سرّ الحياة المسيحية السعيدة ·الحياة مُعرَّفةً

فصل 3 · قراءة 9 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

الحياة مُعرَّفةً

في الفصل السابق، حاولتُ أن أحسم مسألة كتابيّة الحياة المسيحية الأسمى. وأفضل وصفٍ لها عندي هو أنها «الحياة المستترة مع المسيح في الله». لذلك أعتبرها الآن مسألةً محسومة. إن الكتب تَعِد المؤمنين بيسوع بحياةِ راحةٍ كاملة. ستكون ظفرًا متواصلًا يفوق الاختبار المسيحيّ المعتاد. وهي تُقدّم مخلِّصًا قادرًا أن يخلّصنا من سلطان خطايانا، كما يخلّصنا من ذنبها.

والنقطة التالية التي ينبغي التأمّل فيها هي: ما هذه الحياة المستترة؟ وكيف تختلف عن سائر الاختبارات المسيحية؟ إنها تعني أن ندع الرب يدبّر أمورنا ويحمل أثقالنا، بدلًا من أن نحاول أن نفعل كل ذلك بأنفسنا. إن معظم المسيحيين كرجلٍ يكدح في الطريق تحت حملٍ ثقيل. أدركته عربة، فعرض السائق بلطفٍ أن يساعده. فقبل العرض بحماسٍ عظيم. ولكنه، حين جلس، ظلّ حمله يُثقِله. فقد أبقاه على كتفيه. فسأله السائق الطيّب القلب: «لماذا لا تضع حملك؟» فأجاب الرجل: «آه! أشعر أنه لَكثيرٌ عليّ أن أطلب منك أن تحملني، فلا يمكنني أن أفكّر في أن أدعك تحمل حملي أيضًا».

إن المسيحيين، الذين سلّموا أنفسهم إلى الرب يسوع، لا يزالون يحملون أثقالهم. وكثيرًا ما يتعبون ويثقلون في مسيرتهم. وأعني بـ«الأثقال» كل ما يُقلقنا، سواء أكان روحيًّا أم زمنيًّا.

أعني، أولًا وقبل كل شيء، أنفسنا. إن أثقل حملٍ علينا أن نحمله في الحياة هو الذات. وأصعب ما علينا أن ندبّره هو الذات. فحياتنا اليومية، ومشاعرنا، وعيوبنا ورغباتنا الخاصة، هي ما يُقلقنا أكثر من كل شيء.

وكثيرًا ما تقودنا إلى العبودية والظلمة.

فعند وضع أثقالك إذًا، أوّل ما يجب أن تتخلّص منه هو ذاتك. عليك أن تُسلِّم إلى الله ذاتك الداخلية. وهذا يشمل تجاربك، ومزاجك، ومشاعرك. ثم اتركها هناك. فهو صنعك، ولذلك يفهمك ويعرف كيف يدبّرك، وعليك أن تثق به ليفعل ذلك.

قل له: «ها أنا، يا رب، أُسلِّم نفسي إليك. لقد حاولتُ بكل وسيلةٍ خطرت لي أن أدبّر نفسي وأن أجعلها ما أعلم أنه ينبغي أن تكون، ولكنني فشلتُ دائمًا.

والآن أُسلِّمها إليك. تملّكني بالكلية. اعمل فيّ كل مسرّة مشيئتك. اصنعني وشكّلني إناءً كما يَحسُن في عينيك. أترك نفسي في يديك. وأنا أؤمن أنك ستجعلني، كما وعدتَ، إناءً لكرامتك، «مقدَّسًا، نافعًا للسيّد، مستعدًّا لكل عملٍ صالح». والآن، عليك أن تستريح، واثقًا به بالكلية. ثم، عليك أن تضع كل حملٍ آخر. صحّتك، وسمعتك، وعملك المسيحيّ، وبيوتك، وأولادك، وعملك، وخدمك. كل ما يخصّك، داخليًّا كان أم خارجيًّا.

إن المسيحيين يُودِعون دائمًا نفوسهم للرب إلى الأبد. وهم يعلمون، بلا شكّ، أنهم لا يستطيعون أن يحفظوا أنفسهم. ولكنهم يأخذون أمور هذه الحياة في حفظهم الخاصّ. ويحاولون أن يحملوها بشعورٍ غير مُعترَفٍ به: أنه لَكثيرٌ أن يُطلَب من الرب أن يحملها، فلا يستطيعون أن يفكّروا في أن يطلبوا منه أن يحمل أثقالهم أيضًا.

عرفتُ سيدةً مسيحية كان عليها حملٌ زمنيٌّ ثقيلٌ جدًّا. أطار عنها نومها وشهيّتها، وكان يُخشى أن تنهار صحّتها تحته. وذات يومٍ ثقل عليها بوجهٍ خاصّ. فلاحظت كُرّاسةً صغيرة اسمها «إيمان هانّا» على المائدة قربها. وإذ جذبها العنوان، تناولتها وبدأت تقرأ. ولم تكن تعلم أنها ستُحدِث انقلابًا في اختبارها كله. كانت القصة عن امرأةٍ فقيرة قاست حزنًا عظيمًا.

ذات مرة، أخبرت زائرةً طيّبة تاريخ حياتها. وفي النهاية، قالت الزائرة: «آه، يا هانّا، لا أرى كيف استطعتِ أن تحتملي كل هذا الحزن!» فكان الجواب السريع: «أنا لم أحتمله. الرب احتمله عنّي». قالت الزائرة: «نعم، هذه هي الطريقة الصحيحة. عليكِ أن تحملي متاعبك إلى الرب».

أجابت هانّا: «نعم، ولكن علينا أن نفعل أكثر؛ علينا أن نتركها هناك. إن معظم الناس»، تابعت، «يحملون أثقالهم إليه، ولكنهم يعيدونها. فيظلّون قلقين وتعساء كما كانوا. أمّا أنا فآخذ أثقالي، وأتركها معه، وأنصرف وأنساها. وإن عاد القلق، أحمله إليه من جديد. وأفعل هذا مرارًا وتكرارًا، حتى أنسى همومي وأكون في راحةٍ تامّة».

تأثّرت صديقتي كثيرًا بهذه الخطة، وعزمت أن تجرّبها. لم تكن تستطيع أن تغيّر حياتها. فحملتها إلى الرب. سلّمتها إليه. ثم آمنت أنه أخذها. وتركت كل همومها وقلقها معه. وكثيرًا ما عاد قلقها. فكانت تحمله إليه من جديد. وهكذا، رغم أن الأمور ظلّت على حالها، وجدت نفسها سلامًا تامًّا. وشعرت أنها وجدت سرًّا مباركًا. ومنذ ذلك الحين، حاولت ألّا تعود أبدًا لحمل أثقالها الخاصة أو تدبير أي شيءٍ لنفسها. وقد صنع السرّ عجائب في أمورها الخارجية. وكان أشدّ فاعليةً في أمورها الداخلية، التي كانت أعصى على التدبير.

لقد أعطت ذاتها كلها للرب. ووثقت به بكل ما لها. فكفّت عن القلق. وصارت حياتها سعيدة، لأنها صارت له. وهذه هي الحياة المسيحية الأسمى! لقد كان سرًّا بسيطًا جدًّا الذي اكتشفته.

هذا فقط: أن يطيع المرء وصية الله في هذه الكلمات: «لا تهتمّوا بشيء، بل في كل شيءٍ بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلَم طلباتكم لدى الله» (فيلبي 4: 6). فإن أطاع، كانت النتيجة، بحسب الوعد، أن «سلام الله الذي يفوق كل عقلٍ، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع». ولا يزال هناك ما يُقال عن هذه الحياة المستترة مع المسيح في الله. توجد تفاصيل كثيرة عمّا يفعله الرب يسوع لأولئك الذين يُسلِّمون أنفسهم إليه. ولكن جوهر الأمر هنا. فالنفس التي تعرف هذا السرّ تملك مفتاحًا.

إنه سيفتح خزانة كنوز الله. وإني لأرجو أنني جعلتك تشتاق إلى هذه الحياة المباركة.

أفلا تودّ أن تتخلّص من أثقالك؟ أفلا تشتاق أن تُسلِّم تدبير ذاتك العصيّة إلى يدَي مَن يستطيع أن يدبّرك؟ ألستَ متعبًا؟ أفلا تبدو لك الراحة التي أتكلّم عنها حُلوة؟ أتذكر الراحة الغامرة التي شعرت بها بعد يومٍ مُتعِب، قبل النوم؟ كم كان لذيذًا أن ترخي كل عضلة. أن تدع جسدك يستكين في هدوءٍ وراحةٍ تامّين. لقد توقّف عناء النهار لبضع ساعاتٍ على الأقلّ، وطرح العاملون عنهم عمل النهار. لم يعد عليك أن تسند رأسًا موجوعًا أو ظهرًا مُتعَبًا. لقد وثقتَ بالفراش بالكلية. فحملك بلا أيّ جهاد. واسترحتَ. ولكن افترض أنك شككتَ في متانة فراشك. وخشيتَ أن ينهار فيُسقطك على الأرض. أكنتَ تستطيع أن تستريح حينئذٍ؟ أفما كانت كل عضلةٍ تتوتّر لتُمسك نفسك؟ أفما كان التعب أعظم من ألّا تذهب إلى الفراش البتّة؟

فليعلّمك هذا التشبيه ما معنى أن تستريح في الرب. دع نفوسك تضطجع على مشيئته الحلوة، كما تضطجع أجسادكم في فرشكم ليلًا. أرخِ كل توتّر، وضَعْ كل حمل.

تخلَّ عن كل راحةٍ ورفاهية. ثِقْ أنك، حين يحملك هو، تكون في أمان. مهمّتك الوحيدة هي أن تستريح. أمّا نصيبه فهو أن يسندك، وهو لا يمكن أن يخيب. أو خُذ تشبيهًا آخر أقرّه ربنا: تشبيه حياة الطفل، إذ قال: «ودعا إليه ولدًا وأقامه في وسطهم وقال: الحق أقول لكم: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات» (متى 18: 2-3). فما هي إذًا صفات الطفل الصغير، وكيف يعيش؟ إنه يعيش بالإيمان، وصفته الأولى هي عدم الاكتراث. فحياته ثقةٌ واحدة طويلة من مطلع السنة إلى منتهاها. يثق بوالديه، ومَن يعتنون به، ومعلّميه. بل يثق ببعض غير المستحقّين، بسبب طبيعته الواثقة. وثقته تلقى استجابةً سخيّة. لا يُدبّر شيئًا لنفسه، ومع ذلك ينال كل شيء. لا يضع خططًا للغد. ومع ذلك تُدبَّر حياته. وتنفتح له سُبله كلما بلغها، ساعةً فساعة، ويومًا فيومًا. يدخل بيت أبيه ويخرج منه بيُسرٍ وحريّة.

ويتمتّع بكنوزه، وهو لم يُنفِق شيئًا لينالها.

قد يمشي الوباء في شوارع مدينته، ولكنه لا يبالي به. وقد يستعر حوله الجوع والنار والحرب. ولكنه، تحت رعاية أبيه، يستريح في سلامٍ تامّ. يعيش في الحاضر، قابلًا الحياة كما تأتي. زرتُ مرةً بيتًا غنيًّا فيه طفلٌ وحيدٌ مُتبنَّى. كان ينال كل ما تستطيع القلوب والإمكانات البشرية أن تُقدِّمه من محبةٍ ورعاية. وإذ راقبتُ ذلك الطفل يجري داخلًا وخارجًا، يومًا بعد يوم، رأيتُ صورةً لموقفنا العجيب كأولادٍ في بيت أبينا. كان الطفل حرًّا خفيف القلب، بلا مبالاة الطفولة السعيدة.

وفكّرتُ: «إن كان ثمة ما يُحزن أحبّاءها، فهو أن يروا هذا الطفل قلقًا على نفسه».

فكم بالأحرى يحزن قلب إلهنا المُحبّ من قلق أولاده؟ لقد فهمتُ سبب تشديد ربنا: «لا تهتمّوا لأنفسكم». فمن هو الأحسن رعايةً في كل بيت؟

أليسوا الأولاد الصغار؟ أفلا ينال الأصغرُ من الكلّ، الطفلُ العاجز، النصيبَ الأكبر؟ قال كاتبٌ متأخّر إن الطفل «لا يتعب ولا يغزل؛ ومع ذلك يُطعِمه أحدٌ، ويكسوه، ويحبّه، ويُسَرّ به». وما من أحدٍ يُسَرّ به أكثر ممّا يُسَرّ هو بنفسه.

إذًا فحياة الإيمان هذه، التي أكتب عنها، قوامها هذا: أن تكون طفلًا في بيت الآب.

وحين يقول أحدٌ هذا، فقد قال ما فيه الكفاية. فهو قادرٌ أن يحوّل كل حياةٍ مُتعَبةٍ مُثقَلةٍ إلى حياة غبطةٍ وراحة.

دع ثقة صغارك الخالية من الهمّ تعلّمك كيف تكون مع الله. فهي تُرضيك وتسبي قلوبكم. اتركوا أنفسكم في يديه. «لا تهتمّوا بشيء، بل في كل شيءٍ بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلَم طلباتكم لدى الله. وسلام الله الذي يفوق كل عقلٍ، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع».

(فيلبي 4: 6-7) لاحظ كلمة «شيء» في المقطع أعلاه. فهي تشمل كل ما يمكن أن يكون سببًا للقلق، داخليًّا كان أم خارجيًّا. وكثيرًا ما نشعر أننا مُلزَمون بأن نؤمن أن من واجبنا أن نقلق على أمورٍ معيّنة.

إذ نظنّ: «من الصواب أن نتخلّى عن كل قلق. ففي الأمور الروحية، القلق خطأ. ولكن لا بدّ أن نقلق على بعض الأمور. بل يكون خطيةً ألّا نقلق. فلا بدّ أن نقلق على أولادنا، وعلى مَن نحبّ، وعلى كنيستنا، وعلى الحقّ، وعلى عملنا. إنه لَدليلٌ على نقصٍ كبير في الشعور القويم ألّا نقلق على أمورٍ كهذه». أو قد نظنّ: «نعم، من الصواب أن نأتمن الرب على أحبّائنا وأمورنا. ولكن ينبغي أن نقلق على حياتنا الداخلية، وإيماننا، وتجاربنا، وخطايانا. فإن لم نفعل، أُهمِلت».

إننا نجد الجواب على مثل هذه الأفكار، وعلى كل ما يشبهها، في نصّنا: «لذلك أقول لكم: لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟

انظروا إلى طيور السماء: إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماويّ يقوتها. ألستم أنتم بالحريّ أفضل منها؟ ومَن منكم إذ يهتمّ يقدر أن يزيد على قامته ساعةً واحدة؟ ولماذا تهتمّون باللباس؟ تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو: لا تتعب ولا تغزل، ولكنني أقول لكم إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدةٍ منها. فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويُطرَح غدًا في التنّور، يُلبِسه الله هكذا، أفليس بالحريّ كثيرًا يُلبِسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟ فلا تهتمّوا قائلين: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟» (متى 6: 25-31). «فإن هذه كلها تطلبها الأمم، وأبوكم السماويّ يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها.

لكن اطلبوا أولًا ملكوت الله وبرّه، وهذه كلها تُزاد لكم.

فلا تهتمّوا للغد، لأن الغد يهتمّ بما لنفسه. يكفي اليومَ شرّه». في متى 6: 32-34، يُوضِّح ربنا هذا التحرّر من القلق، إذ يقول لنا أن ننظر إلى طيور السماء وزنابق الحقل، مثالًا لنوع الحياة التي يريدنا أن نحياها. فعلينا، بلا قلقٍ ولا خوف، أن نكون كالطيور والزنابق. الطيور تبتهج برعاية الله وتنال طعامها. والزنابق تنمو في نور شمسه. فلتُكلِّمنا العصافير: «أنا عصفورٌ صغير، طيرٌ وضيع المقام. حياتي زهيدة القيمة، ولكن الربّ الحبيب يعتني بي. ليس لي مخزنٌ ولا مستودع. لا أزرع ولا أحصد. يعطيني نصيب العصفور، ولكن ما من بذرةٍ أدّخرها. أعلم أن ثمّة عصافير كثيرة. يجدها الناس في كل أنحاء العالم. ولكن أبانا السماويّ يعلم حين يسقط واحدٌ منّا إلى الأرض. ومع صِغرنا، لا نُنسى أبدًا. ومع ضعفنا، لا نخاف أبدًا. لأننا نعلم أن الربّ الحبيب يحفظ حياة المخلوقات التي صنعها. أُحلّق فوق أكثف الأشجار وأحطّ على أغصانٍ كثيرة. ليس لي خريطةٌ ولا بوصلة، ولكنني لا أضلّ طريقي أبدًا».

«أطوي جناحي عند الغسق، حيثما كنت. الآب يراقب دائمًا. لن يصيبني أذى. ما أنا إلا عصفورٌ صغير، طيرٌ وضيع المقام. ولكنني أعلم أن الآب يحبّني. أفإيمانكم أقلّ من إيماننا؟»

المحتويات

سرّ الحياة المسيحية السعيدة Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 9 دقيقة متبقية في الفصل