فصل 5 · قراءة 12 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
كان يقول لهم عن الآب
«وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ عَنِ ٱلْآبِ» (يوحنا 8:27). من أكثر أسماء الله إنارةً لأذهاننا ذلك الاسم الذي أعلنه لنا ربنا يسوع المسيح على وجه الخصوص: اسم الآب. وأقول إن المسيح أعلنه على وجه الخصوص لأن الله، وإن كان قد دُعي على مرّ العصور بأسماء كثيرة أخرى تعبّر عن جوانب شتى من صفاته، فإن المسيح وحده أعلنه لنا تحت هذا الاسم الجامع، اسم الآب — وهو اسم يحوي في ذاته كل أسماء الحكمة والقدرة، وقبل كل شيء أسماء المحبة والصلاح، اسم يتضمن كفايةً كاملة لكل احتياجاتنا. والمسيح، الذي كان الابن الوحيد في حضرة الآب، هو وحده الذي كان يقدر أن يُعلن هذا الاسم، لأنه وحده عرف الآب.
«كَمَا أَنَّ ٱلْآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ ٱلْآبَ» (يوحنا 10:15). «لَيْسَ أَنَّ أَحَدًا رَأَى ٱلْآبَ إِلَّا ٱلَّذِي مِنَ ٱللهِ. هَذَا قَدْ رَأَى ٱلْآبَ» (يوحنا 6:46). في العهد القديم لم يُعلَن الله بوصفه آبًا بقدر ما أُعلن محاربًا عظيمًا يقاتل عن شعبه، أو مَلِكًا جبارًا يسود عليهم ويعتني بهم. ولم يُدعَ هناك بالآب إلا مرات قليلة جدًا، ستًا أو سبعًا على الأكثر؛ أما في العهد الجديد فقد استُخدم هذا الاسم نحو مئتين أو ثلاث مئة مرة. والمسيح، الذي عرفه، هو وحده الذي استطاع أن يُعلنه: «وَلَا مَنْ هُوَ ٱلْآبُ إِلَّا ٱلِٱبْنُ، وَمَنْ أَرَادَ ٱلِٱبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ» (لوقا 10:22). فالسؤال الجوهري إذًا الذي يواجه كل واحد منا هو: هل ندرك نحن شخصيًا أن المسيح يكلمنا عن الآب؟ نحن نعلم أنه يستخدم كلمة «الآب» على الدوام، ولكن هل نفهم حقًا ما تعنيه هذه الكلمة؟ هل لنا ولو أدنى إدراك لما هو الآب؟ إنني على يقين أن كل ما في حياة كثيرين من أولاد الله الروحية من قلق واضطراب إنما ينبع من هذا الأمر عينه: أنهم لا يدركون أن الله هو حقًا وشخصيًا أبوهم. إنهم يتصورونه قاضيًا صارمًا، أو سيّدًا قاسيًا يُرهقهم بالعمل، أو في أحسن الأحوال سلطانًا بعيدًا لا يُقترَب إليه، جالسًا في البُعد يُصدر شرائع ثقيلة إلى عالم خائف مرتعد؛ وفي خوفهم من أن يعجزوا عن الوفاء بمطالبه لا يكادون يعرفون أين يتجهون. أما الله الذي هو أب، وديع محب ملآن رأفة، إله يقف — كما يقف الأب — إلى جانبهم في وجه الكون كله، فليس لهم به معرفة حقيقية.
ولستُ أخاف أن أقول إن الاضطراب والقلق الداخلي أمران مستحيلان على من عرف أن الله هو حقًا أبوه.
ولكن قبل أن أمضي أبعد من ذلك، لا بد أن أوضح أنني أتكلم عن أبٍ كما تنبئنا أسمى غرائزنا أن الأب الصالح ينبغي أن يكون. فقد يكون الآباء الأرضيون أحيانًا غلاظًا قساةً أنانيين، بل حتى متجبرين، وقد يكونون ببساطة غير مبالين ومهملين؛ ولكن لا يمكن أن يُدعى أحد من هؤلاء بأي معنى حقيقي أبًا صالحًا. أما الله، وهو صالح، فلا بد أن يكون أبًا صالحًا، وإلا فليس أبًا البتة.
كلنا عرفنا آباء صالحين في هذا العالم، أو على الأقل نقدر أن نتخيلهم. وقد عرفتُ أنا واحدًا منهم، فملأ طفولتي نورًا بأبوّته الجميلة. وما زلت أذكر بوضوح تلك الثقة وذلك الفرح اللذين كنت أحيا بهما كل يوم، مطمئنةً كل الاطمئنان إلى أن لي أبًا. وإني لعلى يقين أنني أدركت شيئًا من أبوّة الله الكاملة من خلال اختباري مع ذلك الأب الأرضي.
ولكن الله ليس آبًا فحسب؛ بل يُوصَف أيضًا بأوصاف تجمع صفات الأبوّة والأمومة معًا، وكلنا عرفنا أمهات محبتهن وحنانهن بلا حدود. ومن المؤكد أن الله الذي خلقهما كليهما، والذي فيه هو ملء المحبة الوالدية، ما كان يمكن أن يخلق آباء وأمهات أرضيين أحنّ منه أو أكثر محبةً. فإن أردنا إذًا أن ندرك أيّ أبٍ هو، فعلينا أن نجمع معًا أفضل ما في كل الآباء والأمهات الذين عرفناهم أو نقدر أن نتخيلهم، وأن ندرك أن هذا كله ليس إلا انعكاسًا باهتًا لله أبينا الذي في السماوات.
ولما كان ربنا يعلّم تلاميذه كيف يصلّون، كان الاسم الذي أوصاهم أن يخاطبوا الله به هو: «أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ» (متى 6:9). وهذا يبيّن بوضوح أن علينا أن نفكر فيه هكذا. وقد نُطق بهذا الاسم ملايين الملايين من المرات على مدى القرون على شفاه أولاد الله في كل مكان؛ ومع ذلك، فكم عُرف حق معرفته؟ لو أن كل من استخدم هذا الاسم أدرك حقًا معناه، لاستحال أن تترسخ تلك التشويهات لصفاته وتلك الشكوك في محبته وعنايته، التي أقلقت قلوب أولاده على مرّ التاريخ. فربما أمكن أن يُنسَب الاستبداد والقسوة والإهمال إلى إله اسمه ملك أو قاضٍ أو مشترع فقط؛ أما إله هو قبل كل شيء آب، ولا بد — بما أنه الله — أن يكون آبًا صالحًا، فلا يصحّ أن تُنسب إليه مثل هذه الأفكار. ثم إنه، ما دام «أَبًا أَبَدِيًّا»، فلا بد بحسب طبيعته ذاتها أن يتصرف دائمًا كما ينبغي للأب الصالح أن يتصرف، في كل الظروف، ولا يتصرف قط بغير ذلك. ولا يُعقل أن ينسى أبٌ صالح أولاده أو يهملهم أو يجور عليهم. قد يفعل ذلك أبٌ شرير أو مهمل، أما الأب الصالح فلا يفعله أبدًا. وإذ ندعو إلهنا بهذا الاسم المبارك، اسم الآب، علينا أن ندرك أنه إن كان أبًا بحقٍّ، فلا بد أن يكون خير الآباء على الإطلاق، وأن تكون أبوّته أسمى مثالٍ للأبوّة نقدر أن نتصوره.
إنها أبوّة تجمع أسمى ما في مثال الأب والأم معًا، وتحوي كل ما نربطه بحق بالوالدية من محبة وحنان ورأفة وشوق وبذلٍ للذات، وإن كنا لا نرى هذا كله معبَّرًا عنه بالكمال في الوالدين الأرضيين.
ولكنك قد تسأل عن أسماء الله الأخرى: أفلا توحي بأفكار أكثر إرهابًا؟ إنها لا تبدو كذلك إلا لأن هذا الاسم المبارك، اسم الآب، لا يُفهَم على أنه الأساس الكامن تحتها جميعًا.
فلا بد أن يكون هذا الاسم أساسًا لكل اسم آخر يُعرَف به. أدُعي قاضيًا؟ نعم، ولكنه قاضٍ آبٍ، يقضي كما يقضي أبٌ محب. أهو ملك؟
نعم، ولكنه ملك هو في الوقت نفسه أبو شعبه، يسودهم بحنان الأب. أهو مشترع؟ نعم، ولكنه مشترع يعطي الشرائع كما يعطيها الأب، عالمًا بضعف أولاده وجهلهم. «كَمَا يَتَرَأَفُ ٱلْأَبُ عَلَى ٱلْبَنِينَ يَتَرَأَفُ ٱلرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لِأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ» (مزمور 103:13–14). فلا ينبغي لنا أبدًا، أبدًا، أن نفكر في الله على نحوٍ آخر سوى أنه «أبونا». وكل صفة أخرى ننسبها إليه يجب أن تتأصل في هذه الحقيقة، حقيقة أنه «أبونا»، وأن تتشكل بها. فما لا يقدر أبٌ صالح أن يفعله، لا يقدر الله، وهو أبونا، أن يفعله؛ وما ينبغي لأبٍ صالح أن يفعله، فالله، وهو أبونا، سيفعله بكل تأكيد.
وفي صلاة ربنا الأخيرة في يوحنا 17 يقول إنه عرّفنا اسم الآب، لكي نكتشف تلك الحقيقة العجيبة: أن الآب يحبنا كما أحبّ ابنه.
فمن منا يصدق هذا حقًا؟ لعلنا قرأنا هذا الأصحاح مرات كثيرة، ربما أكثر من أي أصحاح آخر في الكتاب المقدس، ومع ذلك، أنؤمن فعلًا أنه صحيح حرفيًا أن الله يحبنا بمقدار ما أحبّ المسيح؟ لو آمنّا بهذا حقًا، أكان يمكن أن يخطر لنا بعد ذلك فكرٌ قلقٌ أو متمرد؟ أما كنا نطمئن اطمئنانًا تامًا كاملًا في كل ظرف إلى أن الآب الإلهي، الذي يحبنا بمقدار ما أحبّ ابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح، سيعتني بنا على أفضل ما يكون، ولذلك يوصينا بوضوح ألا نهتم أو نضطرب من جهة شيء، لأنه يعرف أباه ويعلم أن من الأمان التام أن نتكل عليه كل الاتكال؟
ومما يلفت النظر جدًا أنه كثيرًا ما قال: «أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ»، لا أبي وحدي، بل أبوكم أنتم أيضًا. فـ«أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» يقوت طيور السماء وزنابق الحقل، ولذلك لا بد أن يعتني بكم أنتم، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة. فما أشد حماقتنا إذًا أن نهتم ونضطرب من جهة الأمور، والمسيح قد قال لنا إن أبانا السماوي يعلم أننا نحتاج إلى هذه كلها! فإذ هو أبٌ صالح، لا بد بحسب طبيعته ذاتها أن يعولنا وهو يعرف احتياجاتنا.
فما بالنا لا ندرك هذا؟
ثم إن ربنا يقارن الآباء الأرضيين بأبينا السماوي، لا ليبيّن كم هو أبونا السماوي أقل صلاحًا ومحبة، بل كم هو أعظم. «أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ٱبْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ ...
فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!»
(متى 7:9–11). أنقدر أن نتصور أبًا أرضيًا صالحًا يعطي ولده الجائع حجرًا أو حية بدل الخبز أو السمكة؟ إن قلوبنا لتشمئز من مثل هذا الفكر. ومع ذلك يبدو أن كثيرين من أولاد الله يظنون أن أباهم السماوي يعاملهم على هذا النحو، فيعطيهم حجارة حين يطلبون خبزًا، أو ضيقًا حين يطلبون بركة. وقد يكون بعض هؤلاء أنفسهم أعضاء في جمعيات قائمة لحماية الأطفال من القسوة — ومع ذلك لم يتأملوا في خطورة أن ينسبوا إلى أبيهم السماوي عين الأمور التي يدينونها في الآباء الأرضيين.
ولكن أبانا السماوي ليس مستعدًا فقط أن يعطينا الخيرات — بل هو أكثر من مستعد بكثير.
يقول ربنا: «لَا تَخَفْ، أَيُّهَا ٱلْقَطِيعُ ٱلصَّغِيرُ، لِأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ ٱلْمَلَكُوتَ» (لوقا 12:32). ليس في عطائه تردد؛ بل إن العطاء هو مسرّته. إنه يبتهج بأن يعطي. وهو يشتهي أن يعطيك الملكوت أكثر بكثير مما تشتهي أنت أن تناله.
ونحن الذين صرنا والدين ندرك كم نتلهف على أن نعطي أولادنا الخيرات، بل كثيرًا ما نكون أشد تلهفًا على العطاء منهم على الأخذ؛ وهذا يعيننا على أن نفهم كيف أن الله قد سُرّ أن يعطينا الملكوت. فلماذا إذًا نتقدم إليه بخوف وتردد، ولماذا نُتعب أنفسنا بالهم كأنه قد يعجز عن أن يدبّر لنا ما نحتاج إليه؟
ليس هناك إلا جواب واحد: إننا لا نعرف الآب حق المعرفة.
يقول عنا الكتاب إننا من «أَهْلِ بَيْتِ ٱللهِ». ويعلّم الكتاب أن من لا يعتني بأهل بيته «فَقَدْ أَنْكَرَ ٱلْإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِ» (1 تيموثاوس 5:8). وإذ نحن من أهل بيت الله، ينطبق هذا المبدأ عليه هو؛ ولو أنه قصّر في الإعالة لنا، لقام كلامه هو نفسه شاهدًا عليه. أقول هذا بكل توقير، ولكن أيضًا بكل وضوح، لأن قليلين هم الذين أدركوه.
وفي اختباري الشخصي، جاءت لحظة فاصلة أدركتُ فيها لأول مرة هذه الحقيقة عن مسؤولية أبي الذي في السماء. وكأن ثقل الحياة قد رُفع في لحظة واحدة عن كتفيّ ووُضع على كتفيه، وسُلّمت كل مخاوفي وهمومي وحيرتي إلى أعماق عنايته المحبة. وأدركتُ أن تلك الغريزة البشرية الطبيعية التي تتوقع من الوالدين أن يعتنيا بأولادهما ليست مجرد عُرف اجتماعي، بل هي مغروسة من الله. والمقصود بها أن تعلّمنا أن الخالق، الذي جعل الوالدين البشريين مسؤولين عن أولادهم، هو نفسه مسؤول بالقدر عينه عن أولاده. وكان يمكن أن أهتف فرحًا عظيمًا. ومن تلك اللحظة تحولت أثقالي إلى راحة. فحين يبلغ إنسانٌ هذا الإدراك، لا بد له بالضرورة أن يدخل إلى الراحة.
فمع إله كهذا، هو في الوقت نفسه أب، لا موضع لشيء سوى الراحة. وكلما ارتفعت في نفسي، منذ ذلك الاكتشاف المفرح، تجارب الشك أو الهم أو الخوف، أبيتُ أن أصغي إليها في ضوء ما تعلمته، لأنني أدرك أن الإصغاء إليها إنما هو تشكيك في أمانة أبي الذي في السماء.
ولعلنا اعتدنا أن نظن أن شكوكنا ومخاوفنا نابعة من عدم استحقاقنا وأنها علامة تواضع. بل لعلنا اتخذناها دليلًا على تقوى خاصة وظننا أنها مُرضية لله بوجه من الوجوه. ولكن لو أن الأولاد، في علاقتهم بوالديهم الأرضيين، سمحوا لأنفسهم بالشك في محبة والديهم وخافوا أن تخذلهم عنايتهما، أفكانت تلك الشكوك والمخاوف تدل على محبة صادقة واحترام؟ أوَكانت تُرضي والديهم؟
إن كان الله أبانا، فليس لنا مع الشكوك والمخاوف والأفكار القلقة إلا أن نطرحها وراءنا بالتمام ونأبى أن نستضيفها مرة أخرى. ونحن نقدر أن نفعل ذلك. نقدر أن نتخلى عن شكوكنا كما نحث غيرنا أن يتخلى عن عادة مؤذية. فإن رأينا حقًا أن شكوكنا خطية ضد الله وتشكيك في أمانته، فسنتلهف على التخلي عنها.
ولعلنا تمسّكنا بشكوكنا فيما مضى لأننا ظننا أنها جزء من إيماننا وموقف يليق بمن يشعر أنه غير مستحق. أما وقد رأينا الآن أن الله هو حقًا أبونا، فسنرفض كل شك برعبٍ، مدركين أنه افتراء على محبته وعنايته.
فماذا تشتهي نفسٌ أكثر من أن يكون لها إله اسمه «أبونا»، وصفاته على قدر اسمه؟ وكما قال فيلبس: «يَا سَيِّدُ، أَرِنَا ٱلْآبَ وَكَفَانَا» (يوحنا 14:8). ونعم، إنه يكفي — بما يفوق كل تعبير.
ذهبت مرة صديقة لي لتزور امرأة فقيرة تسكن في أحد أفقر أحياء فيلادلفيا، وقد بلغها أن حالها في غاية العوز. فوجدت الأمر أسوأ مما توقعت. كانت المرأة عجوزًا مُقعَدة بالروماتيزم، تعيش وحدها في غرفة صغيرة حقيرة، لا تنالها إلا معونة عارضة من جارة لطيفة. ومع ذلك كانت مبتهجة ملآنة شكرًا.
فدهشت صديقتي أن يوجد مثل هذا الفرح في مثل هذه الظروف، فسألتها: «أما تخافين قط حين تفكرين فيما قد يحلّ بك، وأنت تعيشين هنا وحدك وفي مثل هذه الحال؟»
فنظرت إليها المرأة مستغربة وقالت: «أخاف؟ أوَلا تعلمين أن لي أبًا، أوَلا تعلمين أنه يعتني بي كل حين؟» ثم أضافت برفق، إذ رأت حَيرة صديقتي: «إن أبي هو أبوك أيضًا بلا شك، وأنت تعرفينه، وتعلمين أنه يعتني دائمًا بأولاده». وكان ذلك درسًا لم تنسه صديقتي قط.
«اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا ٱلْآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلَادَ ٱللهِ؛ وَنَحْنُ كَذَلِكَ» (1 يوحنا 3:1). والمحبة المعطاة لنا هي محبة أبٍ لولده — محبة حانية حامية تدرك ضعفنا واحتياجاتنا وتعتني بنا على قدرها. إنه يعاملنا كأولاد، وكل ما يطلبه منا في المقابل أن نعامله كأبٍ نقدر أن نثق به بلا قلق.
علينا أن نأخذ موضع الأولاد — متكلين واثقين — وأن ندعه يأخذ موضع الآب — معتنيًا مسؤولًا. وبما أننا نحن الأولاد وهو الآب، فلندعه يقوم بدور الآب. وكثيرًا ما نأخذ نحن ذلك الدور على عاتقنا فنحاول أن نعتني بأنفسنا وندبّر احتياجاتنا. ولكن ما من أبٍ أرضي صالح يريد لأولاده أن يحملوا مسؤولياته هو، وبالتأكيد لا يريد أبونا السماوي أن نحمل نحن مسؤولياته.
فلا عجب أن قيل لنا: «مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ» (1 بطرس 5:7). وبالطبع هو يعتني بنا — فهذا دوره كآب. وما كان ليكون أبًا صالحًا لو لم يفعل. وكل ما يطلبه أن نخبره باحتياجاتنا ثم نترك له التدبير. وهو يَعِد بأننا إن فعلنا ذلك، فإن «وَسَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي 4:7).
إن أولاد الأب الأرضي الصالح في سلام لأنهم يثقون بعناية أبيهم. أما أولاد الآب السماوي فكثيرًا ما لا سلام لهم لأنهم يخافون أن يثقوا به. قد يخبرونه باحتياجاتهم، ولكن كأداءٍ لواجب معتاد. وهم لا يؤمنون حقًا أنه سيعتني بهم. وهكذا يمضون حاملين أثقالهم كأن ليس لهم أب في السماء البتة.
فما أشد هذه الحماقة! إن كان أبٌ أرضي جديرًا بثقة أولاده، فكم بالحري أبونا السماوي جدير بثقتنا. والسبب في أن قليلين يثقون به هو إما أنهم لم يدركوا أنه حقًا أبوهم، أو أنهم وإن دعوه أبًا لم يفهموا قط ما يعنيه ذلك حقًا.
إن الجواب على اضطرابك هو أن تعرف الآب معرفة حقيقية.
«إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ ٱلْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ ٱلتَّبَنِّي ٱلَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: ‹يَا أَبَا ٱلْآبُ›» (رومية 8:15). أفروح التبني هذا هو المتسلط في قلبك، أم روح الخوف؟ إن سلامك متوقف كليًا على هذا. فما من جهد أو جهاد أو صلاة يقدر أن يمنحك راحة ما دام روح التبني غائبًا.
ولعلك تسأل كيف تنال هذا الروح. إنه ليس شيئًا تحصل عليه بالجهد. بل يأتي عفوًا حين تكتشف أن الله هو حقًا أبوك. فمتى أدركت هذا، لا يسعك إلا أن تفكر وتتصرف كولد — وهذا هو معنى روح التبني. إنه ليس أمرًا غامضًا؛ بل هو ببساطة الثمرة الطبيعية لأن تجد أبًا حيث كنت تظن أنه لا يوجد إلا قاضٍ.
فالحاجة الكبرى إذًا هي أن نصل إلى هذا الاكتشاف. ولكي نفعل ذلك، علينا أن نصغي إلى ما يقوله المسيح عن الآب وأن نصدقه.
«اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّنَا إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ بِمَا نَعْلَمُ وَنَشْهَدُ بِمَا رَأَيْنَا، وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَ شَهَادَتَنَا» (يوحنا 3:11).
«ٱلْكَلَامُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لَكِنَّ ٱلْآبَ ٱلْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ ٱلْأَعْمَالَ» (يوحنا 14:10).
«وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ ٱللهَ صَادِقٌ» (يوحنا 3:33).
فإن قبلنا شهادة المسيح، نعلن أن الله صادق. وإن رفضناها، جعلناه كاذبًا.
«لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ ٱلْآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ» (يوحنا 14:7). فعلينا أن نعزم من الآن فصاعدًا أن نصدق شهادته وأن نعرف الآب حق المعرفة. فلا بد أن يكون لنا «إِلَهٌ وَاحِدٌ: ٱلْآبُ ٱلَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ ٱلْأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ، ٱلَّذِي بِهِ جَمِيعُ ٱلْأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ» (1 كورنثوس 8:6).