فصل 6 · قراءة 16 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
يهوه
«وَيَعْلَمُوا أَنَّكَ ٱسْمُكَ يَهْوَهُ وَحْدَكَ، ٱلْعَلِيُّ عَلَى كُلِّ ٱلْأَرْضِ» (مزمور 83:18).
مِنْ بين جميع أسماء الله، لعلّ أشملها جميعًا هو «يهوه». ومعنى هذا الاسم: الكائن بذاته، «أَهْيَهِ ٱلَّذِي أَهْيَهْ». إنه يُعلن ما هو اللهُ في ذاته. وفي بعض الأحيان تُضاف إليه أسماء أخرى تُظهر جوانب بعينها من صفاته: يَهْوَهْ يِرْأَهْ — الربُّ يُدبِّر.
يَهْوَهْ نِسِّي — الربُّ رايتي.
يَهْوَهْ شَلُومْ — الربُّ سلامنا.
يَهْوَهْ صِدْقِينُو — الربُّ برُّنا.
يَهْوَهْ شَمَّهْ — الربُّ هناك.
وهذه الأسماء إنما اكتُشفت في أوقات الحاجة. فحين أوشك إبراهيم أن يُقدِّم ابنه ذبيحة ولم يرَ أمامه مخرجًا، دبَّر الله له خروفًا. عندئذٍ أدرك إبراهيم أن الله يُدبِّر لشعبه.
وهذه الحقيقة عينها يُكرِّرها العهد الجديد: «لِأَنَّ أَبَاكُمُ ٱلسَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا» (متى 6:32).
فإن كان الله يرى احتياجاتنا ويعلمها، فلا شكّ أنه سيُدبِّرها.
مرارًا وتكرارًا يُلحّ علينا ربُّنا ألّا نهتمّ، لأن الله يعتني بنا. «لِأَنَّ أَبَاكُمُ ٱلسَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ» — هكذا يقول — «أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا» (الكتاب المقدس، متى 6:32). فإن كان الربّ يرى احتياجنا ويعلمه، فالنتيجة الطبيعية أنه سيُدبِّره.
وهو، إذ هو أبونا، لا يستطيع أن يصنع غير ذلك. فالأمّ الصالحة، ما إن ترى أن ولدها محتاج إلى شيء، حتى تُبادر في الحال إلى سدّ ذلك الاحتياج. بل هي لا تنتظر أن يطلب الولد؛ يكفيها أن ترى الحاجة. وهي، إذ هي أمّ صالحة، لا تقدر أن تتصرّف على نحو آخر. فحين يقول لنا الله: «أنا هو الذي يرى احتياجك»، فإنه في حقيقة الأمر يقول أيضًا: «أنا هو الذي يُدبِّر»، لأنه لا يقدر أن يرى ثم لا يُدبِّر.
«ولماذا إذًا لا أنال كلّ ما أريد؟» قد تسأل. لا لشيء إلا لأن الله يرى أن ما تريده ليس في الحقيقة ما تحتاج إليه، بل لعلّه نقيضه تمامًا. وكثيرًا ما يكون على الربّ، لكي يُعطينا ما نحتاج إليه، أن يمنع عنّا ما نريده. «لِأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ» (متى 6:8). أمّا أنت فلا تعلم؛ ولو أُعطيتَ كلّ ما تريد، لَرُبَّما بقيت احتياجاتك الحقيقية كلّها بلا سدّ. وحسبُنا يقينًا أن إلهنا هو يَهْوَهْ يِرْأَهْ، الربُّ الذي يرى ولذلك يُدبِّر.
لكنني أخشى أن كثيرين من المسيحيين اليوم لم يكتشفوا قطُّ ما اكتشفه إبراهيم، ولا يعرفون أن الربّ هو حقًّا يَهْوَهْ يِرْأَهْ. قد يأتمنونه على خلاص نفوسهم في المستقبل، لكن لا يخطر لهم قطّ أنه يريد أن يحمل عنهم همومهم هنا والآن. إنهم أشبه برجل سمعتُ عنه، كان يحمل حِملًا ثقيلًا على ظهره، فعرض عليه صديق أن يُقلّه في مركبته، فقبِل شاكرًا. صعد إلى المركبة، لكنه أبقى الحِمل على ظهره، وجلس منحنيًا تحت ثِقله. فسأله صديقه: «ولماذا لا تضع حِملك على أرض المركبة؟»
فأجاب الرجل: «آه، يكفي أنك تحملني أنا، ولا يسعني أن أطلب إليك أن تحمل حِملي أيضًا». ولعلّك تعجب كيف يبلغ بأحدٍ الحُمق هذا المبلغ، ولكن ألستَ تصنع أنت الشيء نفسه؟ ألستَ تتّكل على الربّ أن يعتني بك، وأنت مع ذلك لا تزال تحمل أثقالك بنفسك؟ فأيّهما أشدّ حماقة: ذلك الرجل أم أنت؟
أمّا يَهْوَهْ نِسِّي، أي «الربُّ رايتي»، فقد كان اكتشافًا ناله موسى حين جاء عماليق ليُحارب إسرائيل في رفيديم، فأعطى الربُّ إسرائيلَ نُصرةً عظيمة. أدرك موسى أن الربّ هو الذي يُحارب عنهم، فبنى مذبحًا ودعا اسمه «يَهْوَهْ نِسِّي» (خروج 17:15). والكتاب المقدس مملوء بالتعبير عن هذه الحقيقة: «ٱلرَّبُّ رَجُلُ ٱلْحَرْبِ. ٱلرَّبُّ ٱسْمُهُ» (خروج 15:3). «ٱلرَّبُّ إِلَهُكُمُ ٱلسَّائِرُ أَمَامَكُمْ هُوَ يُحَارِبُ عَنْكُمْ» (تثنية 1:30). «ٱلرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ» (خروج 14:14). «لَا تَخَافُوا وَلَا تَرْتَاعُوا بِسَبَبِ هَذَا ٱلْجُمْهُورِ ٱلْكَثِيرِ، لِأَنَّ ٱلْحَرْبَ لَيْسَتْ لَكُمْ بَلْ لِلهِ» (2 أخبار الأيام 20:15). «وَهُوَذَا مَعَنَا ٱللهُ رَئِيسًا».
(2 أخبار الأيام 13:12).
ما من شيء يُعلنه الكتاب المقدس أوضح من هذا: أن الربّ يُحارب عنّا إن نحن سمحنا له فقط. فهو يعلم أنه ليست فينا قوّة أمام أعدائنا الروحيين؛ وكأمٍّ حنون حين يُعتدى على أولادها العاجزين، يُحارب هو عنّا. وكلّ ما يطلبه منّا أن نسكن ونتركه يعمل. وهذا هو النوع الوحيد من الجهاد الروحي الذي يُفلح. غير أننا بطيئون في تعلّم هذا. فحين تأتي التجارب، عوض أن نُسلّم المعركة إلى الربّ، نحشد كلّ قوانا لنُحاربها بأنفسنا. وربما آمنّا أن الربّ قريب وأنه سيُعين إن اشتدّ الأمر؛ لكننا في الأغلب نشعر أن علينا نحن أن نخوض القتال كلّه.
وطريقتنا في القتال تقوم عادةً على توبة متكرّرة، وعزائم ووعود، وكفاح مرير في طلب الغلبة، ثم سقوط من جديد؛ يتبعه مزيد من التوبة، ومزيد من العزائم، ومزيد من الوعود، وكفاح مستأنف — مرّة بعد مرّة. وفي كلّ مرّة نقول لأنفسنا إننا لا بدّ ناجحون هذه المرّة، وفي كلّ مرّة نسقط، وكثيرًا ما يكون سقوطنا أشدّ من قبل. وقد يمتدّ هذا أسابيع وشهورًا، بل سنين، دون أيّ تحرير حقيقي أو دائم.
ولعلّك تسأل: «أفلا نُحارب البتّة؟» بلى، علينا أن نُحارب، ولكن لا على هذا النحو. علينا أن نُجاهد «جِهَادَ ٱلْإِيمَانِ ٱلْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ ٱلَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضًا، وَٱعْتَرَفْتَ ٱلِٱعْتِرَافَ ٱلْحَسَنَ» (1 تيموثاوس 6:12)، وجهاد الإيمان ليس كفاح جهدٍ، بل كفاح ثقة. إنه أشبه بحرب الملك حزقيا، حين وقف هو وشعبه أمام عدوّهم فوجدوا أنه «وَلَمَّا ٱبْتَدَأُوا فِي ٱلْغِنَاءِ وَٱلتَّسْبِيحِ جَعَلَ ٱلرَّبُّ أَكْمِنَةً… فَٱنْكَسَرُوا» (2 أخبار الأيام 20:22). ونصيبنا نحن أن نُسلّم المعركة إلى الربّ ونثق به للنُّصرة.
ليس هنا ذكرٌ لوعود ولا لعزائم؛ ولا لساعات أو أيام من كفاح مُضنٍ أو ندمٍ مرير. «حَامِلِينَ فَوْقَ ٱلْكُلِّ تُرْسَ ٱلْإِيمَانِ، ٱلَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ ٱلشِّرِّيرِ ٱلْمُلْتَهِبَةِ» (الكتاب المقدس، أفسس 6:16). فوق الكلّ: الإيمان.
الإيمان هو الأمر الجوهري الأوحد، الذي بدونه يصير كلُّ ما عداه بلا نفع. ومعناه أنه لا يكفي أن نُسلّم المعركة إلى الربّ، بل أن نتركها له أيضًا، وأن نثق كلّ الثقة أنه هو الغالب.
وهنا يقع الجهاد الحقيقي. فالسكون والاتّكال البسيط على الربّ يبدو لنا أمرًا غير مأمون، والتجربة إلى استرداد المعركة إلى أيدينا كثيرًا ما تكون شديدة. وكفُّ أيدينا في الأمور الروحية عسير علينا عُسْرَ أن يكفّ الغريق عن مصارعة مَن يحاول إنقاذه. وكلّنا نعلم أنه يستحيل إنقاذ غريق ما دام يُقاوم مُنقذه؛ وكذلك يستحيل على الربّ أن يُحارب حروبنا عنّا ونحن مُصرّون على محاربتها بأنفسنا. وليس الأمر أنه لا يشاء، بل أنه لا يستطيع. فتدخُّلنا يُعطِّل عمله. إن القوى الروحية لا تعمل ما دامت الجهود الأرضية تستولي على الميدان.
يقول لنا ربُّنا: «بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا» (يوحنا 15:5)، وقد قرأنا هذه الكلمات وردّدناها مرارًا؛ ولكن هل يؤمن بها أحدٌ حقًّا؟ لو صدقنا مع أنفسنا في أفكارنا الخفيّة، أفلا نجد فيها شيئًا كهذا: «لا شكّ أن المسيح حين قال ذلك القول عنى أننا لا نقدر أن نفعل الكثير بأنفسنا، أو على الأقلّ لا نقدر على شيء عظيم. أمّا ألّا نقدر على شيء البتّة، فهذا لا يمكن أن يكون صحيحًا. لسنا أولادًا عاجزين، ولا بدّ أنه مقصودٌ لنا أن نستخدم كلّ ما فينا من قوّة لنُحارب أعداءنا؛ فإذا خانتنا تلك القوّة، عندئذٍ نطلب من الربّ العون».
ورغم كلّ إخفاقاتنا، ما زلنا نميل إلى الظنّ أننا لو اجتهدنا أكثر وثابرنا أكثر لَنجحنا في كلّ حال. لكننا نُغفل إغفالًا تامًّا تلك الحقيقة الحاسمة: أن قدراتنا الطبيعية لا تنفع شيئًا في الأمور الروحية ولا في مواجهة الأعداء الروحيين.
إن يَرَقة اليعسوب، وهي تعيش في قاع البِركة، قد تكون قويّة تامّة النموّ بحسب بيئتها؛ لكنها متى صارت يعسوبًا، لم تعد القدرات التي أعانتها على الزحف في الطين تنفعها شيئًا في الطيران في الهواء الطلق. وهكذا نحن: كما أن قدرتنا على المشي على الأرض لا تنفعنا شيئًا لو احتجنا إلى الطيران، كذلك قدراتنا الطبيعية لا تنفع في الحرب الروحية. بل إننا إن اتّكلنا عليها صارت عوائق حقيقية — تمامًا كما تُعيقنا محاولة المشي لو كان المقصود بنا أن نطفو أو نطير.
فنرى إذًا أن الاتّكال على أنفسنا في مواجهة الأعداء الروحيين له عواقب وخيمة. فهو لا يؤدّي إلى الإخفاق فحسب، بل ينتهي بنا إلى التمرّد. وكثير ممّا يُسمّى «جهادًا روحيًّا» أدقُّ ما يوصف به أنه «تمرّد روحي». فالله قد أمرنا أن نكفّ عن الاتّكال على جهودنا وأن نُسلّم حروبنا إليه، ونحن نأبى أن نُطيع. نحن نُحارب فعلًا، ولكنه ليس جهاد إيمان؛ بل هو جهاد عدم إيمان. وذلك «الصراع» الذي كثيرًا ما نفتخر به ليس صراعًا لله ضدّ أعدائه، بل صراعًا ضدّه إلى جانب أعدائه. فنحن نُطلق العنان للشكوك والمخاوف لتنمو، فنسقط نتيجةً لذلك في الظلمة والاضطراب والصراع الداخلي. ثم نُسمّي هذا «جهادًا روحيًّا»، ونحسب أنفسنا حالة خاصّة غير مألوفة. والكلمة الواحدة التي تُفسّر هذه الحال هي عدم الإيمان، والدواء البسيط هو الإيمان.
ولعلّك تسأل عن مصارعة يعقوب — أفلم ينل الغلبة بالكفاح؟ الحقّ أنه نال الغلبة حين ضَعُف عن أن يُصارع بعدُ. فلم يكن يعقوب هو الذي يُصارع الملاك، بل الملاك هو الذي كان يُصارع يعقوب. فيعقوب هو الذي كان ينبغي أن يُغلَب. ولمّا رأى الملاك أن مقاومة يعقوب أشدّ من أن تُقهَر، ضرب حُقّ فخذه فخلعه؛ وعندئذٍ تمّت الغلبة. فما إن صار يعقوب أضعف من أن يُقاوم، حتى غلب مع الله. نال القوّة حين فقدها. وانتصر حين لم يعد يقدر أن يُحارب.
وتجربة يعقوب مرآةٌ لتجربتنا نحن. فالربّ يُصارعنا ليأتي بنا إلى الاتّكال الكامل عليه. ونحن نُقاوم ما دامت فينا قوّة، حتى يأتي بنا أخيرًا إلى موضع العجز حيث لا مفرّ من التسليم؛ وعندئذٍ نغلب بذلك التسليم عينه. فنُصرتنا أبدًا نُصرة ضعف. وقد أدرك بولس هذا حين كتب: «فَقَالَ لِي: تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي ٱلضَّعْفِ تُكْمَلُ. فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِٱلْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ ٱلْمَسِيحِ… لِأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ» (2 كورنثوس 12:9-10).
فأيُّ نُصرةٍ أمجد من هذه يطلبها أحد؟
وهذه النُّصرة تصير لنا إن نحن اتّخذنا الربّ رايةً لنا وأسلمنا إليه حروبنا كلّها. أمّا اسم يَهْوَهْ شَلُومْ، ومعناه «الربُّ سلام»، فقد اكتشفه جدعون حين دعاه الربّ إلى عملٍ شعر أنه غير أهلٍ له البتّة. فقال: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، بِمَاذَا أُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ؟ هَا عَشِيرَتِي هِيَ ٱلذُّلَّى فِي مَنَسَّى، وَأَنَا ٱلْأَصْغَرُ فِي بَيْتِ أَبِي» (قضاة 6:15). فقال له الربّ: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، وَسَتَضْرِبُ ٱلْمِدْيَانِيِّينَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ» (قضاة 6:16)… «ٱلسَّلَامُ لَكَ. لَا تَخَفْ. لَا تَمُوتُ» (قضاة 6:23). حينئذٍ آمن جدعون بالربّ؛ ومع أن المعركة لم تكن قد خِيضت بعدُ ولم تُرَ نُصرةٌ بعدُ، فقد رأى بالإيمان السلام مضمونًا سلفًا. فبنى مذبحًا للربّ ودعاه «يَهْوَهْ شَلُومْ» (قضاة 6:24).
وليس في احتياجات القلب البشري كلّها احتياجٌ أعظم من الاحتياج إلى السلام، ولا احتياجٌ وُعِد به في الإنجيل وعدًا أكمل منه. «سَلَامًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلَامِي أُعْطِيكُمْ… لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَرْهَبْ» (يوحنا 14:27). وأيضًا: «قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلَامٌ. فِي ٱلْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ ٱلْعَالَمَ» (يوحنا 16:33).
كثيرًا ما نظنّ أن السلام لا بدّ أن يأتي من هدوء الظروف الخارجية — أن يزول كلُّ عدوّ وينتهي كلُّ ضيق. لكن الربّ يتكلّم عن سلامٍ داخلي يستطيع أن يوجد في وسط الاضطراب عينه ويعلو فوقه. وأساس هذا السلام ليس أننا نحن غلبنا العالم، أو أننا نقدر يومًا أن نغلبه، بل أن المسيح قد غلبه. فالغالبُ وحده هو الذي يملك أن يُعلن السلام، وأمّا الذين حارب عنهم فليس لهم إلا أن يدخلوا فيه. لا يقدرون أن يصنعوه ولا أن ينقضوه. لكنهم يقدرون أن يأبوا تصديقه، فلا يدعونه يملك في قلوبهم. وقد تتردّد أنت في تصديق أن المسيح قد صنع لك سلامًا، فتبقى في حال من الصراع القلق؛ ومع ذلك فهو قد صنعه فعلًا، وكفاحك المستمرّ لا موجب له.
يقول لنا الكتاب المقدس إن المسيح نفسه هو سلامنا (أفسس 2:14). فسواء شعرتُ بالسلام أم لم أشعر، فالسلام لي في المسيح، وعليّ أن أتناوله بالإيمان. فالإيمان إنما يُصدِّق ما قاله الله ويُعلنه. فإن قال الله إن هنالك سلامًا، صادَق الإيمان على قوله ودخل فيه. وإن كان الله قد أعلن السلام في كلمته، فعليّ أنا أن أُعلنه في قلبي، مهما بدت الظواهر. «لَيْسَ مَلَكُوتُ ٱللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلَامٌ وَفَرَحٌ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (رومية 14:17)، ومَن لم يدخل بعدُ في السلام فهو لم يدخل بعدُ دخولًا كاملًا في هذا الملكوت.
وفي الاختبار العملي نقدر دائمًا أن ندخل إلى السلام بمجرّد الطاعة لما في فيلبي 4:6-7: «لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ وَسَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ». والخطوات واضحة كلّ الوضوح، وهما خطوتان لا غير: أوّلًا، اترك كلّ اهتمام؛ ثانيًا، سلِّم همومك إلى الله. ثم اثبت هناك ثباتًا — ولا بدّ أن يأتي السلام. لا بدّ، لأنه ليس شيء آخر يقدر أن يحلّ محلّه.
أمّا اسم يَهْوَهْ صِدْقِينُو، ومعناه «الربُّ برُّنا»، فقد أعلنه الربّ على لسان النبيّ إرميا حين تكلّم عن مجيء المسيح: «هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرٍّ… وَهَذَا هُوَ ٱسْمُهُ ٱلَّذِي يَدْعُونَهُ بِهِ: ٱلرَّبُّ بِرُّنَا» (إرميا 23:5-6).
وأعظم من كلّ احتياج آخر احتياجُنا إلى البرّ. فمعظم ما في حياتنا المسيحية من كفاح وصراع إنما ينشأ من حروبنا مع الخطية ومن سعينا لنصير أبرارًا. ولا حاجة إلى القول كم مرّة نُخفق. فما دمنا نحاول أن نغلب الخطية أو أن نُحصِّل البرّ بجهودنا الذاتية، فالإخفاق مصيرنا لا محالة. أمّا إن اكتشفنا أن الربّ هو برُّنا، فقد وجدنا سرّ الغلبة.
وفي الربّ يسوع المسيح لنا إعلانٌ أكمل لهذا الاسم العجيب من أسماء الله. فالرسول بولس، إذ يتكلّم كسفيرٍ عن المسيح، يُعلن أن الله «جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ» (الكتاب المقدس، 2 كورنثوس 5:21). ويقول أيضًا: «وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ ٱللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً» (1 كورنثوس 1:30).
وأخشى أن قليلين جدًّا من المسيحيين يفهمون حقًّا ما يعنيه هذا. فنحن نُردّد هذه الكلمات كجزء من لغتنا الدينية، ونحسبها على نحوٍ مبهم من متعلّقات خلاص المسيح؛ أمّا ما تعنيه في الحقيقة، أو كيف تنطبق في الحياة اليومية، فنكاد لا ندرك منه شيئًا.
وهذا الاسم من أسماء الله — «الربُّ برُّنا» — له عندي من الأهمية العملية ما يجعلني أودّ، إن أمكن، أن أُوضّحه. وليس ذلك بالهيّن، ولا أستطيع أن أشرحه شرحًا لاهوتيًّا. غير أنه في الاختبار يبدو هكذا: لسنا مدعوّين أن نُكدِّس البرّ في داخلنا، كأنّما نستطيع أن نغترف منه عند الحاجة. بل نحن ننال مددًا جديدًا متّصلًا، كلّما احتجنا، من البرّ المذخور لنا في المسيح.
وبعبارة أخرى: إن احتجنا إلى أيّ نوع من البرّ — صبرًا أو تواضعًا أو محبّة — فلا جدوى من أن ننظر إلى داخلنا راجين أن نجده هناك، فلن نجده أبدًا. بل علينا ببساطة أن نتناوله بالإيمان، بوصفه شيئًا قد أُعطي لنا في المسيح الذي هو برُّنا. وقد لا أقدر أن أشرح كيف يجري هذا على وجه التحديد، لكنني أعرف بالاختبار أنه يجري، وأن نتائجه حقيقية وقويّة. لقد رأيت الوداعة واللطف يُسكبان كضوء الشمس في قلوب كانت من قبلُ مُرّةً مُظلمة، حين امتدّ الإيمان ليتناولهما مُلكًا حاضرًا في المسيح. ورأيت الكلمات القاسية تصير رقيقة، والقلوب القلقة تهدأ، والأرواح المضطربة تسكن، بهذا العمل الإيماني البسيط — تناوُلِ البرّ الذي هو لنا في المسيح.
والرسول، بعد أن بيّن في الأصحاح الثالث من رومية أنه يستحيل علينا أن ننال البرّ بالناموس — أي بجهودنا الذاتية — يمضي فيقول: «وَأَمَّا ٱلْآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ ٱللهِ بِدُونِ ٱلنَّامُوسِ… بِرُّ ٱللهِ بِٱلْإِيمَانِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ» (رومية 3:21-22).
فالإيمان، والإيمان وحده، هو الذي يتناول هذا البرّ الذي هو لنا في المسيح. وكما ننال الغفران بالإيمان، هكذا علينا أن ننال الصبر والوداعة والحِلم وطول الأناة، أو أيّ فضيلة أخرى نحتاج إليها — بالإيمان. فجهودنا الذاتية لا تقدر أن تُنتج البرّ، كما لا تقدر أن تُنتج الغفران. ومع ذلك، فكم من المسيحيين ما زالوا يحاولون!
ويصف بولس هؤلاء بقوله: «أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً لِلهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْمَعْرِفَةِ. لِأَنَّهُمْ إِذْ كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ ٱللهِ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ ٱللهِ. لِأَنَّ غَايَةَ ٱلنَّامُوسِ هِيَ: ٱلْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ» (رومية 10:2-4).
فليت جميع هذه النفوس المُخلصة تكتشف هذا الاسم العجيب من أسماء الله — «الربُّ برُّنا» — فتكفّ عن محاولة إثبات برّ أنفسها، وتخضع عوضًا عن ذلك لبرّ الله. يقول لنا النبيّ إن أفضل ما لنا من برّ إنما هو «وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ» (إشعياء 64:6). ويُعبِّر بولس عن اشتياقه أن «وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّامُوسِ، بَلِ ٱلَّذِي بِإِيمَانِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلْبِرُّ ٱلَّذِي مِنَ ٱللهِ بِٱلْإِيمَانِ» (فيلبي 3:9).
أفنفهم حقًّا ما يعنيه هذا؟ وهل نحن مستعدّون أن نحتضنه بكلّ قلوبنا؟ فإن كان الأمر كذلك، فإن كفاحنا لكي نصير أبرارًا ينتهي. ويَهْوَهْ صِدْقِينُو يسدّ كلّ احتياج.
أمّا اسم يَهْوَهْ شَمَّهْ، ومعناه «الربُّ هناك»، فقد أُعلن للنبيّ حزقيال حين أُريَ في رؤيا، في السنة الخامسة والعشرين من السبي، ما سيكون مسكن بني إسرائيل في المستقبل. فوصف الأرض ومدينة أورشليم، وختم قائلًا: «وَٱسْمُ ٱلْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ: يَهْوَهْ شَمَّهْ» (حزقيال 48:35).
وهذا الاسم يتضمّن عندي سائر الأسماء. فحيثما يكون الربّ، لا بدّ أن يكون كلُّ شيء على ما يُرام لأولاده. فحيث تكون الأمّ الصالحة، تسير الأمور بأولادها سيرًا حسنًا، بقدر ما تستطيع أن تُدبِّر لهم.
فكم بالحريّ يصدق هذا على الله! إن حضوره وحده يكفي.
وكلّنا نذكر كيف كان مجرّد وجود أمّنا يكفينا ونحن أطفال. فكلّ ما كنّا نحتاج إليه من تعزية وراحة وعون كان يبدو مضمونًا لمجرّد كونها هناك — جالسةً في موضعها المعتاد مع شُغلها أو كتابها — ونحن نأتي إليها بمتاعبنا. فلو أدركنا فقط أن حضور الله يمنحنا اليقين عينه — بل أعظم منه بما لا يُقاس — لانفتح في حياتنا الروحية ينبوع فرحٍ عميق يطرد كلّ أثر للخوف والضيق.
وفي العهد القديم كلّه، كان جواب الربّ على مخاوف إسرائيل وهمومه هو هذا ببساطة: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ» (خروج 3:12). ولم تكن الحاجة تدعو إلى قول أكثر من ذلك. فقد كان حضوره ضمانًا كاملًا أن كلّ احتياجاتهم ستُسدّ؛ ومتى تيقّنوا من ذلك لم يعودوا يخافون أن يُواجهوا أعتى عدوّ. ولعلّك تقول: «آه، نعم، لو أن الربّ قال لي أنا الشيء نفسه، لَمَا خِفتُ أنا أيضًا». حسنًا، إنه قد قاله، وقاله بعبارة لا تحتمل اللبس. فحين بشّر «ملاك الربّ» يوسفَ بميلاد المسيح المزمع، قال: «هُوَذَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْنًا، وَيَدْعُونَ ٱسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ ٱلَّذِي تَفْسِيرُهُ: ٱللهُ مَعَنَا» (متى 1:23). وفي هذه الجملة القصيرة يُعلَن لنا أعظم واقعٍ يمكن للعالم أن يعرفه — أن الله، الإله القدير، خالق السماء والأرض، ليس إلهًا بعيدًا ساكنًا في سماء مجدٍ لا يُدنى منه، بل قد نزل في المسيح ليسكن معنا هنا في هذا العالم عينه، في وسط حياتنا المسكينة الجاهلة العاجزة، قريبًا منّا قُربَنا من أنفسنا. وإن كنّا نؤمن بالمسيح أصلًا، فنحن مُضطرّون أن نؤمن بهذا، لأن هذا هو اسمه: «ٱللهُ مَعَنَا».
فهذان الاسمان إذًا، يَهْوَهْ شَمَّهْ وعمانوئيل، يعنيان الشيء نفسه. يعنيان أن الله حاضرٌ في كلّ موضع من كونه، مُحيطٌ بكلّ شيء، حافظٌ لكلّ شيء، ماسكٌ بنا جميعًا في حفظه الأمين المبارك. ويعنيان أننا لا نجد في كونه كلّه موضعًا واحدًا لا يُقال عنه: «الربُّ هناك». يقول المرنّم: «أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي ٱلْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ ٱلصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي ٱلْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ» (مزمور 139:7-10).
لا نستطيع أن ننجرف بعيدًا عن محبّة إلهٍ حاضرٍ أبدًا وعن عنايته. وأولئك المسيحيون الذين يظنّون أنه قد تركهم، فيصرخون طالبين حضوره، إنما يصرخون وهم يجهلون أنه حاضرٌ معهم في كلّ حين وفي كلّ مكان. والحقّ أنهم لا يقدرون أن يخرجوا من حضرته ولو حاولوا. فيا ليتهم يعرفون هذا الاسم العجيب المُشبِع من أسماء الله!
كلِّمْهُ، فإنه يسمع؛ والروح تلتقي بالروح؛ وهو أقربُ إليك من نَفَسِك، وأدنى من يديك وقدميك.
فلنُجمِلْ مرّةً أخرى ما تُعلّمنا إيّاه هذه الأسماء الخمسة من أسماء الله. ماذا تقول لنا؟
يَهْوَهْ يِرْأَهْ، أي: «أنا هو الذي يرى احتياجك، ولذلك يُدبِّره».
يَهْوَهْ نِسِّي، أي: «أنا هو القائد، وأنا رايتك، وأنا الذي يُحارب حروبك عنك».
يَهْوَهْ شَلُومْ، أي: «أنا سلامك. أنا صنعتُ لك سلامًا، وسلامي أُعطيك».
يَهْوَهْ صِدْقِينُو، أي: «أنا برُّك. فيَّ تجد كلّ ما تحتاج إليه من حكمةٍ وبرٍّ وقداسةٍ وفداء».
يَهْوَهْ شَمَّهْ، أي: «أنا معك. أنا إلهك ومُخلِّصك، الحاضر في كلّ حين، المُحيط بكلّ شيء. لا أُهملك ولا أتركك. حيثما ذهبتَ فأنا هناك، وهناك تُمسكك يدي وتَهديك يميني».
وهذا كلّه حقّ، سواء عرفناه وأقررنا به أم لم نعرف. ربما لم يخطر لنا قطُّ أن الله إلهٌ كهذا، وربما مضينا في حياتنا إلى اليوم جياعًا مُتعَبين بائسين. غير أننا كنّا طوال الوقت نتضوّر جوعًا في وسط الشبع. لقد كان مِلءُ خلاص الله ينتظر إيماننا؛ و«فَيْضَ ٱلنِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ ٱلْبِرِّ» (رومية 5:17) ينتظران أن نتناولهما.
وددتُ لو أستطيع أن أُصدِّق أن هذا كلّه قد انتهى عند بعض قرّائي، وأنهم من الآن فصاعدًا سيرون أن أسماء الله الجامعة هذه لا تترك من احتياجهم زاويةً صغيرة واحدة بلا سدّ.
عندئذٍ يستطيعون أن يشهدوا مع النبيّ لكلّ مَن حولهم: «هُوَذَا ٱللهُ خَلَاصِي فَأَطْمَئِنُّ وَلَا أَرْتَعِبُ، لِأَنَّ يَاهَ يَهْوَهَ قُوَّتِي وَتَرْنِيمَتِي وَقَدْ صَارَ لِي خَلَاصًا. فَتَسْتَقُونَ مِيَاهًا بِفَرَحٍ مِنْ يَنَابِيعِ ٱلْخَلَاصِ» (إشعياء 12:2-3).