سرّ الحياة المسيحية السعيدة ·أَفِي كُلِّ شَيْءٍ اللهُ؟

فصل 8 · قراءة 11 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

أَفِي كُلِّ شَيْءٍ اللهُ؟

مِنْ أَكْبَرِ العَقَبَاتِ فِي حَيَاةِ التَّسْلِيمِ الكَامِلِ صُعُوبَةُ رُؤْيَةِ اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

يَقُولُ النَّاسُ: «أَقْدِرُ أَنْ أَخْضَعَ لِأُمُورٍ مِنَ اللهِ، لَكِنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَخْضَعَ لِلْإِنْسَانِ. فَمُعْظَمُ تَجَارِبِي تَأْتِي عَنْ طَرِيقِ البَشَرِ». أَوْ: «حَسَنٌ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنِ الثِّقَةِ، لَكِنِّي حِينَ أُوكِلُ أَمْرًا إِلَى اللهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَتَدَخَّلَ الإِنْسَانُ فَيُفْسِدَهُ. أَقْدِرُ أَنْ أَثِقَ بِاللهِ، لَكِنِّي أَرَى مَشَاكِلَ خَطِيرَةً فِي الثِّقَةِ بِالبَشَرِ».

لَيْسَتْ هَذِهِ مُشْكِلَةً وَهْمِيَّةً، بَلْ هِيَ بَالِغَةُ الأَهَمِّيَّةِ. فَإِنْ لَمْ تُعَالَجْ، جَعَلَتِ الإِيمَانَ نَظَرِيَّةً مُسْتَحِيلَةً خَيَالِيَّةً. إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا فِي الحَيَاةِ يَأْتِينَا عَنْ طَرِيقِ وَسَائِطَ بَشَرِيَّةٍ. وَمُعْظَمُ تَجَارِبِنَا تَنْجُمُ عَنْ إِخْفَاقِ أَحَدِهِمْ أَوْ جَهْلِهِ أَوْ إِهْمَالِهِ أَوْ خَطِيَّتِهِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ هَذِهِ الأُمُورِ. لَكِنْ، مَا لَمْ يَكُنْ هُوَ الفَاعِلَ، فَكَيْفَ نَقُولُ لَهُ: «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ»؟ ثُمَّ، مَا فَائِدَةُ أَنْ نُوكِلَ أُمُورَنَا إِلَى اللهِ، إِنْ كَانَ الإِنْسَانُ يَقْدِرُ أَنْ يَتَدَخَّلَ فَيُعَطِّلَهَا؟ وَكَيْفَ نَحْيَا بِالإِيمَانِ إِنْ لَمْ نَقْدِرْ أَنْ نَثِقَ بِالبَشَرِ؟ سَيَكُونُ لَهُمْ تَأْثِيرٌ أَكْبَرُ مِمَّا يَجِبُ عَلَى حَيَاتِنَا.

وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الأُمُورَ الَّتِي نَرَى فِيهَا يَدَ اللهِ لَهَا دَائِمًا حَلَاوَةٌ تُعَزِّي حَتَّى وَهِيَ تَجْرَحُ. أَمَّا تَجَارِبُ الإِنْسَانِ فَمَمْلُوءَةٌ مَرَارَةً. لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نَرَى اللهَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنْ نَقْبَلَ كُلَّ الأُمُورِ كَعَطَايَا مُبَاشَرَةً مِنْهُ، بِلَا أَسْبَابٍ ثَانَوِيَّةٍ. لَا بُدَّ أَنْ نُسَاقَ إِلَى هَذَا. فَحِينَئِذٍ فَقَطْ نَعْرِفُ اخْتِبَارًا دَائِمًا لِلتَّخَلِّي التَّامِّ وَالثِّقَةِ الكَامِلَةِ. إِنَّ تَخَلِّيَنَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلهِ لَا لِلْإِنْسَانِ، وَثِقَتَنَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِهِ لَا بِأَيِّ ذِرَاعِ بَشَرٍ، وَإِلَّا سَقَطْنَا عِنْدَ أَوَّلِ تَجْرِبَةٍ.

وَالسُّؤَالُ هُوَ: «أَفِي كُلِّ شَيْءٍ اللهُ؟ أَلَنَا سَنَدٌ مِنَ الكِتَابِ لِنَقْبَلَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ عَوَامِلَ أُخْرَى؟». أُجِيبُ، بِلَا تَرَدُّدٍ: نَعَمْ. فَلِأَبْنَاءِ اللهِ، يَأْتِي كُلُّ شَيْءٍ مِنْ يَدِ أَبِيهِمْ، وَلَا يَهُمُّ مَنْ كَانَ الفَاعِلُونَ الظَّاهِرُونَ. لَا وُجُودَ لِـ«أَسْبَابٍ ثَانَوِيَّةٍ» بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ. إِنَّ تَعْلِيمَ الكِتَابِ كُلَّهُ يُؤَكِّدُ هَذَا وَيَتَضَمَّنُهُ. «لَا يَسْقُطُ عُصْفُورٌ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِينَا». وَشُعُورُ رُؤُوسِنَا جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَهْتَمَّ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ أَبَانَا يَعْتَنِي بِنَا. وَلَا أَنْ نَنْتَقِمَ لِأَنْفُسِنَا، لِأَنَّ أَبَانَا قَدْ أَخَذَ عَلَى عَاتِقِهِ الدِّفَاعَ عَنَّا.

وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَخَافَ، لِأَنَّ الرَّبَّ فِي جَانِبِنَا. لَا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْنَا، لِأَنَّهُ هُوَ مَعَنَا. لَنْ نَحْتَاجَ، لِأَنَّهُ رَاعِينَا. حِينَ نَعْبُرُ فِي الأَنْهَارِ، لَا تَغْمُرُنَا. وَحِينَ نَمْشِي فِي النَّارِ، لَا نَحْتَرِقُ. سَيَكُونُ مَعَنَا. يَسُدُّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَا تَقْدِرُ أَنْ تُؤْذِيَنَا. يُنْقِذُ وَيُنَجِّي. يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالأَزْمِنَةَ؛ يَعْزِلُ مُلُوكًا وَيُنَصِّبُ مُلُوكًا. قَلْبُ الإِنْسَانِ فِي يَدِهِ، وَكَجَدَاوِلِ المِيَاهِ يُصَرِّفُهُ حَيْثُمَا شَاءَ. «إِنَّهُ يَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ مَمَالِكِ الأُمَمِ. فِي يَدِهِ قُوَّةٌ وَجَبَرُوتٌ. وَلَا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَقِفَ أَمَامَهُ».

إِنَّهُ يَحْكُمُ هَيَجَانَ البَحْرِ؛ حِينَ تَرْتَفِعُ أَمْوَاجُهُ يُسَكِّنُهَا. يُبْطِلُ مَشُورَةَ المُتَمَرِّدِينَ؛ وَيَجْعَلُ تَدَابِيرَ الشُّعُوبِ بِلَا جَدْوَى. كُلُّ مَا شَاءَ الرَّبُّ صَنَعَهُ فِي السَّمَاءِ وَفِي الأَرْضِ، فِي البِحَارِ وَكُلِّ اللُّجَجِ. إِنْ رَأَيْتَ المِسْكِينَ مَظْلُومًا وَالعَدْلَ مُنْحَرِفًا، فَلَا تَعْجَبْ، لِأَنَّ هُنَاكَ أَعْلَى مِنَ الأَعْلَى، وَهُوَ يَرَى الكُلَّ. هَذِهِ أَطْرَافٌ مِنْ طُرُقِهِ، وَمَا أَقَلَّ الجُزْءَ الَّذِي يُسْمَعُ عَنْهُ! أَمَّا رَعْدُ قُوَّتِهِ فَمَنْ يَفْهَمُهُ؟

«أَمَا عَرَفْتَ؟ أَمَا سَمِعْتَ؟ إِلَهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ، خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ، لَا يَكِلُّ وَلَا يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ».

وَهَذَا الإِلَهُ هُوَ مَلْجَأُنَا وَقُوَّتُنَا، عَوْنًا حَاضِرًا جِدًّا فِي الضِّيقِ. لِذَلِكَ لَا نَخَافُ، وَلَوْ زُحْزِحَتِ الأَرْضُ، وَوَقَعَتِ الجِبَالُ فِي قَلْبِ البِحَارِ، وَعَجَّتْ مِيَاهُهَا وَاضْطَرَبَتْ.

وَتَزَعْزَعَتِ الجِبَالُ بِطُمُوِّهَا. «أَقُولُ لِلرَّبِّ: مَلْجَإِي وَحِصْنِي، إِلَهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الوَبَإِ الخَطِرِ. بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لَا تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلَا مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ، وَلَا مِنْ وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى، وَلَا مِنْ هَلَاكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ.

يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ، وَرِبْوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ، إِلَيْكَ لَا يَقْرُبُ. إِنَّمَا بِعَيْنَيْكَ تَنْظُرُ وَتَرَى مُجَازَاةَ الأَشْرَارِ. لِأَنَّكَ قُلْتَ: أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإِي، وَجَعَلْتَ العَلِيَّ مَسْكَنَكَ، لَا يُلَاقِيكَ شَرٌّ، وَلَا تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ. لِأَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ».

مَزَامِير ٩١: ٧-١١. إِنَّ هَذِهِ الآيَاتِ، وَغَيْرَهَا مِمَّا يُشْبِهُهَا، تَحْسِمُ، مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِلَى الأَبَدِ، مَسْأَلَةَ الأَسْبَابِ الثَّانَوِيَّةِ فِي حَيَاةِ أَبْنَاءِ اللهِ. فَكُلُّهَا تَحْتَ سُلْطَانِ أَبِينَا. وَلَا شَيْءَ يَقْدِرُ أَنْ يَمَسَّنَا إِلَّا بِعِلْمِهِ وَبِإِذْنِهِ. قَدْ تَكُونُ خَطِيَّةُ الإِنْسَانِ هِيَ سَبَبَ الفِعْلِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْعَى مَشِيئَةَ اللهِ. لَكِنْ مَتَى بَلَغَنَا، صَارَ مَشِيئَةَ اللهِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ مِنْ يَدَيْهِ مُبَاشَرَةً.

لَا إِنْسَانَ وَلَا جَمَاعَةَ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى الأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ، تَقْدِرُ أَنْ تَمَسَّ النَّفْسَ الثَّابِتَةَ فِي المَسِيحِ. فَلَا بُدَّ أَوَّلًا أَنْ تَعْبُرَ خِلَالَهُ وَتَنَالَ إِذْنَهُ. إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَلَا يَهُمُّ مَنْ يَكُونُ عَلَيْنَا؛ لَا شَيْءَ يَقْدِرُ أَنْ يُزْعِجَنَا أَوْ يُؤْذِيَنَا، إِلَّا إِذَا رَأَى أَنَّهُ أَفْضَلُ لَنَا، فَيَتَنَحَّى لِيَدَعَهُ يَمُرُّ. وَمَا عِنَايَةُ الوَالِدِ الأَرْضِيِّ بِطِفْلِهِ العَاجِزِ إِلَّا صُورَةٌ بَاهِتَةٌ لِهَذَا. فَإِنْ كَانَ الطِّفْلُ فِي ذِرَاعَيْ أَبِيهِ، لَا يَقْدِرُ شَيْءٌ أَنْ يَمَسَّهُ بِلَا مُوَافَقَةِ ذَلِكَ الأَبِ، مَا لَمْ يَكُنْ أَضْعَفَ مِنْ أَنْ يَمْنَعَهُ.

وَحَتَّى لَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الأَذَى أَوَّلًا فِي شَخْصِهِ، قَبْلَ أَنْ يَدَعَهُ يَبْلُغُ طِفْلَهُ. فَإِنْ كَانَ الوَالِدُ الأَرْضِيُّ يَعْتَنِي هَكَذَا بِطِفْلِهِ العَاجِزِ، فَكَمْ بِالحَرِيِّ أَبُونَا السَّمَاوِيُّ! إِنَّ مَحَبَّتَهُ لَا نِهَائِيَّةٌ، وَقُوَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ لَا تَخِيبَانِ.

إِنَّ بَعْضًا، حَتَّى مِنْ أَبْنَاءِ اللهِ، يَشُكُّونَ فِي مَحَبَّتِهِ وَعِنَايَتِهِ. فَيَلُومُونَهُ سِرًّا عَلَى إِهْمَالٍ مَا كَانُوا لِيَحْتَمِلُوهُ. لَكِنَّ عِنَايَتَهُ تَفُوقُ العِنَايَةَ البَشَرِيَّةَ بِكَثِيرٍ. إِنَّهُ يُحْصِي شُعُورَ رُؤُوسِنَا، وَيَعْلَمُ مَتَى يَسْقُطُ عُصْفُورٌ. يُرَاقِبُ كُلَّ أَمْرٍ صَغِيرٍ يَمَسُّ حَيَاةَ أَبْنَائِهِ. وَيَتَحَكَّمُ فِيهَا جَمِيعًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، مَهْمَا كَانَ مَصْدَرُهَا.

إِنَّ أَمْثِلَةَ هَذَا لَا تُحْصَى. خُذْ يُوسُفَ. مَاذَا يَبْدُو أَكْثَرَ كَوْنُهُ نَتِيجَةَ خَطِيَّةٍ مِنْ بَيْعِهِ عَبْدًا؟ لَقَدْ كَانَ مُنَاقِضًا تَمَامًا لِمَشِيئَةِ اللهِ. وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ يُوسُفُ، مُتَكَلِّمًا عَنْهُ: «أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا اليَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا». تَكْوِين ٥٠: ٢٠. «فَالآنَ لَا تَحْزَنُوا وَلَا تَغْتَاظُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ لِأَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي. أَرْسَلَنِي اللهُ إِلَى هُنَا لِاسْتِبْقَاءِ الحَيَاةِ». فِي نَظَرِ الحِسِّ، كَانَ إِخْوَةُ يُوسُفَ الأَشْرَارُ هُمُ الَّذِينَ أَرْسَلُوهُ إِلَى مِصْرَ.

وَمَعَ ذَلِكَ، بِالإِيمَانِ، قَدَرَ يُوسُفُ أَنْ يَقُولَ: «اللهُ أَرْسَلَنِي». لَقَدْ أَخْطَأَ إِخْوَتُهُ، لَكِنْ مَتَى بَلَغَ الأَمْرُ يُوسُفَ، صَارَ مَشِيئَةَ اللهِ. وَكَانَ، وَإِنْ لَمْ يَبْدُ كَذَلِكَ فِي البِدَايَةِ، أَعْظَمَ بَرَكَةٍ فِي حَيَاتِهِ. فَنَرَى كَيْفَ يَقْدِرُ الرَّبُّ أَنْ يُحَوِّلَ حَتَّى غَضَبَ الإِنْسَانِ إِلَى تَسْبِيحٍ لَهُ، وَكَيْفَ تَعْمَلُ كُلُّ الأَشْيَاءِ، حَتَّى خَطَايَا الآخَرِينَ، مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ.

لَقَدْ تَعَلَّمْتُ هَذَا الدَّرْسَ، عَمَلِيًّا وَاخْتِبَارِيًّا، قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الآيَةَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. كُنْتُ فِي اجْتِمَاعِ صَلَاةٍ لِأَجْلِ القَدَاسَةِ الكِتَابِيَّةِ. فَنَهَضَتْ سَيِّدَةٌ غَرِيبَةٌ لِتَتَكَلَّمَ. تَسَاءَلْتُ مَنْ تَكُونُ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّهَا سَتُعَلِّمُنِي دَرْسًا عَظِيمًا. قَالَتْ إِنَّهَا وَجَدَتْ صُعُوبَةً كَبِيرَةً فِي حَيَاةِ الإِيمَانِ. سَبَّبَهَا السَّبَبُ الثَّانَوِيُّ الَّذِي بَدَا أَنَّهُ يَتَحَكَّمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَخُصُّهَا. وَازْدَادَتْ حَيْرَتُهَا. فَبَدَأَتْ تَطْلُبُ مِنَ اللهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا الحَقَّ: أَحَقًّا هُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَمْ لَا؟

وَبَعْدَ أَنْ صَلَّتْ هَكَذَا أَيَّامًا قَلِيلَةً، رَأَتْ مَا وَصَفَتْهُ بِرُؤْيَا. ظَنَّتْ أَنَّهَا فِي مَكَانٍ مُظْلِمٍ. ثُمَّ تَقَدَّمَتْ نَحْوَهَا كُتْلَةٌ مِنَ النُّورِ مِنْ بَعِيدٍ. فَأَحَاطَتْ بِهَا تَدْرِيجِيًّا وَغَمَرَتْهَا وَكُلَّ مَا حَوْلَهَا. وَإِذْ اقْتَرَبَتْ، بَدَا صَوْتٌ يَقُولُ: «هَذَا هُوَ حَضْرَةُ اللهِ؛ هَذَا هُوَ حَضْرَةُ اللهِ». وَأَرَتْهَا هَذِهِ الحَضْرَةُ كُلَّ الأُمُورِ العَظِيمَةِ المُرِيعَةِ فِي الحَيَاةِ.

رَأَتْ جُيُوشًا مُتَحَارِبَةً، وَأُنَاسًا أَشْرَارًا، وَوُحُوشًا كَاسِرَةً، وَعَوَاصِفَ، وَأَوْبِئَةً. رَأَتْ كُلَّ صُنُوفِ الخَطِيَّةِ وَالأَلَمِ. فِي البِدَايَةِ ارْتَدَّتْ خَائِفَةً. لَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا رَأَتْ أَنَّ حَضْرَةَ اللهِ تُحِيطُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ وَتَغْمُرُهُ. لَمْ يَقْدِرْ أَسَدٌ أَنْ يَمُدَّ مِخْلَبَهُ، وَلَا رَصَاصَةٌ أَنْ تَطِيرَ فِي الهَوَاءِ، إِلَّا حِينَ تَتَحَرَّكُ حَضْرَتُهُ لِتَسْمَحَ بِذَلِكَ.

عَلِمَتْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العُنْفِ الرَّهِيبِ أَرَقُّ سِتَارٍ مِنْ هَذِهِ الحَضْرَةِ المَجِيدَةِ، لَمَا قَدَرَ شَيْءٌ أَنْ يَمَسَّهَا، وَلَا أَنْ تَضْطَرِبَ شَعْرَةٌ فِي رَأْسِهَا.

لَكِنَّ الحَضْرَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَنْشَقَّ لِتَدَعَ الشَّرَّ يَعْبُرُ. ثُمَّ لَمَعَتْ أَمَامَهَا كُلُّ مُضَايَقَاتِ الحَيَاةِ الصَّغِيرَةِ. فَرَأَتْ أَنَّهَا مَلْفُوفَةٌ فِي حَضْرَةِ اللهِ حَتَّى لَا يَقْدِرَ شَيْءٌ أَنْ يَمَسَّهَا. لَا نَظْرَةٌ عَابِسَةٌ، وَلَا كَلِمَةٌ قَاسِيَةٌ، وَلَا تَجْرِبَةٌ تَافِهَةٌ، تَقْدِرُ أَنْ تَبْلُغَهَا إِلَّا إِذَا سَمَحَ هُوَ بِهَا.

تَبَدَّدَتْ صُعُوبَتُهَا، وَأُجِيبَ سُؤَالُهَا إِلَى الأَبَدِ. كَانَ اللهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَمْ يَعُدْ لَهَا مِنْ ذَلِكَ الحِينِ أَسْبَابٌ ثَانَوِيَّةٌ. رَأَتْ أَنَّ حَيَاتَهَا تَأْتِيهَا، يَوْمًا فَيَوْمًا وَسَاعَةً فَسَاعَةً، مِنْ يَدِهِ. وَلَمْ يَهُمَّ مَا الَّذِي بَدَا أَنَّهُ يَتَحَكَّمُ فِيهَا. وَلَمْ تَجِدْ بَعْدُ صُعُوبَةً قَطُّ فِي الثِّقَةِ بِعِنَايَتِهِ. لَكِنَّنَا إِنْ رَكَّزْنَا عَلَى الأُمُورِ المَنْظُورَةِ، لَنْ نَفْهَمَ هَذَا السِّرَّ. عَلَى أَبْنَاءِ اللهِ أَنْ «لَا يَنْظُرُوا إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، لِأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لَا تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ». فَلَوْ قَدَرْنَا أَنْ نَرَى قُوَّاتِهِ غَيْرَ المَنْظُورَةِ حَوْلَنَا، لَشَعَرْنَا بِالأَمَانِ، وَلَسِرْنَا فِي هَذَا العَالَمِ فِي حِصْنٍ لَا يُكْسَرُ. لِأَنَّ «مَلَاكَ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ».

لَنَا صُورَةٌ لَافِتَةٌ لِهَذَا فِي تَارِيخِ أَلِيشَعَ. كَانَ مَلِكُ أَرَامَ فِي حَرْبٍ مَعَ إِسْرَائِيلَ.

وَقَدْ أُحْبِطَتْ خُطَطُهُ الشِّرِّيرَةُ عَلَى يَدِ نَبِيٍّ. فَأَرْسَلَ جَيْشَهُ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ. نَقْرَأُ: «فَأَرْسَلَ خَيْلًا وَمَرْكَبَاتٍ وَجَيْشًا كَثِيرًا، فَأَتَوْا لَيْلًا وَأَحَاطُوا بِالمَدِينَةِ». هَذَا هُوَ الأَمْرُ المَنْظُورُ. وَخَادِمُ النَّبِيِّ، الَّذِي لَمْ تَكُنْ عَيْنَاهُ قَدِ انْفَتَحَتَا بَعْدُ لِيَرَى الأُمُورَ غَيْرَ المَنْظُورَةِ، فَزِعَ. نَقْرَأُ: «وَلَمَّا بَكَّرَ خَادِمُ رَجُلِ اللهِ وَقَامَ وَخَرَجَ، إِذَا جَيْشٌ مُحِيطٌ بِالمَدِينَةِ بِخَيْلٍ وَمَرْكَبَاتٍ». فَقَالَ خَادِمُهُ: «آهِ يَا سَيِّدِي، كَيْفَ نَعْمَلُ؟». لَكِنَّ سَيِّدَهُ قَدَرَ أَنْ يَرَى الأُمُورَ غَيْرَ المَنْظُورَةِ، فَأَجَابَ: «لَا تَخَفْ، لِأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ». ثُمَّ صَلَّى قَائِلًا: «يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ».

فَفَتَحَ الرَّبُّ عَيْنَيِ الغُلَامِ فَأَبْصَرَ. وَإِذَا الجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلًا وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ. إِنَّ حَضْرَةَ اللهِ هِيَ حِصْنُ شَعْبِهِ، لَا شَيْءَ يَقْدِرُ أَنْ يَقِفَ أَمَامَهَا. عِنْدَ حَضْرَتِهِ يَبِيدُ الأَشْرَارُ، وَتَرْتَجِفُ الأَرْضُ، وَتَذُوبُ الجِبَالُ كَالشَّمْعِ، وَتَتَهَدَّمُ المُدُنُ. «السَّمَاوَاتُ أَيْضًا قَطَرَتْ، وَسِينَاءُ نَفْسُهُ تَزَلْزَلَ أَمَامَ حَضْرَةِ اللهِ». فِي هَذَا السِّرِّ، وَعَدَ أَنْ يُخْفِيَ شَعْبَهُ مِنْ كِبْرِيَاءِ الإِنْسَانِ وَمِنْ مُخَاصَمَةِ الأَلْسِنَةِ. «حَضْرَتِي تَسِيرُ مَعَكَ»، يَقُولُ، «وَأُرِيحُكَ». لَيْتَ كُلَّ مَسِيحِيٍّ يَرَى هَذَا الحَقَّ بِوُضُوحٍ كَمَا أَرَاهُ أَنَا. إِنَّهُ المِفْتَاحُ الوَحِيدُ لِحَيَاةٍ مُطْمَئِنَّةٍ تَمَامًا. لَا شَيْءَ سِوَاهُ يُتِيحُ لِلنَّفْسِ أَنْ تَحْيَا فِي الحَاضِرِ وَحْدَهُ، كَمَا أُمِرْنَا. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نُفَكِّرَ فِي الغَدِ.

لَا شَيْءَ سِوَاهُ يُزِيلُ كُلَّ المَخَاطِرِ مِنْ قَلْبِ المَسِيحِيِّ. لَا شَيْءَ سِوَاهُ يُتِيحُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: «إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي». فَبِالثَّبَاتِ فِي حَضْرَةِ اللهِ، لَا نُخَاطِرُ بِشَيْءٍ. وَنَفْسٌ كَهَذِهِ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ: «لَا أَعْرِفُ مَا هُوَ الشَّكُّ. قَلْبِي فَرِحٌ دَائِمًا. لَا أُخَاطِرُ بِشَيْءٍ، فَمَهْمَا يَحْدُثْ، فَلِلهِ دَائِمًا طَرِيقُهُ». سَمِعْتُ مَرَّةً عَنِ امْرَأَةٍ سَوْدَاءَ. كَانَتْ تَكْسِبُ رِزْقًا زَهِيدًا بِعَمَلٍ يَوْمِيٍّ. لَكِنَّهَا كَانَتْ مَسِيحِيَّةً فَرِحَةً مُنْتَصِرَةً.

«آهِ يَا نَانْسِي»، قَالَتْ ذَاتَ يَوْمٍ سَيِّدَةٌ مَسِيحِيَّةٌ كَئِيبَةٌ، تَكَادُ تَسْتَنْكِرُ بَشَاشَتَهَا الدَّائِمَةَ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْسُدُهَا عَلَيْهَا.

«آهِ يَا نَانْسِي، حَسَنٌ أَنْ تَكُونِي سَعِيدَةً الآنَ، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ التَّفْكِيرَ فِي مُسْتَقْبَلِكِ يُرَزِّنُكِ. تَخَيَّلِي مَثَلًا أَنَّكِ مَرِضْتِ وَلَمْ تَقْدِرِي عَلَى العَمَلِ. أَوْ تَخَيَّلِي أَنَّ مُشَغِّلِيكِ رَحَلُوا، وَلَمْ يَسْتَخْدِمْكِ أَحَدٌ آخَرُ. أَوْ تَخَيَّلِي...». «كُفِّي!» صَاحَتْ نَانْسِي، «أَنَا لَا أَتَخَيَّلُ قَطُّ.

الرَّبُّ رَاعِيَّ، وَأَعْلَمُ أَنِّي لَا أَحْتَاجُ. وَيَا عَزِيزَتِي»، أَضَافَتْ لِصَدِيقَتِهَا الكَئِيبَةِ، «أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي يَقْتَرِحُونَهَا هِيَ الَّتِي تَجْعَلُكِ بَائِسَةً هَكَذَا. يَنْبَغِي أَنْ تَتْرُكِيهَا جَمِيعًا وَتَثِقِي بِالرَّبِّ فَقَطْ». إِنَّ آيَةً وَاحِدَةً تَقْدِرُ أَنْ تُنْهِيَ «تَخَيُّلَاتِ» المُؤْمِنِ، إِنْ هِيَ قُبِلَتْ وَعُمِلَ بِهَا بِإِيمَانٍ طُفُولِيٍّ. وَهِيَ فِي عِبْرَانِيِّينَ ٣: ٥-٦: «وَمُوسَى كَانَ أَمِينًا فِي كُلِّ بَيْتِ اللهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ، وَأَمَّا المَسِيحُ فَأَمِينٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ كَابْنٍ. وَنَحْنُ بَيْتُهُ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَتِنَا وَافْتِخَارِنَا بِرَجَائِنَا». كُنْ مُكْتَفِيًا بِمَا عِنْدَكَ. لِأَنَّهُ قَالَ: «لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ المَالِ، كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لِأَنَّهُ قَالَ: لَا أُهْمِلُكَ وَلَا أَتْرُكُكَ. حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟». عِبْرَانِيِّينَ ١٣: ٥-٦. مَاذَا لَوْ هَدَّدَتْكَ الأَخْطَارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؟ مَاذَا لَوِ اجْتَمَعَ حِقْدُ النَّاسِ أَوْ حَمَاقَتُهُمْ أَوْ جَهْلُهُمْ لِيُؤْذُوكَ؟

تَقْدِرُ أَنْ تُوَاجِهَ كُلَّ طَارِئٍ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ: «الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟».

إِنْ كَانَ الرَّبُّ مُعِينَكَ، فَكَيْفَ تَخَافُ مَا يَصْنَعُهُ بِكَ إِنْسَانٌ؟ لَا إِنْسَانَ، وَلَا جَمَاعَةَ نَاسٍ، تَقْدِرُ أَنْ تَمَسَّكَ، إِلَّا، بِالطَّبْعِ، إِذَا سَمَحَ إِلَهُكَ الَّذِي تَثِقُ بِهِ. «لَا يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لَا يَنْعَسُ حَافِظُكَ. إِنَّهُ لَا يَنْعَسُ وَلَا يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ. الرَّبُّ حَافِظُكَ. الرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَنْ يَدِكَ اليُمْنَى. لَا تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ، وَلَا القَمَرُ فِي اللَّيْلِ. الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ. الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ». (مَزْمُور ١٢١: ٣-٨). إِنَّ رُؤْيَةَ اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَحْدَهَا تَجْعَلُنَا مُحِبِّينَ صَبُورِينَ نَحْوَ مَنْ يُضَايِقُونَنَا.

فَلَنْ يَكُونُوا إِلَّا أَدَوَاتٍ لِمَقَاصِدِهِ الحَكِيمَةِ الحَنُونَةِ. وَسَيَنْتَهِي بِنَا الأَمْرُ إِلَى شُكْرِهِمْ عَلَى البَرَكَاتِ الَّتِي يَجْلِبُونَهَا. لَا شَيْءَ سِوَى ذَلِكَ يَضَعُ حَدًّا تَامًّا لِكُلِّ تَذَمُّرٍ أَوْ أَفْكَارٍ مُتَمَرِّدَةٍ.

كَثِيرًا مَا يَشْعُرُ المَسِيحِيُّونَ بِحُرِّيَّةٍ فِي التَّذَمُّرِ عَلَى الإِنْسَانِ حِينَ لَا يَجْرُؤُونَ عَلَى التَّذَمُّرِ عَلَى اللهِ. لَكِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي قَبُولِ الأُمُورِ تَجْعَلُ التَّذَمُّرَ مُسْتَحِيلًا أَبَدًا. فَإِنْ سَمَحَ أَبُونَا بِتَجْرِبَةٍ، فَلَا بُدَّ أَنَّهَا الأَفْضَلُ لَنَا. وَعَلَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهَا بِالشُّكْرِ مِنْ يَدِهِ العَزِيزَةِ.

قَدْ تَكُونُ التَّجْرِبَةُ نَفْسُهَا صَعْبَةً عَلَى اللَّحْمِ وَالدَّمِ، وَلَسْتُ أَعْنِي أَنَّنَا نَقْدِرُ أَنْ نُحِبَّ مُعَانَاتَهَا أَوْ نَتَمَتَّعَ بِهَا. لَكِنَّنَا نَقْدِرُ، بَلْ يَجِبُ، أَنْ نُحِبَّ مَشِيئَةَ اللهِ فِي التَّجْرِبَةِ، لِأَنَّ مَشِيئَتَهُ حُلْوَةٌ دَائِمًا، سَوَاءٌ فِي الفَرَحِ أَمْ فِي الحُزْنِ. إِنَّ تَجَارِبَنَا قَدْ تَكُونُ مَرْكَبَاتِنَا. نَحْنُ نَشْتَاقُ إِلَى نُصْرَةٍ عَلَى الخَطِيَّةِ وَالذَّاتِ، فَنَطْلُبُ مِنَ اللهِ أَنْ يَمْنَحَنَا إِيَّاهَا.

فَيَأْتِي جَوَابُهُ فِي صُورَةِ تَجْرِبَةٍ، يَقْصِدُ لَهَا أَنْ تَكُونَ المَرْكَبَةَ الَّتِي تَحْمِلُنَا إِلَى النُّصْرَةِ المُشْتَهَاةِ. فَإِمَّا أَنْ نَدَعَهَا تَجْتَاحُنَا وَتَسْحَقُنَا كَقُوَّةٍ لَا تُقَاوَمُ، وَإِمَّا أَنْ نَعْتَلِيَهَا وَنَرْكَبَ مُنْتَصِرِينَ إِلَى الأَمَامِ. إِنَّ مَرْكَبَاتِ يُوسُفَ، الَّتِي رَفَعَتْهُ إِلَى المَجْدِ، كَانَتْ تَجَارِبَهُ: بَيْعَهُ عَبْدًا وَسَجْنَهُ ظُلْمًا.

وَمَرْكَبَاتُنَا قَدْ تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ. قَدْ تَكُونُ مُجَرَّدَ أُنَاسٍ مُزْعِجِينَ أَوْ أَوْضَاعٍ صَعْبَةٍ. لَكِنْ مَهْمَا كَانَتْ، فَإِنَّ اللهَ يَقْصِدُ لَهَا أَنْ تَكُونَ قُوَّاتِ نُصْرَتِنَا.

سَتَحْمِلُنَا إِلَى الانْتِصَارَاتِ الَّتِي صَلَّيْنَا لِأَجْلِهَا. فَإِنْ كُنَّا نَافِدِي الصَّبْرِ وَنَشْتَاقُ إِلَى الصَّبْرِ، فَعَلَى الأَرْجَحِ سَتَكُونُ مَرْكَبَتُنَا شَخْصًا مُتْعِبًا، تَخْتَبِرُ طُرُقُهُ أَوْ كَلِمَاتُهُ نُفُوسَنَا عَيْنَهَا. فَإِنْ قَبِلْنَا التَّجْرِبَةَ كَمَا مِنَ اللهِ وَخَضَعْنَا، كَانَتْ خَيْرَ تَأْدِيبٍ، وَأَعْطَتْنَا الصَّبْرَ الَّذِي نَنْشُدُهُ.

إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالأَمْرِ الخَاطِئِ، لَكِنَّهُ يَسْتَخْدِمُهُ لِبَرَكَتِنَا. هَكَذَا فَعَلَ بِقَسْوَةِ إِخْوَةِ يُوسُفَ الأَشْرَارِ، وَبِاتِّهَامَاتِ زَوْجَةِ فُوطِيفَارَ الكَاذِبَةِ. إِنَّهُ يَجْعَلُ الحَيَاةَ تَسْبِيحًا طَوِيلًا، وَيُعْطِينَا سَلَامًا عَمِيقًا وَفَرَحًا يَفُوقُ الوَصْفَ. يَقُولُ أَحَدُهُمْ: «مَشِيئَةُ اللهِ عَلَى الأَرْضِ هِيَ دَائِمًا فَرَحٌ، دَائِمًا طُمَأْنِينَةٌ». فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَرِيقُهُ مَعَ أَبْنَائِهِ. وَالنَّفْسُ الَّتِي تَتَعَلَّمُ هَذَا السِّرَّ تَجِدُ مَرَاعِيَ خَضْرَاءَ وَمِيَاهَ رَاحَةٍ، تَمْنَحُ الرَّاحَةَ وَالانْتِعَاشَ.

فَإِنْ كَانَتْ مَشِيئَةُ اللهِ مَشِيئَتَنَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ دَائِمًا طَرِيقُهُ، فَلَنَا نَحْنُ أَيْضًا دَائِمًا طَرِيقُنَا، وَنَمْلِكُ فِي مَمْلَكَةٍ دَائِمَةٍ. وَمَنْ يَقِفْ فِي جَانِبِ اللهِ يَنْتَصِرْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. فَمَهْمَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ، نَقْدِرُ أَنْ نَنْضَمَّ إِلَى هُتَافِ الرَّسُولِ الظَّافِرِ: «وَلَكِنْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لِأَنَّهُ حَتَّى اليَوْمِ، عِنْدَ قِرَاءَةِ العَهْدِ القَدِيمِ، يَبْقَى ذَلِكَ البُرْقُعُ نَفْسُهُ، إِذْ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِالمَسِيحِ».

(كُورِنْثُوس الثَّانِيَة ٢: ١٤)

المحتويات

سرّ الحياة المسيحية السعيدة Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 11 دقيقة متبقية في الفصل