فصل 8 · قراءة 14 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
الربّ مسكنُنا
«يَارَبُّ، مَلْجَأً كُنْتَ لَنَا فِي دَوْرٍ فَدَوْرٍ» (مزمور 90:1).
راحةُ حياتنا الخارجية أو ضيقُها يتوقّفان إلى حدٍّ بعيد على المكان الذي تسكنه أجسادنا؛ وكذلك راحةُ حياتنا الداخلية أو ضيقُها يتوقّفان على المسكن الذي تقيم فيه نفوسنا.
ومسكننا هو المكان الذي نحيا فيه حقًّا، لا مكانًا نزوره عابرين. إنّه بيتنا.
وكلُّ مصالح حياتنا الأرضية مرتبطةٌ ببيتنا، ونحن نبذل كلّ ما في وسعنا لنجعله جميلًا مريحًا. غير أنّ نفوسنا تحتاج إلى مسكنٍ مريحٍ أكثر ممّا تحتاج أجسادنا. فالراحة الداخلية أهمّ كثيرًا من الراحة الخارجية؛ ومتى امتلأت النفس سلامًا وفرحًا هان أمرُ ما يحيط بنا من ظروف مادية.
من الضروريّ إذًا أن نتبيّن على وجه الدقة أين تسكن نفوسنا. الربّ يعلن أنّه كان مسكنًا لنا في كلّ الأجيال، ولكنّ السؤال هو: أنحن ساكنون فعلًا في مسكننا؟ يقول المرنّم عن بني إسرائيل: «تَاهُوا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ فِي قَفْرٍ بِلَا طَرِيقٍ. لَمْ يَجِدُوا مَدِينَةَ سَكَنٍ جِيَاعٌ عِطَاشٌ أَيْضًا أَعْيَتْ أَنْفُسُهُمْ فِيهِمْ» (مزمور 107:4-5). وأخشى أنّ في الكنيسة اليوم نفوسًا تائهةً كثيرةً ينطبق عليها هذا الوصف تمام الانطباق. فقد قضت حياتها المسيحية كلّها تتيه في بريّة روحية، لا تجد بيتًا تستقرّ فيه، وقد أعيت نفوسُها من الجوع والعطش. وفي ذلك كلّه كان مسكن الله مفتوحًا على مصراعيه، يدعوها أن تدخل وتقيم فيه إلى الأبد.
وربّنا نفسه يلحّ علينا بهذه الدعوة: «اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ» (يوحنا 15:4). ثمّ يمضي فيخبرنا بالنتائج المباركة للثبات فيه، وبالعواقب المحزنة للخروج منه.
والحقّ أنّ نفوسنا خُلقت لله. فهو بيتُها الطبيعيّ، ولا يمكنها أن تستريح في سواه. «تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ ٱلرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِٱلْإِلَهِ ٱلْحَيِّ» (مزمور 84:2). وسنظلّ جائعين تتوقّ نفوسنا إلى ديار الربّ ما دمنا لا نتخذها لنا بيتًا.
ليس للمخلوق بيتٌ إلّا الله؛ وإنْ كان الطريق وعرًا ضيّقًا، فلا شيء سواه يُشبِع النفس المشتاقة إلى الله.
فكيف نصف هذا المسكن الحيّ؟ يصفه داود إذ يقول: «اَلرَّبُّ صَخْرَتِي وَحِصْنِي وَمُنْقِذِي، إِلَهُ صَخْرَتِي بِهِ أَحْتَمِي. تُرْسِي وَقَرْنُ خَلَاصِي. مَلْجَإِي وَمَنَاصِي. مُخَلِّصِي، مِنَ ٱلظُّلْمِ تُخَلِّصُنِي» (صموئيل الثاني 22:2-3). فنرى إذًا أنّ مسكننا هو أيضًا حصنُنا وبرجُنا العالي وصخرتُنا وملجأُنا. وكلّنا يعرف ما هو الحصن: إنّه موضع أمانٍ يُخبّأ فيه الضعيف العاجز عن عدوّه ويُحفظ في مأمن. وحين يُقال لنا إنّ الله حصنُنا، فليس لذلك إلّا معنًى واحد: إنّنا إنْ سكنّا فيه كنّا في أمانٍ تامٍّ من كلّ عدوٍّ ممكن.
«لِأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ ٱلشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي» (مزمور 27:5). «اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ ٱلْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ ٱلْقَدِيرِ يَبِيتُ» (مزمور 91:1). «تَسْتُرُهُمْ بِسِتْرِ وَجْهِكَ مِنْ مَكَايِدِ ٱلنَّاسِ. تُخْفِيهِمْ فِي مَظَلَّةٍ مِنْ مُخَاصَمَةِ ٱلْأَلْسُنِ» (مزمور 31:20). ففي «ستر خيمة الله» لا يقدر عدوٌّ أن يجدنا، ولا تبلغنا الضيقات. وكبرياءُ البشر وثرثرتُهم لا تجد منفذًا إلى «مظلّة» الله. و«ستر وجهه» ملجأٌ أحصن من ألف جبلٍ من جبال طارق. ولستُ أعني أنّ التجارب لا تأتي.
قد تأتي بوفرة، ولكنّها لا تستطيع أن تخترق قدس النفس الداخليّ. ونحن نقدر أن نسكن في سلامٍ كاملٍ حتّى في وسط أعتى عواصف الحياة.
ولكن، واأسفاه، ما أقلّ من يعرف هذا منّا! قد نستعمل كلام داود، لكنّه عندنا مجرّد صورةٍ بلاغيةٍ بلا حقيقة. نقول الكلمات بنبرةٍ رسميةٍ متديّنة: «نعم، أعرف أنّ الربّ مسكني، وقد سلّمتُ نفسي إلى حفظه، كما ينبغي لكلّ مسيحيّ.
ولكنْ...» — وهنا تعود النبرة العادية — «ولكنّي لا أستطيع أن أنسى أنّي إنسانٌ مسكينٌ لا نفع فيه، لا قوّة لي على غلبة التجربة. ولا أكاد أتوقّع أن أُحفظ في ذلك الأمان الكامل الذي يتحدّث عنه داود». ثمّ تتبع ذلك قصّةٌ من المخاوف والهموم، كأنّ مسكن الله لم يُسمع به قطّ، وكأنّ النفس تتيه وحدها بلا حمايةٍ في عالمٍ محفوفٍ بالأخطار.
وثمّة مزمورٌ أسمّيه «مسكن الله»، هو المزمور الحادي والتسعون، وفيه وصفٌ بديعٌ لهذا البيت. «اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ ٱلْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ ٱلْقَدِيرِ يَبِيتُ. أَقُولُ لِلرَّبِّ: ‹مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلَهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ›» (مزمور 91:1-2). وفكرتُنا عن الحصن غالبًا أنّه بناءٌ حجريّ صلبٌ يكون فيه المرء آمنًا ولكنّه غير مستريح البتّة. غير أنّ هناك حصونًا أخرى ليّنةً حانيةً مملوءةً عزاءً، وهذا المزمور يصفها: «بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي» (مزمور 91:4)، كما تغطّي الدجاجة فراخها العاجزة بجناحيها الدافئين. وحصنُ قلبِ الأمّ — إنسانةً كانت أم طائرًا أم حتّى نمرةً — هو أقوى حصنٍ يعرفه العالم، وهو في الوقت نفسه أحناه. وهذا هو نوع الحصن الذي هو الربّ. «كَرَاعٍ يَرْعَى قَطِيعَهُ. بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ ٱلْحُمْلَانَ، وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا» (إشعياء 40:11).
«ٱلْإِلَهُ ٱلْقَدِيمُ مَلْجَأٌ، وَٱلْأَذْرُعُ ٱلْأَبَدِيَّةُ مِنْ تَحْتُ» (التثنية 33:27). أجنحةٌ، وحضنٌ، وأذرعٌ! ما أبركها من حصون! وكلّ ما تحتضنه فهو في أمان. والطبيعة مملوءة بأمثال ذلك. تأمّلْ ما يقوله أحد الكتّاب عن النمرة الأمّ: حين تُولد أشبالُها تعلّمُها قوّةٌ أن تترفّق — روحٌ لا تقدر أن تقاومه، لأنّه روح خالقها. ومن غريزة النمرة أن تنتقم للأذى؛ فلو شددتَ شعرها أو ضربتَها لمزّقتك. لكنّ الانتقام للأذى ليس أقوى دوافعها. انظر إلى تلك الجراء العاجزة تلعب بها: هي من الضعف بحيث تقتلها حركةٌ طائشةٌ من كفّها الجبّار، لكنّها لا تتحرّك حركةً طائشة. إنّها تسبّب لها من الألم أكثر ممّا تسبّبه ضربة، ومع ذلك لا تجازي عن شرٍّ شرًّا. بل تمسحُها والمحبةُ في عينيها، وتلحس صغارها الذين يعذّبونها.
والمحبة تحوّل أنينَها من الوجع الجسديّ إلى أصوات بهجة. وتحرّك رأسها الضخم حركةً تُظهِر أنّ الإله الذي قال لك: «مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلْأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ ٱلْآخَرَ أَيْضًا»، هو نفسه الذي خلقها. ومتى قويت على النهوض خرجت لتبذل نفسها عن صغارها؛ تجوع هي لكي يشبعوا هم. إنّها مُرهبةٌ من أجل صغارها، كما أنّ الله مُرهِبٌ من أجل أولاده.
لقد رأينا هذه «الحصون الأمومية» مئات المرّات وقلنا إنّها تشبه الله. وكان يُظنّ أنّ هذا المنظر يدفعنا إلى الهرب إلى ملجأنا في الله وترك كلّ خوفٍ خارجًا! لكنّ المشكلة أنّنا نأبى إباءً صريحًا أن نصدّق أنّ الكتاب المقدّس يعني كلّ هذا الخبر السارّ. لا بالكلام ربّما، لكنّنا نقول بالفعل: «ذراعا الربّ ليستا موضع ثقة كذراعي أمٍّ بشرية، وقلب الربّ ليس حنونًا كقلب نمرة، وجناحا الربّ ليستا واقيين كجناحي دجاجة». نحن نعلم أنّه هو الذي صنع هذه الحصون الأرضية، لكنّنا لا نستطيع أن نصدّق أنّه يعادلها. فاتّخاذه حصنًا لنا لا نشعر أنّه آمنٌ أو حنونٌ ولو بنصف ما نشعر به حين تكون الأمّ حصنًا لنا. وهكذا يُوثق بالأمّهات ولا يُوثق بالله!
ومع ذلك، انظر كم يعلن المرنّم أنّ هذا المسكن الإلهيّ آمن. فهو يقول إنّنا نحن الذين في هذا البيت لا نخاف شيئًا: لا مِنْ خَوْفِ ٱللَّيْلِ، وَلَا مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي ٱلنَّهَارِ، وَلَا مِنْ وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي ٱلدُّجَى، وَلَا مِنْ هَلَاكٍ يُفْسِدُ فِي ٱلظَّهِيرَةِ. قد يسقط عن جانبنا ألوفٌ، ولكن لا يصيب النفسَ المختبئةَ في الله شرٌّ. ولا تدنو ضربةٌ من الذين جعلوا الله «مسكنًا» لهم.
وكلّ الأهوال التي جعلت حياتنا الدينية بلا راحةٍ قد دُبّر لها ههنا. فسنُنقَذ منها جميعًا إنْ اتّخذنا الربّ بيتًا لنا. وليس معنى هذا أنّنا لن نلقى تجارب خارجية. قد تصيب الضرباتُ جسدك أو ممتلكاتك، لكنّ تلك الأشياء ليست أنت. ولا شيء يقدر أن يدنو من ذاتك الحقيقية الداخلية ما دمتَ ساكنًا في الله.
وجانبٌ كبيرٌ من ألم الحياة إنّما ينشأ من «خوف الشرّ» الذي يلازمنا كالطيف. فحياتنا مملوءة بـ«ماذا لو».
لنفترض أنّ هذا يحدث، أو ذاك — فماذا نفعل؟ وكيف نحتمله؟ لكنّنا إنْ كنّا ساكنين في «البرج الحصين» الذي هو الله، سقطت من حياتنا كلّ هذه الـ«ماذا لو». وعندئذٍ يصدق علينا القول: «أَمَّا ٱلْمُسْتَمِعُ لِي فَيَسْكُنُ آمِنًا، وَيَسْتَرِيحُ مِنْ خَوْفِ ٱلشَّرِّ» (أمثال 1:33)، لأنّ تهديدات الشرّ لا تقدر أن تنفذ إلى برج الله. وحتّى في السير في وادي ظلّ الموت استطاع المرنّم أن يقول: «لَا أَخَافُ شَرًّا» (مزمور 23:4)؛ وإنْ كنّا ساكنين في الله استطعنا نحن أيضًا أن نقول ذلك.
ولعلّك تسأل: كيف أدخل هذا المسكن الإلهيّ؟ وجوابي: انتقلْ إليه ببساطة. فلو أنّ صديقًا استأجر لنا بيتًا وقال إنّه جاهز، وكان العقد موقّعًا نافذًا، لما سألنا كيف ندخل — بل كنّا نحزم أمتعتنا وننتقل. وهكذا ينبغي أن نفعل ههنا. الله يقول إنّه مسكننا، والكتاب المقدّس يحوي كلّ الأوراق اللازمة، موقّعةً مشهودًا عليها.
وربّنا يدعونا — بل هو في الحقيقة يأمرنا — أن ندخل ونمكث. وكأنّه يقول: «الله بيتُك، فاحرصْ أن تتّخذ سكناك فيه. انتقلْ إليه».
وكيف تنتقل؟ بالإيمان. قد قال الله إنّه مسكنُك؛ وعليك الآن أن تقول أنت ذلك أيضًا.
«أَقُولُ لِلرَّبِّ: ‹مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلَهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ›» (مزمور 91:2).
الإيمان يأخذ كلمة الله ويؤكّد أنّها حقّ. المسيح يقول: «اثبُتْ»، وعلينا أن نقول: «سأثبُت». ونحن نجعله «مسكنًا» لنا بأن نؤمن أنّه بيتُنا وبأن نعلن ذلك بلا انقطاع. وكما قال الشاعر كولريدج: الإيمان تصديقٌ وفعلٌ معًا، يأمر الحقّ الأبديّ أن يصير واقعًا حاضرًا.
وعلينا أن نجعل الحقيقة الأبدية — أنّ الربّ مسكنُنا — واقعًا حاضرًا، بأن نؤكّدها بإيماننا وبأن نتبنّى الأفكار والأعمال التي تنبع من الحياة في حضرة الله.
ومن أوّل ما يلزمنا أن نفعله أن نتخلّى إلى الأبد عن القلق والهمّ. فلا يُتصوّر أن يدخل الهمّ مسكن الله؛ ومتى دخلنا وجب أن نتركه وراءنا.
نحن نتكلّم عن طاعة وصايا الربّ فنركّز على الواجبات الخارجية، بينما نتجاهل وصاياه المتعلّقة بالحياة الداخلية، وهي أهمّ منها ألف مرّة. فقوله: «لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَرْهَبْ» (يوحنا 14:27) وصيةٌ من وصايا ربّنا يكاد الجميع يعصونها. ومع ذلك أشكّ أن تكون معصيةٌ أخرى تجرح قلبه بمثل هذا القدر. وإنّي على يقينٍ أنّي سأتألّم أشدّ الألم لو أنّ ابنتي لم تثق بي وظنّت أنّ مصالحها ليست في أمانٍ بين يديّ، أكثر ممّا أتألّم لو عصتني في لحظة تجربة. وأنا مقتنعة أنّنا لا ندرك كم نجرح ربّنا حين لا يشعر شعبه بالأمان معه.
ونستطيع أن نفهم هذا من حياتنا نفسها. لنفترض أنّ صديقًا أودعنا شيئًا لنحفظه له، وأنّنا أكّدنا له كلّ التأكيد أنّه سيكون في أمان، ثمّ مضى الصديق وأخذ يقلق عليه ويبثّ الآخرين من الهواجس مثل ما نبثّه نحن بشأن ما سلّمناه لله.
فماذا كنّا نشعر؟ كنّا نتألّم أشدّ الألم. وربّما قلنا في النهاية: «ما دمتَ لا تثق بي فيما يبدو، فالأولى أن تعتني بأشيائك بنفسك». ومن العجيب أن يجرؤ أولاد الله على القلق بعد أن يكونوا قد سلّموا الأمر إليه؛ إنّ في ذلك إساءةً بالغةً إلى صفاته.
والذين هم خارجٌ يرون هذا فيظنّون أنّ اتّخاذ الربّ مسكنًا لا بدّ أنّه لا يعني كثيرًا، وإلّا لما كنّا بهذا الاضطراب.
إنّ الذي يعتني بالعصافير ويحصي شعور رؤوسنا لا يمكن أن يخذلنا. إنّه حصنٌ لا يُخترَق، لا يدخله شرٌّ ولا عدوّ. وإنّي لأعدّها حقيقةً بديهيةً: في اللحظة التي أسلّم فيها شيئًا حقًّا إلى هذا المسكن الإلهيّ ينبغي أن ينتهي كلّ قلق. فما دمتُ أحتفظ بالأشياء في عهدتي، فلي أن أرتعد لأنّها غير آمنة؛ أمّا في عهدة الله فالأمان مطلق.
«اِسْمُ ٱلرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ، يَرْكُضُ إِلَيْهِ ٱلصِّدِّيقُ وَيَتَمَنَّعُ» (أمثال 18:10). فالغاية الوحيدة إذًا أن «نركض» إلى هذا البرج ونمكث فيه إلى الأبد. ومن الحماقة أن يقف المرء خارج الحصن والعدوّ محيطٌ به وهو يصرخ طالبًا الأمان. فإنْ أردتُ أن أكون آمنًا فعليّ أن أدخل.
«يَا أُورُشَلِيمُ، يا أُورُشَلِيمُ! ... كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلَادَكِ كَمَا تَجْمَعُ ٱلدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!» (متّى 23:37). إنْ أراد الفرخ أن يكون آمنًا فعليه أن يركض إلى جناحي أمّه. وكثيرون يبقون خارج مسكن الله لأنّهم يشعرون أنّهم أحقر أو أضعف من أن يدخلوا. فماذا كنّا نقول في فرخٍ رأى البازي مقبلًا وسمع أمّه تناديه، ثمّ بقي خارجًا يرتعد قائلًا: «آه، أنا فرخٌ ضعيفٌ عاجزٌ، لستُ أهلًا لأن أدخل تحت هذين الجناحين»؟ لو استطاعت الدجاجة أن تتكلّم لقالت: «يا لك من سخيف! إنّما لأنّك ضعيفٌ عاجزٌ أريدك ههنا. ولو كنتَ ديكًا كبيرًا قويًّا قادرًا على حماية نفسك لما احتجتُ أن أجمعك البتّة». أفأحتاج أن أشرح المغزى؟
ولكن لا يكفي أن «نركض» إلى مسكننا. «لَأَسْكُنَنَّ فِي مَسْكَنِكَ إِلَى ٱلدُّهُورِ. أَحْتَمِي بِسِتْرِ جَنَاحَيْكَ» (مزمور 61:4). وعلينا نحن أن نفعل مثل ذلك. والمكوث في خيمته إلى الدهور أمرٌ صعبٌ جدًّا أحيانًا، أعترف بذلك. فمن اليسير نسبيًّا أن يخطو الإنسان خطوة إيمان، ولكنّ من الأصعب كثيرًا أن يثبُت في ذلك الموضع. وكثيرون يركضون إلى حصن الله يوم الأحد ثمّ يخرجون منه بمجرّد أن يطلع صباح الاثنين. وآخرون يركضون إليه حين يجثون لصلاة المساء ثمّ يخرجون بعد خمس دقائق حين يأوون إلى فراشهم. وهذه حماقةٌ تامّة. فلن تتصوّر لاجئًا يركض إلى حصنٍ اليوم ثمّ يركض عائدًا إلى العدوّ غدًا.
كنّا نحسب أنّه فقد عقله. لكن أليس ذلك أشدّ حماقةً بالنسبة إلى النفس؟ أفأعداؤنا أقلّ نشاطًا يوم الاثنين؟ أم نحن أقدر على مواجهتهم ونحن نيامٌ منّا ونحن نصلّي؟
والسؤال هو: أنريد أن نزور الله زيارةً، أم نريد أن نسكن عنده؟ أنريد أن نحتمي اليوم ونُعرّض للأعداء غدًا؟ ما من أحدٍ يختار ذلك عن قصد، لكنّ كثيرين ينجرفون إليه. والثبات في المسيح مسألة إيمانٍ بالكامل، غير أنّنا نعجز عن إدراك ذلك. نحن نظنّ أنّ جهادنا العنيف أو عملنا الشاقّ هو الجزء الأهمّ؛ فمتى خبا ذلك ضعُف إيماننا. لكنّ الحياة المسيحية إنّما تُحيا بالإيمان؛ وبدون إيمان لا يمكن إرضاء الله. ولا فائدة من إضاعة الوقت في جهودٍ من عندنا لا تُثمر شيئًا.
بل علينا أن نضع إرادتنا وطاقتنا في إيماننا. علينا أن نعقد العزم على الانتقال إلى مسكن الله والبقاء فيه، مهما كانت التجارب التي تدعونا إلى الشكّ أو اليأس.
«اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ ٱلْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ ٱلْقَدِيرِ يَبِيتُ» (مزمور 91:1). و«الثبات» و«الاتكال» مترادفان في الواقع؛ فهما يعنيان الشيء نفسه.
فما دمتُ متّكلًا على الربّ فأنا ثابتٌ فيه. وإنْ اتّكلتُ عليه على الدوام فأنا ثابتٌ فيه على الدوام. وإنْ اتّكلتُ عليه بين الحين والحين فأنا أدخل وأخرج. وقد كنتُ أظنّ أنّ في «الثبات» سرًّا غامضًا، لكنّي أرى الآن أنّه ليس إلّا الاتّكال عليه اتّكالًا تامًّا. ومتى فهمتَ هذا كان أبسط أمرٍ في الدنيا. ونحن نقول أحيانًا عن اثنين إنّهما «يسكنان في قلب أحدهما الآخر»، ولا نعني بذلك إلّا أنّ بينهما محبةً كاملةً وثقةً كاملةً، وأنّ الشكّ بينهما مستحيل. فإنْ كانت ثقتي بحصن الربّ مطلقةً، فأنا ثابتٌ في ذلك الحصن. وهذه هي القصّة كلّها.
والأمر العمليّ إذًا، ما دام الله قد أُعلن أنّه حصنُنا وبرجُنا العالي، هو أن نضع أنفسنا وكلّ مصالحنا في هذا المسكن الإلهيّ بعمل تسليمٍ وإيمانٍ محدّد، ثمّ نطرد من أذهاننا كلّ همٍّ أو قلقٍ بشأنها. فما دام الربّ مسكنَنا، فلا يمكن أن يصيب أذًى شيئًا سُلّم إلى عنايته. وما دمنا نصدّق هذا تبقى أمورنا في عنايته؛ فإذا بدأنا نشكّ استرددنا أمورنا إلى أيدينا، فلم تعد في الحصن الإلهيّ.
ولا يمكن أن يكون الشيء في مكانين معًا. فإنْ كانت أمورنا في عهدتنا فليست في عهدة الله؛ وإنْ كانت في عهدة الله فليست في عهدتنا. وهذا واضحٌ وضوح النهار، ومع ذلك يختلط الأمر على الناس كثيرًا لقلّة شيءٍ من البداهة. فهم يحاولون أن يضعوا أمورهم في حصن الله ويبقوها في حصنهم في الوقت نفسه، ثمّ يتعجّبون لماذا لا يُعتنى بها. وهذه حماقة. فإمّا أن تتّكل على الربّ اتّكالًا كاملًا، وإمّا أن تتّكل على نفسك اتّكالًا كاملًا؛ ولكن لا تحاول أن تمزج الاثنين، فهما لا يمتزجان.
وممّا يعينك عمليًّا أن تصوغ اتّكالك في كلمات. قلْ بوضوح: «الله مسكني، وسأمكث فيه إلى الأبد. لقد حُسم الأمر: أنا في هذا البيت الإلهيّ، وأنا آمنٌ ههنا، ولن أخرج منه ثانيةً». وعليك أن تواجه كلّ هجمة شكٍّ ويأسٍ بالتأكيد البسيط أنّك هناك، وأنّك تعلم أنّك لن تُخزى. ليفعل الآخرون ما يشاءون، أمّا أنت فأعلنْ أنّك على الأقلّ ستمكث في مسكنك الإلهيّ إلى الأبد. ومتى اتّخذتَ هذا الموقف فارفضْ رفضًا قاطعًا أن تعيد النظر في الأمر. لقد حُسم، ولم يبقَ شيءٌ يُقال.
ولستُ أعني بهذا كلّه أن نلزم الفراش وندع الأمور تمضي كيفما اتّفق. إنّما أتكلّم عن الجانب الداخليّ من أمورنا لا الخارجيّ. فقد نُضطرّ خارجيًّا إلى نشاطٍ شديدٍ وحرصٍ شديد، لكنّ ذلك كلّه ينبغي أن ينبع من أساسٍ داخليّ: نفسٍ خبّأت ذاتها ومصالحها في الله، فهي لذلك عاملةٌ بالوصية: «لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ» (فيلبي 4:6)، بالمعنى الكتابيّ الجميل، أي أن تكون بلا أفكارٍ قلقة. والخلوّ من الهمّ الداخليّ هو أضمن أساسٍ للعناية الخارجية الناجحة. والنفس المختبئة في الله هي النفس القادرة على أن تحتمل ظافرةً أعظم تجارب الأرض وتغلب أقوى أعدائها.
وثمّة نقطةٌ لا بدّ أن أذكرها. حين ننتقل إلى بيتٍ جديد لا ننتقل نحن وحدنا، بل نأخذ كلّ ما نملك، وقبل كلّ شيء نأخذ أهل بيتنا. وما من أحدٍ يبلغ به الحمق أن يترك من يحبّ خارجًا. لكنّي أخشى أنّ بعض أولاد الله ينتقلون هم إلى مسكنه، ثمّ يتركون من هم أعزّ الناس عليهم خارجًا لقلّة الإيمان — وكثيرًا ما يكون هؤلاء أولادَهم. وكنّا نفزع من أبٍ يهرب إلى حصنٍ طلبًا للأمان وقت الخطر ويترك أولاده خارجًا؛ ومع ذلك يفعل كثيرٌ من المسيحيين هذا عينه. وكلّ فكرة قلقٍ تخطر لنا على أولادنا برهانٌ أنّنا لم نأخذهم معنا حقًّا إلى مسكن الله.
فإنْ كنّا نتّكل من أجل أنفسنا وجب أن نتّكل من أجل أحبّائنا أيضًا. فالله أبٌ لهم أكثر من أيّ أبٍ أرضيّ؛ وإنْ كانوا أعزّاء علينا فهم أعزّ عليه كثيرًا. ولا نستطيع أن نصنع لهم خيرًا من أن نسلّمهم لعنايته، ولا شرًّا من أن نحاول إبقاءهم في عنايتنا. وقد عرفتُ أمًّا كانت تتّكل في هدوءٍ من جهة خلاص نفسها، لكنّها كانت تتمزّق قلقًا على أبنائها الذين بدوا غير مبالين بالدين. وفي إحدى الأمسيات سمعت عن وضع الأحبّاء في حصن الله بالإيمان، فرأت كم هو متناقضٌ أن تختبئ هي في الله وتترك أبناءها خارجًا.
وفي الحال أخذهم إيمانُها معها إلى داخل الحصن. وسلّمتهم لعناية الله تسليمًا تامًّا حتّى تلاشى قلقُها. وقالت لي إنّها شعرت أنّ أبناءها صاروا أبناء الله لا أبناءها، وأنّه يحبّهم أكثر منها ويعتني بهم بحكمةٍ تفوق حكمتها. وبقيت مستعدّةً أن تفعل كلّ ما يوحي به الربّ من جهتهم، لكنّها رضيت أن تترك الأمر في يديه. ثمّ رجعت إلى بيتها وقالت لأبنائها: «لقد كنتُ في قلقٍ شديدٍ عليكم، ولعلّي أزعجتُكم بوعظي. لكنّي تعلّمتُ أن أتّكل. لقد وضعتُكم في حصن الله وتركتُكم في عنايته، وهو سيخلّصكم بطريقته. وقد انتهت همومي».
وبعد سنةٍ قالت لي بفرح: «افرحي معي! لقد كان بنيّ في أمانٍ في حصن الله منذ ذلك الحين، وهم اليوم جميعًا مسيحيون صالحون».
والخلاصة بسيطة: انتقلْ إلى مسكنك في الله، وخذْ معك كلّ ما تملك وكلّ من تحبّ. اختبئْ فيه بعيدًا عن نفسك وعن الآخرين، وغِبْ عن كلّ ما هو خارجه — إلّا بقدر ما تراه بعينيه. فعينا الله هما النافذتان الوحيدتان في بيته؛ ومتى نُظر من خلالهما بدا كلّ شيءٍ مختلفًا. سنرى التجارب بركاتٍ، والأعداء أصدقاءَ متنكّرين. وسنكون هادئين في وجه هموم الحياة. «وَيَسْكُنُ شَعْبِي فِي مَسْكَنِ ٱلسَّلَامِ، وَفِي مَسَاكِنَ مُطْمَئِنَّةٍ وَفِي مَحَلَّاتٍ أَمِينَةٍ» (إشعياء 32:18).