كلّه إلى الخطأ، أن أقول لنفسي: «ليس هذا بيتي أنا لأدبّره، بل هو بيت الرب؛ والرب صالح، فلا بدّ أن يكون تدبيره صالحًا أيضًا؛ ومن الحماقة أن أنزعج».
سأل ابنٌ لله يائسٌ مؤمنًا عميق التعليم: «أما يبدو لك العالم حطامًا؟»
«بلى»، كان الجواب بنبرة ثقةٍ فرحة؛ «بلى، مثل حطام بذرةٍ تتشقّق».
وكلّ من راقب منّا أوّل براعم شجرة السنديان تنبثق من قلب بلّوطةٍ متحلّلة سيفهم ما يعنيه هذا. فقبل أن تُخرج البلّوطة السنديانة، لا بدّ أن تصير هي نفسها حطامًا. وما خرج نبات قطّ إلا من بذرةٍ تحطّمت.
ويستخدم ربّنا هذه الحقيقة ليعلّمنا معنى تعاملاته معنا. «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ ٱلْحِنْطَةِ فِي ٱلْأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ». يوحنا 12:24.
وهنا يُوضَع التفسير الكامل للحطام الظاهر في العالم كلّه، أو في حياتنا الشخصية على وجه الخصوص. وإذا نظرنا إلى الأمر في هذا النور، أمكننا أن نفهم كيف يكون الرب صالحًا ومع ذلك يسمح بوجود الحزن والشرّ في العالم الذي خلقه، وفي حياة البشر الذين يحبّهم. إن صلاحه هو عينه ما يدفعه إلى السماح بذلك. فهو يعلم أنه من خلال هذا الحطام الظاهر وحده يمكن أن تتحقّق ثمار مقاصده المجيدة لنا. ونحن الذين تشتاق قلوبنا أيضًا إلى تلك الثمار، إن فهمنا طرقه، نستطيع أن نسبّحه على كلّ صلاحه، حتى حين تبدو الأمور في أشدّ عسرها وأعمق غموضها.
ويخبرنا الرسول أن مشيئة الله هي «ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ». فمشيئة إلهٍ صالح لا يمكن إلا أن تكون «صالحة» — بل لا بدّ أن تكون كاملة؛ وحين نعرف هذا، نجدها دائمًا «مرضية»، أي إننا نصير نحبّها. وأنا مقتنعة أن كلّ عناء التسليم لمشيئة الله سيزول، لو رأينا مرّة واحدة بوضوح أن مشيئته صالحة.
نحن نجاهد ونجاهد عبثًا لنسلّم لمشيئة لا نؤمن أنها صالحة، ولكننا حين نرى أنها صالحة حقًّا نسلّم لها بابتهاج. بل نشتهي أن تتمّ. وتنطلق قلوبنا للقائها.
أعبدكِ يا مشيئة الله العذبة!
ولكلّ طرقكِ أسجد؛ وكلّما عشتُ يومًا، خُيِّل إليّ أنني أحبّكِ أكثر فأكثر.
أحبّ أن أقبّل كلّ أثرٍ وضعتِ فيه قدميكِ الخفيّتين: لا أستطيع أن أخافكِ، أيتها المشيئة المباركة!
فما أعذب سلطانكِ.
ويضيق المقام عن أن أقول كلّ ما أستطيع عن صلاح الرب اللانهائيّ. فعلى كلّ واحد أن «يذوق وينظر» بنفسه. وإن فعل ذلك بأمانة وصدق، صدق عليه قول المرنّم: «ذِكْرَ كَثْرَةِ صَلَاحِكَ يُبْدُونَ، وَبِعَدْلِكَ يُرَنِّمُونَ». مزمور 145:7